All Chapters of وعد لم يُكسر: Chapter 261 - Chapter 270

287 Chapters

261. العاصفة قبل المطر

خرجت لونا من المطبخ وهي تقبض على جهاز الفحص الصغير في جيبها، وكانت كلمات مارغريت الدافئة تمنحها شجاعة هشة لم تكن كافية لتبديد التوتر والاضطراب الذي ينهش صدرها. صعدت درجات السلم متجهة نحو الرواق المؤدي إلى مكتب جاك لتزف إليه الخبر، لكنها ما إن اقتربت، حتى تناهى إلى مسامعها صوته الجهوري وهو يتحدث بنبرة حادة وصارمة للغاية. كان صوته يحمل غضباً تملكياً عاصفاً هز جدران الممر الخشبي. توقفت لونا في مكانها، وانقبض قلبها بريبة. اقتربت بخطوات واجفة من الباب شبه المفتوح، لتجد جاك يقف خلف مكتبه ممسكاً بالهاتف، وعيناه تشتعلان بظلمة مخيفة وهو يملي أوامره بلهجة قاطعة: "قلتُ لك يلغى العقد فوراً! لا أريد لأي اسم يخص تلك الشركة أن يقترب من موقع البناء أو من زوجتي.. لونا لن تطأ قدمها هناك طالما أن ذلك الساقط متواجد في المحيط! صفي الحسابات معهم فوراً، لا تهمني الخسائر ولا الشرط الجزائي!" تصلبت لونا في مكانها وشعرت بأنفاسها تضيق؛ كانت تعلم تماماً من يقصد. إنه المهندس "ليون" المسؤول عن المشروع الجديد الذي بذلت قصارى جهدها لإنجاحه طوال الشهور الماضية. اندفعت لونا داخل المكتب دون أن تطرق الباب، وصدر
Read more

262. زوايا الرؤية الضيقة

وقعت كلمات مارغريت على مسامع لونا كقطرات ماء بارد حاولت إطفاء نار غضبها، لكنها لم تكن كافية لتبديد الشكوك التي زرعها صمت جاك المطبق. نظرت إلى حماتها بعينين متعبتين، وقالت بنبرة خفيضة يملؤها العتب المكتوم:"أي قذارة تلك التي تتحدثين عنها يا خالتي؟ ليون مهندس محترف، ولم أرَ منه طوال فترة عملنا إلا كل احترام وتفانٍ. إن كان لدى جاك سبب حقيقي، فلماذا لا يتحدث؟ لماذا يختار دائماً أن يتصرف من خلف ظهري كأنه سيد قاضٍ وأنا مجرد تابعة لا حق لها في المعرفة؟"تنهدت مارغريت وأرخت يدها عن كف لونا، مدركة أن الدفاع عن طباع جاك الصارمة في هذه اللحظة لن يزيد زوجته إلا عناداً وضيقاً. نهضت من مكانها بوقارها المعتاد، وربتت على كتف لونا قائلة:"لأن بعض الحقائق يا ابنتي تجرح كرامة المرأة، وجاك رجل يفضل أن تنزف يداه هو على أن تدمع عيناكِ بمعرفة دناءة الآخرين. ارتاحي الآن، ولا تدعي هذا الانفعال يؤذي الجنين. الوقت كفيل بإظهار كل شيء."غادرت مارغريت الغرفة وأغلقت الباب خلفها بخفة، تاركة لونا في صراع مرير بين حدسها الأمومي الجديد الذي يطالبها بالهدوء والسلام، وبين كبريائها الجريح كمهندسة طُمست جهودها بلمحة بصر.ف
Read more

263. كشف القناع

أشرقت شمس الصباح التالي على القصر حاملةً معها غيوماً خريفية تلبد السماء، تماماً كالأجواء التي خيمت على مخدع الزوجين. استيقظت لونا مبكراً، وقبل أن يفتح جاك عينيه، كانت قد غادرت السرير بخطوات صامتة لكي لا تضطر لمواجهة نظراته الحادة أو صمته الذي بات يثقل صدرها. نزلت إلى الطابق السفلي، ورغم التعب والغثيان الصباحي الطفيف الذي قاومته ببطولة، إلا أن رغبتها في الخروج من أسر جدران القصر كانت أقوى. ارتدت معطفها واستقلت سيارتها متجهة إلى مقر الشركة الرئيسية لإتمام بعض الإجراءات الإدارية المتبقية بعد إلغاء مشروعها، عازمة على مواجهة تداعيات قرار جاك بنفسها. في هذه الأثناء، كان المهندس ليون يجلس في أحد المقاهي القريبة من موقع البناء الملغى، محاطاً ببعض زملائه المهندسين. ورغم توقيع قرار الإلغاء وحصول شركته على الشرط الجزائي الضخم، إلا أن كبرياءه الجريح وخسارته للمشروع الأهم في مسيرته جعلاه يفيض حقداً قذراً. لم يكن يعلم أن أحد رجال جاك المخلصين كان يجلس على الطاولة المجاورة، يراقب وينقل كل شاردة وواردة. ارتشف ليون من كوبه وقال بنبرة ساخرة ومرتفعة عمداً ليتسمع له الجميع: "هل ظننتم حقاً أن إلغاء ا
Read more

264. صقيع الطريق الطويل

وقفت لونا مكانها لثوانٍ تجمدت فيها الدماء في عروقها، مرعوبة من ذلك السكون الرهيب المحيط بجاك. لم يكن البرود الذي يشع منه بروداً عادياً، بل كان جداراً من الجليد الصلب الذي شيده بسرعة ليحمي ما تبقى من كبريائه الجريح أمام رجاله وأمام المهندس المرتجف تحت قبضته. نظرت لونا إلى عينيه بضعف ورجاء، لكنه لم يمنحها نظرة أخرى. أدار وجهه عنها ببطء، وفي تلك اللحظة بالذات، أفلت ياقة قميص ليون بقسوة دفعته ليرتطم بمكتبه ويتراجع إلى الخلف وهو يلهث ويبكي بذعر. دون أن ينظر إليها مجدداً، تحرك جاك بخطواته العريضة والمهيبة متجاوزاً إياها عند عتبة الباب وكأنها طيف لا وجود له. سار في الرواق بخطى قاطعة صامتة، تاركاً إياها تقف وسط حطام المكتب والذهول والندم ينهشان روحها. أسرعت لونا خلفه بخطوات متعثرة، تحاول ملاحقة قامته الطويلة التي كانت تبتعد عنها بسرعة. هبطت درجات السلم وخرجت إلى فناء الشركة الخارجي، حيث كان الجو بارداً والغيوم الخريفية تزداد تلبداً في السماء. كان جاك قد وصل بالفعل إلى سيارته السوداء الضخمة، وفتح السائق الباب له ليدلف إلى المقعد الخلفي بجمود تام. ركضت لونا قبل أن يتحرك السائق، وفتحت الباب
Read more

265. جدران معزولة

نزلت لونا من السيارة بخطوات ثقيلة كأنها تجر سلاسل من حديد. كانت أطرافها ترتجف من البرودة التي تغلغلت في جسدها، ليس فقط بسبب طقس الخريف العاصف، بل بسبب الصقيع الذي خلفه جاك وراءه. دخلت إلى بهو القصر لتجد مارغريت واقفة بانتظارها، وعلامات القلق والترقب تملأ وجهها الطاعن في الوقار. بمجرد أن رأت لونا ملامح حماتها، لم تستطع تمالك نفسها؛ ارتمت في حضنها وانفجرت ببكاء مرير، بكاء يحمل كل الخيبة والندم اللذين يعتصران قلبها الصغير. "لقد انتهى كل شيء يا خالتي.." همست لونا بنبرة متقطعة وهي تشهق: "لقد رأى مجيئي إلى هناك قلة ثقة.. نظر إليّ بطريقة لم أرها في حياتي من قبل.. كأنني غريبة تماماً عنه." ربتت مارغريت على ظهرها بحنان وعينيها مغرورقتان بالدموع، وقادتها ببطء نحو الأريكة في غرفة المعيشة لتجلسها: "اهدئي يا حبيبتي.. اهدئي من أجل طفلكِ. جاك جرحه عميق، وكبرياؤه كرجل تلقى طعنة من أقرب الناس إليه. هو الآن يحتاج إلى الوقت لكي يهدأ البركان الذي في صدره. صمته الآن ليس كرهاً، بل هو طريقته لحماية نفسه وحمايتكِ من غضبه." "لكنه لا يريد حتى السماع لي!" بكت لونا وهي تضع كفيها على وجهها: "حاولت الاعتذار، ح
Read more

266. نبض يذيب الجليد

استمرت انتفاضة جسد لونا لدقائق بدت لجاك كأنها ساعات من العذاب. كانت قبضة يده الدافئة لا تزال ترفع خصلات شعرها الطويل بعيداً عن وجهها، بينما استمرت كفه الأخرى بالطبطبة على كتفها بضربات متلاحقة أطاحت ببرود الساعات الماضية، ورغم كل شيء، ظل يراقب شحوب وجهها بقلق نهش صدره. أخيراً، هدأت حدة الغثيان. أرخت لونا رأسها بتعب شديد وعيناها مغمضتان، وخرجت تنهيدة واجفة من بين شفتيها. لم يتراجع جاك عنها خطوة واحدة، بل بقي جاثياً بجانبها على الأرضية الباردة. وبكل هدوء وحذر، أحاط جسدها المنهك بذراعيه القويتين، ممسكاً بها ببطء ليريح ثقل جسدها عليه ويسند ظهرها إلى صدره العريض لكي لا تقع. ورغم أن هذه الحركة كانت دافئة وتفيض بالرعاية، إلا أن ملامحه ظلت متشنجة وكبرياؤه جريحاً؛ لم يستسلم كلياً، بل حافظ على مسافة قصيرة بين وجهيهما، ونظر إليها بعينين حادتين يمتزج فيهما الذعر بجمود حاول جاهداً إظهاره ليظل مسيطراً على مشاعره. نطق بنبرة منخفضة، جافة وصارمة يحاول عبرها إخفاء ارتجاف صوته: "ما هذا الإهمال؟ هل أنتِ مريضة وتخفين الأمر؟ سأطلب الطبيب فوراً ليأتي إلى القصر." تحرك ببطء لينهض بها ويحملها، لكن يد لونا
Read more

267. قناع ينهار أمام عين الأم

أغلق جاك باب الجناح خلفه ببطء شديد، حريصاً على ألا يصدر أي صوت قد يزعج لونا أو يوقظها من غفوتها المنهكة. تراجع خطوة إلى الوراء، وسند ظهره إلى الجدار البارد في الممر المظلم، مغمضاً عينيه بقوة وهو يطلق تنهيدة حارقة تملأ صدره المضطرب.هناك، بعيداً عن عيني لونا وبمأمن من قناع كبريائه الذي يرتديه أمامها، تلاشت ملامح الصرامة والجفاء تماماً. ارتجفت شفتيه بابتسامة خفيفة، دافئة، ومرتعشة لم تظهر على وجهه منذ سنوات. تلمس كفّه التي كانت قبل قليل تستشعر نبض طفله، وشعر بغصة دافئة تخنق حنجرته؛ غصة فرح طفولي عارم كاد يدفعه للصراخ من شدة السعادة. هو الآن يحمل في كيانه أعظم سر؛ إنه سينجب طفلاً من المرأة الوحيدة التي نبض لها قلبه، والخبر الذي كان يعرفه كحقيقة معلقة بات الآن واقعاً ملموساً بين يديه بعد أن رأى أثره على جسد لونا.لكن تلك الابتسامة تلاشت تدريجياً لتحل محلها مسحة من الحزن والضيق، وهو يتذكر عينيها الخائفتين ونحيبها المرتعش وهي تظنه وحشاً سيعاقبها أو يصدها."جاك؟"جاء الصوت دافئاً ومألوفاً من نهاية الممر. فتح جاك عينيه بسرعة ليستقيم في وقفته، محاولاً استعادة هدوئه الرخامي في ثوانٍ، ليتفاجأ بوا
Read more

268. هروب في زوايا الصمت

انسحبت مارغريت بهدوء بعد أن ألقت بكلماتها الحكيمة في مسامعه، تاركةً إياه واقفاً في ممر القصر الشاسع، يصارع أفكاره التي باتت كأمواج تلاطم صخرة كبريائه. تحرك جاك بخطوات واثقة لكنها مثقلة نحو غرفته الخاصة بالملابس في الركن الآخر من الممر. غير قميصه الأبيض الذي تجعد قليلاً أثناء مساندته للونا في الحمام، وارتدى سترة بدلته السوداء. وقف أمام المرآة يعدل هندامه بآلية، لكن عقله لم يكن في تفاصيل مظهره؛ كان لا يزال هناك، داخل الجناح، حيث ترقد لونا دافئة تحت غطائه. شعر برغبة عارمة في العودة، في أن يفتح الباب ويجلس على طرف السرير، ويتأمل ملامحها وهي نائمة، وربما يجرؤ على وضع كفه مجدداً فوق بطنها دون أن تراه. لكن صور الأمس، وكلماتها في التسجيل، وخوفها المرتبك الذي اعترفت به للتو، أعاد شحن جدار الصمت حوله. "الخوف.." زمجر في سره بمرارة وهو يشد ربطة عنقه. كيف تحول حصنه الذي بناه لحمايتها إلى قفص تخاف منه وتخفي عنه طفله؟ خرج من الغرفة وتوجه لأسفل القصر بوقار مظلم، مغادراً الأسوار دون أي كلمة أخرى. --- في هذه الأثناء، استيقظت لونا بعد غفوة قصيرة لم تدم سوى ساعة واحدة. فتحت عينيها لتجد الغرفة غارقة
Read more

269. خطوط متوازية

في الجانب الآخر من القصر، أنزلت مارغريت الهاتف عن أذنها وتنهدت تنهيدة طويلة تحمل مزيجاً من الأسى والارتياح. التفتت نحو لونا التي كانت لا تزال واجمة عند النافذة، تطالع الفراغ الذي خلفته سيارة جاك وكأنها تبحث عن أثرٍ لدفئه الراحل.اقتربت مارغريت بخطوات هادئة، ووضعت صينية الفطور الدافئة على الطاولة المجاورة، ثم أمسكت بكتفي لونا برفق وأدارتها نحوها لتلتقي عيناهما. كانت علامات الانكسار بادية على وجه لونا الشاحب."لقد كان جاك على الهاتف الآن،" نطقت مارغريت بنبرة حنونة ومطمئنة.اتسعت عينا لونا بريقاً خاطفاً، وامتزجت لهفتها بخوف مكتوم: "جاك؟ هل.. هل اتصل ليعرف إن كنت بخير؟"أومأت مارغريت برأسها، وابتسامة دافئة تزين ثغرها: "نعم يا ابنتي. اتصل خصيصاً ليوصيني بكِ وبطفلكِ. طلب مني ألا أترككِ بمفردكِ ثانية واحدة، وأن أشرف على طعامكِ وراحتكِ بنفسي. ورغم أنه حاول جاهداً تغليف كلماته بنبرته الجافة والصارمة المعتادة ليحمي كبرياءه، إلا أن خوفه وقلقه عليكِ كانا يصرخان من وراء الهاتف."انحدرت دمعة ساخنة من عيني لونا، لكنها هذه المرة حملت شيئاً من الطمأنينة وسط الركام. همست بصوت مخنوق: "لكنه لم يتصل بي أن
Read more

270. ترقب في الظلال

أغلقت هيلين باب المكتب الفخم خلفها، والابتسامة ترتسم على وجهها. تحركت بخطوات سريعة نحو مكتبها، وهي تشعر بفرحة حقيقية لأجل لونا؛ فهي تعلم كم تعني لونا لهذا الرجل الصارم، وكم عانت لونا لتجد مكانها في حياته. لم تضيع السكرتيرة دقيقة واحدة؛ رفعت سماعة الهاتف واتصلت بطبيب العائلة الخاص، ورتبت الموعد بدقة شديدة تشبه صرامة جاك نفسه. أما داخل المكتب، فقد ساد هدوء ثقيل. نهض جاك من خلف مكتبه الضخم، وسار ببطء نحو الجدار الزجاجي الكبير الذي يكشف المدينة بأسرها من هذا الارتفاع الشاهق. وضع يديه في جيبي بنطاله، وظل يراقب الأفق الخريفي الرمادي، لكن تفكيره كان في مكان آخر تماماً. كلمات والدته مارغريت: *"لونا كانت خائفة من خسارتك"*، وكلمات هيلين العفوية: *"المكان يبدو ناقصاً دونها"*، كانت تتردد في عقله بلا توقف. نظر إلى المقعد الخالي خلف مكتب لونا الصغير داخل الجناح. لأول مرة، شعر أن نجاحه وسطوته ونفوذه لا قيمة لها إن كان المقعد المقابل له خالياً، وإن كانت المرأة التي يحبها ترتجف خوفاً منه في زاوية بعيدة. وفي هذه الأثناء داخل القصر، مرت الساعات ثقيلة وجافة على لونا. كانت قد تناولت بضع لقمات من الفطور
Read more
PREV
1
...
242526272829
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status