كان المطر يهطل على القاهرة في تلك الليلة من شهر نوفمبر بغزارةٍ لم تعهدها المدينة منذ سنوات، وكأن السماء قررت أن تبكي نيابةً عن كل من نسي كيف يبكي. وقف كريم عبد الوهاب أمام نافذة شقته الصغيرة في الطابق الثالث بحي شعبي هادئ، يراقب قطرات الماء وهي تتسابق على الزجاج، بينما كانت ابنته الصغيرة يارا، ذات الخمسة أعوام، نائمة في حجرتها المجاورة بعد أن أنهكها البكاء طلبًا لأمها التي لم تعد موجودة.مرّ عامان كاملان على رحيل سلوى، زوجته التي أحبها منذ أيام الجامعة، والتي فارقت الحياة إثر مضاعفاتٍ مفاجئة بعد الولادة الثانية التي لم تكتمل. كان كريم في تلك الليلة يقف أمام المرآة القديمة المعلقة في الصالة، يتأمل وجهه المتعب، والخطوط التي بدأت ترتسم حول عينيه رغم أنه لم يتجاوز الثالثة والثلاثين من عمره بعد. لم يكن يشكو من الفقر بقدر ما كان يشكو من الوحدة، تلك الوحدة التي تجلس معه على مائدة الطعام كل مساء، وتنام بجانبه كل ليلة، وتوقظه كل صباح لتذكّره أن نصف حياته قد رحل ولن يعود.كان كريم يعمل سائقًا خاصًا منذ خمس سنوات، بدأ مشواره في هذه المهنة بعد أن أغلقت الورشة التي كان يعمل بها ميكانيكيًا إثر أزمة
Last Updated : 2026-07-27 Read more