الفصل الحادي والستونالجزء الأول: بين المطر والرسائل المنسيةلم يكن المطر يهطل بعنف، بل كان ينزل على مهل، قطرةً بعد أخرى، كأنه يخشى أن يوقظ المدينة من صمتها. ارتطمت القطرات بزجاج النافذة في إيقاع رتيب، فامتلأت غرفة الجلوس بذلك الصوت الهادئ الذي يشبه همس الذكريات أكثر مما يشبه صوت العاصفة.على الطاولة الخشبية، استقر دفتر يوسف إلى جانب الهاتف الذي ما تزال صورته القديمة مضاءة على الشاشة. بدا المشهد كله غريبًا؛ دفترٌ كُتب قبل سنوات، وصورةٌ نجت من النسيان، وأربعة أشخاص وجدوا أنفسهم يقفون في منتصف حكاية لم يكونوا جزءًا من بدايتها، لكنهم أصبحوا مسؤولين عن نهايتها.لم يتعجل أحد بالكلام.حتى مراد، الذي اعتاد أن يكسر الصمت كلما طال، اكتفى بإخراج أنفاسه ببطء وهو يتأمل وجه رفيق. كان يعرفه منذ سنوات، ويعرف أن ذلك السكون الذي يلفه الآن ليس هدوءًا، بل عاصفة لا يسمع صوتها إلا من يعرفه جيدًا.أما رفيق، فقد ظل واقفًا أمام النافذة، واضعًا إحدى يديه داخل جيب معطفه، بينما استقرت الأخرى فوق ساعة يوسف المربوطة حول معصمه. لم يكن يشعر بالمطر، ولا ببرودة الجو، ولا حتى بنظرات رفاقه. كان يعيش داخل الصورة القديمة
Last Updated : 2026-06-30 Read more