All Chapters of قيد من جمر: Chapter 71 - Chapter 80

136 Chapters

71- تفاصيلٌ لم يعهدها

استيقظت لمى قبل ليث، مستلقيةً بهدوء تراقب ملامحه التي خفتت عنها حدة القسوة في غفوة النوم. مع أول حركةٍ لها، تحرك ليث وفتح عينيه. لم يبتسم، ولم ينطق بكلمة صباح الخير. استقر نظره عليها بهدوءٍ غريب، نظرةٌ خلت من غضب الليلة الماضية، لكنها كانت محملةً بثقلٍ غير مفهوم. بعد لحظات من الصمت الذي ملأ أركان الغرفة، قال بصوتٍ خافت، رزين، ومباشر: "لدي اليوم اجتماع هام في الشركة." تسمرت لمى في مكانها، وعقدت حاجبيها باستغراب. لم يكن من عادته أن يشاركها تفاصيل يومه أو جدول أعماله، خاصة بعد ليلةٍ كهذه. نظرت إليه بحيرة وقالت ببساطة: "حسناً." نهض ليث عن السرير واتجه نحو خزانة الملابس دون أن يلتفت. بدأت لمى تراقب حركاته، وبشكلٍ لا إرادي، لاحظت أن ربطة عنقه التي اختارها بدت مائلة قليلاً، وكأنها انعكاس للتوتر الخفي الذي يغلفه. لم تفكر مرتين؛ نهضت عن السرير واقتربت منه. "ربطة عنقك… مائلة،" قالت وهي تمد يدها لترتبها. وقفت أمامه ورفعت أطراف أصابعها لتعديل عقدة ربطة العنق، ثم امتدت يدها لتسوي خصلات شعره التي تناثرت بفعل النوم. في تلك اللحظة، كان ليث يقف ساكناً تماماً، لكنها شعرت بتنفسه يضطرب. كان قريباً ج
last updateLast Updated : 2026-07-19
Read more

الفصل الثاني والسبعون: محاولاتٌ خجولة

عاد ليث في المساء، كانت ملامحه مرهقةً بعد يوم عملٍ شاق، لكن شيئاً ما في عينيه كان مختلفاً. كان يعتقد، وبقناعةٍ تامة، أن "تلك الليلة" حين بكت بين أحضانه قد أغلقت ملف الخلافات والغيرة إلى الأبد. ظنَّ أن القرب الذي حدث بينهما قد مسح كل شيء، وأنهما الآن في مرحلةٍ جديدة ومستقرة. دخل الغرفة ليجد لمى جالسةً، ملامحها توحي بأنها لا تزال في حالةٍ من الصمت المتحفظ؛ فهي وإن كانت قد بدأت تعتاد على وجوده وتنتظر منه أفعالاً جديدة، إلا أن بقايا الغيرة في صدرها كانت لا تزال تشكل حاجزاً خفياً. أخرج ليث من خلف ظهره باقةً فاخرة، زهوراً بتنسيقٍ دقيق وألوانٍ ناطقة بالجمال. وقف أمامها، يتأمل وجهها بترقبٍ واضح، منتظراً ردة فعلٍ تكسر حاجز الحذر بينهما. "وجدتها في طريقي.." قال ليث، وصوته يرتجف قليلاً، متمسكاً بكبريائه رغم أن نظراته كانت تصرخ بلهفة: *انظري إليّ، انظري لما فعلته لأجلك.* اتسعت عينا لمى بذهول، لم تصدق جمال الزهور، ولا تصدق أن ليث—بكل سطوته—قد كلف نفسه عناء اختيارها. في تلك اللحظة، شعرت بقلبها يثب من مكانه، وتوقعت أن تتسارع دقاته لتخترق الصمت. كانت لحظةً مثالية لتخطو نحوه، لتضمه، لتنهي كل الجفا
last updateLast Updated : 2026-07-19
Read more

الفصل الثالث والسبعون: صباحُ الحقيقة المُرّة

استيقظ ليث قبل شروق الشمس، كانت عضلاته متشنجةً من الوضعية الثابتة التي فرضها على نفسه طوال الليل، لكن قلبه كان في حالةٍ من الهدوء لم يعهدها من قبل. نظر إلى الوراء ببطء، كانت لمى لا تزال غارقة في نومها، ذراعاها ارتختا عن خصره بعد أن كانت تطوقانه بقوة، لكنها بقيت ملتصقة بظهره، وكأن جسدها—في عالم الأحلام—قد وجد وطنه. تأمل وجهها الهادئ، وشعر بوخزةٍ من التناقض؛ ففي يقظتها، كانت تضع بينهما أسواراً من العناد والغيرة، وفي غفوتها، كانت هي من يكسر تلك الأسوار. تنهد ليث بحذر، ثم تحرك ببطء شديد ليبتعد عنها، غير راغبٍ في إيقاظها، ومصمماً على أن يترك لها—ولنفسه—فرصةً لاستيعاب ما حدث. بعد ساعة، استيقظت لمى. كان الضوء يتسلل إلى الغرفة، وشعرت بحسٍ غريب بالراحة في جسدها، لكنها—بمجرد أن استعادت وعيها—تذكرت قسوة الليلة الماضية، وتراجعت بذاكرتها إلى لحظة "باقة الزهور" والصدّ الذي مارسته. التفتت إلى الجهة الأخرى من السرير لتجدها فارغةً ومبردة، مما أشعرها بخيبةٍ لا إرادية. جلست على السرير، ونظرت إلى الطاولة بجانبها؛ باقة الزهور لا تزال هناك، بتلاتها بدت أكثر حيوية في ضوء النهار. لم تكن تتذكر ما حدث في من
last updateLast Updated : 2026-07-19
Read more

الفصل الرابع والسبعون: ليلةُ الصمتِ الصاخب

عاد ليث إلى المنزل في وقتٍ متأخر، كان الهواء حوله مشحوناً بتوترٍ حاد. لم يكد يلقي التحية حتى بدأ في ترتيب حقيبة سفره بحركاتٍ قاسية وسريعة، كأنه يحاول طرد فكرة الرحيل من رأسه قبل أن تسيطر عليه. كانت لمى تراقبه بصمت، قلبها الذي كان يخفق أملاً، توقف فجأة عن النبض حين نطق بجفاء: "سأسافر غداً في رحلة عمل، بضعة أيام ستكونين فيها وحدكِ." شقت كلماته سكون الغرفة، وشعرت لمى بوجعٍ مفاجئ وغريب يعتصر أحشاءها؛ لم يكن دموعاً، بل كان شعوراً ثقيلاً كأن شيئاً قد انكسر في صدرها. لم تكن تريد منه أن يذهب، كانت تريد منه أن يبقى، لكنها حبست كل ذلك في الداخل، مُجبرةً ملامحها على الثبات، بينما كانت روحها تئنّ بصمت. تجاهل ليث نظراتها، وأكمل بلهجة تحذيرية حازمة، محاولاً تغطية اضطرابه الداخلي: "وأريدكِ أن تضعي في اعتباركِ أمراً واحداً: أولاد عمك. لا أريد أي تواصل معهم في غيابي، لا زيارات، ولا حتى مكالمات. هذا تنبيهٌ أخير، ولا أريد سماع أي تبريرات عند عودتي." كلماته كانت كالسياط، لكن لمى لم تهتز. أغلقت أبواب مشاعرها بإحكام، وسحبت أنفاسها لتبتلع وجعها الذي بدأ ينهش فيها من الداخل. صمتت، لم تردّ، لم تجادله، ولم
last updateLast Updated : 2026-07-19
Read more

الفصل الخامس والسبعون: لحظاتُ الانكسار

كان ضوء الفجر الخافت يتسلل من بين الستائر، ليرسم خطوطاً رمادية على الغرفة. ليث كان لا يزال يضم لمى إلى صدره، يده تطوق خصرها بإحكام كمن يحاول تثبيت لحظةٍ زمنية قبل أن تتلاشى. لم يكن أيٌّ منهما نائماً؛ كانا يستشعران دقات قلبي بعضهما، تلك التي كانت تعزف إيقاعاً متسارعاً من القلق والحنين. تحركت لمى ببطء، محاولةً الخروج من بين ذراعيه، لكنه شدّ قبضته عليها أكثر، دافناً وجهه في عنقها. لم تكن هذه ضمة رحيل، بل كانت ضمة استجداء، رجلٍ يصارع رغبةً جامحة في البقاء. كانت لمى تراقبه في هذا الضوء الشحيح، تشعر بقلبها يعتصر؛ كانت تراقب ملامحه التي كانت غارقة في التعب، تراقب حركة تنفسه المضطربة، وكأنها تحفظ تفاصيله عن ظهر قلب لتعيش عليها في غيابه. شعرت برغبة عارمة في أن تخبره بأن يبقى، أن يرمي حقيبته جانباً، لكن غصةً في حلقها منعتها. أخيراً، زفر ليث زفرة طويلة، زفرةً بدت وكأنها إعلان هزيمة أمام حتمية القدر والعمل. تحرك ببطء، مفككاً ذراعيه عنها على مضض، وكأن كل حركةٍ يقوم بها تنتزع جزءاً من روحه. جلس على طرف السرير، وظهره لها؛ كان ظهره مشدوداً، وعضلات كتفيه توحي بمدى الثقل الذي يحمله. لمى بقيت مكانها،
last updateLast Updated : 2026-07-19
Read more

الفصل السادس والسبعون: صمتُ المائدة

جلست لمى على السفرة، تحرك الملعقة في طبقها دون أن تذوق شيئاً. كانت تحاول جاهدة أن ترسم قناعاً من الهدوء، لكن عينيها كانتا تخذلانها، حيث كانت نظراتها الشاردة وتجهم ملامحها يفضحان حالة القلق التي تنهشها منذ رحيل ليث. دخل الجد وأخذ مكانه على رأس المائدة. كانت حركاته بطيئة ومتزنة، إلا أنه لم يفت عليه ذلك التغيير في وجه حفيدته. لاحظ انتفاخ عينيها الطفيف، وانقباض حاجبيها الذي لم يكن موجوداً من قبل، والشرود الذي يجعلها تحدق في الفراغ بدلاً من الطعام. ساد الصمت لبرهة، لم تقطعه إلا أصوات الأطباق الخافتة. حاول الجد أن يفتح حواراً عابراً، لكنه لاحظ أن لمى تجيب بكلمات مقتضبة، وعقلها—كما يبدو—بعيدٌ جداً عن هذه الغرفة. بعد دقائق، مسح الجد فمه بالمنديل ووضع أدوات المائدة جانباً. نظر إلى لمى مطولاً، وكأنه يزن كلماته قبل أن ينطقها. "أردت إخباركِ بشأن شيءٍ يستجدّ في الأيام القادمة،" قال بنبرةٍ جادة. رفعت لمى رأسها ببطء، وفي عينيها لمعة قلقٍ لم تستطع إخفاءها. "سأضطر للسفر غداً لعدة أيام،" أكمل الجد بهدوء. "لديّ بعض الأعمال العالقة التي لا تحتمل التأجيل في المدينة المجاورة." لم تقل لمى شيئاً، لكن م
last updateLast Updated : 2026-07-19
Read more

الفصل السابع والسبعون: العزلةُ الخانقة

مرّ يومان على رحيل الجد، والمنزلُ يغرقُ في صمتٍ مريبٍ لا يكسره سوى دقاتِ قلبِ لمى المتسارعة. كانت حبيسة الغرفة، تلتزم حرفياً بكل ما أملاه ليث عليها قبل سفره، تقاوم رغبتها في التحدث مع أولاد عمها الذين كانوا لا يبرحون محيط المنزل، يراقبون المكان ويحاولون الاطمئنان عليها بطرقهم الخاصة. هي تعلم في قرارة نفسها أنهم لا يريدون بها سوى الخير، وأن قلوبهم مليئة بالرعاية لها، لكنّ ليث قد رسم في عقلها صورةً مشوهة عنهم، جعلتها تخشى الاقتراب منهم أكثر من خشيتها من البقاء وحدها. فجأة، اخترق سكونَ المنزل رنينُ هاتفها. قفزت من مكانها، والتقطت الهاتف بلهفةٍ كادت تُسقط الجهاز من يدها. حين رأت اسم "ليث" يضيء الشاشة، شعرت بشيءٍ يشبه الضوء يتسرب إلى عتمة روحها؛ كانت تتوق لسماع صوته، لتلك النبرة التي—رغم قسوتها—كانت تمثل صلة وصلها الوحيدة بالعالم. "ليث؟" همست، وكان صوتها يرتجف بوضوح، محملاً بكل الأشواق والمخاوف التي كتمتها طوال يومين. جاء صوته من الطرف الآخر، جافاً وحاداً كشفرة سكين: "لمى، هل أنتِ وحدكِ في المنزل؟" استغربت لمى نبرته التي خلت من أي دفء أو تساؤل عن حالها، وأجابت بصوتٍ خافت: "نعم.. جدي سا
last updateLast Updated : 2026-07-19
Read more

الفصل الثامن والسبعون: في مهبِّ الأطماع

كانت الأجواء داخل الصالون مشحونةً برائحة القهوة المرة والألسنة الأكثر مرارة. ميادة، التي لم تكن مجرد عمةٍ بل كانت الخصم الأول لليث، كانت تراقب لمى بنظراتٍ تفتقر لأي ذرة عطف. "على سيرة ليث،" قالت ميادة وهي تضع فنجانها بقوة على الطاولة، "أليس من المضحك يا لمى أن ابن أخي، الذي يفترض به أن يكون حامي العائلة، هو نفسه من استولى على كل شيء؟ ليث، رغم أنه أكبر شباب العائلة ومكانته محفوظة، إلا أنه يظن أن كونه 'كبيرهم' يعطيه الحق في وضع يده على ورثتكِ، بحجة حمايتكِ." ضحكت رشا بمرارة، "حماية؟ أم استيلاء؟ ليث يتصرف وكأنه ورث العائلة كلها. يا لها من سخرية، ابن عمك الذي كان يطالبنا دائماً بالالتزام بالتقاليد، هو أول من كسرها ليضع يده على أوراقكِ." شعرت لمى برأسها يكاد ينفجر. كانت تدرك أن ليث، بكونه أكبر شباب العائلة، كان دائماً محط أنظار الجميع، ليس فقط لمركزه، بل لذكائه الذي جعله يسبقهم بخطوات. "ليث لم يستولِ على شيء،" قالت لمى بصوتٍ حاول أن يكون قوياً، "لقد حمى حقي من أطماع الآخرين الذين كانوا يحيطون بي." "الآخرين؟" قاطعتها ميادة بضحكةٍ ساخرة، "تقصديننا؟ نحن عائلتكِ يا لمى! ليث يريد أن يجعلكِ
last updateLast Updated : 2026-07-19
Read more

الفصل التاسع والسبعون: صدمةُ اللقاء

كانت الغرفة غارقةً في كآبةٍ خانقة، ولمى لا تزال منكمشةً في زاويتها، تعاني بقايا نوبة بكائها التي استنزفت كل قوتها. لم تسمع صوت مفتاح الباب وهو يدور، ولا وقع الخطوات التي اقتحمت سكون المكان. كل ما شعرت به هو شعاع ضوءٍ اخترق ظلامها حين فُتح الباب، لترفع عينيها ببطءٍ نحو الواقف عند المدخل. كان ليث. تسمّر في مكانه، واتسعت عيناه بصدمةٍ لم يستطع إخفاءها. لم يكن يتخيل يوماً أن يجدها بهذا الحال؛ فليث الذي ظن أن "حصونه" وقوانينه كافية لردع الجميع، صعق حين رأى لمى: شاحبةً، محطمةً، وآثار القهر واضحةً على ملامحها التي ذبلت في غيابه. خُيّل إليه أن الزمن قد توقف، وأن الصورة أمامه—صورة انكسارها—كانت أقسى من أي خبرٍ قد يصله في سفره. ظل صامتاً، يراقبها بذهول، يحاول استيعاب كيف تحولت تلك الفتاة—التي أرادها قويةً ومحصنة—إلى هذا الجسد الضعيف المرتجف. نظرت إليه لمى بزعلٍ عميق، وبدأت تتأمله كمن يحاول استجماع شتات نفسها. في عينيها كان هناك عتابٌ صامت: *أين كنت؟ وكيف تركتني وحدي؟* لم ينطق بكلمة، وبقيت علامات الذهول مرسومة على وجهه، لكن لمى، وبمجرد أن وقعت عيناها عليه، شعرت بأن كل جدران الصبر التي شيدتها
last updateLast Updated : 2026-07-19
Read more

الفصل الثمانون: جفاءُ الخيبة

عاد ليث من "طرد" الأقارب والشباب، كان جسده ينوء تحت حملٍ ثقيل من التعب، وعقله لا يتوقف عن اجترار مشهد دموعها. دخل الغرفة، كان الوقت لا يزال قُبيل المغرب، والضوء الخافت يتسلل من النافذة ليبرز ملامح لمى التي كانت لا تزال واقفة في منتصف الغرفة، تنتظره بوجلٍ وكأنها لم تبرح مكانها منذ لحظة رحيله. شعر ليث بوخزةٍ في قلبه؛ كان يتمنى ألا يراها هكذا، كان يتمنى أن يجدها في مكانٍ آخر، بعيداً عن أثر انكسارها. لكن الشعور بالذنب تجاهها، والغيظ من نفسه لأنه تركها عرضةً لألسنتهم، جعله يغرق في موجة من الضيق العنيف. أراد أن يضمها، أراد أن يصرخ في وجه الحقيقة التي أوجعته، لكن شيئاً ما في داخله انكسر. تجاهلها بقصد، تعمد ألا ينظر في عينيها حتى لا يرى الانعكاس الموجع لحزنه في عيونها. اتجه مباشرةً نحو السرير، رمى بجسده المنهك فوقه، وأغمض عينيه بقوة، محاولاً الهروب من نظراتها ومن ثقلِ هذا اليوم. ساد صمتٌ مطبق في الغرفة، صمتٌ كان أثقل من صراخهم في الأسفل. لم يمر وقتٌ طويل، حتى شعر ليث بضغطٍ خفيف على حافة السرير. لم يفتح عينيه، لكنه شعر بوجودها. كانت قد اقتربت منه بصمتٍ تام، مثل طفلةٍ تبحث عن أمانها المفقود
last updateLast Updated : 2026-07-19
Read more
PREV
1
...
678910
...
14
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status