على الجانب الآخر، وفي ذات الليلة، كان جناح فيروز داخل قصر الراشد غارقًا في هدوء ثقيل كئيب، لم يقطعه سوى أصداء خطواتها المترددة وهي تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا. لم تستطع الاستقرار في مكانها؛ فكلما حاولت الجلوس لتهدئة روعها، عادت يدها تلقائيًا إلى ذلك الكارت الصغير القابع فوق الطاولة . كانت تقلبه بين أصابعها المرتجفة ، وتحدق في الرقم المطبوع عليه بغموض ، ثم تعود لتلقيه بإحباط، قبل أن تلتقطه من جديد بعد ثوانٍ معدودة. أغمضت عينيها بقوة محاولة طرد الأفكار الهوجاء من رأسها. فمنذ خروج ذلك الرجل الغامض من المطعم، وصوته البارد لا يغادر عقلها ولا يفارق مسمعها. كان هناك شيء مبهم في نبرته، شيء بدا لها مألوف للغاية، كأنها تعرفه وتخشاه في آن واحد. وقفت فجأة في منتصف الغرفة ، واتسعت عيناها ببطء صاعق مع تدفق الذكريات ؛ لتهمس لنفسها بنبرة خافتة: — مستحيل لا يمكن أن يكون ما تفكري به حقيقيً. تراجعت خطوة إلى الخلف كمن تلقى ضربة سريعة، وتمتمت بذعر: — مستحيل... لكنها رغم النكران كانت متأكدة من ظنونها ؛ فهي لم ترَ وجهه بوضوح يوم اختطفها رجال الغراب من خلف الملهى الليلي،
Last Updated : 2026-07-28 Read more