جميع فصول : الفصل -الفصل 220

273 فصول

الفصل ٢١١

في قصر يعقوب، كان الصمت يفرض هيبته علي المكان كانت فيروز ويعقوب يتناولان وجبة الإفطار، كانت الطاولة الخشبية الطويلة المصنوعة من الأبنوس الداكن تفصل بين جسديهما، وكأنها مرآة تعكس الشروخ العميقة في علاقتهما ، بينما كان يعقوب يراقبها بنظرات متحفظة و بارده كالثلج ؛ لا يتحدث معها إلا إذا تحدثت هي ، وحتى ردوده كانت مقتضبة ، حادة ، وباردة . نظرت إليه فيروز وهي تحاول إذابة هذا الجليد،بينهم ، وقالت بنعومة: —يعقوب سأعود الليلة إلى غرفتنا الأساسية .لم تتغير ملامح يعقوب الصارمة ولا أنشوطة واحدة في وجهه، بل أجابها ببرود: — افعلي ما تشائين .ابتسمت له بنعومة ودلال وقالت: — هذا تماماً ما أشاء... لقد اشتقتُ إلى زوجي كثيراً ، ألم تشتق لي أنتَ أيضاً ؟ لم يرد يعقوب على سؤالها ، وظل يرمقها بغموض شديد ونظرات مبهمة حاصرتها ، ثم سألها فجأة بنبرة جليديه : — كيف تواصلتِ مع الصحافة والإعلام في الامس ؟ نظرت فيروز إلى طبقها و هي تكتم ابتسامتها ، وقالت بهدوء : — اشتريتُ هاتف أحد عمال التوصيل الذين أحضروا المؤن. ضيق يعقوب عينيه ، ثم أخرج هاتفها الشخصي القديم من جيبه ووضعه أمامه
last updateآخر تحديث : 2026-08-17
اقرأ المزيد

الفصل ٢١٢

ساد الصمت لثوانٍ طويلة داخل غرفة الطعام ، بعدما بقيت كلمات يعقوب معلقة بينهما كان يقف أمامها بملامح جامدة، لكن عينيه كانتا تقولان شيئاً آخر تماماً، كانت هناك سنوات طويلة من الغضب والمرارة لم تهدأ يوماً. رفع عينيه إليها وقال بنبرة حازمة: — لا تعتقدي للحظة واحدة أنكِ بذكائكِ هذا تستطيعين استدراجي حتى أخبركِ بأي معلومة أو سر يخص عائلتي أو ماضيها. تألمت فيروز من كلماته، لكنها لم تتراجع. كانت عيناها تمتلئان بالدموع وهي تحاول أن تجد مدخلاً آخر إلى قلبه. قالت بصوت متهدج: — لكن يا يعقوب، لماذا لا نترك الماضي حيث ينتمي ونحاول أن نبدأ من جديد ؟ إذا كان ما سمعته صحيحاً ، فالشخص الذي تسبب في قتل والدك مات منذ زمن أيضاً . فما الفائدة من استمرار هذه الحرب بين العائلتين ؟ ضحك يعقوب ضحكة ساخره ، ثم قال بمرارة واضحة: — مات ؟ نعم، مات بهدوء فوق فراشه ، وبين أفراد عائلته ، بينما أنا لم أحصل حتى على فرصة لأودع أبي . كل ما أتذكره عنه هو تلك الليلة التي وجدته فيها غارقاً في دماؤه وسط حديقة منزلنا. توقفت فيروز عن الكلام. تابع يعقوب، وصوته يزداد ثقلاً: — كنت طفلاً وقتها، ولم أكن
last updateآخر تحديث : 2026-08-17
اقرأ المزيد

الفصل ٢١٣

التفت سامي نحو شرف، وتغيرت نبرة صوته قليلاً. بدا هادئاً في ظاهره، لكن كلماته كانت تحمل وراءها الكثير من التحريض، وقال: — عمي شرف، إذا كنا نريد فعلاً إخضاع رجل مثل يعقوب الراشد من دون أن نضطر إلى إطلاق رصاصة واحدة، فعلينا أن نضربه في المكان الذي يؤلمه أكثر... نفوذه وهيبته في السوق . أنا أرى أننا يجب أن ندخل كمنافس قوي ومفاجئ في المشروعات والمناقصات الكبيرة التي تخوضها شركة الراشد حالياً ، ونضغط عليه اقتصادياً حتى يفقد جزءاً من قوته. ظل شرف صامتاً لعدة لحظات ، وكأن اقتراح سامي أعاده إلى سنوات بعيدة لم يرغب في تذكرها. مرر يده على وجهه بضيق ، ثم قال بنبرة أثقلها الماضي: — لقد عشنا شيئاً مشابهاً لهذا تماماً في الماضي بين والدي نوح ومعتز الراشد. كان كل واحد منهما يراقب الآخر وينافسه في كل مشروع تقريباً، حتى تحولت المنافسة إلى حرب استنزاف حقيقية كادت تدمر ثروة العائلتين. لم يتوقف كل ذلك إلا بعد وفاة والدي نوح، عندما عقدتُ أنا وأمي خديجة اتفاق الصلح مع معتز. سكت قليلاً قبل أن يتابع: — تعاهدنا وقتها بشكل واضح أن يحترم كل طرف حدود الآخر، وألا يتدخل في م
last updateآخر تحديث : 2026-08-19
اقرأ المزيد

الفصل ٢١٤

دخل يعقوب قصر والدته بخطوات ثقيلة . كان واضحاً من ملامحه أنه لم يكن في أفضل حالاته، لكن ما إن رفع عينيه حتى وجد سمية واقفة في منتصف الردهة، تنتظره. كانت غاضبة بجنون وما إن التقت عيناها بعينيه حتى رفعت هاتفها أمامه وقالت بحدة: — أهلاً بالابن البار! هل رأيت ما فعلته زوجتك ؟ هل شاهدت كيف وقفت أمام الكاميرات وتحدثت عنك وعن استعدادك لنسيان دماء والدك وكأن الأمر بهذه البساطة ؟ لقد جعلت اسم آل الراشد كله حديث الناس! أغمض يعقوب عينيه للحظة، ثم تنفس ببطء وقال: — أمي، أرجوكِ اهدئي. لم آتِ إلى هنا لكي نتشاجر ، أنا أريد أن نتحدث بهدوء ونفهم بعضنا. ضحكت سمية بسخرية، وتقدمت نحوه: — بهدوء ؟ وأي هدوء تتحدث عنه يا يعقوب ؟ لقد اتصلت بك بالأمس وسألتك سؤالاً واضحاً ولم تجبني. واليوم أريد الحقيقة كاملة منك، دون أي مراوغة. ظل يعقوب صامتاً، فنظرت إليه مباشرة وسألته: — هل كنت تعرف أن فيروز هي آسيا شرف التهامي ؟ هل كنت تعرف حقيقة هويتها منذ البداية؟ لم يجبها فوراً، فتابعت بصوت أكثر ألماً: — قل لي إنك كنت تعرف. قل لي إن كل ما فعلته كان جزءاً من انتقامك منهم. أر
last updateآخر تحديث : 2026-08-19
اقرأ المزيد

الفصل ٢١٥

ركبت خديجة مقعدها الخلفي الوثير داخل سيارتها الـ "بنتلي" السوداء الفاخرة، وأغلقت الباب لتعزل نفسها عن صخب القصر، ثم نظرت إلى السائق وقالت بنبرة : — تحرك الآن... وجهتنا مدينة إيفارا .أخرجت هاتفها من حقيبتها وضغطت على الرقم القديم مجدداً. لم يمر الكثير من الوقت حتى جاءها صوت معتز الراشد، مفعماً بتهكمه المعتاد : — يا للعجب يا خديجة!... تتصلين بي مرتين في نفس الأسبوع؟ ما الذي تريدينه مني الآن؟ أجابته بنبرة قاطعة :— بعد ساعتين من الآن... أريدك أن تكون في منزلنا القديم. ساد الصمت لثانية قبل أن يقول معتز بنبرة غامضة: — وما أدراكِ أنني ما زلتُ أحتفظ بذلك المنزل حتى هذه اللحظة ؟ لعلني بعته أو دمرته. ردت عليه بجزم وثقة مطلقة: — لأنني أعرفك جيداً يا معتز... تحتفظ به كما كان تماماً ولم تغير به إنشاً واحداً. بعد ساعتين سأكون هناك. أغلقت الخط فوراً دون أن تنتظر منه رداً أو اعتراضاً .بعد مرور ساعتين كاملتين من السير على الطريق السريع، تباطأت حركة السيارة الـ "بنتلي" حتى توقفت تماماً أمام بوابات فيلا كلاسيكية قديمة، يلفها هدوء شاعري ساحر بعيداً عن صخب المدن. نز
last updateآخر تحديث : 2026-08-19
اقرأ المزيد

الفصل ٢١٦

قالت خديجة بصوت متهدج ، بينما كانت عيناها تلمعان بإصرار لم تستطع إخفاءه: — أريد مقابلة يعقوب... وأريد أن أخبره بحقيقة من أكون. ما إن أنهت جملتها حتى تغيرت ملامح معتز بالكامل . اتسعت عيناه بصدمة واضحة، وتصلب جسده في مكانه للحظات ، قبل أن يخرج صوته غاضباً وساخراً: — ومن تكونين تحديداً يا خديجة ؟ هل تظنين أن يعقوب سيعتبركِ جدته لمجرد أنكِ أنجبتِ والده عمر ؟ لقد هجرتِه وتركتِه خلفكِ وهو لم يتجاوز بضعة أشهر من عمره ، ثم سافرتِ وعُدتِ إلى آل التهامي. لا يمكنكِ الآن أن تتصرفي وكأن كل شيء لم يحدث. اهتزت شفتا خديجة، وظهرت الدموع في عينيها، لكنها لم تتراجع. — ربما ارتكبتُ أخطاء لا يمكنني إنكارها ، وربما تركتُ خلفي أشياء لا أستطيع إصلاحها ، لكن مع كل ذلك سأظل جدته رغماً عن الجميع . يجري دمي في عروقه، وهذه الحقيقة لن يستطيع أحد تغييرها. ضحك معتز بمرارة، ثم قال وهو يحدق بها: — وماذا سيحدث عندما يعلم ؟ هل فكرتِ في ذلك قبل أن تطلبي مقابلته ؟ ألم يكفِ ما حدث في الماضي ؟ عندما عرف عمر بحقيقتكِ وعلم أنكِ ما زلتِ على قيد الحياة، ذهب يبحث عنكِ بنفسه ، ولم يعد حياً م
last updateآخر تحديث : 2026-08-19
اقرأ المزيد

الفصل ٢١٧

توقف معتز عن الكلام. تابعت خديجة: — في البداية فكرتُ أن انفصالهما قد يكون الحل الأسهل. كنت أخشى أن تؤدي هذه الزيجة إلى حرب جديدة بين العائلتين، وكنت أظن أن إبعاد آسيا عنه ربما يحميها ويحمي الجميع. لكنني رأيت الحقيقة الآن. إذا كان يعقوب يحبها بصدق، وإذا كانت آسيا تحبه أيضاً، فلا بأس أن يبقيا معاً. نظر إليها معتز بشك. — إذن لماذا تريدين مقابلته؟ أخذت خديجة نفساً عميقاً، وقالت: — لأنني أريد أن يعرف شيئاً آخر. شيئاً قد يغير نظرته إلى ماضيه كله. أريده أن يعرف الحقيقة التي ربما تبرئ روحه من جزء من هذا الألم، وتهدئ الجرح الذي يحمله منذ طفولته. سألها معتز بسخرية مريرة: — وماذا ستقولين له؟ هل ستخبرينه أن نوحاً ندم بعد قتل والده؟ هل ستخبرينه أن ضميره استيقظ ذات يوم وأدرك حجم الجريمة التي ارتكبها؟ هزت خديجة رأسها ببطء. — لا. لم يندم نوح يوماً. لم أشاهده يشعر بالندم على ما فعله بعمر، ولم يتغير قلبه بعد كل تلك الجرائم التي ارتكبها. لم يكن هناك ندم، ولا اعتذار، ولا حتى لحظة واحدة شعرت فيها أنه أدرك بشاعة ما فعل. صمتت لثوانٍ، ثم تغيرت نظرتها تماماً. كانت عيناها تحملان هذه المرة قسوة امرأ
last updateآخر تحديث : 2026-08-19
اقرأ المزيد

الفصل ٢١٨

كانت ليلة إيفارا باردة وهادئة، والمدينة تمتد أمام الشرفة بأضوائها المتناثرة ، بينما وقف يعقوب وحده أمام السور الزجاجي، يحدق في البعيد دون أن يرى شيئاً في الحقيقة. كان جسده ساكناً، لكن ملامحه لم تكن كذلك أبداً . بدا الإرهاق واضحاً على وجهه ، وانعقد حاجباه بشدة، بينما ظلت أفكاره تدور في دوائر لا تنتهي. كل ما حدث في الأيام الماضية ، وكل ما عرفه عن الماضي، وكل ما يتعلق بوالده وعائلته وآسيا، كان يضغط على رأسه بلا رحمة. لم يسمع خطواتها. تقدمت آسيا من خلفه بهدوء شديد ، تحمل بين يديها وشاحاً صوفياً دافئاً. توقفت خلفه للحظة ، وتأملته بصمت ، ثم رفعت الوشاح ووضعته برفق حول كتفيه العريضتين. لم يلتفت يعقوب. اكتفى بأن شد أصابعه فوق حافة السور ، وكأن وجودها خلفه لم يفاجئه. لكن آسيا لم تقل شيئاً. بدلاً من أن تفتح حديثاً قد يدفعه إلى الانغلاق أكثر ، رفعت يديها ببطء ، ووضعت كفيها فوق عينيه من الخلف، فحجبت عنه أضواء المدينة. تحرك يعقوب بضيق ، وشد جسده قليلاً ، ثم لمس أصابعها محاولاً إبعادها. — آسيا... أرجوكِ، ليس لدي مزاج يسمح لي باللعب الآن. رأسي يكاد ينفجر من كثر
last updateآخر تحديث : 2026-08-20
اقرأ المزيد

الفصل ٢١٩

تجمد يعقوب تماماً. لم تعد ملامحه تحمل ذلك الجمود المعتاد. كان هناك شيء آخر ظهر فجأة في وجهه ؛ شيء يشبه دهشة طفل يسمع لأول مرة قصة عن نفسه لم يكن يعرفها. ظل صامتاً. ثم تحركت شفتاه بصعوبة. — لعبة... مسح المخاوف؟ أجابته آسيا بنعومة: — نعم. كان يفعل ذلك عندما تخاف. أخذ يعقوب نفساً عميقاً ، لكن هذه المرة لم يكن النفس مستقراً. كانت أنفاسه ترتجف. وفجأة، انزلقت دمعة ساخنة من تحت كف آسيا ، وسارت ببطء فوق أصابعها. توقفت حركتها للحظة. سمعته يقول بصوت مكسور: — لقد. تذكرت شيئاً. تركته يتابع. قال بصعوبة: — طوال هذه السنوات، عندما أحاول أن أتذكر أبي، لا أرى إلا الدماء. أرى جسده في الحديقة ، وأتذكر أنني ركضت إليه وأنا سعيد لأنه عاد إلى البيت... ثم رأيت الدم. ابتلع غصته. — لكن الآن... لم أرَ الدماء. اقتربت آسيا منه أكثر ، وظلت أصابعها تتحرك برفق فوق جبهته. قال: — رأيت يده. ارتجف صوته أكثر. — لم تكن يداً قاسية كما تخيلتها طوال حياتي . كانت دافئة... وحانية. توقفت أنفاسه للحظة، ثم أضاف: — وأتذكر صوته. انخفض رأسه قليلاً. — كان يقول لي: "أنا معك يا يعقوب... لا تخف ما
last updateآخر تحديث : 2026-08-20
اقرأ المزيد

الفصل ٢٢٠

بعد مرور أسبوعين كاملين ، كان قصر التهامي يعيش ليلة مختلفة تماماً عن كل ما عرفه في الأيام الماضية. القاعة الكبرى امتلأت عن آخرها بنخبة المجتمع، وتعالت أصوات الأحاديث والضحكات في أرجائها ، بينما كانت كاميرات الصحفيين لا تهدأ ، تلتقط الصور من كل زاوية، وتوثق تفاصيل الحفل الذي جمع العائلتين بعد سنوات طويلة من العداء والصراع. عند المدخل الرئيسي، وقف شرف التهامي إلى جانب معتز الراشد، وكلاهما يرتدي ابتسامة رسمية لا تكشف شيئاً عما يدور خلفها. كانا يستقبلان الضيوف واحداً تلو الآخر، يتبادلان عبارات الترحيب والمجاملات ، بينما استمرت حركة الداخلين إلى القصر دون توقف. لكن بعيداً قليلاً عن هذا المشهد، كانت سمية تقف وهي تراقب كل شيء بنظرات مشتعلة. كانت تمسك كأساً بين أصابعها، وتضغط عليه بقوة حتى ابيضت مفاصل يدها. لم تكن سعيدة على الإطلاق بهذا الحفل، ولا بالمكان الذي أقيم فيه، ولا بما يعنيه اجتماع آل التهامي والراشد تحت سقف واحد. التفتت نحو خديجة وقالت بصوت خافت : — ما زلت لا أفهم حتى الآن لماذا اخترنا هذا المكان تحديداً . لماذا لم نقم الحفل في قصر الراشد وننهي كل هذا
last updateآخر تحديث : 2026-08-20
اقرأ المزيد
السابق
1
...
2021222324
...
28
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status