جميع فصول : الفصل -الفصل 160

197 فصول

الفصل 150: صدمة في العتمة ووعود الدم

جلس إريك خلف مكتبه الخشبي الثقيل، وقد امتلأت الغرفة بصمت كثيف لا يكسره سوى صوت أنفاسه المتسارعة. كانت أصابعه ترتجف وهو يفتح المظروف المستهلك بحذر، ويستخرج الورقة المطوية التي أكل الزمان أطرافها واصفرّت حروفها. وقع بصره فوراً على الخط اليدوي المائل الحنون، رسالة من الجدة كاترينا إلى حفيدتها الصغرى: «حبيبتي الصغيرة إيلينا... حين تقع هذه الورقة بين يديكِ، سأكون قد رحلتُ عن هذا العالم، وسأكون قد أودعتُ سرنا الأخير عند أمكِ ماريا. أكتب لكِ هذه الكلمات لأن الحق يجب أن يعود لأصحابه ولو بعد حين. إيلينا.. والدكِ لم يكن مجرد نجار بسيط كما ظننتِ طوال حياتكِ، بل كان يعمل في خفاء تام لحماية أراضي حدودنا مع المخابرات البولندية. وقبل عشرين عاماً، في زمن السلم، عثر والدكِ وأعمامكِ الاثنان بالصدفة على كنز من السبائك الذهبية الإمبراطورية المخفية تحت أرضنا القديمة في زاكوباني. لكن الفاجعة يا بنيتي لم تكن في الذهب، بل في الصديق المخدوع.. التاجر البسيط الذي عاش بيننا وصادق والدكِ وأعمامكِ، لم يكن سوى رجل ألماني يُدعى هنريتش فونشتاين! هنريتش لم يكتفِ بالسرقة؛ بل دبّر مقتل أعمامكِ الاثنين بدم بار
last updateآخر تحديث : 2026-08-08
اقرأ المزيد

الفصل 151: دفء بين الرماد ومكائد برلين

خطى إريك نحو الغرفة ببطء، وجرّ خطاه الثقيلة حتى وقف بجانب السرير. كانت إيلينا مستلقية هناك، وجهها شاحب كشمعة أوشكت على الانطفاء، وملامحها منهكة أضناها التعب وجرح فقدان الجنين. جلس على طرف السرير، وامتدت يده لتمسك يدها الباردة الصغيرة. ضغط عليها بحنان لم يعهده فيه من قبل، ثم رفعها إلى شفتيه وقبلها بطول، وسقطت دمعة حارة من عينيه على بشرتها. همس بصوت متحشرج خافق: — "سامحيني... سامحيني يا إيلينا." تحركت جفناها ببطء، وفتحت عينيها المجهدتين لتراه جافكاً بجانبها والدموع في عينيه. رمشت بذهول، وقالت بصوت خافت متهدج: — "إريك؟ ماذا هناك؟ لماذا تبكي؟" مسح إريك دموعه بسرعة بأطراف أصابعه، وحاول رسم ابتسامة هادئة ليطمئنها، متداركاً موقفه: — "لا شيء يا عزيزتي... مجرد تعب. المهم، هل أنتِ بخير؟" أومأت برأسها بهدوء، ولانت ملامحها وهي تنظر إليه بعينين ذابلتين: — "نعم، أنا بخير... طالما أنك لم تعد غاضباً مني." اعتصر قلبه ألم الذنب، لكنه انحنى نحوها وهز رأسه بالنفي: — "بالطبع لستُ غاضباً منكِ.. سيعوضنا الله بالكثير من الأطفال، لا تقلقي." ابتسمت إيلينا بوهن ودعابة خفيفة: — "لا تقل لي خمسة!" ضحك
last updateآخر تحديث : 2026-08-08
اقرأ المزيد

الفصل 152: العدو الذي سرق قلبي

دقّ جرس القيادة العسكرية العليا في المعسكر ثلاث دقات متتالية، فتردد صداه في الممرات الباردة يعلن اجتماعاً طارئاً لضباط النخبة. جلس إريك حول الطاولة المستديرة الضخمة تحت أضواء الغرفة الخافتة، بينما ألقى القائد الأكبر الخريطة الميدانية لمنطقة زاكوباني والقرى المجاورة. صاح القائد بنبرة حادة: — «المقاومة البولندية في هذه المناطق أصبحت تشكل خطراً مستفزاً على خطوط إمدادنا. صُدرت الأوامر العليا بالبدء بمهمة تمشيط وقمع شاملة.. الرائد إريك فونشتاين، بالنظر لكفاءتك، ستكون أنت القائد الميداني لهذه المهمة الكبرى. ونجاحك فيها هو شرط ترقيتك الرسمية المقتربة إلى رتبة جنرال.» ضربت الكلمات أذن إريك كالصاعقة. شعر بثقل جبال زاكوباني يربض على صدره. رتبة جنرال هي القمة، لكن الثمن أثقل مما يتخيل. لأول مرة في حياته، شقّ عروقه شعور غريب ومربك؛ دماء أمه البولندية التي تجري في جسده بدأت تصرخ في الخفاء. كيف له أن يقود هجوماً يسفك فيه دماء شعب أمه؟ كيف سيواجه الأرض التي تنتمي إليها زوجته؟ عقب انتهاء الاجتماع، وقف إريك عند نافذة الممر يحدّق في الأفق النائل إلى الظلام، ويداه ترتجفان بذهول خفي. اقترب منه صد
last updateآخر تحديث : 2026-08-08
اقرأ المزيد

الفصل 153: في سحابة الرصاص

جلست إيلينا خلف الطاولة داخل الجناح العسكري الذي أُقيم فيه إريك، تمسك بسماعة الهاتف الثابت بأصابع ترتجف. جاءها صوت أمها ماريا عبر الخط محمّلاً بقلق أمومي حاد: — «إيلينا؟ بنيتي.. صوتكِ لا يعجبني أبداً، تبدين مجهدة وكأنكِ طريحة الفراش.. هل يحدث شيء هناك؟» عصرت إيلينا عينيها بألم، وضغطت على يدها كاتمة خبر إجهاض جنينها وحزنها العارم سراً كي لا تفجع قلب أمها، وقالت بنبرة حاولت جعلها مطمئنة: — «أنا بخير يا أمي.. صدقيني لا يوجد شيء، إنه مجرد إرهاق شاق من عناء السفر.. الأوضاع هنا هادئة.» تنهّدت ماريا ثم سألت بلهفة: — «إيلينا.. هل سمعتِ أي خبر عن خالكِ فيكتور؟» انخفض رأس إيلينا بأسى: — «حتى الآن لا يوجد أي خبر يا أمي.. إن علمتُ بأي شيء سأخبركِ على الفور.» وفي ذات الأثناء عند أطراف القرية، كان الخال فيكتور يرتدي زيه المدني المتخفي، يحمل أكياساً محملة بالدقيق والمؤن القليلة التي اشتراها بسرية من أحد المتاجر الصغيرة. كان يسير بخطوات حذرة بين الأزقة شبه المهجورة متجهاً نحو المقر السري للمقاومة في الغابة، ينظر حوله بين الحين والآخر يتفقد الطريق. وعلى الجانب الآخر داخل قاعة القيادة
last updateآخر تحديث : 2026-08-08
اقرأ المزيد

الفصل 154: نور وسط الظلام

ـ ظل فيكتور يحدّق في وجه إريك بذهول مطلق، ومقلتاه تتسعان في عتمة الميدان. كان الذعر والريبة يمتزجان بملامحه وهو يرى القائد الألماني بسلاحه المرفوع ورتبته العسكرية، لكنه لم يجد خياراً آخر سوى الانصياع وسط دوي إطلاق النار المتفرّق. سحبه إريك بسرعة وخفة خلف الجدار الحجري المتهدم، ولاحظ أن فيكتور يمسك بساعده بوجع ويئن بأسى؛ فقد تعرّض لإصابة وجرح بالغ في يده جراء سقوطه القوي أثناء اشتباك المقاومة. فتح إريك حقيبته العسكرية السريعة، واستخرج منها معطفاً عسكرياً ثقيلاً ووشاحاً دافئاً، وألقاهما عليه قائلاً بنبرة همس آمرة: ـ «ارتدِ هذا المعطف واختبئ داخل هذا الكهف الصغير خلف الأشجار الكثيفة... لا تتحرك ولا تصدر أي صوت مهما حدث! سأعود إليك فور انتهاء التمشيط.» اختفى فيكتور بين أحراش الظلام، بينما استدار إريك ليعود فوراً إلى قلب الميدان. نجحت المهمة العسكرية بالكامل؛ تم تخريب موقع المقاومة والسيطرة على معقلهم، وأُسر عدد من المقاومين دون تسجيل حالة وفاة واحدة بين أفرادهم، حيث اقتصرت الأضرار على بعض الإصابات والجروح. وقف إريك في منتصف المقر ووجه جنوده بنبرة قاطعة لا تقبل النقاش: ـ «اسمعو
last updateآخر تحديث : 2026-08-08
اقرأ المزيد

الفصل 155: شمس وسط الجليد وعهد الغفران

تركت إيلينا كل ما في يدها واندفعت كالمحمومة نحو الخال فيكتور، وارتمت بين أحضانه بلهفة جارفة وضعت فيها كل ثقل الأيام العجاف وحسرة البعاد. طوّقها فيكتور بذراعه السليمة بقوة، واضعاً رأسه على شعرها وهو يستنشق عبق أختها وموطنها، مسح على ظهرها بحنان كبير ثم قبّل كفيها ورأسها بنشيج مكتوم، محاولاً استيعاب هذه المعجزة التي جمعتهما مجدداً في قلب المعسكر الألماني. قادها إريك برفق نحو الصالون ليجلسا على الأريكة الداكنة. أقبلت الشابة واندا بلهفة واهتمام، وقدّمت لفيكتور ثياباً دافئة جديدة وطعاماً ساخناً ليرتاح. انسحب إريك إلى الممر بهدوء متعمّداً تركهما معاً على انفراد ليتحدثا بأريحية. تأمّل فيكتور ملامح إيلينا الشاحبة، وقال بعينين تائهتين: — «إيلينا... كيف عدتِ إلى هنا؟ وماذا تفعلين في هذا الحصن الألماني بقلب بولندا؟» انسكبت دموع إيلينا، وبدأت تروي له باختصار موجز عن رحلة الشتات من النمسا وكيف أنقذهما إريك مجدداً وأعادهما تحت حمايته. شهق فيكتور بصدمة وجلس يضرب كفاً بكف فور أن سردت له حقيقة والدته البولندية والسر العائلي القديم: — «يا إلهي! كل هذا حدث دون علمي؟ لم أكن أتوقع أبداً أن يكون
last updateآخر تحديث : 2026-08-08
اقرأ المزيد

الفصل 156: أنفاس في العاصفة وصحوة في برلين

غرق الحصن في صمت دافئ، ورغم العاصفة التي كانت تضرب الخارج بعنف، بدا المكان وكأنه اقتطع قطعة من السلام خارج حدود الزمن. كانت إيلينا تتوسّد صدر إريك، تسمع دقات قلبه المنتظمة التي صارت بالنسبة لها الإيقاع الوحيد المتزن في هذا العالم الصاخب. امتدت أصابعه لتخلل خصلات شعرها الرطب ببطء شديد، يمسّد ظهرها برفق وكأنه يخشى أن يتلاشى هذا الحلم. رفعت إيلينا رأسها قليلاً، ونظرت إلى ملامحه الحادة التي أذابتها الشموع الخافتة، وقالت بصوت همس دافئ يطفح بالنبل: — «طوال حياتي كنتُ أظن أن الحب هو أن نلتقي في ظروف مثالية يا إريك.. لكنني معك تعلّمت أن الحب الحقيقي هو أن نتمسّك ببعضنا وسط الركام، وأن أجد في حضنك الملاذ الأخير رغم أن الزي الذي ترتديه كان يرعبني.» انحنى إريك وقبّل جبينها بطول، ومسح بإبهامه على وجنتها وقال بنبرة خفيضة تنبض بصعوبة الغفران والعشق: — «كنتُ أخشى أن يضيع منا كل شيء تحت عجلة الحرب والواجب، لكنكِ أعدتِ لي روحي الليلة يا إيلينا.. أعدكِ أنني سأكون لكِ السور الذي يمنع عنكِ هذا العالم، مهما كلّفني الأمر.» تشابكت أصابعهما بقوة، وغرقا في حديث الروح والعينين حتى أشرقت تباشير ال
last updateآخر تحديث : 2026-08-08
اقرأ المزيد

الفصل 157: جمر تحت الرماد

كان إريك يقف في مكتبه المنزلي كتمثالٍ من الجليد المشتعل. أصابعه تتشبث بسماعة الهاتف حتى ابيضت مفاصلها، وصوته يخرج من حلقه كالسيف الذي يُسلّ من غمده: — «كيف تفوتكِ معلومة بهذه الأهمية يا كارلا؟! ألم أدفع لكِ ما يكفي حتى تبحثي عن أصول أليكسيس بيتروفا ثم تعودين إليّ خاوية اليدين؟! ألم تكتشفي أن لها جذوراً ألمانية عريقة تضرب في أعماق التاريخ؟ ما فائدة تحرياتكِ إذن إن كانت تخفي عني ما يجب أن يُكشف؟!» حاولت كارلا أن تبرر من برلين، صوتها يرتجف خلف الخط: — «سيدي الضابط… الوثائق القديمة أُخفيت ببراعة شديدة في أرشيف بولندا، والوصول إليها يحتاج وقتاً و…» قاطَعها إريك بصوتٍ باردٍ قاطع كحدّ السكين: — «لا أريد أعذاراً. اريد السجلات والوثائق الأصلية هنا… فوراً. تداركي أخطاءكِ قبل أن أنهي التعامل معكِ إلى الأبد.» أغلق الخط بعنف، وترك السماعة تهتز على الطاولة. عيناه كانتا تغليان بشراراتٍ سوداء. في اللحظة ذاتها، داخل مكتب التحقيقات العسكرية بالمعسكر، كان الضابط شتراوس جالساً خلف مكتبه ينظر بصرامة إلى الجندي المصاب الذي تلف رأسه ضمادة بيضاء ملوثة بدمٍ جاف. قال الجندي بصوتٍ يرتجف لكنه يصرّ على الح
last updateآخر تحديث : 2026-08-09
اقرأ المزيد

الفصل 158: قرار في منتصف الليل

في شوارع برلين الراقية، كانت السيدة إليزابيث تسير إلى جانب ماريا بعد أن أصرت على إخراجها من عزلتها للتسوق. الضحكات الخفيفة كانت تتساقط بينهما كأوراق الخريف، والألفة الدافئة تخفف قليلاً من انطواء ماريا الذي بدا كجدارٍ صخري لا يُخترق. لكن أمام متجر الصحف، توقفت عين ماريا فجأة على عنوانٍ عريضٍ يتصدر الصفحة الأولى كحكمٍ بالإعدام: «القوات العسكرية تواصل تطهير معاقل المقاومة في بولندا والسيطرة على القرى الجبلية». تجمدت ماريا في مكانها. الابتسامة التي كانت على شفتيها ذابت كثلجٍ تحت شمسٍ قاسية. شعورٌ قارس بالغربة اجتاحها فجأة… هي هنا تتسوق بين الواجهات اللامعة، بينما أرضها تُستباح، وأخوها فيكتور يقاتل الموت في تلك الغابات المظلمة. لاحظت إليزابيث جمودها، واقتربت منها بحنانٍ صامت، ووضعت يدها على ذراعها دون أن تنطق كلمة. فهمت كل شيء من ذلك الصمت الثقيل الذي رافقهما طوال طريق العودة. في غرفتها بفيلا العائلة، كانت ليليان تجلس بجانب الهاتف الثابت، صوتها دافئٌ بالشوق وهي تتحدث مع خطيبها فيدريتش المرابط في بولندا. لكن نبرته الحادة الجافة على غير عادته جعلت قلبها ينقبض فجأة: — «فيدريتش… صوتك لا ي
last updateآخر تحديث : 2026-08-09
اقرأ المزيد

الفصل 159: نيران ممتدة ورماد في الريح

مع حلول الفجر الرمادي، استيقظ إريك ورأسه يثقل كأن مطرقةً تضرب صدغيه بلا رحمة. استحم بالماء البارد حتى ارتجف جسده، محاولاً أن يطرد بقايا الكحول ويرتب أفكاره المبعثرة. نزل إلى الصالة ليتناول فطوره… ثم تجمّد. المكان صامتٌ بشكلٍ مريب. لا أثر لإيلينا. التفت إلى واندا بنبرةٍ حادةٍ مرتبكة: — «أين إيلينا؟ لم أرها منذ استيقظت.» ردت واندا بارتباكٍ وقلقٍ واضح: — «سيدي… عندما أتيت صباحاً لإعداد الطعام لم أجدها في الغرفة. ظننت أنها خرجت تتمشى.» اتسعت عينا إريك. قلبه اعتصر فجأة كقبضةٍ حديدية. خرج فوراً إلى الباحة والسياج الخارجي، يسأل الحراس بصرامةٍ تكاد تكون جنوناً. أجابه أحد الجنود عند البوابة بصوتٍ متردد: — «سيدي القائد… لقد غادرت امرأة تلتف برداء شتوي ثقيل في مطلع الفجر من البوابة الفرعية. كان يتضح أنها السيدة مارغريت.» شعر إريك بالجنون يسيطر عليه. استقل سيارته العسكرية كمن يطارد شبحاً، وانطلق يحرق الطرق المغطاة بالثلج، يدور في أزقة البلدة كالمجنون، يصرخ باسمها بين العواصف، يستجوب المارة بصوتٍ مبحوح. كيف لامرأةٍ تحمل هوية نمساوية ومتزوجة من ضابطٍ ألماني أن تخاطر بفرارٍ مفاجئ بين شعبٍ ير
last updateآخر تحديث : 2026-08-09
اقرأ المزيد
السابق
1
...
1415161718
...
20
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status