جميع فصول : الفصل -الفصل 170

197 فصول

الفصل 160: صداء الرصاص وشمس في غياهب الظلام

وسط العاصفة الثلجية التي تجتاح القرى الجبلية في بولندا، كان الضابط شتراوس يختبئ خلف أحد السواتر الخشبية المتجمدة، ولا يحول عينيه عن إريك ولو للحظة. نظراته كانت مليئة بالريبة كسكينٍ مسنونة، يراقب كل حركةٍ يصدرها قائد المقر، يبحث عن زلةٍ واحدة تؤكد شكوكه القديمة حول الخيانة. إريك كان يتحرك في الميدان كأنه جسدٌ بلا روح. أفكاره مشتتةٌ كشظايا زجاجٍ مكسور: سر الوثائق الذي لم يكتشفه بعد، اختفاء إيلينا المفاجئ في هذا الصقيع القاتل، تهديدات فيدريتش التي لا تزال ترن في أذنيه، والقسوة التي تطوقه من كل جانب. كان يسمع صوت الرياح وهي تعوي بين الأشجار، وصوت جنوده وهم يهمسون خلفه، لكنه لم يكن يسمع سوى صوتٍ واحدٍ في داخله: أين أنتِ الآن؟ وفجأة… خرج أحد عناصر المقاومة البولندية من بين الأشجار الكثيفة كشبحٍ أبيض، ورفع بندقيته بسرعةٍ مرعبة، وأطلق النار. الجندي الألماني الذي كان يقف إلى جوار إريك مباشرة سقط على الثلج ككيسٍ فارغ، الدم ينزف من صدره ويصبغ البياض القرمزي. تسمر إريك لكسرٍ من الثانية. الصرخات الداخلية دوّت في رأسه كالرعد: «هي أرضها… هم أهلها… لكن هؤلاء جنودي… وعيون شتراوس تراقبني… فيدريتش
last updateآخر تحديث : 2026-08-09
اقرأ المزيد

الفصل 161: دفء وسط الجليد

في المستشفى الخاص ببرلين، اشتعل الصراع العائلي فور خروج الطبيب من غرفة هنريتش كشرارةٍ سقطت على بنزين. وقف فيلهلم أمام ليون وبجواره صوفيا، صوته حازم كحدّ السيف: — «نقل هنريتش إلى قصره أصلح له ولرعايته… وسأشرف على ذلك بنفسي.» رد ليون بحدةٍ ورفضٍ قاطع، عيناه تلمعان بتحدٍّ بارد: — «لن ينتقل إلى أي مكان! أنا ابنه والمسؤول عنه قانونياً وطبياً… وسيكون تحت رعايتي أنا فقط.» تدخلت صوفيا بصرامةٍ لم يعهدها أحد منها، ووقفت بين الرجلين كدرع: — «أبي مكانه الطبيعي في قصره بين عائلته… وليس تحت سيطرتك يا ليون!» خرج الطبيب الرئيسي من الغرفة فجأة، وقطع الحجاب بغضبٍ واضح، صوته يرتفع حتى اهتزت الجدران: — «هدئوا أصواتكم فوراً! المريض يحتاج إلى الراحة التامة، ولن يتحرك سنتيمتراً واحداً من هذه الغرفة لأيامٍ قادمة. أرجو من الجميع المغادرة… الآن!» انصرف الجميع على أمل اللقاء مجدداً، لكن العاصفة الحقيقية كانت تدور في مكانٍ آخر… بعيداً عن برلين، في قلب الجليد البولندي. في بلدةٍ نائية يكسوها الثلج الشديد، كانت إيلينا تسير بخطواتٍ ثقيلةٍ مجهدة كأنها تحمل جبالاً على كتفيها. البرد القارس ينهش عظامها، والجوع
last updateآخر تحديث : 2026-08-09
اقرأ المزيد

الفصل 162: آثار على الثلج

انتهت المهمة العسكرية العنيفة في القرية الجبلية. الجنود عادوا يتضاحكون ويرددون أهازيج النصر بعد القضاء على خلية المقاومة، أصواتهم ترتفع في العاصفة كأنها تضحك من الموت نفسه. أما إريك فكان يسير بينهم كالجثة الهامدة. يداه ملطختان بدماء المقاومين، وقلبه يعتصره ألمٌ غامض يشبه الخيانة لما كان يؤمن به، وعقله معلّقٌ بتلك التي اختفت دون أثر… كأنها لم تكن يوماً بين ذراعيه. وصل إلى المنزل المظلم. الوحشة تضاعفت في الأركان حتى كادت تخنقه. في تلك اللحظة ركض الحارسان اللذان كلّفهما بالبحث في البلدة، ووقفا أمامه بترددٍ وخوفٍ واضح: — «سيدي القائد… لقد تمشّطنا البلدة بأكملها، وسألنا في المحطات والقرى المجاورة… لا يوجد أي أثر للسيدة مارغريت.» انفجر إريك. غضبٌ هستيريٌّ اجتاحه كالنار في الهشيم. فقد السيطرة على أعصابه تماماً، وهجم على أحد الحارسين يضربه بضراوةٍ ويصرخ في وجهه بكلماتٍ مبحوحة لا تُفهم. تقدّم فيدريتش مذعوراً وسحبه بعيداً بقوة. لمح الدموع والانهيار في عيني صديقه… وعلم حينها الحقيقة المريرة: إيلينا لم تخرج للتسوق. هي هربت. اختفت في الصقيع. تسمر فيدريتش في مكانه. الشعور بالذنب اعتصر رأ
last updateآخر تحديث : 2026-08-09
اقرأ المزيد

الفصل 163: العاصفة السوداء*

في برلين، كان ليون يجلس في مكتبه الفخم يحدّق في الخريطة المفتوحة أمامه كمن يحدّق في فريسة. بولندا… المكان الذي يختبئ فيه إريك، والمكان الذي توجد فيه إيلينا. كان يبحث عن أسرع طريقة للوصول دون أن تستطيع عائلته أو المحامون عرقلة مساره ولو لساعة واحدة. بفضل علاقاته ونفوذه المالي الذي لم يكن أحد يجرؤ على منافسته، وصله خبرٌ حصري في الصباح الباكر: جنرالٌ ألماني مرموق يستعد للذهاب في زيارةٍ تفقدية رفيعة المستوى إلى الجبهة في بولندا لرفع معنويات الجنود بعد العمليات الأخيرة. لم يضيّع ليون ثانيةً واحدة. اتصل، ورتّب، واجتمع بالجنرال في مكتبه العسكري خلال ساعات. جلس أمامه بابتسامةٍ واثقة ونبرةٍ وطنيةٍ مصطنعة: — «سيدي الجنرال… أنا ليون فونشتاين. أعرف جيداً ما يعانيه رجالنا هناك من نقصٍ في المؤن والملابس الشتوية. أنا مستعد لتمويل هذه الحملة بالكامل… شحنات ضخمة من الأغذية، والمؤن، والملابس الفاخرة على نفقتي الخاصة. كل ما أطلبه هو مقعدٌ في القافلة.» نظر إليه الجنرال باهتمام، ثم ابتسم: — «سيد فونشتاين… عرضك سخيٌّ جداً. الجنود يحتاجون إلى مثل هذا الدعم. سأضمن لك مكاناً في القافلة التي تغادر فجر الغ
last updateآخر تحديث : 2026-08-09
اقرأ المزيد

الفصل 164: قيود من شرار وتملك

وقفت إيلينا عند عتبة المخبز البسيط، والثلج يتساقط خلفها كستائر بيضاء ثقيلة. حاولت سحب ذراعها من قبضة نيكولاي مراراً، لكن أصابعه تشبثت بها بلهفة يائسة. قال نيكولاي بصوت مبحوح يرتجف من البرد والعاطفة معاً: "أرجوكِ يا إيلينا... لا تخرجي في هذا الصقيع القارس. سامحي خطيئة الماضي، ونسياني لعتابي القاسي. ابقي هنا فحسب حتى ينقضي الشتاء. لا أريد أن أفقدكِ مجدداً!" سحبت يدها بقوة أكبر، وحاولت أن تجعل نبرتها صارمة كالجليد: "انسَ شخصيتي القديمة تماماً يا نيكولاي! ألا تدرك أنني أصبحتُ السيدة مارغريت؟! لا يحق لك التدخل في شؤوني أو اعتراض طريقي بعد الآن. افهم هذا جيداً!" وفي تلك اللحظة بالذات انفتح باب المخبز الخشبي بضربة عنيفة مفاجئة جعلت الأخشاب ترتجف من حولهما. دخل إريك بمفرده، بعد أن أمر فرقة الكلاب البوليسية والجنود بالانتظار في الخارج. أغلق الباب خلفه ببطء شديد، وعيناه الداكنتان كظلمة الليل تمسحان المكان ببرود مرعب، حتى استقرت حدقتاه على يد نيكولاي وهي تحيط بمعصم إيلينا. تسمر نيكولاي في مكانه شاحب الوجه. تجمعت الدموع في عيني إيلينا وهي ترى زوجها يقف أمامها كالموت المحقق. كانت أنف
last updateآخر تحديث : 2026-08-10
اقرأ المزيد

الفصل 165: عاصفة الأبواب المغلقة

توقفت الشاحنة العسكرية أمام المنزل الخشبي وسط الصقيع القاتل. ترجل إريك بملامح جامدة كالصخر، وفتح الباب الخلفي بقسوة، ليشد إيلينا من معصمها ويجبرها على النزول. جرت قدميها خلفه بخطوات متثاقلة ومتصلبة، والدموع لا تزال تجمد على خديها من البرد والقهر. ركض فيدريتش خلفهما مباشرة، محاولاً تدارك الموقف: "إريك! كفى جنوناً.. هدئ من روعك ودعنا نتفاهم بهدوء داخل البيت!" حاول فيدريتش الاقتراب لمد يد المساعدة، لكن إيلينا التفتت إليه بدموع محتبسة ونظرة صلبة يملؤها الجفاء المطلق والاحتقار البارد. تجاهلته كلياً، وكأنه مجرد شبح عابر. حفرت كلماته القاسية السابقة في نفسها جرحاً لا يُمحى، وكان ذلك التجاهل أشد وقعاً على فيدريتش من ألف صاعقة. شعر بوخز الندم يحرق صدره وهو يبتعد خطوة. فتحت واندا باب المنزل بلهفة وفزع وهي ترى حالة إيلينا المنهكة وشحوب وجهها. سارعت الخادمة لتأخذ معطفها وتتدخل بينهما بلهجة متوسلة: "سيدي القائد! السيدة ترتجف كالجثة من البرد والقهر، دعها تستريح أولاً أرجوك!" دفع إريك يد واندا بصرامة وصاح بها: "ابتعيدي عن طريقنا حالاً يا واندا!" ما إن أُغلق باب المنزل الخشبي حتى انفجر الم
last updateآخر تحديث : 2026-08-10
اقرأ المزيد

الفصل 166: أهي نهاية أم بداية؟

لم تمضِ سوى لحظات على إغلاق الباب فوق إيلينا حتى اخترق الهدوء المسموم في المكتب صوت رنين هاتف العمل الثابت. صرخ الهاتف بجفاء، فاقتحم إريك الغرفة بخطوات ثقيلة وسحب السماعة بقسوة أوشكت أن تطبق على البلاستيك الأسود. قال بصوت غاضب ومرعب دون أن ينتظر استقبال الطرف الآخر: "من معي؟! أوجز ولا تضيع وقتي!" جاءه من الطرف الآخر صوت شريكه ومساعده المحامي الشاب في برلين، والذي بدا مرتجفاً ومندهشاً من قسوة نبرة القائد: "سيدي القائد إريك؟ هل أنت بخير؟ يبدو أنك في وضع لا يسُر..." قاطعه إريك بجفاء قارس: "أنا بخير. لدي أعمال طارئة هنا! ادخل في صلب الموضوع فوراً واختصر!" تنهد المحامي وقال بنبرة تحمل ثقل الفجيعة: "أحمل لك قنابل متتالية من برلين يا سيدي. الخبر الأول: والدك السيد هنريتش قد استيقظ أخيراً من غيبوبته، لكنه فقد ذاكرته كلياً ومكث تحت علاج مكثف في المستشفى. ورغم أن الطبيب يؤكد أن عودة ذاكرته مسألة وقت، إلا أنه عاجز حالياً عن السيطرة على أي شيء." تجمّدت حدقتا إريك، لكن القادمة كانت أشد ثقلاً حين واصل المحامي: "الخبر الثاني: ليون استغل عجز والدك ونفوذه، واستصدر أمراً بتجميد كافة حساب
last updateآخر تحديث : 2026-08-10
اقرأ المزيد

الفصل 167: رقصة على جمر الشك

أشرقت شمس بولندا باردة على المقر العسكري الرئيسي. وصلت القافلة العسكرية الضخمة المحملة بالمؤن والعتاد، ورفقتها حراسة مشددة يتقدمها الجنرال الألماني وليون. وللترويح عن الضباط والعائلات بعد أسبوع حربي عصيب ضد المقاومة البولندية، أصدرت القيادة العليا أمراً بإنهاء المهمة الميدانية مؤقتاً وإقامة "سهرة نصر واستقبال" فاخرة في القاعة الكبرى للمقر، مع إلزام جميع الضباط بالحضور برفقة زوجاتهم للترحيب بالجنرال والداعمين. وصل الخطاب الرسمي إلى إريك. حدّق في الورقة بجمود. كان يعلم أن غيابه أو غياب إيلينا سيفجّر الشكوك والتساؤلات أمام الطبقة الأرستقراطية والجنرال، خاصة بعد الشائعة المسمومة التي نشرها كارل في صحف برلين حول النزاع بين الأخوين على امرأة واحدة. في الفيلا الخشبية دخل إريك إلى الغرفة الرئيسية بنبرة جافة وصارمة تخلو من أي دفء: "ارتدي ثيابكِ يا إيلينا. لدينا حفلة رسمية في المقر العسكري الليلة، والحضور إجباري وبأمر من القيادة." ردت إيلينا وهي تجلس على طرف السرير بدوار وذهول، دون أن تنظر إليه: "لن أذهب إلى أي مكان. اتركني وشأني." اقترب إريك منها بخطوات ثقيلة، وقال بصوت خفيض وبارد كال
last updateآخر تحديث : 2026-08-10
اقرأ المزيد

الفصل 168: طقوس الانتقام القاسي

انساب صوت الكمان في أرجاء القاعة الكبرى، حاداً وشجياً كشفرة تصقل على الجليد. سارت إيلينا نحو ساحة الرقص مستندة إلى كف ليون، تاركة خلفها طاولتهما الملبدة بصمت مسموم. لم تلتفت لترى كأس النبيذ وهو يتحطم في قبضة إريك، ولا الدماء الداكنة التي بدأت تسيل على المفرش الأبيض. كان كبرياؤها الجريح ورغبتها في معاقبة زوجها على قسوته وشكوكه أشد إعماءً لقلبها من أن تلاحظ جرحاً في يده. استدار ليون بها في منتصف الساحة، ويده تطوق خصرها بضغط بطيء يفيض بتملك قديم. مال بنظراته المظلمة نحو وجهها الشاحب وهمس بنبرة دافئة ومسمومة: "لقد قطعتُ نصف العالم لأصل إليكِ يا إيلينا. الثلج والحرب ورتبة إريك العسكرية لم تمنعني. أنا أحبكِ، صدقيني. ويمكنني أن أطأ الجحيم بقدمي لأجلكِ." شزرت إيلينا بعينيها وقالت بصوت خفيض يقطر بروداً وقسوة: "أنا لا أحبك يا ليون، ولم أحبك يوماً. حتى صداقتنا الزائفة تلك، خدعتني فيها وجعلتها أداة لمآربك. لا تتخيل لحظة أن وجودي بين يديك الآن هو رغبة فيك أو قبول بوجودك!" حدق ليون في عينيها الشاردتين ونظراتها التي كانت تسرق الخطفات نحو الطاولة البعيدة. ابتسم بمرارة ذكية واستنتج الحقيقة ببرا
last updateآخر تحديث : 2026-08-10
اقرأ المزيد

الفصل 169: فدية الظلام

عمّ الظلام القاعة الكبرى ككفن أسود. تهاوت الثريا الكريستالية محطمة، وتصاعدت صرخات النساء واختلطت بطلقات الرصاص. تحت الطاولة، كان جسد إريك يغطي إيلينا تماماً، ويده النزيفة تمسك بمسدسه بينما يصرخ: "اثبتي مكانكِ! لا ترفعي رأسكِ!" لكن يداً قوية انقضّت من العتمة، وأطبقت على معصم إيلينا كالفخ. سُحبت بقوة وحشية بعيداً عنه وسط الفوضى. حاولت الصراخ، فكُتم فمها بقطعة قماش خشنة مبللة بمادة حادة الرائحة. شعرت بجسدها يُرفع ويُجرّ بسرعة عبر ممر خلفي ضيق كانت أبوابه قد فُتحت مسبقاً. أربعة رجال ملثمين كانوا ينتظرون عند باب الخدمة الخلفي. أحدهم همس بسرعة بالبولندية: "أسرعوا... الزوجة النمساوية للضابط فونشتاين. هي الورقة الرابحة." أُدخلت إيلينا إلى صندوق سيارة عسكرية مسروقة كانت تنتظر في الزقاق الخلفي. أُغلق الباب عليها، وانطلقت المركبة في الظلام في القاعة، كان إريك قد فقد عقله تماماً. نهض من تحت الطاولة وعيناه مجنونتان، يطلق الرصاص في كل اتجاه وهو يصرخ بصوت مبحوح: "إيلينا!! أين هي؟! من أخذها؟!" أمسك بضابط ألماني من ياقته وكاد يخنقه "أين خرجوا؟! أجب أو أفرغ الرصاص في رأسك الآن!" حاول فيدريت
last updateآخر تحديث : 2026-08-10
اقرأ المزيد
السابق
1
...
151617181920
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status