لم يكن الليل في “وادي قمران” كأي ليلٍ آخر. السماء بدت وكأنها غُطيت بقطعة قماش سوداء بلا نجوم، والهواء نفسه كان أثقل من أن يُتنفس بسهولة، كأن العالم كله يحبس أنفاسه انتظارًا لشيء لا يعرفه أحد. الريح لم تكن تمرّ، بل تزحف على الأرض زحفًا بطيئًا، تحمل معها رائحة ترابٍ مبتلّ ودمٍ قديم لم يُغسل بعد من ذاكرة المكان. على حافة الوادي، وقف صبي في السابعة عشرة من عمره، عاري الساعدين، ممسكًا بعصا خشبية بسيطة، لكن عينيه لم تكونا عيني صبي. كان اسمه ليث. وفي ذلك الليل، لم يكن يعرف أنه على وشك أن يُكسر العالم من داخله قبل أن يُكسر خارجه. خلفه كانت القرية الصغيرة تغرق في صمتٍ غريب، لا أصوات أطفال، لا نباح كلاب، حتى الأبواب الخشبية بدت مغلقة بإحكام كأنها تخاف أن تُفتح. كل شيء يوحي بأن هناك أمرًا واحدًا فقط يجب أن يحدث… وسيحدث قريبًا جدًا. ثم جاء الصوت. دويّ عميق، كأن الأرض نفسها شقّت صدرها. ارتجف الوادي كله، وتساقطت حجارة صغيرة من الجرف فوق رأس ليث، لكنه لم يتحرك. لم يهرب. فقط شدّ قبضته على العصا أكثر. ومن بعيد، ظهرت أول شعلة. ثم ثانية. ثم عشرات المشاعل التي تتحرك في تشكيلٍ عسكريّ بطيء، كأن
Last Updated : 2026-06-11 Read more