جميع فصول : الفصل -الفصل 130

135 فصول

121. كلماتٌ لا تُقال

قبض جاك على معصمها قبل أن تبتعد، وشدّ أصابعه قليلًا دون أن يقصد، كأنه يخشى أن تفلت منه فعلًا.تأملها بقلقٍ لم يسعَ هذه المرة إلى إخفائه، وعيناه تتفحصان ملامحها المتصلبة، وقال بصوتٍ خفيض:“لونا… ماذا حدث؟”ظلت صامتة لبرهة، وارتجفت أطراف أصابعها بين يده قبل أن تسحبها برفق من بين أصابعه، متجنبة النظر إليه.رفعت عينيها نحوه أخيرًا، ولم يكن فيهما أثر دموع، بل ذلك الألم الغامض الذي عجز عن تفسيره، مع شدّ خفيف في فكها كأنها تكبح شيئًا.عاد يقول، وقد مال قليلًا نحوها:“انظري إلي.”هزّت رأسها بخفة، وشدّت شفتيها:“ليس الآن.”انعقد حاجباه، ومرر يده في شعره بتوتر:“لكن…”قاطعته بنبرة هادئة، وكأنها استنزفت كل ما لديها من طاقة، بينما كانت أصابعها تقبض على طرف الملف بقوة:“لدينا عمل.”ثم انتزعت الملف من يده بحركة أسرع مما ينبغي، واستدارت عائدة إلى مكتبها دون أن تلتفت.ظل واقفًا في مكانه لثوانٍ، ويده ما زالت معلقة في الهواء قبل أن يسقطها ببطء.يراقب ابتعادها، وعيناه تضيقان قليلًا.وللمرة الأولى…أحسّ بأن بينهما فجوة لا يعرف كيف يجسرها.⸻انقضى ما تبقى من الدوام ببطءٍ ثقيل.كانت لونا تؤدي مهامها بإتقان
اقرأ المزيد

122. آخر حدود الصبر

واصلت لونا النظر إلى طبقها.أما جاك… فلم يبعد عينيه عنها لحظة، وكأن كل ما قيل قبل دقائق لا يزال عالقًا بينهما، يتردد في رأسه بلا توقف، بينما لم تمنحه حتى نظرة واحدة.وهذا… كان يستفزه أكثر من أي رد.منذ عرفها، كانت تهرب إذا غضبت، تختفي وتتركه خلفها، أما الآن فهي تعاقبه بصمتها، وذلك الصمت كان ينهش أعصابه ببطء، ببرود أشد من أي كلمات قاسية.ساد الهدوء حول المائدة.ثم نهضت والدة جاك بهدوء، وجمعت الأطباق الفارغة وهي تنظر إليهما بطرف عينها، لم تكن غافلة عما يحدث، لكنها أدركت أن تدخّلها الآن لن يزيد الأمر إلا تعقيدًا.ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت:“سأحضر الشاي.”ثم غادرت.وما إن أُغلق باب المطبخ، حتى بدا المنزل كله ساكنًا بصورة مزعجة، كأن الصمت نفسه يضغط على الجدران.⸻رفع جاك رأسه نحوها وقال بهدوء حاول أن يحافظ عليه:“لونا.”لم ترفع رأسها، بل استمرت تعبث بالشوكة بين أصابعها وكأن صوته لم يصل إليها أصلًا.انتظر ثانية.ثم قال هذه المرة بنبرة أكثر جدية:“انظري إلي.”وضعت الشوكة جانبًا، نهضت، سحبت الكرسي بهدوء، ثم اتجهت نحو الباب، مرّت إلى جواره وكأنه قطعة أثاث لا أكثر.شعر جاك بانقباض حاد في صدره
اقرأ المزيد

123. النصف الذي لم تسمعيه

أُغلق باب الغرفة بهدوء، لكن الصمت الذي استقر بينهما كان أعلى من أي صوت.وقفت لونا في مكانها لا تدري ماذا تفعل، وكانت أنفاسها متسارعة وقلبها ما يزال يخفق بعنف من كل ما حدث قبل لحظات، بينما بقي جاك واقفًا أمام الباب يشيح بنظره عنها للحظات وكأنه يحاول استعادة هدوئه الذي أفلت منه لأول مرة منذ سنوات.أغمض عينيه وزفر ببطء، فلم يكن غاضبًا منها وحدها بل من نفسه أيضًا، من الطريقة التي حملها بها إلى هنا ومن نبرة صوته التي لم يعتد أن يوجهها إليها.فتح عينيه أخيرًا ثم التفت نحوها، فوجدها ما تزال واقفة مكانها، وعنادهـا لم يختفِ، لكنه رأى شيئًا جديدًا في عينيها: الارتباك والحيرة وقليلًا من الخوف.قال بصوت عاد إليه هدوؤه المعتاد:“اسمعيني جيدًا يا لونا.”ولأول مرة منذ بداية شجارهما لم تقاطعه، بل بقيت تنظر إليه بصمت، فأكمل:“لن أتحدث عن إيفا، لأنها ليست سبب ما حدث.”عقدت حاجبيها دون أن تنطق، أما هو فأكمل بهدوء ثابت:“ما أوصلك إلى هذه الحالة هو الكلام الذي سمعته من فيكتوريا.”ساد الصمت، ثم قال:“فيكتوريا تعرفني وعائلتي منذ سنوات طويلة، هذا كل ما بيننا.”رفع عينيه إليها مباشرة وأضاف:“لا أكثر.”شعرت لو
اقرأ المزيد

124. حين يسبق القلب صاحبه

لم يبقَ من صوت الأمواج شيء، ولا من كلمات ماكس، لكنها ظلت عالقة في رأس جاك حتى وهو يقود سيارته عائدًا. كانت المدينة نائمة والطرقات شبه خالية، أما هو فلم يكن يرى منها شيئًا، فكل ما كان يراه هو وجه لونا، ارتباكها وصمتها، والنظرة التي لمحها في عينيها قبل أن يغادر. تنهد بصمت وأدار المقود نحو المنزل.⸻في الجهة الأخرى، كانت لونا ما تزال مستيقظة ولم تستطع أن تنام، فكلما أغمضت عينيها عادت إليها صورته وهو يقف أمام الباب، ثم صوته الهادئ وهو يقول:“حين تهدئين… اسأليني عنها.”فتحت عينيها مرة أخرى وحدقت في سقف الغرفة طويلًا، ثم التفتت نحو الجهة الأخرى من السرير حيث كان مكانه فارغًا. مدت يدها نحوه دون وعي، لكنها لم تجد سوى برودة الملاءة، فسحبت يدها بسرعة وكأنها ارتكبت خطأ، وأخفضت رأسها. لم تكن تعرف ما الذي تشعر به؛ لم تعد غاضبة، لكنها لم تكن مرتاحة أيضًا، وكان هناك شيء يضغط على صدرها منذ خرج ويزداد ثقلًا مع مرور الوقت. التفتت نحو الباب وظلت تنظر إليه دقائق طويلة، وكلما سمعت صوتًا في الخارج اعتقدت أنه عاد، لكن الباب لم يُفتح.⸻توقفت سيارة جاك أمام المنزل، فأطفأ المحرك وبقي ممسكًا بالمقود، ثم رفع عي
اقرأ المزيد

125. ارتجاف قلبها

كانت لونا تراجع بعض الملفات على مكتبها، تحاول أن تغرق نفسها في تفاصيل العمل، وكأنها بذلك تستطيع أن تهرب من أفكار الليلة الماضية التي كانت تلاحقها بإصرار لا يهدأ.ومع ذلك، لم تستطع منع نفسها من رفع رأسها بين الحين والآخر، تنظر نحو باب مكتب جاك وكأنها تنتظر أن يُفتح في أي لحظة.لكنه ظل مغلقًا.تنهدت بصمت، زفرة خفيفة خرجت منها دون وعي، ثم عادت إلى الأوراق أمامها، تحاول أن تستعيد تركيزها الذي كان يتبدد سريعًا.وفي تلك اللحظة…اندفع أحد المهندسين إلى مكتب السكرتيرة بخطوات متسارعة، وكأن شيئًا عاجلًا يدفعه إلى الأمام.كان التوتر واضحًا على ملامحه، وقال بصوت منخفض لكنه مشحون بالقلق:“أين الآنسة سارة؟”رفعت السكرتيرة رأسها بسرعة، وقد التقطت نبرة القلق في صوته.“ماذا حدث؟”اقترب منها أكثر، وكأنه لا يريد أن يسمعه أحد غيرها، ثم قال بقلق واضح:“اتصلوا بي من موقع المشروع.”انعقد حاجباها فورًا، وشعرت بأن الأمر ليس بسيطًا.“خير؟”تنهد المهندس، وكأنه يحاول أن يختار كلماته بعناية، ثم قال:“حدث عطل أثناء المعاينة…”توقف لحظة، ثم أكمل بصوت أثقل:“وسقط جزء من أحد الرفوف المعدنية.”حبست السكرتيرة أنفاسها،
اقرأ المزيد

126. بين الخوف والعناد

ساد صمت قصير بعد كلمات لونا الأخيرة، وكأن الهواء نفسه توقف للحظة بينهما.“أنت لست بخير.”بقي جاك ينظر إليها لثوانٍ، بينما كانت هي لا تزال تحدق في الضمادة التي تغطي جانب جبينه، وكأنها تحاول أن تقنع نفسها أنه يقف أمامها بالفعل… وأنه بخير، رغم كل ما تراه أمامها.قطع الطبيب الصمت وهو ينهي تثبيت الضماد، وصوت احتكاك الشاش بدا واضحًا في الجو الهادئ.“الجرح في الرأس سطحي، لكنه احتاج إلى عدة غرز في اليد. لا أرى ما يدعو للقلق، لكنني أنصحك بالراحة اليوم.”هز جاك رأسه بهدوء، وكأنه يتلقى تقريرًا عاديًا لا يخصه.“شكرًا.”ثم همّ أن ينهض، إلا أن الطبيب أوقفه مجددًا وهو يرفع يده محذرًا:“ولا تستخدم يدك كثيرًا.”ألقى جاك نظرة سريعة إلى الضماد الملفوف حول كفه، ثم قال بنبرة هادئة كعادته، وكأنه يطمئن الجميع أكثر مما يطمئن نفسه:“سأحاول.”كانت لونا تستمع إلى الحديث كله، لكنها لم تبدُ مقتنعة بأي كلمة، وعيناها لم تفارقا إصاباته. اقتربت منه خطوة أخرى، وقالت بجدية لم تستطع إخفاءها:“سنعود إلى المنزل.”رفع جاك عينيه إليها، وبقي ينظر إليها لحظة قبل أن يجيب بهدوء، وكأنه يزن كلماته بعناية:“ليس الآن.”عقدت حاجبيها
اقرأ المزيد

127. أول طبخة

كان المنزل هادئًا… هادئًا أكثر مما اعتادته لونا.منذ أن عادت من موقع العمل، وهي تحاول أن تشغل نفسها بأي شيء، فجلست قليلًا ثم نهضت، ووقفت عند النافذة قبل أن تعود وتجلس من جديد، وفي كل مرة كانت عيناها تنجرفان إلى الساعة المعلقة على الجدار.مرّت دقائق… ثم دقائق أخرى، لكن عقاربها بدت وكأنها تعاندها.راقبتها والدة جاك بصمت، ثم ابتسمت وهي تقول:“ما زال أمامه وقت.”انتبهت لونا إلى نفسها بسرعة، فأبعدت نظرها عن الساعة وقالت بتوتر خفيف:“أنا… لم أكن أنظر إليها.”ضحكت الأم.“طبعًا… كنتِ تنظرين إلى الحائط.”نفخت لونا وجنتيها باعتراض.“خالتي…”“ماذا؟”“تستمتعين بإغاظتي.”ابتسمت الأم ابتسامة أوسع.“قليلًا.”دخلتا المطبخ، وكانت والدة جاك تفتح إحدى الخزائن حين سمعت صوت لونا خلفها:“خالتي…”التفتت إليها.“نعم يا ابنتي؟”ترددت لونا للحظات، ثم خرج السؤال منها على استحياء:“إذا كانت… يد شخصٍ مصابة… فما الطعام الذي يكون أسهل له؟”ساد الصمت، وحدقت الأم بها، ثم…انفجرت ضاحكة، واضعة يدها على فمها، لكن ضحكتها لم تتوقف.اتسعت عينا لونا.“ما الذي يضحك؟”قالت الأم وهي تحاول التقاط أنفاسها:“لا شيء… لكن يبدو أن ه
اقرأ المزيد

128. أراقبك

كان المساء قد أرخى ستاره على المنزل.انتهى العشاء منذ قليل، وعادت لونا إلى المطبخ تساعد في ترتيب الأطباق، بينما جلس جاك في غرفة الجلوس، واضعًا بعض الملفات أمامه.لكن…لم يكن يقرأ.كان يقلب الصفحات فقط، وكأن حركته محاولة يائسة لإقناع نفسه بأنه منشغل.وعيناه شاردتان، تتوقفان أحيانًا عند سطر دون أن تراه حقًا، ثم تنزلقان بعيدًا وكأن شيئًا آخر يشده من الداخل.دخلت والدته وهي تحمل كوبًا من القهوة، ثم وضعته أمامه.جلست مقابله، وظلت تنظر إليه طويلًا، تراقب ذلك الشرود الذي لم تعهده منه بهذه الطريقة.رفع جاك رأسه أخيرًا، وقد شعر بنظرتها تثقل عليه.“ماذا؟”ابتسمت بخبث.“لا شيء.”“…أستمتع فقط.”رفع حاجبًا، لكن في داخله كان هناك قلق خفيف، كأنه يخشى أن تكون قد التقطت ما يحاول إخفاءه.“بماذا؟”أسندت ذقنها إلى كفها وقالت:“برؤية ابني يبتسم وحده.”توقف جاك لحظة، وكأن الكلمات أصابته في نقطة لم يكن مستعدًا لها.شعر بشيء يشبه دفقة هواء دافئ تمر عبر صدره، تمتد ببطء إلى أطرافه، كأنها ذكرى قديمة تستيقظ، ومعها ارتجافة خفيفة في قلبه، نبضة غير مستقرة أربكته، قبل أن يخفض نظره سريعًا إلى الملف أمامه، هاربًا.“أن
اقرأ المزيد

129. هدوءٌ يشبه الحلم

مرّ أسبوع…وكان مختلفًا عن كل الأسابيع التي سبقته.لم تحدث فيه مشاجرات.ولم تُغلق فيه الأبواب بعصبية.ولم يهرب أحدهما من الآخر كلما التقيا.بل مرّ هادئًا…هادئًا إلى درجة أن المنزل نفسه بدا وكأنه يتنفس أخيرًا.كان أسبوعًا امتلأ بأشياء صغيرة…لكنها كانت كافية لتُصلح ما أفسدته الأيام السابقة.عاد جاك إلى روتينه المعتاد في العمل.وعادت لونا إلى عملها المتقن داخل الشركة.لكن شيئًا ما تغيّر بينهما.لم يكن تغييرًا كبيرًا…ولم يكن شيئًا يستطيع أيٌّ منهما وصفه.بل كان شعورًا هادئًا…بدأ يكبر بينهما دون أن ينتبها.لم تعد لونا تتعمد الابتعاد عنه.وأصبح المرور بقربه أمرًا طبيعيًا، بعد أن كان يكلفها شجاعة لا تملكها.وأما جاك…فلم يعد يراقبها من بعيد كما كان يفعل خوفًا من أن يضغط عليها.صار يقترب منها أكثر.يسألها عن يومها.يطمئن على تدريبها.وأحيانًا…كان يكتفي بالنظر إليها للحظات قصيرة قبل أن يعود إلى عمله، وكأن مجرد رؤيتها أصبحت تكفي ليشعر بأن يومه يسير على ما يرام.حتى والدة جاك…كانت أول من لاحظ ذلك.كانت تراقبهما بصمت.تبتسم كلما رأتهما يتحدثان لدقائق أطول من المعتاد.أو عندما ينسى أحدهما نف
اقرأ المزيد

130. لقاء متأخر

كان البحر هادئًا… هادئًا على نحوٍ يناقض تمامًا ما كان يغلي داخل جاك.وصل قبل الموعد بدقائق، ترجل من سيارته ببطء، ثم سار حتى وقف عند المكان الذي اعتاد أن يجلس فيه منذ سنوات؛ المكان نفسه، الصخرة نفسها، حتى صوت الأمواج لم يتغير، أما الذي تغيّر فكان كل شيء آخر.لم يلتفت عندما سمع خطوات تقترب، فقد عرفها.“تأخرت.”قالها ببرود، وعيناه ما زالتا معلقتين بالبحر.وقف ماكس إلى جواره وقال: “أردتك أن تنتظر قليلًا.”لم يرد جاك، وساد صمت طويل كان أثقل من أي حديث.تنهد ماكس أخيرًا وقال: “تعرف… اشتقت لهذا المكان.”أجابه جاك دون أن ينظر إليه: “أما أنا فلا.”ابتسم ماكس بمرارة وقال: “لا تزال كما أنت.”رد جاك بجمود: “قل ما لديك.”أطرق ماكس برأسه للحظة، ثم قال بهدوء لم يعتده جاك منه: “كنت أظن أنك يومًا ما ستضربني، أو ستصرخ في وجهي، أو حتى ستلعن اليوم الذي عرفتني فيه.”رفع عينيه إليه وأضاف: “لكن أن تنهي كل شيء بهذه البساطة، كأن عشرين سنة لم تكن… هذه لم أفهمها حتى اليوم.”تصلبت ملامح جاك، لكنه لم يعلق، وقال فقط: “هل انتهيت؟”ضحك ماكس ضحكة قصيرة وقال: “حتى الآن… لا.”اقترب خطوة وأضاف: “أخبرني يا جاك، هل كان صع
اقرأ المزيد
السابق
1
...
91011121314
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status