All Chapters of أسوار العشق : Chapter 51 - Chapter 60

61 Chapters

50

50 مع تباشير الصباح الباكر، استيقظت زينب ونفضت عنها الكسل، وتوجهت رأساً إلى المطبخ؛ راحت بهمة ونشاط تعد وجبة غداء دسمة وتطبخ الأصناف التي يحبها ابنها البكر حسن بناءً على رغبته التي أبداها لها قبل زفافه. بينما كانت رائحة الطهي التشهي تملأ أركان البيت، دَلفت إيناس إلى شقة والدتها، لكنها جاءت بمفردها هذه المرة دون أن تصطحب أطفالها كالعادة. خطت نحو الشرفة، ووقفت تتطلع بأعين يملؤها الحقد والغل نحو شرفة الشقة العلوية حيث ترقد حور، ثم التفتت إلى والدتها وتساءلت بنبرة فضولية مسمومة عن أحوال العروسين وما يدور في الأعلى. أجابتها زينب بهدوء وهي تقلب الطعام - أهو يا بنتي، صاحية من الفجر بجهز لهم لقمة الغدا، ومستنية العرسان يصحوا على مهلهم عشان أطلع لهم الأكل سخن. ما إن استمعت إيناس لكلمات والدتها، حتى شهقت شهقة مدوية تملؤها السخرية والاعتراض، ولوت فمها قائلة باستنكار وجفاف - نعم؟ بتطبخي لهم كمان يا ماما؟ إحنا من امتى وبأمارة إيه بنعمل كده؟ المعروف إن الأكل ده في الصباحية بيبقى واجب على أهل العروسة مش أهل العريس.... بصراحة أنا مش عارفة البت دي عاملة إيه لأخويا بالظبط؟ ده حسن هو اللي شايل الل
Read more

51

51وقفت صفاء أمام الباب الزجاجي لغرفة العناية المركزة، شاردة بكامل كيانها، وعيناها مثبتتان على جسد ابنها الوحيد يوسف. كانت دموعها تنحدر على وجنتيها بغزارة دون توقف، حارقة، صامتة، وتكاد تحفر مجراها في جلدها من فرط القهر؛ لم تكن تستوعب كيف تبدلت الأحوال بين عشية وضحاها، وكيف تحول فلذة كبدها من كتلة مفعمة بالحيوية، والشباب، والوسامة، إلى جسد واهن خاوٍ من الروح، قابع تحت رحمة الأنابيب والمحاليل.كانت الغرفة الباردة تضج بصوت ضربات الأجهزة الرتيبة، تلك الصافرات اللعينة التي تقيس أنفاسه المتقطعة وتزيد من رعب اللحظة في صدرها. تطلعت إلى تقاطيع وجهه الشاحب؛ ملامحه المنهكة تغيرت تماماً، حتى خيل إليها أن خطوط الحزن والهم قد زحفت على وجهه لتجعله يبدو وكأنما كبِر عشرات السنوات في بضع ساعات.سرى خاطر عابر في عقلها المشتت، وفكرت لوهلة أن تخرج هاتفها لتتصل بسلمى علّها تواسيها أو تأتي لتشهد انكسار خطيبها؛ لكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة وقبضت على هاتفها بقوة، حيث استيقظت في صدرها غريزة الأمومة وحدسها الصارم. شعرت بنفور غامض وريبة تجاهها، وحدثت نفسها أن سلمى بالتأكيد لها يد حاسمة في ما آل إليه حال ابنها،
Read more

52

52انتهت حور من حمامها الدافئ، وجلست أمام مرآة التسريحة الكبيرة تصفف خصلات شعرها الذهبي المبلل بنعومة؛ وكانت عينا حسن تتابع كل حركاتها وتموجات جسدها بنظرات حارة يملؤها عشق جارف. التفتت إليه حور بخجل، وحثتْه بصوت رقيق أن ينهض ليأخذ حمامه هو الآخر، فلقد تأخر الوقت وبات من المؤكد أن والدها عادل على وشك الوصول في أي لحظة.تخلى حسن عن الفراش الوثير بابتسامات مراوغة، وتقدم نحوها بخطى بطيئة وموزونة، وعيناه مسلطتان عليها بنظرات اخترقت حياءها؛ هتفت حور باسمه بنبرة تحمل اعتراضاً خجولاً- حسن.. يلا بقى عشان باباولكنه لم يبالِ باعتراضها الرقيق، فلديه هدف صغير مشاكس يعتزم تحقيقه قبل أن تفر من بين يديه.وقف خلفها تماماً، وامتدت أصابعه لتلف خصلة ذهبية ثائرة من شعرها حول يده، ثم انحنى ودفن وجهه فيه يستنشق عبيرها الفواح بعمق، قبل أن يطبع قبلة دافئة رقيقة على عنقها، ثم حررها بنعومة متوجهاً صوب باب الغرفة، وتوقف ليرسل لها قبلة طائرة عبر الهواء. تلقتها حور بقلب نابض ووجنتين مشتعلتين؛ فقد ذابت كلياً من فرط العشق والهيام، ولم تكن تتخيل يوماً أن يرزقها الله بزوج يمتلك كل هذه الرقة والحنان المتدفق.بعد دقائ
Read more

53

53جلست سمر أمام مرآة الزينة تضع اللمسات الأخيرة على وجهها الكثيف بالمكياج، وراحت بسبابتها تعدل وضع تلك العدسات الخضراء الصارخة داخل عينيها؛ تطلعت إلى انعكاس صورتها برضا تام وزهو أعمى، وعقدت مقارنة ظالمة في نفسها أقسمت على إثرها أنها أجمل وأفتن من حور بكثير، وأن ذوق حسن قد خانه حين اختار تلك اليتيمة.انتهت سمر من تفاصيل زينتها المبالغ فيها، والتفتت تلتقط زجاجة عطرها الفاخر لترش قطرات كثيفة غمرت بها جسدها، ففاحت في الأرجاء رائحة نفاذة، قوية، وخانقة تكاد تقطع الأنفاس. التفتت نحو الفراش وجمعت حقيبتها وهي تصيح بنبرة حادة آمرة لتستعجل مصطفى- يلا يا مصطفى.. خلص بقى وبطل لكاعه، مش عاوزين نتأخر أكتر من كده الناس ياكلوا وشنا كان مصطفى يقف على الجانب الآخر يبدل ملابسه بتكاسل شديد وخمول يثقل كاهله؛ فهو في قرار نفسه لا يرى أي داعٍ أو قيمة لتلك الزيارة المخصصة لتهنئة شقيقته حور التي يمقنها. لكن سمر كان لها رأي آخر صاغته من أطماعها؛ إذ ظلت طوال الأيام الماضية تبث سمومها في أذنه وتلح عليه بضرورة استغلال هذه الزيجة بأي ثمن، قائلة له إن حسن رجل ثري وصاحب نفوذ، وبإمكانه بكلمة واحدة أن يوفر لمصطفى عمل
Read more

54

54انتهى حسن وحور من تناول طعام الغداء في أجواء غمرها المرح والدلال. وبالرغم من تلك المدة القليلة التي قضياها سوياً تحت سقف واحد، إلا أنهما كانا يتمتعان بانسجام عجيب وتناغم روحي نادر، وكأن أرواحهما قد خُلقت لتتلاقى منذ الأزل.تعاونا معاً بحب في حمل الأطباق الفارغة إلى المطبخ؛ حيث شرعت حور في تنظيفها برقة، بينما انشغل حسن بإعداد كوبين من الشاي الممتزج بنكهة الحب. خرجا من المطبخ سوياً في مشهد يفيض بالدفء؛ كان حسن يحمل الصينية بيده الأولى، بينما أحاط بذراعه الأخرى خصر حور، محتضناً إياها بدلال، في حين تعالت ضحكاتها العذبة رداً على غزله العفوي الذي يطرب مسامعها، لتحلق تلك الضحكات كأنغام شجية تدوي في سماء عشقه الطاغي.جلسا معاً أمام التلفاز، وضغط حسن على زر التشغيل باحثاً عن فيلم عربي قديم ليعرضه، لكن حور اعترضت على الفور بملامح طفولية لطيفة، معلنة رغبتها في مشاهدة أفلام الكرتون. اعترض حسن على طلبها مشاكساً إياها، وبحركة سريعة ومباغتة، قام بإخفاء جهاز التحكم خلف ظهره. تطلعت إليه حور بنظرة تحدٍ عنيدة، ونهضت فجأة متجهة نحو الشاشة لتغلقها يدوياً، ثم ركضت مسرعة ضاحكة.انطلق حسن خلفها يطاردها في
Read more

55

55 ما مضى من عمري بدونكِ لا أستطيع احتسابه، فأنتِ وحدكِ العمر ونبض الفؤاد.. وكيف لي أن أتخطى مرارة الماضي دونكِ، وقد أقسم نبضي ألا يخفق إلا لكِ، يا ملكةً تربعَت فوق عرش هذا القلب وعاثت فيه عشقاً؟ استيقظ حسن في الصباح الباكر قبل أن تتسلل خيوط الشمس بالكامل عبر ستائر الغرفة، ولم يتحرك إنشاً واحداً؛ بل ظل مكانه يتطلع بنظرات حانية تقطر شغفاً إلى تلك الغافية بسلام بين أحضانه. شرد فكره قليلاً وهو يتأمل تقاطيع وجهها المستكين؛ كم هو عجيب أمر هذه الصغيرة! ففي هذه المدة القصيرة جداً، استطاعت ببراءتها الفطرية، ونقائها العذب، وعفويتها اللامعة أن تمحو من قاع روحه كل الندوب والآلام التي خلفها ماضيه القاسي معها. أرجع حسن رأسه إلى الخلف مستنداً به على الوسادة، ثم وضع ذراعه خلف رأسه، وسافر بعقله في غياهب ماضٍ قديم نال من كبريائه ورجولته الكثير، وجعله لسنوات طويلاً يعيش خلف جدار من البرود والشك. لكن الخوف الحقيقي الذي بدأ يزحف إلى صدره الآن لم يكن من الماضي، بل من الحاضر؛ إنه يخشى بـصدق أن تُفسد عائلته بأنانيتهم وطمعهم الذي بات مكشوفاً هذه السعادة الطاهرة التي انتزعها من مخالب الدنيا بالنهاية. انع
Read more

56

56 استيقظت سلمى على الصوت الملحّ لرنين هاتفها المحمول. راحت تتحسس الفراش بكسل وهي ما زالت معلقة في المنطقة الضبابية بين الحلم واليقظة، وقبل أن تفتح عينيها بالكامل، التقطت الهاتف لتراه يضيء بالاسم الذي اعتادت عليه طوال العام الماضي مخزناً بكلمة حبيبي. ولأن عقها الباطن ما زال تحت تأثير خدر النوم الكثيف، فتحت الخط وضمته إلى أذنها وهي تمتم بصوت مبحوح وناعم - يوسف... صباح الخير يا حبيبي... لم يأتِها الرد الحنون الذي انتظرته، بل باغتها صوت شادي الغاضب كالصاعقة وهو يزأر بنبرة حارقة جافة قطعت حبل نومها - يوسف؟ إنتي لسه بتنطقي اسم الزفت ده على لسانك أول ما تصحي؟ لسه فاكراه يا سلمى؟ انخلع قلبها وفزعت على الفور، ونهضت تعتدل في جلستها وهي تحاول لمشتات عقلها المذعور. تطلعت إلى شاشة الهاتف لتدرك فداحة خطئها؛ لقد نسيت تماماً أنها بالأمس فقط نقلت ملكية هذا اللقب لشادي! فكيف لها أن تنسى يوسف بين عشية وضحاها بعد كل تلك العشرة والأيام؟ ولكن يبدو أن تلك هي طريقتها وطباعها التي جُبلت عليها. سارعت بالاعتذار بنبرة متلعثمة يملؤها الارتباك - شادي.. أنا آسفة جداً، والله العظيم مأخدتش بالي.. أنا لسه صا
Read more

58

58 جلست سمر على الأريكة المخملية، وقد ربعت قدميها بملل مرتدية منامتها الساتان؛ كانت تطعم ابنها الصغير بآلية وجفاء دون أن تنطق بكلمة واحدة، وعقلها شارد في ملكوت آخر. على المقعد المقابل لهما، كان زوجها مصطفى يجلس بنظرات ميتة، منشغلاً بلف أصابعه المرتعشة حول سجائر الشؤم المحشوة بتلك السموم المخدرة. راحت سمر تختلس إليه النظرات بين الحين والآخر، وفي صدرها غليان؛ قارنت بينه وبين حسن، زوج حور؛ ذلك الشاب اليافع الذي يشع حيوية، ونضارة، ورجولة طاغية تحسدها عليها النساء. تذكرت بـمرارة نظرات العشق والهيام الحارقة التي كان يخص بها حور بالأمس، بالرغم من كل محاولاتها المستميتة وحركاتها المتصنعة للفت أنظاره وإثارة إعجابه، لكنه لم يلتفت إليها وثبت بصره على حوريته وكأن سمر لم تكن موجودة اصلاً. لم يتوقف عقلها المتمرد عند حسن؛ بل استرجعت ذاكرتها الماكرة تلك اللحظة التي كانت تهبط فيها درج البناية، حين اصطدمت بـشقيق حسن، عصام.. تذكرت بنيته الجسدية القوية، عضلاته المفتولة البارزة، ونظرته الحادة الجامدة التي زلزلت كيانها كأنثى. أعادت بصرها بغم وندم نحو زوجها القابع أمامها، الغارق في مغيبات المخدرات، والذي
Read more

59

59 سأعزف على أوتار قلبكِ أعظم ألحاني، فأنتِ ليَ الحياة، وأنتِ ليَ الأمل.. ليتغير تاريخ ميلادي بيوم لقائنا، وتقف الساعات حين غيابكِ، ليكفّ القلب تماماً عن الخفقان في البعد عنكِ. هكذا كانت تتدفق الخواطر والشجون في عقل حسن، وهو يقود سيارته على الطريق السريع الممتد، مستسلماً لفيضان من المشاعر الجارفة. لم يكن يركز في الطريق بقدر تركيزه مع تلك الفتنة القابعة بجواره؛ كان يتطلع إلى حور بين الحين والآخر بنظرات تفيض عشقاً، ويمد يده ليحتضن كفها الصغير، يضم أصابعها بدفء داخل قبضته القوية، بينما استسلمت حور لراحة اللحظة وأسندت رأسها برقة على كتفه العريض. ولم يكن حسن يبخل عليها؛ إذ كان ينحني بين دقيقة وأخرى ليطبع قبلات حانية متتالية على رأسها، يستنشق معها عبير شعرها الياسميني الأخّاذ الذي كان يتسلل إلى أعماقه لينعش رئتيه ويشعل ولهه. كان يستمع إليها بكل جوارحه وهي تقص عليه أحلامها الطفولية، وآمالها الوردية التي بدأت تنسجها بجواره، وتحدثه بنبرة عذبة عن كم تغيرت حياتها وانقلبت رأساً على عقب منذ أن دخل عالمها وانتشلها من جفائه. في تلك اللحظة، شعر حسن برغبة مجنونة تطغى عليه؛ ود لو يوقف السيارة في منت
Read more

60

60 في تلك اللحظات الممتدة بين الموت والحياة، شعر يوسف بأنه عالقٌ في جوف دوامة سوداء مرعبة، تدور به بعنفوان كاسر وهو يدور معها مستسلماً لجاذبيتها. حاول أن يقاوم، وراح يصارع التيارات الخفية التي تجذبه بقسوة نحو الأسفل، نحو القاع المظلم حيث لا ألم ولا خذلان. كانت أنفاسه في الواقع مضطربة، متلاحقة وكأن صدره يضيق بالهواء، حتى خارت قواه تماماً وبدأ جسده وروحه في الاستسلام المطلق لتلك العتمة. وفجأة، شق صمت واديه السحيق صوتٌ عذب هبط عليه من عالم بعيد، صوتٌ يحمل رنين الأمل والدفء وجاءه كأنه طوق نجاة أُلقي إليه في الدقيقة الأخيرة (قوم يا يوسف.. قوم عشان خاطر مامتك) تردد صدى تلك الكلمات في ردهات عقله الباطن، فدبت في أوصاله الخامدة قوة مفاجئة سرت كالنار في الهشيم، قوة انتزعها من غريزة الابن البار ليحارب بها تيار الدوامة. بدأ الظلام يتراجع ببطء، وانقشعت السحب السوداء قليلاً وكأنه كان في غفوة قصيرة خارج حدود الزمن. لكن العودة لم تكن سهلة؛ إذ بدأت ذكرياته المخذولة تمر أمام عينيه كشريط سينمائي حارق، يستعرض أيامه الأخيرة تفصيلاً تفصيلاً، وصولاً إلى تلك اللحظة القاسية، لحظة الخنجر المسموم حين وقفت
Read more
PREV
1234567
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status