أسوار العشق

أسوار العشق

last updateLast Updated : 2026-06-17
By:  Faten AlyUpdated just now
Language: Arab
goodnovel4goodnovel
Not enough ratings
7Chapters
13views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

في زوايا شاحبة من عمر الزمن، حيث تتشابك خيوط الأقدار بغير رحمة، تقام حرب صامتة ما بين الطُهر المدفون تحت ركام القسوة، والشهوة اللاهثة خلف بريق زائف. ​هي... هالة من نور القمر، نُسجت من خيوط الطيبة والبراءة، لكنها باتت حبيسة في قفصٍ تحرسه أفعى تتلوى بـالخداع، تعبد المادة وتقتات على بيع الضمائر، لتبقي ذلك النور مأسورًا في خدمة ظلامها. ​وهو... جدار صلب شيدته الغربة، عاد بملامح أنهكها صقيع الماضي، يبحث في ركام الأيام عن "نبضة أمان" تائهة، وعن روح تدب الحياة في شقة رُسمت كلوحة باردة تنقصها الأنفاس. ​عندما تتقاطع السبل، ويقترب النور من ملامسة الجدار ليعيد دفئه، تنفث الأفاعي سمومها دفاعًا عن عروشها الواهية، وتتحرك الشباك الملوثة في العتمة لتخنق الأمل البكر. ​بين دعوات طاهرة تهز أبواب السماء، ومكائد رخيصة تحاك في سراديب الغدر... هل تتسع الأرض لـلعوض الجميل؟ أم أن براثن الظلام ستبتلع آخر حوريات الأرض؟

View More

Chapter 1

البارت الأول

للمرة الأولى يحتار القلم من أين يبدأ سرد هذه القصة، لينتهي به المطاف بالعودة إلى البداية؛ لنحيا معًا معاناة تلك الحورية منذ نعومة أظافرها. سأروي لكم سنواتها الأولى سريعًا، لتعيشوا معي حكايتها.. مع تمنياتي لكم بقراءة ممتعة.

في حي السيدة زينب العتيق، حيث تفوح رائحة التاريخ من الأزقة والشوارع الشعبية، وتقف البيوت القديمة شاهدة على حكايات البشر، كانت بطلتنا تقطن خلف جدران أحد تلك المساكن المتهالكة. تداري حزنًا ثقيلًا في قلبها، بينما يفيض لسانها بعسل الكلمات، ويحتفظ وجهها بإشراقة لا تغيب.

تسلل شعاع الشمس الذهبي من بين شقوق ستارة غرفتها المهترئة، ليداعب الأهداب الكثيفة المحيطة بعينيها. رفرفت جفناها فور شعورها بالدفء، لتفتح عن عينين خضراوين صافيتين، التمعتا مع الضوء كحبتي لؤلؤ نادرتين. نهضت من فراشها بنشاط، وتلمست خصلات شعرها الذهبي الناعم التي تناثرت على الوسادة كخيوط من حرير، قبل أن تلملمها لتنسدل بحرية خلف ظهرها الممشوق.

لم يكن هذا الصباح عاديًا؛ فاليوم تُعلن نتيجة الشهادة الإعدادية، الخطوة الأولى والمصيرية نحو حلمها الكبير.

حور.. فتاة في الرابعة عشرة من عمرها، لكن من يتطلع إليها يظن أنه يقف أمام لوحة بديعة صاغها الخالق بعناية؛ بشرة عاجية ناصعة، أنف منحوت، شفتان مكتنزتان مرسومتان بدقة، وغمازتان محفورتان في وجنتيها تضفيان سحرًا طفوليًا على ملامحها التي بدأت تنبض بأنوثة طاغية.

خرجت حور من غرفتها، فاستقبلتها رائحة الفول والخبز الطازج. كان والدها عادل يقف في المطبخ البسيط يعد طعام الإفطار. تطلعت إليه بحب، هذا الرجل الذي شارف على نهاية عقده الخامس، بعينيه العسليتين النقيتين وبشرته البيضاء التي غطاها النمش، وشعره البني الذي غزاه الشيب. بالرغم من ضيق الحال وقسوة الظروف، إلا أنه كان يجاهد ليؤمن لها حياة كريمة.

اقتربت منه بنشاط وقبلت وجنته

- صباح الخير يا بابا.

   التفت إليها وعلامات المفاجأة ترتسم على وجهه، وسألها بصوته الجهوري الدافئ

- صباح النور يا قلب بابا. إيه اللي مصحيكي بدري كده؟ ده أنتِ لسه داخلة تنامي مفيش ساعتين

   تنهدت بحيرة وهي تتوجه نحو الحمام

- معرفتش أنام من القلق يا بابا.. النتيجة النهاردة، وبصراحة بلقانة أوى

   مسح عادل على شعرها داعيًا لها من قلبه

- ربنا يوفقك ويجبر بخاطرك يا بنتي.. أنا عارف شقاكي وتعبك، وإن شاء الله ترفعي راسي وتدخلي الثانوية العامة ومنها للهندسة زي ما بتتمني.

قاطع حديثهما خروج مصطفى من غرفته متكاسلًا، وهو يجاهد لفتح عينيه الرماديتين. شاب في الخامسة والعشرين من عمره، طويل القامة ذو شعر بني كثيف، يشبه والده في الملامح تمامًا لكنه نقيضه في الطباع. مصطفى الذي يعمل في ورشة خراطة بحي السيدة عائشة، كان نموذجًا للابن العاق والفاشل، بعد أن غرزت والدته الراحلة في نفسه منذ الصغر كره حور وأمها.

توجه مصطفى نحو المائدة دون أن ينبس بكلمة، وامتدت يده ليلتقط قطعة خيار، تحت نظرات والده اليائسة من جفائه. نهره عادل بحدة

- مش تقول صباح الخير الأول؟ ولا مفيش ذوق خالص؟

   لوى مصطفى فمه بتأفف، وتطلع إلى والده بنظرات حادة اعتاد فيها أن يراه عجوزًا ثرثارًا يلقي خطابات مملة، ورد بجفاء

- أهو قُلنا صباح الخير.. هتعملي قصة على الصبح؟

ثم التفت نحو الحمام، ووجد حور بالداخل، فضرب الباب بقبضته عنفوانًا كاد يخلعه من مكانة، وصاح بنبرة خشنة

- اخلصي فزي برة! هنقضي الصبح مستنيين سيادتك؟

انفتح الباب وخرجت حور مرتجفة، فالرعب من صوته وعنفه بات يلازمها. تطلع إليها مصطفى باستنكار وسخرية

- وإيه اللي مقعدك من النجمة كده وعاملة قلبان؟

   ردت بتلقائية وصوت خفيض

- النتيجة النهاردة يا مصطفى.. رايحة المدرسة أشوفها.

   دفعها بكتفه بقسوة وهو يزيحها من طريقه ليدخل الحمام، وقال بنبرة متهكمة

- نتيجة إيه وبتاع إيه؟ بلا كلام فارغ.. آخرتك هتقعدي في البيت لما يجيلك عريس تخدميه، وفري وقتك واتعلمي الطبيخ أحسن من الشهادة اللي هتبليها وتشربي ميتها.

لم تعقب؛ ركضت إلى غرفتها وهي تخنق دموعها، فمواجهته أو الاعتراض عليه يعني صفعة محققة على وجهها، وهي لم تعد تحتمل مزيدًا من الإهانات. أسرعت بتبديل ملابسها، وخرجت لتودع والدها وتستأذنه في النزول.

أخرج عادل بضع ورقات مالية بسيطة من جيبه ومدها إليها بابتسامة حانية

- خدي دول يا حور يا بنتي عشان مصاريفك.. ربنا معاكي.

   لم تكد يدها تلمس النقود، حتى امتدت يد مصطفى الخشنة من خلفها، ليتخطف نصف المبلغ بعنجهية ودون أدنى حياء.

اشتعلت عينا عادل بالـغضب وكاد أن يصرخ فيه ويهد البيت فوق رأسه، لكن حور نظرت إلى والدها بتوسل، ورجته بعينيها الباكيتين ألا يتكلم، حتى لا يعلو صوتهما ويفضحا ستر بيتهما أمام الجيران في أول الصباح. انسحبت بهدوء، وأغلقت الباب خلفها لتواجه قدرها وتخطو أولى خطواتها نحو الحلم.

✨✨✨✨✨✨

وفي مكان آخر..

كان مصطفى يقف على قارعة الطريق، ينفث دخان سيجارته بضيق، ويتطلع بملل إلى ساعة يده التي تشير إلى تأخرها. قطع انتظاره صوت خطوات مقبلة من خلفه، ألقت صاحبتها تحية الصباح بنبرة ذات مغزى. استدار فور سماعه صوتها، وألقى بالسيجارة أرضًا يسحقها بحذائه، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة ترحيب شابها العتاب

- كل ده تأخير؟ بقالي ساعة واقف مستنيكي على أعصابي

سارت بجواره صامتة، وتلوت شفتاها بابتسامة متهكمة لم تحاول إخفاءها.

سمر.. فتاة في العشرين من عمرها، متوسطة القامة، تمتلك عيونًا بنية حادة وشعرًا أسود كالليل ينسدل حول بشرتها القمحية. أما عن طباعها.. فستكفل الأيام والأحداث القادمة بكشف أوراقها.

لمح مصطفى نظرة التهكم في عينيها، فاشتعل غضبه ووقف يعترض طريقها قائلًا بنبرة حادة

- بتبصيلي كده ليه؟ هو كلامي مش عاجبك ولا إيه الحكاية بالظبط؟

توقفت سمر في مكانها، وربعت يديها أمام صدرها بتحدٍ، بينما كانت تلوك العلكة بين فكيها بلامبالاة مستفزة. رفعت إحدى حاجبيها مستنكرة نبرته، لكن في لمح البصر، تبدلت ملامحها تمامًا؛ فاختفت السخرية وحلت مكانها براءة مصطنعة، وقالت بنبرة متباكية استعطافية

- جرى إيه يا مصطفى؟ هو أنا يعني متأخرة بمزاجي؟ ما كله بسبب أبويا وخناق كل يوم الصبح.. الراجل خلاص هيقعدني من الشغل عافية.

تراجع غضب مصطفى وحل محله التعجب، فاقترب منها خطوة وسألها بلهفة

- يقعدك من الشغل؟ ليه وايه اللي جد يعني؟

   تنهدت سمر بأسى مصطنع ولوت فمها

- متقدملي عريس.. وأبويا قايد البيت نار وغضبان عليا عشان رفضته، وبيقولي مفيش نزول للمصنع تاني وآخرتك لبيت جوزك.

سقطت الكلمات على رأس مصطفى كالصاعقة. شعر بضيق شديد خنق أنفاسه، وامتزج بعجز قاتل كبل لسانه عن النطق؛ فهو يعلم بئر ظروفه جيدا. لم يجد ما يعقب به على كلماتها، فمد يده وقبض على كفها بقوة، وجذبها خلفه وهو يقول بنبرة يغلفها الهروب من الواقع

- امشي.. امشي خلينا نلحق الميعاد عشان متتأخريش على المصنع وأنا مأخرش على الورشة.

استقلا معًا الحافلة المتجهة نحو حي السيدة عائشة. جلسا متجاورين بجسديهما، لكن العقارب دارت بكل منهما في وادٍ سحيق، يغرقان في بحر من الصراعات والخطط المؤجلة وسط زحام العاصمة وضجيجها.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
7 Chapters
البارت الأول
للمرة الأولى يحتار القلم من أين يبدأ سرد هذه القصة، لينتهي به المطاف بالعودة إلى البداية؛ لنحيا معًا معاناة تلك الحورية منذ نعومة أظافرها. سأروي لكم سنواتها الأولى سريعًا، لتعيشوا معي حكايتها.. مع تمنياتي لكم بقراءة ممتعة.في حي السيدة زينب العتيق، حيث تفوح رائحة التاريخ من الأزقة والشوارع الشعبية، وتقف البيوت القديمة شاهدة على حكايات البشر، كانت بطلتنا تقطن خلف جدران أحد تلك المساكن المتهالكة. تداري حزنًا ثقيلًا في قلبها، بينما يفيض لسانها بعسل الكلمات، ويحتفظ وجهها بإشراقة لا تغيب.تسلل شعاع الشمس الذهبي من بين شقوق ستارة غرفتها المهترئة، ليداعب الأهداب الكثيفة المحيطة بعينيها. رفرفت جفناها فور شعورها بالدفء، لتفتح عن عينين خضراوين صافيتين، التمعتا مع الضوء كحبتي لؤلؤ نادرتين. نهضت من فراشها بنشاط، وتلمست خصلات شعرها الذهبي الناعم التي تناثرت على الوسادة كخيوط من حرير، قبل أن تلملمها لتنسدل بحرية خلف ظهرها الممشوق.لم يكن هذا الصباح عاديًا؛ فاليوم تُعلن نتيجة الشهادة الإعدادية، الخطوة الأولى والمصيرية نحو حلمها الكبير.حور.. فتاة في الرابعة عشرة من عمرها، لكن من يتطلع إليها يظن أنه
last updateLast Updated : 2026-06-09
Read more
البارت الثانى
دلفت حور من باب المدرسة بخطوات مرتجفة وقلب ينبض بالدعاء. التفتت حولها لتلقي تحية الصباح على زميلاتها اللاتي بدا عليهن التوتر، وتوجه الجميع بلهفة نحو اللوحات المعلقة لإحضار النتيجة. وفجأة، شق صمت المكان صرخة فرحة عارمة أطلقتها فرح؛ صديقة حور المقربة وتوأم روحها.ركضت فرح نحو حور وهي تلوح بيديها وتكاد تطير من السعادة، وصاحت بأعلى صوتها- نجحنا يا حور.... نجحنا يا حبيبتي.. درجاتك تجنن، أنتِ مقفلة المواد وقريبة جدًا من المجموع النهائيامتدت الأذرع واحتضنت حور صديقتها بقوة، وامتزجت دموع القلق بدموع الفرحة التي انهمرت على وجنتيها لتغسل هموم الأيام الماضية. سألتها حور بنبرة متهدجة وعيناها الخضراوان تلتمعان ببريق النصر- وأنتِ يا فرح؟ عملتِ إيه طمنيني؟ ردت فرح وهي تقفز في مكانها- الحمد لله يا حور، جبت درجات عالية أنا كمان وترتيبي من الأوائل على المدرسةتعالت الضحكات والتبريكات هنا وهناك، وانشغل الجميع بتهنئة بعضهم البعض، بينما انسحبت حور بضع خطوات إلى الخلف. رفعت بصرها إلى السماء وقلبها يفيض بالامتنان، وهدست بنبرة خاشعة صادقة: "الحمد لله.. الحمد لله يا رب على كرمك ونعمتك. خليك معايا في
last updateLast Updated : 2026-06-09
Read more
البارت الثالث
انتهى مصطفى من ساعات عمله الشاقة في الورشة، والضيق يأكل صدره طيلة اليوم. كان يغلي من الداخل؛ ففكرة خسارة سمر وفراقها بالنسبة إليه بمثابة طعنة قاتلة لا يقوى على احتمالها. لقد كان يعشقها بجنون، ولا يتخيل حياته بدونها؛ فهي الوحيدة كما كان يدعي ويوهم نفسه التي وجد معها الحنان الذي طالما افتقده في حياته القاسية.نعم، لقد عاش مصطفى طفولة مشوهة جافة خالية من عطف الأمومة؛ إذ نشأ ضحية لإنفصال والديه. انتقل بعدها ليعيش في كنف جدته لأبيه، التي لم تكن تملك الطاقة لتربيته، فكانت تنهره بعنف دائمًا نظرًا لشقاوته المفرطة وكبر سنها، ولم يكن ينتهي توبيخها له إلا بسبّ والدته وتقريعها، تلك الأم التي تخلت عنه وهو طفل صغير، وتركته لأبيه من أجل أن تتزوج برجل آخر وتبدأ حياتها بعيدًا عنه.زفر مصطفى بعنف وضيق جرف معه ذكرياته الأليمة، وضرب جدار الورشة بقبضة يده ضربة قوية كادت تدمي أصابعه. شعر بكتلة من الغضب تعتصر قلبه، لكنها تحولت في لحظة إلى إصرار أعمى؛ لقد عزم أمره على التمسك بسمر مهما كلفه الأمر، ولن يسمح لأحد بأن ينتزعها منه.توجه إلى المكان المحدد لتلاقيهما اليومي ووقف ينتظرها، وما هي إلا دقائق حتى أقبلت
last updateLast Updated : 2026-06-09
Read more
البارت الرابع
تسارع الأحداث.. وتدور عجلة الزمن بقطار العمر لتمر ثلاث سنوات كاملة، تبدلت فيها النفوس وتغيرت معها ملامح الحياة في ذلك البيت القديم. أُحيل عادل إلى المعاش، فلم يعد جسده النحيل يقوى على مجاراة شقاء السنين، لكنه لم يطق البقاء في المنزل؛ كان يهرب من جدرانه هربًا من النظرات الخبيثة لزوجة ابنه اللعوب، فخرج يبحث عن أي عمل بسيط، ليس لقمة للعيش فحسب، بل حماية لنفسه ولبيته من أن يجمعه سقف واحد مع سمر بمفردهما. أما سمر، فقد أنجبت طفلاً أسمته آدم، جاء نسخة مصغرة من أبيه في الملامح، لكن قدوم الطفل لم يغير من طباعها القذرة شيئًا، ولم يثنها عن أفعالها المشبوهة. كان يسكنها حقد أسود وغيرة نهشت قلبها من حور ومن جمالها الفتان الذي يزداد نضجًا وبهاءً بمرور الأيام. كانت سمر تتلذذ بافتعال المشاكل وتلفيق الأكاذيب لحور، محرضة مصطفى عليها، ولا تهدأ ولا يستقر لها بال إلا عندما ترى يد مصطفى الغليظة تهوي على وجه أخته، وعندما تبصر دموع الحورية تتساقط كاللؤلؤ، لتشق علامات الحزن طريقها في ملامحها البريئة. في المقابل، تحول مصطفى إلى وحش كاسر؛ صار أكثر عنفًا وقسوة مع والده المسن وأخته المسكينة، بينما كان ينقلب أما
last updateLast Updated : 2026-06-09
Read more
البارت الخامس
بالرغم من غصّة الظلم التي كانت تسكن جوف حور، ودموعها التي تزرفها يوميًا في خلوتها على حالها وأحلامها الموؤودة، إلا أنها نفضت كل ذلك جانبًا في لمح البصر. تلاشت ملامح العتاب من عينيها، وأمسكت بيد والدها تضغط عليها برفق منفيةً كلامه- متقولش كده يا بابا، أنت مقصرتش معايا في حاجة خالص...... الحمد لله على كل حال.تابعت بنبرة هادئة حملت في طياتها حزنًا شفيفًا، لكنها نبعت من اقتناع تام ورضا حقيقي بقضاء الله- أنا راضية يا بابا بكل اللي ربنا كاتبهولي، ومفيش حاجة بتحصل من غير حكمة، يمكن الخير ليا هنا في ده وإحنا منعرفش.. المهم عندي تفضل أنت راضي عني وبصحة وخير.كانت حور بتلك الكلمات لا تطمئن والدها فحسب، بل كانت كمن يطبطب برفق على قلبه المثقل بالجراح، وتدعوه للهدوء وهدنة قصيرة مع تأنيب الضمير.دمعت عينا عادل ورفع يده بالدعاء لها، وصوته يرتجف- ربنا يرضى عنك ويديكي على قد صبِرِك يا حور.. أنتِ نعم الابنة البارة، ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي.ساد الصمت بينهما لثوانٍ، غرق فيها عادل في بئر ذكرياته الأليمة؛ تذكر خطأه الفادح في الماضي عندما تزوج من تلك السيدة (والدة مصطفى) التي حطمت حياته ونثرت الأشوا
last updateLast Updated : 2026-06-09
Read more
البارت السادس
عند حسن..كان حسن يتوسط مائدة الطعام، تحيط به هالة من دفء العائلة المفتقد؛ فعن يمينه شقيقه الأصغر عصام، وعن يساره شقيقه محمد، وبجوارهما شقيقتهم الوحيدة إيناس التي وصلت قبل قليل، وعلى وجهها علامات الشوق الطاغي لشقيقها المغترب.كانت مائدة الطعام عامرة بما لذ وطاب؛ أصناف شتى من المحاشي، وصواني اللحوم المحمرة، والدجاج المتبل، والحمام المحشو بالفريك الذي تفوح رائحته الشهية لتملاً أركان الشقة. تطلع حسن إلى المائدة بذهول، ثم التفت نحو المطبخ حيث تقف والدته وضج بضحكة دافئة من قلبه قائلًا بمرح- إيه كل ده يا أمي؟ دي مش سفرة استقبال.. دي ما شاء الله بقت مائدة الرحمن من كتر الخير والأصناف اللي تفتح النفس.... احنا مكناش عايشين بقىمال عليه عصام، وضربه برفق على كتفه قائلًا بابتسامة- اضحك اضحك يا عم.. والنعمة أمك واقفة على رجليها في المطبخ بتجهز في الأكلات دي من يومين كاملين، ومكنتش راضية تخلي حد فينا يمد إيده عشان تعملك كل حاجة بنفسها.في تلك اللحظة، خرجت السيدة زينب من المطبخ حامطة آخر الأطباق، ووضعتها على المائدة ثم تسمرت مكانها. تطلعت إلى وجه حسن بنظرات طويلة حائرة، كأنها تحاول أن تشبع عينيه
last updateLast Updated : 2026-06-16
Read more
البارت السابع
عند حور.. عادت حور بخطى متهالكة وهي تشعر بتعبٍ مبرح ووهن شديد يسري في أطرافها؛ كان كل ما تتمناه في تلك اللحظة هو أن تدلف إلى المطبخ بهدوء، وتصنع لنفسها شطيرة بسيطة مع كوب من الشاي الدافئ يسند طولها، لتخلد بعدها مباشرة إلى النوم لعيدًا عن هذا العالم الصاخب. لكن آمالها تبخرت في الهواء ما إن دفعت باب الشقة ودلفت إلى الداخل؛ إذ تسمرت مكانها برعب حين وجدت شقيقها مصطفى يقف في منتصف الصالة، يتطلع إليها بنظرات جاحظة ومتوعدة تحمل كل معاني الشر. خطى نحوها بخطوات ثقيلة وهو يزجرها بصوته الجهوري الذي زلزل أركان المكان، بينما كانت أنفاسه تتصاعد لتفوح منها رائحة الحشيش الكريهة والنفاذة. تكره حور تلك الرائحة جداً وتصيبها بالغثيان، لأنها تعلم علم اليقين أن شقيقها عندما تفوح منه هذه الرائحة لا يكون في كامل وعيه، ويتحول إلى وحش كاسر لا يرحم. صرخ في وجهها بقسوة - كنتِ فين لحد دلوقتي يا هانم؟ وسارحة في الشوارع من النجمة ومن غير إذن مين؟ لم يكن لدى حور طاقة للمجادلة أو العراك في هذه الحالة من الإعياء؛ لذا فضلت الصمت والانسحاب، وردت بنبرة هادئة وخافتة وهي تحاول تجاوزه - أنا مكنتش سارحة يا مصطفى.. أنا
last updateLast Updated : 2026-06-17
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status