All Chapters of عريس الوصية: Chapter 1 - Chapter 10

10 Chapters

الفصل الأول: ظلٌّ في البيت الصغير

كان المطر يهطل على القاهرة في تلك الليلة من شهر نوفمبر بغزارةٍ لم تعهدها المدينة منذ سنوات، وكأن السماء قررت أن تبكي نيابةً عن كل من نسي كيف يبكي. وقف كريم عبد الوهاب أمام نافذة شقته الصغيرة في الطابق الثالث بحي شعبي هادئ، يراقب قطرات الماء وهي تتسابق على الزجاج، بينما كانت ابنته الصغيرة يارا، ذات الخمسة أعوام، نائمة في حجرتها المجاورة بعد أن أنهكها البكاء طلبًا لأمها التي لم تعد موجودة.مرّ عامان كاملان على رحيل سلوى، زوجته التي أحبها منذ أيام الجامعة، والتي فارقت الحياة إثر مضاعفاتٍ مفاجئة بعد الولادة الثانية التي لم تكتمل. كان كريم في تلك الليلة يقف أمام المرآة القديمة المعلقة في الصالة، يتأمل وجهه المتعب، والخطوط التي بدأت ترتسم حول عينيه رغم أنه لم يتجاوز الثالثة والثلاثين من عمره بعد. لم يكن يشكو من الفقر بقدر ما كان يشكو من الوحدة، تلك الوحدة التي تجلس معه على مائدة الطعام كل مساء، وتنام بجانبه كل ليلة، وتوقظه كل صباح لتذكّره أن نصف حياته قد رحل ولن يعود.كان كريم يعمل سائقًا خاصًا منذ خمس سنوات، بدأ مشواره في هذه المهنة بعد أن أغلقت الورشة التي كان يعمل بها ميكانيكيًا إثر أزمة
last updateLast Updated : 2026-07-27
Read more

الفصل الثاني: قصرٌ بلا دفء

على النقيض من عالم كريم البسيط، كانت سلمى الدسوقي تعيش في قصرٍ فسيح تحيط به الحدائق الغنّاء، قصرٍ تتلألأ نوافذه في المساء بأضواء الثريات الباهظة، وتتزين جدرانه باللوحات النادرة التي جلبها والدها من رحلاته الخارجية المتكررة. كانت الفتاة في الرابعة والعشرين من عمرها، حديثة التخرج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، تحمل شهادة تؤهلها لأن تكون واحدة من أبرز الأسماء في عالم المال والأعمال، لكنها كانت في العمق تشعر بأنها سجينة في قفصٍ ذهبي لا تُرى قضبانه لكنها تُحكم الخناق كل يوم أكثر من سابقه.كان والدها، المستشار كمال الدسوقي، رجلًا صارمًا في تربيته، حريصًا على أن تظهر ابنته دائمًا بالمظهر اللائق باسم العائلة العريقة، فمنعها منذ صغرها من مخالطة من وصفهم بـ"غير المناسبين"، وفرض عليها مسارًا محددًا للحياة لا تحيد عنه: دراسة جيدة، ثم زواج من عائلة ذات نفوذ ومكانة، ثم دور اجتماعي لائق يليق باسم "الدسوقي". لم تكن سلمى تجرؤ على الاعتراض كثيرًا، فقد كانت تحب والدها رغم صرامته، وتعلم أن خلف تلك القسوة الظاهرية قلبًا يحبها بطريقته الخاصة، وإن كانت تلك الطريقة لا تخلو من القسوة أحيانًا.أما والدتها،
last updateLast Updated : 2026-07-27
Read more

الفصل الثالث: الشرط الغامض

في صباح اليوم المحدد لقراءة الوصية، اجتمع أفراد العائلة كافة في الصالون الكبير بمكتب المحاماة الشهير الذي كان يديره الأستاذ منير حبيب، صديق المستشار الراحل ومحاميه الخاص منذ ثلاثين عامًا. كانت القاعة مهيبة، تتوسطها طاولة خشبية ضخمة، وتحيط بها مقاعد جلدية فاخرة جلس عليها كل من: سلمى، عمّها سامي وزوجته، الخالة نبيلة، وعادل خطيب سلمى الذي حرص على الحضور رغم أنه لم يكن من العائلة رسميًا بعد.بدأ الأستاذ منير بفتح الملف الرسمي بحركاتٍ بطيئة مقصودة، وكأنه يدرك أن كل كلمة سينطق بها ستُحدث زلزالًا في هذه القاعة. نظر إلى الوجوه المتحفزة أمامه، ثم قال بصوته الهادئ الرزين: "قبل أن أبدأ بقراءة تفاصيل الوصية، أود أن أوضح أن المرحوم المستشار كمال الدسوقي قد أودعني هذه الوثيقة منذ أكثر من عامين، وطلب مني الالتزام التام بتنفيذ بنودها دون أي تعديل، مهما بدت غريبة أو غير مألوفة لأي طرف من الأطراف الحاضرين."ساد صمت ثقيل في القاعة، وتبادل سامي وعادل نظرة سريعة لم تفلت من عين سلمى اليقظة. استأنف المحامي القراءة: "بسم الله الرحمن الرحيم، أنا كمال أحمد الدسوقي، في كامل قواي العقلية، أوصي بما يلي..." تلا ال
last updateLast Updated : 2026-07-27
Read more

الفصل الرابع: عرضٌ لا يُصدَّق

استدعى الأستاذ منير حبيب كريم إلى مكتبه في صباح يوم خميس، بعد أن أنهى مناوبته المعتادة في نقل بعض أوراق المستشار الراحل إلى المحامي، تلك المهمة التي كُلّف بها منذ وفاة صاحب العمل، إذ لم يكن أحد في العائلة قد قرر بعد مصير عمله كسائق. دخل كريم إلى المكتب الفخم مرتديًا زيّه المعتاد، يشعر بشيء من التوتر غير المفهوم، إذ لم يكن معتادًا أن يُستدعى بمفرده لمقابلة رسمية كهذه."تفضل بالجلوس يا كريم." قال المحامي بابتسامة هادئة حاول من خلالها أن يبدد التوتر الظاهر على وجه الشاب. جلس كريم على حافة الكرسي، ووضع يديه على ركبتيه بانتظار أن يعرف سبب هذا الاستدعاء المفاجئ. بدأ المحامي حديثه بمقدمة طويلة عن وفاة المستشار، وعن الوصية، وعن الشرط الغريب الذي وضعه لابنته، وكان كريم يستمع بانتباه شديد، دون أن يفهم بعد ما علاقته هو بكل هذا الحديث المعقد عن الميراث والزواج.حين وصل المحامي أخيرًا إلى صلب الموضوع، توقف قليلاً، ثم قال بحذرٍ شديد: "كريم، أنا أعرفك منذ سنوات طويلة، منذ أن بدأت العمل مع المستشار كمال رحمه الله، وأعرف أنك رجل أمين، مستقيم، بعيد كل البعد عن عالم النفاق الذي يحيط بنا. لهذا السبب، أطر
last updateLast Updated : 2026-07-27
Read more

الفصل الخامس: اللقاء الأول

وصل كريم إلى مكتب المحاماة قبل الموعد المحدد بعشر دقائق، مرتديًا أفضل ما يملك من ثياب: قميصًا أبيض أنيقًا اشتراه خصيصًا لهذه المناسبة، وبنطالًا داكنًا كان يحتفظ به للمناسبات الرسمية النادرة. جلس في غرفة الانتظار الصغيرة، يشعر بيديه تتعرقان من التوتر، ويكرر في ذهنه الكلمات التي أعدّها ليقولها، رغم علمه أن كل هذه الاستعدادات قد تتبخر في اللحظة التي يجد نفسه فيها وجهًا لوجه أمام الفتاة التي سيقرر مصيره معها.وصلت سلمى بعد دقائق قليلة، ترتدي بذلة رسمية أنيقة باللون الرمادي الداكن، متماشية مع فترة حدادها، وقد بدت عليها آثار الإرهاق والقلق رغم محاولاتها إخفاءها خلف مظهر هادئ متماسك. دخلا معًا إلى مكتب الأستاذ منير، الذي رحّب بهما بحفاوة، وطلب من مساعدته أن تحضر لهما القهوة، ثم قال بابتسامة مطمئنة: "سأتركم الآن لتتحدثا بحرية، أنا في المكتب المجاور إن احتجتما إلى أي شيء." وغادر الغرفة تاركًا إياهما وحدهما لأول مرة.ساد صمت ثقيل استمر لدقيقة كاملة، لم يجرؤ أي منهما على كسره أولاً. كانت سلمى تنظر إلى يديها المتشابكتين فوق حجرها، بينما كان كريم يحدق في نقطة غير محددة على الطاولة الخشبية أمامه. أ
last updateLast Updated : 2026-07-27
Read more

الفصل السادس: بداية غريبة

أُقيم حفل عقد القران في نطاق ضيق للغاية، اقتصر على الحاجة فاطمة ويوسف من جانب كريم، والخالة نبيلة والأستاذ منير من جانب سلمى، بالإضافة إلى مأذون شرعي وشاهدين رسميين. لم يكن هناك احتفال صاخب، ولا موسيقى، ولا حتى فرحة ظاهرة على الوجوه، بل كان المشهد أقرب إلى توقيع معاهدة سياسية منه إلى حفل زفاف حقيقي. ارتدت سلمى فستانًا بسيطًا رماديًا فاتحًا يليق بفترة حدادها التي لم تنتهِ بعد، بينما ارتدى كريم بدلة داكنة استأجرها لهذه المناسبة، وشعر طوال الوقت أنه يمثل دورًا في مسرحية لا يعرف نهايتها.بعد انتهاء المراسم الرسمية، انتقلت سلمى إلى الجناح المخصص لكريم ويارا داخل القصر، في حين احتفظت هي بجناحها الخاص في الطابق الآخر، وفقًا لما نص عليه العقد. كان هذا الترتيب غريبًا بالنسبة لطاقم الخدم في القصر، الذين اعتادوا رؤية عائلة الدسوقي تعيش وفق تقاليد صارمة، لكنهم التزموا الصمت المهني المعتاد، مكتفين بتبادل النظرات المتسائلة فيما بينهم دون أن يجرؤ أحدهم على التعليق علنًا.كانت الأيام الأولى مليئة بالتوتر والحرج المتبادل. كان كريم يشعر بأنه غريب تمامًا في هذا العالم الفخم، يتوه بين الممرات الطويلة للق
last updateLast Updated : 2026-07-27
Read more

الفصل السابع: جسر من براءة

منذ تلك الليلة التي جلست فيها سلمى على مائدة كريم البسيطة، بدأت زياراتها المسائية لجناحه تتكرر تدريجيًا، وإن كانت في البداية بحجج واهية: تارة تسأل عن يارا وتقدمها الدراسي، وتارة أخرى تحمل معها كتابًا اشترته للطفلة، حتى أصبحت هذه الزيارات جزءًا غير معلن من الروتين اليومي داخل القصر. كانت يارا، بفطرتها الطفولية الصافية، هي أول من كسر الجدار الفاصل بين سلمى وكريم، فقد أحبت الطفلة هذه المرأة الجميلة التي بدأت تقضي وقتًا معها، تقرأ لها القصص قبل النوم، وتساعدها في رسوماتها الملونة، وتضحك من نكاتها البريئة بصدق لم تعتد سلمى إظهاره أمام أحد من قبل.في أحد الأيام، وبينما كانت سلمى تجلس في حديقة القصر تراقب يارا وهي تركض بين الأشجار، اقتربت منها الطفلة فجأة، ومسكت بيدها بثقة عفوية، وقالت لها: "تعالي العبي معايا يا سلمى، بابا بيقول إن اللعب مع حد بتحبه أحلى من اللعب لوحدك." شعرت سلمى بدفء غريب يسري في قلبها من هذه الكلمات البسيطة، ونهضت لتلعب مع يارا لعبة الغميضة بين أشجار الحديقة، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، سمع خدم القصر صوت ضحكة سلمى الحقيقية تتردد في أرجاء المكان، ضحكة لم يعتادوا سماعها منذ
last updateLast Updated : 2026-07-27
Read more

الفصل الثامن: اختبار الأمانة

بعد شهرين من الزواج، بدأت سلمى تتولى تدريجيًا مسؤولياتها في إدارة شركة الدسوقي القابضة، بمساعدة الأستاذ منير والمجلس الإداري المؤقت. كانت تدخل عالم الأعمال بحذر شديد، تحاول أن تفهم تفاصيل معقدة ظلت بعيدة عنها طوال سنوات دراستها ونشأتها، فرغم شهادتها الجامعية في الاقتصاد، إلا أن التطبيق العملي داخل شركة بحجم إمبراطورية والدها كان تحديًا مختلفًا تمامًا. في أحد الاجتماعات الأولى التي حضرتها، لاحظت تناقضًا غريبًا في بعض الأرقام المالية المتعلقة بأحد المشاريع الكبرى التي كان والدها يديرها شخصيًا قبل وفاته، مشروع إنشائي ضخم كان من المفترض أن يُموَّل جزئيًا من صندوق حكومي بالشراكة مع جهة خاصة يديرها عادل، خطيبها السابق.استرعى انتباهها تحديدًا أن هناك فجوة مالية كبيرة بين المبالغ المُعلنة والمبالغ الفعلية المسجلة في دفاتر الحسابات، فجوة تصل إلى ملايين الجنيهات لم تجد لها تفسيرًا واضحًا. حين استفسرت من المدير المالي للشركة، حاول الأخير التهرب من الإجابة بحجج غير مقنعة، مما زاد شكوكها بدلاً من أن يبددها. قررت سلمى أن تحتفظ بهذه الملاحظات لنفسها مؤقتًا، وأن تجري تحقيقًا خاصًا بعيدًا عن أعين الم
last updateLast Updated : 2026-07-27
Read more

الفصل التاسع: أنياب تتكشف

لم يكن سامي الدسوقي رجلاً يقبل الهزيمة بسهولة. بعد فشل محاولته الأولى لإقناع كريم بالانسحاب مقابل المال، وبعد أن شعر أن سلمى بدأت تبتعد عن سيطرته وتتصرف باستقلالية متزايدة في إدارة شؤون الشركة، بدأ يغيّر استراتيجيته تدريجيًا، متحولاً من أسلوب الإغراء إلى أسلوب أكثر خطورة وتهديدًا. استدعى شريكه في الجريمة، ذلك المسؤول الحكومي الذي رآه كريم في تلك الليلة الغامضة، واجتمعا في المبنى السري ذاته، يناقشان كيفية التعامل مع خطر اكتشاف مخططهما قبل فوات الأوان.في تلك الأثناء، بدأت سلمى تلاحظ تغيرًا ملحوظًا في سلوك بعض موظفي الشركة تجاهها، خاصة أولئك الذين عيّنهم عمّها في مناصب حساسة داخل المجلس الإداري. لاحظت أن بعض الملفات التي كانت تطلبها بدأت تختفي بشكل غامض، وأن بعض الاجتماعات كانت تُعقد دون علمها رغم أنها المسؤولة الرسمية الآن عن الشركة وفق شروط الوصية المؤقتة. استشعرت أن هناك من يحاول عزلها تدريجيًا عن مصادر المعلومة الحقيقية، وأخبرت كريم والأستاذ منير بمخاوفها هذه في اجتماع طارئ عقد في مكتب المحامي.قال الأستاذ منير بقلق واضح: "سلمى، أعتقد أن الوقت قد حان لأخذ خطوة جدية. يجب أن نقدم ما ل
last updateLast Updated : 2026-07-27
Read more

الفصل العاشر: ليلة الاعتراف

بعد أسبوع من حادثة المطاردة، وبينما كانت سلمى وكريم يستعدان لتسليم الأدلة التي جمعاها إلى القاضي المستقل الذي رشّحه الأستاذ منير، تصاعدت الأحداث بشكل مفاجئ ومروع. في مساء أحد الأيام، وبينما كانت يارا تلعب في حديقة القصر تحت إشراف إحدى الخادمات الموثوقات، حاول رجل غريب التسلل عبر السور الخلفي للقصر، لكن الحاج عبد المنعم، الذي كان يراقب المكان بيقظة إضافية منذ تحالفه السري مع كريم، لاحظ الأمر وأطلق صافرة الإنذار على الفور، مما أدى إلى فرار الدخيل قبل أن يتمكن أحد من القبض عليه، لكنه ترك خلفه أداة معدنية حادة سقطت منه أثناء هروبه، أداة كانت واضحة الغرض من استخدامها.أصيبت سلمى بحالة من الهلع الشديد حين علمت بما حدث، وركضت لتحتضن يارا التي لم تكن قد أدركت خطورة الموقف بعد، بينما وصل كريم مسرعًا من عمله فور تلقيه الاتصال، ووجد المكان يعج برجال الأمن الذين استقدمهم مسبقًا. احتضن كريم ابنته بقوة، يتفقد جسدها الصغير للتأكد من سلامتها، ثم نظر إلى سلمى بعينين مليئتين بالغضب والخوف معًا، وقال بصوتٍ يرتجف من شدة الانفعال: "كفاية كده يا سلمى، الموضوع ده وصل لحد خطير جدًا، ابنتي كانت ممكن تتأذى الن
last updateLast Updated : 2026-07-27
Read more
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status