LOGINافتُتحت قاعة التجمع العائلي الفخمة وسط أضواء خافتة وثرثرة جانبية بين أفراد ووجهاء عائلة آل مهران. وفجأة، ساد سكون مباغت وذهول عارم أرجاء المكان عند دخول شخص لم يكن متوقعًا حضوره إطلاقاً منذ ذلك اليوم الذي طُرد فيه ب خزي وسُحبت منه الصلاحيات؛ إنه جلال الذي دخل بكل هدوء وثقة مصتنعة، يوزع نظراته الماكرة بين الحاضرين مستغلًا طابع المناسبة العائلية المفتوحة. لم يمضِ وقت طويل حتى وصل مراد برفقة لارا وسارة. ولم تفاجأ ملامح مراد الصارمة بمجيء عمه جلال؛ فقد كان يتوقع هذه الخطوة بفضل المراقبة الدقيقة التي يفرضها مساعده الخاص على تحركاته الأخير. توجه مراد بثبات نحو الأريكة المخصصة لهما في صدر القاعة، وجلس برصانة. وعندما جلست لارا بالقرب منه بحكم تصميم الأريكة المتصل، أزاح مراد جسده ب بطء وهدوء ليفصل بينهما ب مسافة صغيرة ولكن جليّة. لم يلاحظ أحد هذا الابتعاد الخفي سوى لارا؛ والتي أخذت الأفكار تترابط وتتداخل في رأسها ب ارتباك. تذكرت لحظة دخولهما القاعة حين تحاشى الإمساك بذراعها، واليوم المجهد حين سحب يده بلمحة خاطفة عندما سلمته هاتفه... أدركت لارا في تلك اللحظة يقيناً أنه يتعمد عدم لمسها
مرت الأيام التالية داخل القصر ب هدوء مشحون، حيث انشغل كل طرف بترتيب أوراقه لمواجهة ما هو قادم. كانت سارة قد عادت إلى مدرستها ب شجاعة جديدة؛ وقبل أن تخطو نحو صديقاتها، كانت هواجس الخوف تتملكها، لكن توقعات لارا كانت في محلها . استقبلتها صديقاتها ب دفء وتفهم بالغين، مقدرات حرصها على بساطة العلاقة ونقاء صداقتهن بعيدًا عن ألقاب عائلتها ونفوذ والدها، مما جعل سارة تعود إلى المنزل كل يوم ب ملامح مشرقة وامتنان يتضاعف في قلبها نحو لارا. أما مراد، فقد استغل الأيام التي سبقت موعد التجمع في متابعة الاتصالات الدولية الواردة من لندن ب دقة متناهية عبر مساعده الخاص الذي كان يتولى متابعة الملفات الميدانية والتحركات الجارية عن كثب، وينسق الخيوط لقلب الطاولة على سامر وجلال في اللحظة الحاسمة. ورغم تشابك القضايا في عقله، إلا أن نظرة القلق التي ارتسمت على وجه لارا ليلة أبلغها ب موعد التجمع العائلي ظلت تتكرر في ذهنه، تغذي شكوكه وتدفعه لمراقبة تفاعلاتها ب حذر شديد. على الجانب الآخر، كانت لارا تعيش حالة من التوتر الداخلي المتصاعد والخشية الحقيقية مع اقتراب يوم الخميس. لم يكن القلق نابعًا من مجرد كره
جلس مراد خلف مكتبه الفخم، يطالع الأوراق الملقاة أمامه دون أن يقرأ سطرًا واحدًا كانت صور المشاجرة أمام باب المدرسة لا تفارق مخيلته، ولكن ب زاوية تحليلية مختلفة هذه المرة. أخذ يفكر ب غرابة تصرف لارا واستبسالها غير المفهوم في استفزاز المرأة؛ كيف كانت تحثها ب صلابة وتحدٍّ على الاتصال بالشرطة وتقديم بلاغ رسمي ضدها! بل كانت تطالبها ب صريح العبارة بأن تتخذ القانون مجراه ولا تتراجع. كانت تتصرف وكأنها ترغب عمدًا في إحداث فضيحة علنية تطال اسمها وتصدم المجتمع... هل كانت تتعمد فعل ذلك حقاً؟ ارتسمت على شفتي مراد ابتسامة حادة وباردة، وأمال رأسه إلى الخلف وهو يهمس ل نفسه ب تهكم وذكاء: "إذًا... الأمر هكذا؟ تظنين أنكِ ذكية ب افتعال فضيحة لتجبرينني فسخ العقد ب حجج واهية؟ يبدو أنكِ غافلة تمامًا يا لارا لتكوني بهذا الوضوح !" في هذه الأثناء، غادرت سارة غرفة لارا متوجهة إلى جناحها وهي مستبشرة خيرًا وقد أزاحت كلماتها الدافئة جبالًا من الهموم عن كاهلها الصغير. أما لارا، فبقيت جالبة لنفسها صمتًا ثقيلًا داخل الغرفة، تسترجع كل ما حدث ب دهشة وقلق؛ فبدلاً من أن تؤدي خطتها القاسية إلى صنع جدار من الكره
وصلت السيارة الفاخرة إلى مدخل القصر الرئيسي، ونزل الجميع وسط سكون مهيب يلف المكان. كان مراد يسير بخطوات ثقيلة وحازمة، وعلامات عدم الرضا ما زالت ترتسم على ملامحه الشديدة. أشار إلى لارا بنظرة صارمة كي تتبعه إلى غرفة المكتب قبل صعودها إلى الجناح دخلت لارا خلفه ب هدء، وأغلقت الباب. التفت مراد نحوها، ونظر في عينيها بنبرة حادة وتحذير قاطع لا يحتمل التهون: "لارا... ما حدث اليوم في المدرسة لن أسمح بتكراره أبدًا أسلوبكِ المشاحن وافتعال الصدامات العنيفة أمام الملأ لا يناسب اسم عائلاتنا و ابيك لن يرضى بهذا . وأنا لا أقبل أن تدار الأمور بهذه الطريقة، وأحذركِ جادًا... هذا التصرف لا يتكرر إطلاقًا" نظرت إليه لارا ب عندما ذكر اباها فإن اباها بالتأكيد لن يرضى ، ورغم غضبها الخفي من تحكمه المعتاد، إلا أنها اكتفت ب صمت بارد وأومأت برأسها دون إعطائه مشاعر افتعال جدال جديد. تركته لارا واستدارت خارجة من المكتب متوجهة نحو البهو العلوي أثناء صعودها درجات السلم، تفاجأت ب سارة تقف عند الزاوية تنتظرها ب توتر واضح، وكانت تحرك قدميها ب خجل وتردد. ما إن رأت لارا تقترب حتى خطت نحوها وقالت بصوت خافت يحمل
استمرت السيارة الفاخرة بالتقدم في أزقة المدينة الهادئة، والجو داخل المقاطعة المغلقة يزداد ثقلًا ورصانة مع كل متر يقطعونه. كانت سارة تجلس في المقعد الخلفي، تحاول كسر هذا الصمت الرهيب الذي يفرضه وجود والدها خلف المقود، فالتفتت نحو لارا بابتسامة خفيفة تلمع في عينيها قائلة: "يا أبي... لو رأيت كيف لارا سحبت شعرها! لقد كان ذلك مضحكاً للغاية، تحركت قبضتها بسرعة خاطفة... لقد استحقت تلك المرأة ما حدث لها بالكامل!" لم تكتمل ضحكتها الطفولية حتى جاءها صوت مراد الرخيم ملطخاً ب غضب مكتوم، ليقطع فرحتها ب صرامة قاطعة: "منذ متى وأنتِ تشجعين مثل هذه التصرفات والأساليب يا سارة؟" سكتت سارة على الفور، وانكمشت في مقعدها ب خجل وارتباك، بينما التفتت لارا ونظرت إلى ملامح مراد الحادة عبر المرآة العاكسة، وقالت ب تهكم وسخرية لاذعة: "يبدو أن قبضتي لم تتحرك وفق الأصول والبروتوكولات الرفيعة لعائلة آل مهران...ولن اعتذر عن اسلوبي لقك لقنها درسًا جيدًا!" ضغط مراد على عجلة القيادة بقوة حتى ابيضت مفاصِله، وقال بصوت خفيض يحمل تهديدًا صريحًا : "يكفي يا لارا! ألا يجدر بكما التحدث معي وإبلاغي قبل إحداث مشاكل لا
عندما رأت المرأة مراد يترجل بقامته الشاهقة وسارة تركض نحوه وهي تنادي بحشرجة: "أبي!"، صعقت تمامًا وتسمرت حواسها في مكانها. سقط الهاتف النقاد من كفها المرتجفة ليرتطم بالأرض، وكانت الصدمة حادة وواضحة على ملامحها الشاحبة؛ إذ أدركت في لحظة خاطفة حجم الكارثة التي أوقعت نفسها وابنتها فيها. خطى مراد بخطوات ثقيلة واثقة نحو التجمع، ونظر إلى لارا بعينين تشعان غضبًا مكتومًا وشرارًا حادًا، ثم نطق بلهجة تحذير قاطعة لا تحتمل النقاش: "دعيها يا لارا" رغم الجرأة التي أبدتها لارا طوال المشاجرة، إلا أن خوفًا فطريًا تسلل إلى صدرها حين شهدت ذاك الغضب العاصف في عيني مراد؛ فملامحه الحازمة وهيبته الطاغية كانتا كفيلتين بإشعار أي شخص بالرهبة. ومع ذلك، وبسبب كبريائها وعنادها الجامح، لم تستطع ترك شعر المرأة فورًا لمجرد أمره، وظلت متمسكة بموقفها للتظاهر بالثبات. ولم تفلت قبضتها إلا عندما ركضت سارة نحوها بخوف ولهفة، وأمسكت بساعدها وسحبت يدها ببطء وهي تتوسل إليها بعينيها أن تنهي هذا الموقف. التفت مراد بنظراته الثقيلة نحو المرأة التي كانت ترتجف بذعر، وتفحص وجهها بنبرة سردية صارمة ثم قال: "ألستِ زوجة ماهر ال
لم يكن مراد رجلًا ينسى الفضل، ورغم حزمه وقسوته في إدارة شركته "غلوبال تيك"، إلا أن النجاح الباهر الذي حققته المنصة الموحدة أمام الوفد الأجنبي ترك في نفسه أثرًا عميقًا. والأهم من ذلك، أن اسم "حازم" أعاد إليه شريطاً طويلاً من الذكريات؛ فحازم لم يكن مجرد مهندس كفؤ أنهى خدمته في الشركة بكرامته، بل كان
لم تضيع لارا دقيقة واحدة. فتحت كمبيوترها المحمول بسرعة، وربطته عبر بروتوكول آمن بقاعدة بيانات شركة "غلوبال تيك" بعد أن منحها طارق صلاحية الدخول المؤقتة كمشرف نظام. ساد الصمت أركان الدكان الأنيق، ولم يكن يُسمع سوى نقرات أصابع لارا السريعة والمنظمة على لوحة المفاتيح. كان طارق وريم يراقبان الشاشة خلف
داخل الطابق الحادي عشر من برج شركة "غلوبال تيك للحلول الرقمية"، كانت الأجواء مشحونة بالتوتر الحاد الذي يمكن شمه في الهواء. القاعة الزجاجية المخصصة للاجتماعات تحولت إلى ما يشبه غرفة عمليات حربية؛ الأوراق مبعثرة في كل مكان، شاشات العرض الضخمة تومض بأكواد برمجية باللون الأحمر تشير إلى وجود أخطاء برمجي
انطلقت سيارة مراد تنهب الطريق نهبًا متجهة صوب مقر إمبراطوريته الرقمية "غلوبال تيك للحلول الرقمية". مراد ليس مجرد مدير تنفيذي، بل هو مؤسس هذا الكيان، وصاحب المال، ورئيس مجلسًا بأكمله الذي يملك الكلمة الأولى والأخيرة في مصير مئات الموظفين. لم تكن سارة مجرد طفلة تحتج على غياب والدها، بل كانت المرآة ا







