Home / الرومانسية / عريس الوصية / الفصل الخامس: اللقاء الأول

Share

الفصل الخامس: اللقاء الأول

last update publish date: 2026-07-27 22:40:36

وصل كريم إلى مكتب المحاماة قبل الموعد المحدد بعشر دقائق، مرتديًا أفضل ما يملك من ثياب: قميصًا أبيض أنيقًا اشتراه خصيصًا لهذه المناسبة، وبنطالًا داكنًا كان يحتفظ به للمناسبات الرسمية النادرة. جلس في غرفة الانتظار الصغيرة، يشعر بيديه تتعرقان من التوتر، ويكرر في ذهنه الكلمات التي أعدّها ليقولها، رغم علمه أن كل هذه الاستعدادات قد تتبخر في اللحظة التي يجد نفسه فيها وجهًا لوجه أمام الفتاة التي سيقرر مصيره معها.

وصلت سلمى بعد دقائق قليلة، ترتدي بذلة رسمية أنيقة باللون الرمادي الداكن، متماشية مع فترة حدادها، وقد بدت عليها آثار الإرهاق والقلق رغم محاولاتها إخفاءها خلف مظهر هادئ متماسك. دخلا معًا إلى مكتب الأستاذ منير، الذي رحّب بهما بحفاوة، وطلب من مساعدته أن تحضر لهما القهوة، ثم قال بابتسامة مطمئنة: "سأتركم الآن لتتحدثا بحرية، أنا في المكتب المجاور إن احتجتما إلى أي شيء." وغادر الغرفة تاركًا إياهما وحدهما لأول مرة.

ساد صمت ثقيل استمر لدقيقة كاملة، لم يجرؤ أي منهما على كسره أولاً. كانت سلمى تنظر إلى يديها المتشابكتين فوق حجرها، بينما كان كريم يحدق في نقطة غير محددة على الطاولة الخشبية أمامه. أخيرًا، قررت سلمى أن تبادر بالحديث، فقالت بصوتٍ هادئ حاولت أن تجعله يبدو أكثر ثقة مما تشعر به فعلاً: "أعتقد أن كلينا يعرف سبب وجودنا هنا اليوم، ولن أضيع وقتك في مقدمات طويلة. أريد أن أسألك سؤالاً مباشرًا: لماذا وافقت على هذا اللقاء أصلاً؟"

رفع كريم عينيه نحوها، وفوجئ بمدى صراحتها المباشرة، فأجاب بنفس القدر من الصدق: "بصراحة يا آنسة سلمى، أنا موافقتش على حاجة لسه. أنا هنا عشان أشوفك، وأسمع منك بنفسي، مش عشان الأستاذ منير أو أي حد تاني. عندي بنت صغيرة اسمها يارا، عمرها خمس سنين، وهي كل حياتي. أي قرار هاخده لازم يكون في مصلحتها الأول، وبعدين أفكر في أي حاجة تانية."

أعجبت سلمى بصراحته، فقد كانت متوقعة أن يبدأ بالحديث عن المال أو عن الفرصة الاجتماعية، لكنه بدأ بذكر ابنته، وهذا وحده منحها شعورًا بالطمأنينة لم تكن تتوقعه. قالت له: "أنا أيضًا لست هنا بحثًا عن حب أو رومانسية، ولا أتوقع منك ذلك. أنا في موقف صعب جدًا، فقدت أبي منذ أسابيع قليلة في ظروف غامضة، ومحاطة بأشخاص أخشى أن يكونوا متورطين في هذا الموضوع، وهذا الشرط الغريب في الوصية قد يكون الحل الوحيد لحماية ما تركه لي أبي، وربما لحماية نفسي أيضًا."

استمر الحديث بينهما لأكثر من ساعة، تبادلا خلالها الأسئلة والإجابات بصراحة نادرة بين شخصين التقيا للتو. سألته عن زوجته الراحلة، فأجابها بصوتٍ يخالطه الحزن العميق، دون أن يخفي شيئًا: "سلوى كانت زوجتي من خمستاشر سنة، ماتت من سنتين بعد الولادة. لسه ماقدرتش أنسى، وماعتقدش هأنسى أبدًا، بس ده مش معناه إني مش قادر أساعد حد محتاج مساعدة." سألها بدوره عن خطيبها عادل، فأجابته بمرارة واضحة: "لم يكن يومًا يهتم بي كإنسانة، بل كصفقة، وأنا الآن أدرك ذلك بوضوح أكثر من أي وقت مضى."

في منتصف الحديث، سألته سلمى بفضول حقيقي: "لماذا لا تتزوج امرأة من عالمك، من طبقتك الاجتماعية؟ ألا يخيفك أن ترتبط بامرأة من عالم مختلف تمامًا عن عالمك؟" فكر كريم قليلاً قبل أن يجيب: "الحقيقة، أنا مش خايف من الفرق بيننا في الطبقة أو المال، أنا خايف من حاجة تانية. خايف إني أفتح قلبي لحد من جديد، وبعدين أفقده زي ما فقدت سلوى. الخوف ده أكبر من أي فرق طبقي ممكن يكون بينا."

كانت هذه الإجابة صادقة إلى حد أدهش سلمى، فهي لم تعتد أن يتحدث معها رجل بهذا القدر من الشفافية، دون محاولة لإثارة إعجابها أو التلاعب بمشاعرها. شعرت في تلك اللحظة أنها أمام شخص مختلف تمامًا عن كل من عرفتهم في حياتها، شخص لا يملك شيئًا يخفيه، لأنه ببساطة لا يملك ما يطمع فيه أحد سواه.

استدعيا الأستاذ منير بعد ذلك، وطلبا منه أن يشرح لهما تفاصيل العقد المقترح بدقة أكبر. أوضح المحامي البنود الأساسية: سيكون الزواج مسجلاً رسميًا وقانونيًا، لكنه سيبقى محدود التفاصيل أمام الإعلام والمجتمع قدر الإمكان في البداية، ريثما يعتاد الطرفان الوضع الجديد. سيقيم كريم ويارا في جناح منفصل داخل قصر الدسوقي، مع احترام كامل للخصوصية، وستُخصص لكريم غرفة نوم منفصلة تمامًا عن غرفة سلمى، على أن يظهرا معًا في المناسبات الاجتماعية الضرورية للحفاظ على مصداقية الزواج أمام القانون والمجتمع. أما من الناحية المالية، فسيحصل كريم على راتب شهري محترم بالإضافة إلى تغطية كاملة لتعليم يارا وعلاجها، دون أن يكون له أي حق في أصول الشركة أو ممتلكات العائلة، حفاظًا على وضوح النوايا من الجانبين.

استمعت سلمى وكريم إلى كل التفاصيل بصمت وتركيز، وحين انتهى المحامي من الشرح، تبادلا نظرة سريعة، وكأن كلاهما كان ينتظر أن يرى في عيني الآخر إشارة تُطمئنه على اتخاذ هذا القرار المصيري. قال كريم أخيرًا: "أنا محتاج أرجع لبيتي، أفكر، وأستشير أم زوجتي اللي بتساعدني في تربية يارا. مش عايز أاخد قرار وأنا لسه مصدوم من كل اللي سمعته النهاردة." تفهمت سلمى موقفه تمامًا، وقالت: "بالطبع، خذ وقتك الذي تحتاجه. أنا نفسي بحاجة إلى وقت للتفكير أيضًا، فهذا قرار يغيّر حياتينا كلتينا."

قبل أن يغادرا المكتب، وقفت سلمى للحظة أمام كريم، ومدّت يدها إليه بثقة، وقالت: "شكرًا لصراحتك اليوم يا كريم، مهما كان قرارك، أقدّر أنك لم تحاول التلاعب بي أو استغلال الموقف." صافحها كريم بحذر واحترام، وقال: "وأنا كمان بشكرك على صراحتك يا آنسة سلمى، وأتمنى لو القرار ده يطلع فيه خير للطرفين، أيًا كان." غادرا المكتب كل في اتجاه مختلف، لكن كلاهما حمل معه في تلك الليلة صورة الآخر، وأسئلة كثيرة لم يجدا لها إجابات بعد، وشعورًا غامضًا بأن حياتيهما على وشك أن تتقاطعا بطريقة لم يتخيلاها من قبل.

عاد كريم إلى بيته، ووجد الحاجة فاطمة تنتظره بفارغ الصبر لتسمع تفاصيل اللقاء. جلس معها في الصالة الصغيرة، وسرد لها كل ما دار بينه وبين سلمى بصدق، دون أن يخفي شيئًا من مخاوفه أو إعجابه غير المتوقع بصراحة الفتاة وبساطتها رغم كل الثراء المحيط بها. استمعت الحاجة فاطمة بانتباه، ثم قالت بحكمتها المعتادة: "يا كريم، البنت دي حاسّة إنها ضايعة، وإنت راجل بتحب تحمي الضايعين، ده طبعك من زمان. لو حسّيت إن قلبك مرتاح للفكرة، ومتأكد إن العقد واضح ومحترم، امشِ فيها، وربنا يوفقك. بس اسمع كلامي: خلّي القلب يمشي على مهله، متستعجلش حاجة، خليها تثبت بنفسها."

في الأيام التالية، تواصل كريم مع الأستاذ منير أكثر من مرة، يسأل عن تفاصيل إضافية، ويطلب توضيحات قانونية دقيقة لحماية حقوق يارا في حال حدوث أي طارئ. أعجب المحامي بحرص كريم الشديد، وقال له في إحدى المكالمات: "أنت رجل يفكر بعقلانية نادرة يا كريم، وهذا بالضبط ما يجعلني مطمئنًا لاختيارك." من جانبها، كانت سلمى تقضي أيامها في مواجهة ضغوط متصاعدة من عمّها سامي الذي حاول مرارًا إقناعها بالتراجع عن فكرة الزواج من "شخص من عامة الناس" كما وصفه بازدراء، وأن تفكر بدلاً من ذلك في الطعن قانونيًا على شرعية الشرط نفسه أمام المحكمة.

لكن سلمى، بعد استشارة عدة محامين آخرين بسرية تامة، اكتشفت أن الطعن في الوصية قد يستغرق سنوات طويلة في المحاكم، وقد يعرّض الشركة بأكملها لخطر الانهيار في ظل غياب قيادة واضحة خلال هذه الفترة، وهو بالضبط ما كان يريده أعداء والدها الخفيون. قررت في النهاية أن الطريق الذي رسمه لها والدها، رغم غرابته الظاهرية، كان أكثر أمانًا من أي بديل آخر معروض أمامها.

بعد أسبوع كامل من التفكير والاستشارة، اتصل كريم بالأستاذ منير وأبلغه بموافقته النهائية، بشرط أن تُراجع كل بنود العقد بدقة متناهية أمام محامٍ مستقل يختاره هو بنفسه لحماية حقوقه وحقوق يارا. وافقت سلمى على هذا الشرط دون تردد، بل أعجبها حرصه الشديد على الشفافية، معتبرة إياه دليلاً إضافيًا على صدق نواياه. اجتمع الطرفان مرة أخرى، هذه المرة برفقة محاميين، لمراجعة كل تفصيل صغير في العقد، من الحقوق المالية إلى الحدود الشخصية، حتى وُقّع العقد أخيرًا بعد نقاشات استمرت ساعات طويلة، وتحدد موعد عقد القران الرسمي بعد أسبوعين فقط، ضمن المهلة الزمنية التي فرضتها الوصية.

في طريق عودته من مكتب المحاماة بعد التوقيع، مرّ كريم بالمقبرة كعادته، ووقف أمام قبر سلوى، وهذه المرة لم يشعر بالذنب الذي توقعه، بل شعر بسلام غريب يغمر قلبه. وضع باقة الياسمين المعتادة، وقال بصوتٍ هادئ: "وقّعت يا سلوى. مش عارف الطريق ده هيوديني فين، بس أنا متأكد إني عملت اللي يخدم يارا، وإني مبعتش الأمانة اللي إنتِ سبتيها في رقبتي. ادعيلي." وفي الطرف الآخر من المدينة، كانت سلمى تقف أمام مرآتها، تتأمل انعكاس وجهها وهي ترتدي فستانًا بسيطًا اختارته لحفل عقد القران المتواضع الذي سيقام في نطاق ضيق جدًا من الحضور، متسائلة في سرّها عن الحياة الجديدة التي توشك أن تبدأ، حياة لم تكن تتخيلها يومًا، لكنها بدأت تشعر، رغم كل مخاوفها، ببصيص أمل خافت بأن هذا الطريق الغريب قد يقودها إلى شيء أفضل مما كانت عليه حياتها من قبل.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عريس الوصية   الفصل العاشر: ليلة الاعتراف

    بعد أسبوع من حادثة المطاردة، وبينما كانت سلمى وكريم يستعدان لتسليم الأدلة التي جمعاها إلى القاضي المستقل الذي رشّحه الأستاذ منير، تصاعدت الأحداث بشكل مفاجئ ومروع. في مساء أحد الأيام، وبينما كانت يارا تلعب في حديقة القصر تحت إشراف إحدى الخادمات الموثوقات، حاول رجل غريب التسلل عبر السور الخلفي للقصر، لكن الحاج عبد المنعم، الذي كان يراقب المكان بيقظة إضافية منذ تحالفه السري مع كريم، لاحظ الأمر وأطلق صافرة الإنذار على الفور، مما أدى إلى فرار الدخيل قبل أن يتمكن أحد من القبض عليه، لكنه ترك خلفه أداة معدنية حادة سقطت منه أثناء هروبه، أداة كانت واضحة الغرض من استخدامها.أصيبت سلمى بحالة من الهلع الشديد حين علمت بما حدث، وركضت لتحتضن يارا التي لم تكن قد أدركت خطورة الموقف بعد، بينما وصل كريم مسرعًا من عمله فور تلقيه الاتصال، ووجد المكان يعج برجال الأمن الذين استقدمهم مسبقًا. احتضن كريم ابنته بقوة، يتفقد جسدها الصغير للتأكد من سلامتها، ثم نظر إلى سلمى بعينين مليئتين بالغضب والخوف معًا، وقال بصوتٍ يرتجف من شدة الانفعال: "كفاية كده يا سلمى، الموضوع ده وصل لحد خطير جدًا، ابنتي كانت ممكن تتأذى الن

  • عريس الوصية   الفصل التاسع: أنياب تتكشف

    لم يكن سامي الدسوقي رجلاً يقبل الهزيمة بسهولة. بعد فشل محاولته الأولى لإقناع كريم بالانسحاب مقابل المال، وبعد أن شعر أن سلمى بدأت تبتعد عن سيطرته وتتصرف باستقلالية متزايدة في إدارة شؤون الشركة، بدأ يغيّر استراتيجيته تدريجيًا، متحولاً من أسلوب الإغراء إلى أسلوب أكثر خطورة وتهديدًا. استدعى شريكه في الجريمة، ذلك المسؤول الحكومي الذي رآه كريم في تلك الليلة الغامضة، واجتمعا في المبنى السري ذاته، يناقشان كيفية التعامل مع خطر اكتشاف مخططهما قبل فوات الأوان.في تلك الأثناء، بدأت سلمى تلاحظ تغيرًا ملحوظًا في سلوك بعض موظفي الشركة تجاهها، خاصة أولئك الذين عيّنهم عمّها في مناصب حساسة داخل المجلس الإداري. لاحظت أن بعض الملفات التي كانت تطلبها بدأت تختفي بشكل غامض، وأن بعض الاجتماعات كانت تُعقد دون علمها رغم أنها المسؤولة الرسمية الآن عن الشركة وفق شروط الوصية المؤقتة. استشعرت أن هناك من يحاول عزلها تدريجيًا عن مصادر المعلومة الحقيقية، وأخبرت كريم والأستاذ منير بمخاوفها هذه في اجتماع طارئ عقد في مكتب المحامي.قال الأستاذ منير بقلق واضح: "سلمى، أعتقد أن الوقت قد حان لأخذ خطوة جدية. يجب أن نقدم ما ل

  • عريس الوصية   الفصل الثامن: اختبار الأمانة

    بعد شهرين من الزواج، بدأت سلمى تتولى تدريجيًا مسؤولياتها في إدارة شركة الدسوقي القابضة، بمساعدة الأستاذ منير والمجلس الإداري المؤقت. كانت تدخل عالم الأعمال بحذر شديد، تحاول أن تفهم تفاصيل معقدة ظلت بعيدة عنها طوال سنوات دراستها ونشأتها، فرغم شهادتها الجامعية في الاقتصاد، إلا أن التطبيق العملي داخل شركة بحجم إمبراطورية والدها كان تحديًا مختلفًا تمامًا. في أحد الاجتماعات الأولى التي حضرتها، لاحظت تناقضًا غريبًا في بعض الأرقام المالية المتعلقة بأحد المشاريع الكبرى التي كان والدها يديرها شخصيًا قبل وفاته، مشروع إنشائي ضخم كان من المفترض أن يُموَّل جزئيًا من صندوق حكومي بالشراكة مع جهة خاصة يديرها عادل، خطيبها السابق.استرعى انتباهها تحديدًا أن هناك فجوة مالية كبيرة بين المبالغ المُعلنة والمبالغ الفعلية المسجلة في دفاتر الحسابات، فجوة تصل إلى ملايين الجنيهات لم تجد لها تفسيرًا واضحًا. حين استفسرت من المدير المالي للشركة، حاول الأخير التهرب من الإجابة بحجج غير مقنعة، مما زاد شكوكها بدلاً من أن يبددها. قررت سلمى أن تحتفظ بهذه الملاحظات لنفسها مؤقتًا، وأن تجري تحقيقًا خاصًا بعيدًا عن أعين الم

  • عريس الوصية   الفصل السابع: جسر من براءة

    منذ تلك الليلة التي جلست فيها سلمى على مائدة كريم البسيطة، بدأت زياراتها المسائية لجناحه تتكرر تدريجيًا، وإن كانت في البداية بحجج واهية: تارة تسأل عن يارا وتقدمها الدراسي، وتارة أخرى تحمل معها كتابًا اشترته للطفلة، حتى أصبحت هذه الزيارات جزءًا غير معلن من الروتين اليومي داخل القصر. كانت يارا، بفطرتها الطفولية الصافية، هي أول من كسر الجدار الفاصل بين سلمى وكريم، فقد أحبت الطفلة هذه المرأة الجميلة التي بدأت تقضي وقتًا معها، تقرأ لها القصص قبل النوم، وتساعدها في رسوماتها الملونة، وتضحك من نكاتها البريئة بصدق لم تعتد سلمى إظهاره أمام أحد من قبل.في أحد الأيام، وبينما كانت سلمى تجلس في حديقة القصر تراقب يارا وهي تركض بين الأشجار، اقتربت منها الطفلة فجأة، ومسكت بيدها بثقة عفوية، وقالت لها: "تعالي العبي معايا يا سلمى، بابا بيقول إن اللعب مع حد بتحبه أحلى من اللعب لوحدك." شعرت سلمى بدفء غريب يسري في قلبها من هذه الكلمات البسيطة، ونهضت لتلعب مع يارا لعبة الغميضة بين أشجار الحديقة، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، سمع خدم القصر صوت ضحكة سلمى الحقيقية تتردد في أرجاء المكان، ضحكة لم يعتادوا سماعها منذ

  • عريس الوصية   الفصل السادس: بداية غريبة

    أُقيم حفل عقد القران في نطاق ضيق للغاية، اقتصر على الحاجة فاطمة ويوسف من جانب كريم، والخالة نبيلة والأستاذ منير من جانب سلمى، بالإضافة إلى مأذون شرعي وشاهدين رسميين. لم يكن هناك احتفال صاخب، ولا موسيقى، ولا حتى فرحة ظاهرة على الوجوه، بل كان المشهد أقرب إلى توقيع معاهدة سياسية منه إلى حفل زفاف حقيقي. ارتدت سلمى فستانًا بسيطًا رماديًا فاتحًا يليق بفترة حدادها التي لم تنتهِ بعد، بينما ارتدى كريم بدلة داكنة استأجرها لهذه المناسبة، وشعر طوال الوقت أنه يمثل دورًا في مسرحية لا يعرف نهايتها.بعد انتهاء المراسم الرسمية، انتقلت سلمى إلى الجناح المخصص لكريم ويارا داخل القصر، في حين احتفظت هي بجناحها الخاص في الطابق الآخر، وفقًا لما نص عليه العقد. كان هذا الترتيب غريبًا بالنسبة لطاقم الخدم في القصر، الذين اعتادوا رؤية عائلة الدسوقي تعيش وفق تقاليد صارمة، لكنهم التزموا الصمت المهني المعتاد، مكتفين بتبادل النظرات المتسائلة فيما بينهم دون أن يجرؤ أحدهم على التعليق علنًا.كانت الأيام الأولى مليئة بالتوتر والحرج المتبادل. كان كريم يشعر بأنه غريب تمامًا في هذا العالم الفخم، يتوه بين الممرات الطويلة للق

  • عريس الوصية   الفصل الخامس: اللقاء الأول

    وصل كريم إلى مكتب المحاماة قبل الموعد المحدد بعشر دقائق، مرتديًا أفضل ما يملك من ثياب: قميصًا أبيض أنيقًا اشتراه خصيصًا لهذه المناسبة، وبنطالًا داكنًا كان يحتفظ به للمناسبات الرسمية النادرة. جلس في غرفة الانتظار الصغيرة، يشعر بيديه تتعرقان من التوتر، ويكرر في ذهنه الكلمات التي أعدّها ليقولها، رغم علمه أن كل هذه الاستعدادات قد تتبخر في اللحظة التي يجد نفسه فيها وجهًا لوجه أمام الفتاة التي سيقرر مصيره معها.وصلت سلمى بعد دقائق قليلة، ترتدي بذلة رسمية أنيقة باللون الرمادي الداكن، متماشية مع فترة حدادها، وقد بدت عليها آثار الإرهاق والقلق رغم محاولاتها إخفاءها خلف مظهر هادئ متماسك. دخلا معًا إلى مكتب الأستاذ منير، الذي رحّب بهما بحفاوة، وطلب من مساعدته أن تحضر لهما القهوة، ثم قال بابتسامة مطمئنة: "سأتركم الآن لتتحدثا بحرية، أنا في المكتب المجاور إن احتجتما إلى أي شيء." وغادر الغرفة تاركًا إياهما وحدهما لأول مرة.ساد صمت ثقيل استمر لدقيقة كاملة، لم يجرؤ أي منهما على كسره أولاً. كانت سلمى تنظر إلى يديها المتشابكتين فوق حجرها، بينما كان كريم يحدق في نقطة غير محددة على الطاولة الخشبية أمامه. أ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status