LOGINتنبعت الكلمات من بين شفتيها المرتعفتين بحشرجة خائفة وهي تحاول التشبث بأي ذرة أمان
وعد: ارجوك .. أريد العودة إلى منزلي لم يتحرك رعد من مكانه لكن عينيه الحادتين الصارمتين كانتا تخترقان ملامحها بنظرات تفحص غريبة ساد صمت ثقيل في الغرفة، صمت لم تقطعه سوى دقات الساعة المعلقة على الحائط وجلبة الممر الواهية في الخارج .. كان يحدق في وجهها الشاحب ، وفي تلك العيون المذعورة التي تشبه عيون غزال حوصر في شباك صياد .. فجأة اجتاحه شعور غريب بالربكة هذا الوجه هذه الملامح الدقيقة ليست غريبة عليه .. شعر بوخز في ذاكرته وكأن خيوطا خفية تربطه بملامحها في ماضٍ ما او في مكان عابر لم يستطع تحديد معالمه بعد تساءل بينه وبين نفسه مستنكراً هل رأيتها من قبل؟ أين؟ مستحيل.. وجه كهذا إن مر على ذاكرة رجل فالمحال أن يطويه النسيان أو يضيعه العابرون .. انها تختلف تماما عن كل أولئك النسوة اللواتي يملأن حياته الصاخبة وجهها يحمل نقاءً غريبا يجبر المرء على التوقف .. حاولت وعد كسر حدة النظرات التي كانت تحاصرها وسألته بصوت واهن وعد: هل أنت الطبيب؟ تشابكت أصابع رعد بقوة وضغط عليها حتى ابيضت مفاصل يديه ثم نهض ببطء حركات جسده كانت تنم عن محاولة بائسة لطرد تلك الأفكار المشوشة التي بدأت تغزو عقله المنظم .. اقترب خطوة واحدة وحافظ على نبرة صوته الهادئة تلك النبرة التي تخفي خلفها عواصف لا تهب إلا لتدمر رعد: أأنت تلك الفتاة التي كانت ترتدي الجلباب؟ تصلب جسد وعد في مكانه ، واجتاحتها موجه عارمة من الذعر عندما أدركت فجأة أنها بلا غطاء يستر وجهها ولا نقاب يحمي ملامحها من تطفل الغرباء رفعت يديها المرتجفتين تحاول مواراة وجهها وقالت بنبرة بكاء وتوسل وعد: نعم.. نعم يا سيدي، أنا هي. لا أريد شيئاً أقسم لك.. كل ما أريد هو أن أقوم وأذهب إلى حال سبيلي، إلى بيتي فقط. التفت إليها بكامل جسده وثبّت عينيها الصقريتين في عينيها الدامعتين، ونطق بكلمات حاسمة لا تقبل الجدال أو الاستعطاف، كلمات خرجت كأمر عسكري صارم رعد: لن تخطي خطوة واحدة خارج هذه الغرفة حتى آذن لكِ بذلك .. انكمشت جوري على نفسها وطأطأت رأسها بإنكسار، واضعة كفيها الصغيرتين فوق رأسها وكأنها تحتمي من ضربة قادمة مستسلمة لضعفها وقلة حيلتها أمام هذا الجبروت الطاغي استدار رعد وخرج من الغرفة مغلقاً الباب خلفه بقوة جعلت مفاصله الحديدية تصدر صريرا حادا توجه بخطوات واسعة وواثقة نحو مكتب الطبيب المعالج.. دخل دون استئذان، واضعا يديه في جيبي بنطاله، وعيناه تشعان شرراً .. سأل بنبرة خفيضة لكنها كانت تحمل تهديدا مبطنا جعل الطبيب يرفع رأسه بفزع رعد:من دخل إلى غرفة الفتاة التي أحضرتها قبل قليل؟ أصلح الطبيب نظارته الطبية المرتبكة وأجاب بصوت محايد يحاول الحفاظ على مهنيته الطبيب: لم يدخل أحد يا سيدي.. فقط أنا وطاقم الممرضات المسؤول عن فحص حالتها انعقد حاجبـا رعد واقترب خطوة أخرى ليقف فوق رأس الطبيب كأنه طيف الموت، وسأله بنبرة حادة غاضبة رعد: هل رأيت وجهها؟ أومأ الطبيب برأسه إيجاباً، والتعجب يملأ ملامحه الطبيب: نعم، رأيتها بالطبع كان يجب علي فحص جروحها.. هل تعرفها يا سيدي؟ اشتعلت النيران في صدر آدم وضاق ذرعا باسئلة الطبيب .. انحنى قليلا وضغط بكلماته كالنصال رعد: اياك أن تطأ قدمك تلك الغرفة مجدداً ولا يجرؤ أي كائن كان ممرضة أو غيرها، على الدخول إليها.. أنا من سيتولى نقلها من هنا فورا وقف الطبيب مدفوعا بواجبه المهني محاولا الاعتراض رغم الخوف الذي بدأ يتسلل إلى أوصاله الطبيب: لكن هذا غير ممكن يا سيدي ! لا يمكنك منعنا من أداء عملنا، الفتاة مريضتنا وحالتها تستدعي الرعاية الطبية والقانون... قاطعه رعد بهدير مرعب وعيناه تتسعان بوعيد جارف رعد: :هل تجرؤ على مناقشتي؟ تراجع الطبيب خطوة إلى الوراء وقد تملكه رعب حقيقي من تلك النظرات السامة التي كادت تقتله مكانه.. ابتلع ريقه بصعوبة، .. وحاول تهدئة الموقف بصوت مرتعش الطبيب: لا.. لم أقصد ذلك.. ولكن،حسب علمنا ورواية المسعفين، لا توجد أي علاقة تربطك بهذه الفتاة، بل أنت من صدمها بسيارتك.. في تلك اللحظة، فقد رعد السيطرة على بقايا بروده اندفع نحو الطبيب وقبض على ياقة قميصه بقوة ساحباً إياه نحو وجهه حتى كادت أنفاسهما تختلط .. صرخ بصوت مكتوم نابع من أعماق تملكه المفاجئ ..! رعد: تلك الفتاة.. هي زوجتي! ومن يقترب منها أو يلمح طيفها سأمكث على محوه من الوجود ..( بغل) اتفهم تسمر الطبيب في مكانه وابتلع ريقه الجاف والذهول يشل حواسه .. أرخى آدم قبضته ببطء ، ونفض يديه وكأنه يتخلص من غبار عالق ثم استدار وعاد إلى الغرفة بخطى سريعة وواثقة. .. فتح الباب ودون أن ينطق بكلمة واحدة انحنى نحو السرير وجذب وعد بين ذراعيه القويتين رافعا إياها خفيفة كأنها ريشة في مهب الريح .. انفجرت وعد بالبكاء وضغطت بيدها الصغيرة على صدره الصلب تحاول دفعه بعيدا دون جدوى، وتساءلت بنحيب يقطع نياط القلب وعد: إلى أين تأخذني يا سيدي؟ أرجوك ارحمني.. أنا لم أفعل لك شيئاً سيئاً.. لم أرتكب ذنباً! سار رعد في ممرات المستشفى بوجه جامد كصخرة صماء، متجاهلا توسلاتها ونحيبها الذي كان يتردد صداه في الأرجاء .. كانت عيناه مثبتتين نحو الأمام، والجميع من ممرضين وأطباء وزوار يفسحون له الطريق يراقبون المشهد بصمت مشوب بالوجل والفضول حتى عبر الباب الرئيسي للمستشفى، وتوجه نحو سيارته الفارهة القابعة في الظلام حيث وضعها في المقعد الأمامي بعناية غريبة تناقض قسوته وأغلق الباب بعنف .. استندت وعد رأسها على زجاج النافذة البارد والدموع لا تجف عن خديها وتابعت حديثها المتقطع بصوت خفيض وكسير وعد: سيدي.. أنا مجرد فتاة مسكينة.. لم أكن أقصد اعتراض طريقك، أنت من قاد بسرعة وصدمتني.. فلماذا تعاقبني الآن؟ انطلقت السيارة تشق عتمة الليل بسرعة جنونية .. كان آدم يضغط على عجلة القيادة بقوة جعلت عروق يديه البارزة تتشنج .. كان هو نفسه في حالة ذهول من تصرفاته لم يكن يدرك تماما ما الذي يفعله ولا ماهية هذا الشعور الطاغي بالتملك الذي اجتاحه فجأة نحو فتاة لم يعرفها إلا منذ ساعات قليلة هل يمكن لقلبه الصلب أن يتحرك تجاه عابرة؟ مستحيل!! حاول طرد هذه الفكرة فصب غضبه على الطريق ضاغطا على دواسة السرعة بينما كان صوت نحيبها الخافت يملأ مقصورة السيارة لينقله إلى عالم آخر بعيد عن واقعه المألوف .. بعد فترة من القيادة السريعة وسط غابات تلتف حول الطريق، انفتحت البوابات الحديدية الضخمة تلقائيا لتكشف عن قصر أسطوري مهيب يبدو وكأنه نُحت من الأحلام أو انشق من رواية خيالية .. كان القصر محاطاً بأشجار شاهقة وحدائق شاسعة تتراقص ظلالها تحت ضوء القمر الشاحب ...! أوقف السيارة بغضب ونزل منها ليفتح بابها ثم انحنى وحملها مرة أخرى بين ذراعيه .. دخل بها عبر الأبواب الخشبية العملاقة إلى ردهة القصر الواسعة .. في تلك اللحظة كان الصمت يلف المكان وكان رعد يعلم في قرارة نفسه أن هذه الخطوة هي بداية لعهد جديد فلم يسبق لرعد طوال حياته أن سمح لامرأة باختراق حرمة بيته ولم يسبق له أن حمل أنثى بين يديه بهذا الحذر أو أولى اهتماماً يذكر لأي واحدة منهن .. كانت له علاقات كثيرة وعابرة!! لكن ذلك الجانب اللين الحنون والمختبئ في أعمق زوايا روحه، لم يظهر قط لأي إنسان حتى تلك الليلة ..خرج رعد من الغرفة يتبعه طيف لورا المتبختر، وأوصدا الباب الخشبي الثقيل خلفهما ليتركا خلف جدرانه فراغًا موحشًا تلاشت فيه الأنفاس وساد فيه سكون بطعم الموت. بقيت وعد في مكانها لثوانٍ طويلة، تشعر بغصة مريرة وخانقة تعترض حنجرتها؛ كان شعور الغبن والقهر ينهش مفاصلها وجسدها الضعيف دون أن تفهم سببًا حقيقيًا أو منطقيًا لهذا الألم الذي يعتصر قلبها المكلوم. تذكرت ملامح لورا الصارخة، وطريقة نظراتها الجريئة المتملكة ونبرتها المتحدية نحو رعد، فاهتز كيانها الأنثوي غيظًا وكمدًا. لم تحتمل البقاء حبيسة جدران غرفتها التي باتت تشبه زنزانة انفرادية؛ فتحركت بخطوات شبه مغيبة تحت تأثير مشاعرها المضطربة، فتحت الباب بهدوء مريب، وتسللت خارجة لتهبط الدرج الرخامي العريض بخطوات وئيدة وحذرة لعلها تجد مخرجًا أو تفهم ما يدور حولها في هذا الجحيم المخملي.حين وصلت إلى منتصف السلم، تجمدت الدماء في عروقها وتوقفت في مكانها كالصنم. رأت رعد واقفًا في البهو السفلي الفسيح بكل هيبته الطاغية، ولورا تقف على مسافة قريبة منه للغاية بشكل مستفز، تتحدث بنعومة بالغة وتنفث سموم غنجها ودلالها أمامه، بينما كان هو يدخن سيجارته بملامح جامدة
تسللت ظلمة الليل الباردة عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة الممتدة من الأرض إلى السقف، لتلقي بظلالها الكئيبة على أرجاء تلك الغرفة الواسعة التي تفوح برائحة الفخامة والترهيب في آن واحد. كان الصمت الذي يلف المكان صمتًا ثقيلاً، مشحونًا بالتوتر، صمتًا يسبق العواصف المدمرة دائمًا في عالم رعد السفياني. تقدم رعد بخطواته الثقيلة المدروسة، يحمل وعد بين ذراعيه القويتين كمن يحمل غنيمة حرب ثمينة تخلى العالم كله عنها. لم تكن قبضته مجرد إمساك بجسدها الضعيف، بل كانت إعلان تملك مطلق لا يجرؤ أحد على منازعته فيه. وضعها فوق فراش السرير العريض الوثير برفق شديد، لكنه رفق يحمل في طياته هيبة مرعبة وقسوة مبطنة. وقبل أن يتراجع خطوة إلى الوراء، انحنى فوقها قليلاً، مستنشقًا عطرها الذي كان يسري في عروقه كمخدر فتاك، وطبع قُبلةً جافةً وطويلةً على رأسها. لم تكن تلك القبلة لمواساتها أو لطمأنتها، بل كانت بمثابة وسم أبدي يطبع به ملكيته على جسدها وروحها، ليذكرها في كل ثانية أنها باتت جزءًا من ممتلكاته الخاصة التي لا تملك حق التصرف في نفسها.تحرك رعد بعد ذلك بخطواتٍ واثقة ومثقلة بالغموض نحو زاوية الغرفة المظلمة. سحب علبة سجا
تجمدت الأطراف وشلت الحركة، وعجز اللسان عن النطق أمام مشهد الموت الوشيك. كان رعد واقفاً في منتصف الغرفة وعيناه متسعتان بجنون وكأن جاحظتيهما ستخرجان من محجريهما من فرط الرعب الذي تملكه. برزت عروق يده بشكل مخيف، واشتد خفقان قلبه حتى كاد يمزق صدره وهو يشهد بأم عينيه جسد وعد النحيل يتأرجح على حافة الشرفة الشهيرة. لم يكن يصدق ما تراه عيناه؛ طفلته المستضعفة، المرأة التي حارب الجميع ليمتلكها، تسلم جسدها وروحها للهواء بدم بارد. في تلك اللحظات السريعة كالحلم، صمتت الدنيا في أذن وعد، ولم تعد تسمع سوى حفيف الرياح. همست لنفسها بقلب محترق: "لقد سلمت روحي للهواء.. أخيراً سأرتاح من هذا العالم المظلم. أريد الخلاص فحسب، فلم يعد في قلبي متسع للخوف من أي شيء، ولم يعد هناك من أخشى غيابه وراء ظهري.. لقد تعبت، تعبت إلى حد الموت."رفعت وعد رأسها بشموخ يائس وهي تحدق في الفراغ السحيق تحتها، ودفعت بجسدها إلى الأمام، ملقية بقدميها في الفضاء الخالي مستسلمة للجاذبية. لكن القدر لم يمهلها الخلاص الذي تمنته؛ فقبل أن يهوي جسدها إلى الأسفل، انقضت يد حديدية بسرعة تفوق الخيال لتتمسك بطرف ثوبها الحريري، متبوعة بذرا
استدار رعد وابتعد عنها بخطوات ثقيلة ومدروسة، تاركاً خلفه كتلة من الوجع والانهيار ممددة على الأرض. كانت وعد عاجزة تماماً عن الحراك، وكأن أنفاسها قد سُلبت منها عنوة. توجه رعد مباشرة نحو الحمام بخطواته الواثقة التي تحمل طابعاً من الجبروت، بينما كان صمت الغرفة يضج بصدى أنينها المكتوم. لم تمر سوى دقائق معدودة حتى خرج مجدداً، جسده الرياضي ينضح بقطرات الماء، وخصلات شعره الأسود المبلل منسدلة على جبينه. كان يمسح عضلاته البارزة وعنقه بمنشفة بيضاء ناصعة ببرود تام، وكأن شيئاً لم يكن، وكأن العاصفة التي أحدثها قبل قليل كانت مجرد نزهة عابرة.على الجانب الآخر من الغرفة، كانت وعد تبكي في صمت مرير يحرق جوفها. لم تكن تبكي خوفاً، بل قهرًا وعجزًا. كان جسدها النحيل يرتعش بشكل متواصل من شدة الألم الجسدي والنفسي؛ عظام يديها وقدميها تؤلمها بقسوة إثر القبضة الحديدية والعنف المفرط الذي تعرضت له على يديه. شعرت وكأن كرامتها قد سُحقت تحت قدمي هذا الطاغية. فجأة، ومن بين دموعها الحارقة، التفتت برأسها ببطء نحو الخزانة، فلمحت بريقاً معدنياً مألوفاً. إنه مسدسه الخاص، مخبأ بعناية داخل جيب بدلته الرسمية المعلقة. في تلك ا
ظل رعد مطوقاً إياها بذراعيه، محاولاً محاصرة تمردها الصامت، ونظر في عينيها الغارقتين بالوجل متسائلاً بنبرة مشحونة بالعتب والحدة:- "لماذا تحاولين الابتعاد عني دوماً؟ لماذا تهربين من رجل لا يبتغي سوى حبكِ والتمسك بكِ؟"انهمرت دموع وعد الساخنة على وجنتيها الشاحبتين، وردت بنبرة متهدجة وعيناها تلمعان بالقهر:- "من يحب بصدق لا يفعل ما تفعله أنت بي.. إنك رجل مريض!"احتدت نظراته وتضاعف جنونه وهو يقترب من وجهها أكثر، هامساً بنبرة أرعبت أوصالها:- "أنا مريض بكِ.. نعم، أنا مهووس بكِ إلى حد الجنون! إنني أحبكِ أكثر مما تحبين أنتِ نفسكِ!"حاولت وعد جاهدة أن تدفعه بيديها المرتجفتين لتبتعد عنه قليلاً، وقالت بصوت مخنوق بالبكاء:- "أرجوك.. أطلق سراحي، دعني وشأني."لم يحتمل رعد محاولتها للإفلات؛ فباغتها بصفعة قوية دوت في أرجاء الغرفة، ثم قبض على خصلات شعرها الطويل وجذبها نحوه بقسوة وهو يزمجر بغضب أعمى:- "قسماً إنني قد أقتلكِ، لكنني لن أسمح لكِ بالرحيل عني أبداً!"أغمضت وعد عينيها بشدة، واستسلمت لدموعها التي أخذت تشق طريقها بغزارة فوق موضع الصفعة. حين رأى رعد دموعها وانكسارها، هدأ ثوران وحشه قليلاً، واح
كان المشهد داخل الغرفة أشبه بكابوس مرعب صبغ جدران الذاكرة باللون القاني. وعد مستلقية هناك، غارقة في بركة من دمائها الزكية، بينما وقف رعد شاخصاً ببصره نحوها، والاضطراب يعصف بكيانه حتى بات عاجزاً عن استيعاب ما تقترفه يداه أو ما يدور حوله. اختلط الغضب بالذعر في صدره، فضرب رأسه بكلتا يديه بقوة، مطلقاً صرخة هستيرية شقت سكون المكان؛ صرخة لم يعرف هو نفسه كيف خرجت من أعماقه بلا وعي، مدوية كعاصفة عمياء تضرب أرضاً قاحلة خطا نحوها بخطوات متعثرة وثقيلة، والكلمات تخرج من بين شفتيه مشحونة بنبرة آمرة تخفي خلفها رعباً دفيناً: - انهضي يا وعد.. انهضي! أليست هذه رغبتك؟ ألم تكوني ترغبين في أن يروكِ؟ أن يتغزلوا بجمالكِ الفاتن ويغدقوا عليكِ بعبارات الثناء؟ أردتِ لفت أنظارهم ونيل إعجابهم.. أليس كذلك؟! حسناً، ها قد نلتِ مرادكِ.. لكن حسابنا لم ينتهِ بعد، ما زال بانتظاركِ الكثير معي، لن تنجي بفعلتكِ!"لم يكن هناك أي رد.. وعد كانت غائبة تماماً عن الوجود، جسدها ممدد بلا حراك، والدم القاني يتدفق بغزارة من فمها ليسيل على بشرتها الشاحبة، بينما تبعثر شعرها الحريري حول وجهها، ملطخاً بتلك الدماء الفائرة التي أطفأت ب







