All Chapters of أسوار العشق : Chapter 31 - Chapter 40

61 Chapters

31

كانت سمر تقف عند عتبة باب غرفتها، والشماتة تفيض من عينيها الجاحظتين، وعلى شفتيها ابتسامة خبيثة لم تحاول حتى مداراتها، بل كانت تتجرع صرخات حور كأنها لحن انتصارها المنتظر. وفي تلك اللحظة الرهيبة، اندفعت خطى الأب عادل إلى داخل الشقة، ليتسمر في مكانه مذهولاً، وقد صعقه مرأى ابنته وحيدته وهي تتلوى على الأرض، وتصرخ مستغيثة بأي أحد يخلصها من يد أخيها القاسية. لم يتردد عادل؛ ركض نحوها كالمجند، وألقى بجسده النحيل فوقها، محاولاً تخليص خصلات شعرها من قبضة مصطفى الغليظة، ووقف حائلاً منيعاً بينهما بصدر مكشوف. ورغم ذلك، كان مصطفى يزمجر كالممسوس، ويحاول تنحية والده جانباً بفظاظة حتى يكمل وصلة بطشه ويشوه جسدها. صاح عادل بصوت يرتجف قهرًا وغضبًا - جرى إيه يا مصطفى؟ اتهبلت في عقلك يا ابني؟ بتمد إيدك على أختك في بيتي وبالقسوة دي كلها ليه؟ عملتلك إيه؟ رد مصطفى بصوته الجهوري الذي زلزل أركان البيت، والغل ينفث من فمه - الحلوة مقضياها غراميات مع حسن عريس الغفلة! الهانم كانت ماشية معاه ومقضياها من وراء ظهورنا، ومظبطين كل حاجة سوا من زمان، والنهاردة طول اليوم دايرة على حل شعرها معاه في الشوارع والمولات وجاي
Read more

32

عند يوسف، كان الليل يزحف ببطء شديد، حاملاً معه موجات من الوجع لم يعد جسده النحيل قادراً على الصمود أمامها؛ فمع مرور الساعات، راحت تلك التقلصات تزداد حدة وشراسة، تنهش أحشاءه بلا رحمة، حتى سُلبت منه القدرة على التحمل كلياً. لم يعد الفراش يتسع لآهاته، فقرر الخروج علّه يجد مغيثاً؛ خطا عتبة غرفته منحني الظهر، واضعاً يديه فوق بطنه بكبرياء مكسور، عاجزاً حتى عن فرد قامته أو الوقوف على قدميه اللتين لم تعودا تحملاه. وما إن وقعت عينا والدته صفاء على هيئته تلك في ردهة المنزل، حتى انطلقت من حنجرتها صرخة فزع مدوية هزت أركان البيت؛ تسمرت مكانها لثوانٍ والعبارات تائهة على شفتيها، قبل أن ينتفض قلبها الأموي وتقرر بحسم لا رجعة فيه إستدعاء طبيب العائلة فوراً. لن تستمع لإعترضاته أو وعوده الواهية هذه المرة؛ فوجهه الشاحب كالموت، والتعرق البارد الذي يكسو جبينه، وتأوهاته المكتومة التي يفشل في مداراتها، كلها علامات دبت الرعب والذعر في أوصالها، وجعلتها توقن أن ابنها يضيع من بين يديها. بعد لحظات ثقيلة مرت كالسنين، حضر الطبيب على عجل، ودلف إلى غرفة يوسف الذي كان يتلوى ألمًا. شرع الطبيب في فحصه بدقة، وملامحه تزد
Read more

33

أشرق يوم جديد، وحلّ صباح نديّ ولد من رحم عتمة الليل الدامس؛ فدائماً ما تحمل نهاية العتمة في طياتها مولداً مبهجاً للصبح بنوره الصافي، لتطل الشمس خجولة في البداية، قبل أن تنشر أشعتها الذهبية الدافئة في الآفاق، معلنة حضورها القوي ومبددة بقايا الظلام. في هذا الصباح، استيقظت فرح بنشاط وحيوية تدفقا في أوصالها أكثر من أي وقت مضى؛ فاليوم ليس كباقي الأيام، بل ينتظرها وفريقها جولة هامة وإنسانية في إحدى القرى الفقيرة النائية، لتوزيع ما يحملونه من خيرات الله ومساعدات للمحتاجين هناك. لم تكن فرح تعلم سبباً دقيقاً لتلك السعادة الغامرة التي تملأ جنبات قلبها؛ نعم، هي تعتاد أن هذا العمل الخيري يبهج روحها ويسعد قلبها كثيراً، ولكن سعادتها اليوم كانت مضاعفة ومتوهجة بشكل غريب، وكأن القدر يخبئ لها وراء هذا الصباح سراً جميلاً. توجهت فرح نحو الحمام، فتوضأت بالماء البارد الذي جدد طاقتها، ثم صلت فرضها بخشوع، وسألت الله التوفيق والقبول في يومها. عقب الصلاة، وقفت أمام خزانتها لتبديل ملابسها، لكن حيرة طفيفة داهمتها وجعلتها تتوقف؛ فقد كان بالها مشغولاً بأخيها أمجد، ولا تعلم إن كان سيرافقها في رحلتها اليوم أم سيتخ
Read more

34

استيقظ يوسف في وقت متأخر من الظهيرة، وقد غابت عنه شمس الصباح الباكر، فلم يتمكن من اللحاق بموعد عمله اليوم. تحرك فوق الفراش ببطء وصعوبة بالغة؛ ونعم، كان حاله أفضل بكثير من الجحيم الذي عاشه البارحة بفضل مفعول تلك المسكنات القوية، إلا أنه كان يشعر بآلام خاملة وثقيلة تدب في أنحاء جسده، تأثراً بتلك الفترة الطويلة المتواصلة التي قضاها ممدداً في الفراش دون حركة. انفتح الباب بلطف، ودلفت والدته صفاء بوجه يحمل آثار سهر ليلتها الطويلة. ألقت عليه تحية الصباح بنبرة حانية، ثم اقتربت وجلست إلى جواره فوق الفراش، وضمت رأسه إلى صدرها في حضن أموي دافئ، قبل أن تطبع قبلة رقيقة أعلى جبينه وهي تهمس براحة - الحمد لله على سلامتك يا نور عيني.. ربنا ما يوريني فيك سوء أبداً. ابتسم يوسف برقة، وقبّل يدها شاكراً إياها على ذلك المجهود الكبير والسهر الذي تسبب هو فيه لها طوال الليل، لترد عليه بنظرات دافئة تنفي أي تعب في سبيل راحته. وفجأة، أخرجت صفاء هاتفه المحمول من جيب ثوبها، ومدت يدها لتعطيه إياه وهي تقول بمرح ومشاكسة لتلطيف الأجواء - استلم بقى يا سيدي الأمانة بتاعتك.. سلمى مَ بطلتش رن من الصبح، وكل شوية تتصل وت
Read more

35

35 تناول كلاهما وجبة الغداء الفاخرة في طقس مليء بالبهجة، وأثناء تناولهما للمشروب الدافئ عقب الطعام، انقطع حبل انسجامهما فجأة؛ حيث دنت من الطاولة امرأة تبدو في أواخر العشرينات من عمرها، ترتدي ثياباً أنيقة وتصطحب طفلة صغيرة بيدها. ألقت المرأة تحية مبالغاً فيها على حسن، مع ملامح ونظرات خاصة تجاهه، متجاهلة تماماً وجود حور الجالسة أمامه وكأنها هواء لا يُرى. تطلعت إليها حور بغيظ أنثوي مكتوم تملكها فوراً بسبب تلك النظرات المريبة التي تخص بها حسن، وقررت متابعة الموقف في صمت حذر لترى رد فعله. جاء رد فعل حسن حاسماً ومثلجاً لصدرها؛ إذ رد على تحيتها ببرود تام مبالغ فيه وجفاء لا يخطئه عقل. مدت السيدة يدها بتودد لتصافحه، فصافحها بجفاء شديد ودون أن يقف، والتفت فوراً مشيراً بيده نحو حور وقال بنبرة قاطعة تحمل فخراً واعتزازاً - أهلاً يا نورا.. أعرفك، حور مراتى فور نطق حسن لتلك الكلمة اسمة زوجتي، شحب وجه نورا وتراجعت خطوة إلى الوراء بصدمة عارمة ألجمت لسانها، وتجمعت الدموع سريعاً في عينيها اللتين طالعتا حسن للحظات بنظرات عتاب مكسورة، ثم استدارت وانصرفت على عجل دون أن تنطق بحرف واحد أو تودعهما. الت
Read more

36

36 مع انقضاء الليل العقيم، استيقظ يوسف بغتة على وقع ذات النيران التي عادت تنهش أحشاءه بشراسة مضاعفة وقوة نكراء؛ كانت التقلصات تلتف حول أمعائه كأفعى تعتصر بقايا صموده. تنفس بصعوبة، ونظر إلى علبة المسكنات الموضوعة بجواره، لكنه أزاحها بيده في حسم؛ فقد اتخذ قراره، لن يخدر الألم بعد الآن، ويجب عليه الليلة وضع حد لهذه القصة المؤلمة وزيارة الطبيب لينتهي من كابوس هذه العلة قبل زفافه الذي اقترب موعده وبات على الأبواب. تحامل يوسف على جسده العليل بكل ما أوتي من كبرياء شبابي، وهبط من فوق فراشه بخطوات مرتعشة. بدأ يبدل ثيابه وهو منحني الظهر تماماً، عاجزاً عن فرد قامته الفارهة من شدة الألم المعجز الذي يعانيه؛ كانت كل حركة بمثابة طعنة نافذة، حتى إنه لم يتمكن من ارتداء ملابسه إلا بصعوبة بالغة الأثر، شحب معها وجهه ليصبح كبياض الورق، وتصبب جبينه عرقاً بارداً رغماً عن برودة الجو. خطا عتبة غرفته بخطى واهنة، وما إن وقعت عينا والدته صفاء عليه حتى أطلقت صرخة مكتومة حابسة للأنفاس، وجف الدم في عروقها لرؤية حالته المتبدلة. وقبل أن تنطق بكلمة لوم أو هلع، قاطعها يوسف بصوت واهن ومتحشرج وهو يستند إلى الجدار - ي
Read more

37

37 في الممر البارد للمستشفى، كان الوقت يمر كأنه دهر ثقيل، ويوسف ما يزال قابعاً خلف الأبواب المغلقة لغرفة العمليات، يصارع علّته بين يدي الله. وقفت والدته صفاء وشقيقه مروان على أعصابهما، والوجوم يلف المكان، قبل أن تنشق ردهة الطوارئ عن وصول سلمى ووالدتها "كريمة" اللتين انضمتا إليهما منذ لحظات. كانت سلمى منهارة، تذرف الدموع بغزارة وقلبها ينتفض خوفاً على حبيبها. تطلعت إليها والدتها بنظرات حانقة، ولَوت شفتيها بتهكم واستياء شديد، ثم جذبتها من ذراعها وقالت بصوت خفيض حمل كل معاني القسوة والجفاء - جرى إيه يا بت؟ متشحتفة ومقطعة نفسك على إيه؟ بكرة يقوم زي الحصان...... متبينيش زعلك قدام أهل جوزك بالشكل ده، بكرة يطمع فيكي ويحس إنك ميتة عليه مسحت سلمى دموعها بأطراف أصابعها المرتجفة، ونظرت إلى والدتها بعتاب وقهر وهي تهمس بصوت مخنوق - يا ماما حرام عليكي، ده يوسف كل حياتي.. وفرحنا خلاص فاضل عليه أيام، إزاي مش عاوزاني أخاف عليه؟ شاحت والدتها بوجهها إلى الأمام ضاربة بكلماتها عرض الحائط، وأطبقت الصمت وهي تشعر بالاستياء الشديد من هذه الزيجة برمتها؛ ففي قرارة نفسها المنافقة، كانت تتمنى لابنتها زوجاً
Read more

38

38 أشرق صباح جديد، زفت تباشيره الطيور وهي تغرد شجية فوق أغصان الأشجار الخضراء، بينما تقدمت زهور البساتين لتحتضن أشعة الشمس الدافئة، فاتحةً أوراقها الندية ومستقبلةً النور ببهجة عارمة، لترتسم في الأفق لوحة جمالية بديعة صاغتها يد الخالق سبحانه في أبهى صورها. ولم تكن تلك اللوحة الطبيعية تكتمل إلا بوجود تلك الفاتنة النائمة في خدرها؛ حيث كانت حور ترقد على فراشها، وشفتاها الكرزيتان تفتران عن ابتسامة حالمة رقيقة، وهي تحتضن وسادتها برقة طفولية، بينما تناثر شعرها الأشقر الغزير حول رأسها وعلى كتفيها بحرية تامة، فبدا كخيوط من الذهب الخالص المنتثر في ضياء الصباح. على وقع رنين هاتفها المألوف، تململت حور في منامها، ومدت أناملها لتجيب على الخط وهي ما زالت غارقة في بحور النعاس، ليخرج صوتها ناعماً، واهناً، ومتحشرجاً، مما أضفى عليه قدراً مضاعفاً من الجمال والرقة والأنوثة العفوية. ومن الجانب الآخر للأثير، أتاها صوت حسن الرخيم الدافئ؛ واستمعت إليه وهو يقهقه بخفة ودلال، مداعباً إياها وملقباً إياها بـ "الكسولة". لكن حور، من فرط عذوبة اللحظة، كانت ما تزال تظن أنها غارقة في تفاصيل حلم وردي، فالوقت ما زال
Read more

39

39 انتهت حور من الاستعداد، ووقفت أمام مرآتها تتأمل مظهرها برضا؛ كانت ترتدي بلوزة ناعمة باللون الأزرق النيلي النقي الذي أبرز بياض بشرتها، ونسقتها مع بنطال أسود أنيق يحدد قامتها الممشوقة، وتخلت اليوم أيضاً عن كل قيد لتترك لشعرها الذهبي الحرية الكاملة لينساب خلفها كشلال من نور يتطاير مع أقل حركة. وللمرة الأولى، امتدت أناملها برقة نحو أحمر الشفاه لتضع لمسة وردية خفيفة على شفتيها الكرزيتين، ثم أمسكت بقلم الكحل الأسود ومررته بسحر داخل عينيها الخضراوين؛ وبأقل اللمسات وعفوية تامة، بدت كحورية فاتنة الجمال، آية في الرقة والدلال. قطع تأملها صوت هاتفها الذي أضاء باسم حسن معلناً وصوله، فسرى تيار من الحماس في عروقها. وضعت الهاتف في حقيبتها الصغيرة، وركضت نحو باب الشقة، لتهبط درجات السلم بسعادة ومرح طفولي، وكأن قدميها لا تلمسان الأرض من فرط البهجة. خرجت إلى الشارع، فلاح لها حسن واقفاً بكل هيبته وأناقته أمام سيارته؛ كان يرتدي نظارته الشمسية السوداء، ومربعاً يديه إلى صدره، بينما عيناه مسلطتان بترقب وشوق نحو شرفتها علّه يلمح طيفها. نادت عليه بصوتها العذب الخفيض: "حسن!"، فالتفت إليها بلهفة جارفة، وار
Read more

40

40 انتهى حسن وحور من تناول طعام الإفطار الشهي على ضفاف النيل، فنهض حسن من مقعده بابتسامة مشرقة وهيبة واثقة، معلناً بنبرة متحمسة عن بدء جولتهم الرسمية للإجهاز على ما تبقى من مستلزمات جهازها، ليرتبطا بعهد جديد من التسوق المشترك. توجه بها بسيارته إلى مركز تجاري ضخم شهير برقيّه، يضم بين جدرانه الزجاجية الفاخرة أشهر المحلات العالمية وأكثر المعروضات أناقة. وما إن دلفت حور برفقة حسن إلى الطابق المخصص للأزياء النسائية، حتى سرى في جسدها تيار حارق من الخجل الشديد؛ فقد تملكتها رهبة أنثوية عارمة وهي تدرك يقيناً ما ينوون شراءه في هذه الجولة بالذات، من ملابس داخلية رقيقة ومنامات خاصة بليلتهم المنتظرة، وشعرت بحرج بالغ من فكرة انتقاء هذه التفاصيل الدقيقة برفقة رجل. التقط حسن بذكائه وحسه العاطفي ذلك التردد الذي كبل خطواتها، ولاحظ احمرار وجنتيها وخوفها الفطري، فاقترب منها خطوة ليقلص المسافات بينهما، وتحدث معها بنبرة صوت خفيضة دافئة تقطر حناناً محاولاً طمأنتها - جرى إيه يا حوري؟ مالك اتسمرتى مكانك ليه؟ أنا بقيت جوزك على سنة الله ورسوله، ومبقاش فيه أي داعي للخجل ده بيننا.. أنا بطمع في مكانة أكبر بك
Read more
PREV
1234567
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status