السماء كانت تبكي دما بدل الشتاء .. كان المطر ينهمر بغزارة على ذلك الدرب الشعبي الضيق الذي يسكنه الفقراء الذين لا يملكون سوى لقمة الخبز وستر الحال .. كانت الريح تعوي بين الأزقة المظلمة وتحمل معها برد الشتاء القارس الذي يخترق العظام ..!!وفي زاوية ذلك الدرب أمام باب خشبي قديم متآكل من الرطوبة كانت تجلس هي طفلة صغيرة في الثالثة عشرة من عمرها ..!جسدها النحيل يرتجف بشدة ويداها الضعيفتان مضمومتان إلى صدرها وكأنها تحاول أن تحمي قلبها من البرد ومن العالم كله ..وقد ضمت ركبتيها إلى بطنها في محاولة يائسة لتدفئة نفسها شعرها قصير أشقر بلون القمح في الصيف لكنه الآن مبتل بالمطر وملتصق بجبينها ورغم قصره كان واضحا أنه ناعم كالحرير لو تركه أحد يكبر خداها قد ازرقا من شدة البرد وتجمدتا والدموع التي كانت تنهمر منهما تجمدت على وجنتيها .. كانت رموشها كثيفة سوداء ومبللة بالمطر تلتصق ببعضها البعض ولكن أكثر ما كان يميزها ويجعل القلب ينقبض عند رؤيتها هما عيناها عيناها كانتا زرقاوين بزرقة لم يرها أحد من قبل زرقة البحر في يوم صاف وزرقة السماء بعد المطر عينان واسعتان بريئتان فيهما حزن العالم كله
Last Updated : 2026-07-19 Read more