LOGINفي صباح اليوم المحدد لقراءة الوصية، اجتمع أفراد العائلة كافة في الصالون الكبير بمكتب المحاماة الشهير الذي كان يديره الأستاذ منير حبيب، صديق المستشار الراحل ومحاميه الخاص منذ ثلاثين عامًا. كانت القاعة مهيبة، تتوسطها طاولة خشبية ضخمة، وتحيط بها مقاعد جلدية فاخرة جلس عليها كل من: سلمى، عمّها سامي وزوجته، الخالة نبيلة، وعادل خطيب سلمى الذي حرص على الحضور رغم أنه لم يكن من العائلة رسميًا بعد.
بدأ الأستاذ منير بفتح الملف الرسمي بحركاتٍ بطيئة مقصودة، وكأنه يدرك أن كل كلمة سينطق بها ستُحدث زلزالًا في هذه القاعة. نظر إلى الوجوه المتحفزة أمامه، ثم قال بصوته الهادئ الرزين: "قبل أن أبدأ بقراءة تفاصيل الوصية، أود أن أوضح أن المرحوم المستشار كمال الدسوقي قد أودعني هذه الوثيقة منذ أكثر من عامين، وطلب مني الالتزام التام بتنفيذ بنودها دون أي تعديل، مهما بدت غريبة أو غير مألوفة لأي طرف من الأطراف الحاضرين." ساد صمت ثقيل في القاعة، وتبادل سامي وعادل نظرة سريعة لم تفلت من عين سلمى اليقظة. استأنف المحامي القراءة: "بسم الله الرحمن الرحيم، أنا كمال أحمد الدسوقي، في كامل قواي العقلية، أوصي بما يلي..." تلا المحامي البنود الأولى المتعلقة بتوزيع بعض الممتلكات على المؤسسات الخيرية، وتخصيص جزء من الثروة لأخته نبيلة، ثم وصل إلى البند الجوهري الذي كان الجميع ينتظره بفارغ الصبر: مصير الشركة الأم والثروة الرئيسية، وحصة سلمى الوريثة الشرعية الوحيدة. قرأ المحامي بصوتٍ واضح: "تؤول كامل حصتي في شركة الدسوقي القابضة، وجميع الأصول والعقارات المسجلة باسمي، إلى ابنتي الوحيدة سلمى كمال الدسوقي، وذلك خلال فترة انتقالية مدتها عام كامل من تاريخ وفاتي، يُدار خلالها المجلس بإشراف الوصي القانوني الأستاذ منير حبيب." توقف المحامي هنيهة، ثم أضاف بنبرة أكثر جدية: "غير أنني أشترط لتمكين ابنتي من ممارسة كامل حقوقها القانونية والإدارية على هذه الثروة، واستلامها الفعلي والكامل بعد انقضاء العام، شرطًا واحدًا لا محيد عنه." ارتفعت حدة التوتر في القاعة، وبدا على سامي انزعاج واضح، بينما تشبّث عادل بحافة كرسيه وكأنه يستعد لسماع نبأ يخصه شخصيًا. تابع المحامي القراءة: "يجب على ابنتي سلمى أن تتزوج، خلال مدة لا تتجاوز الشهر من تاريخ إعلان هذه الوصية، من رجلٍ لا صلة له بعالم السياسة أو المال أو الأعمال، رجلٍ بعيد كل البعد عن دوائر النفوذ التي أحاطت بي طوال حياتي، وأن يستمر هذا الزواج قائمًا فعليًا، لا صوريًا، لمدة عام كامل على الأقل، وإلا آلت كامل الثروة والأصول إلى المؤسسات الخيرية المذكورة في البند الأول، ولا تُمنح لأي فرد من أفراد العائلة أو المقربين." انفجرت القاعة في ضجيج من الاعتراضات والتساؤلات المتزامنة. وقف سامي غاضبًا وهو يصرخ: "هذا جنون! كيف يفرض أخي شرطًا كهذا على ابنته؟ هل كان يعقل حين كتب هذه الوصية؟" أما عادل، فقد بدا شاحب الوجه تمامًا، إذ أدرك فجأة أن خطبته لسلمى لن تكون كافية لتحقيق مآربه، فهو رجل أعمال معروف في الأوساط المالية، ولا يمكن اعتباره "بعيدًا عن دوائر النفوذ" وفق الشرط الصارم الذي وضعه الأب الراحل. جلست سلمى مصعوقة، عاجزة عن النطق، تحاول أن تستوعب ما سمعته للتو. لماذا اشترط والدها شرطًا كهذا؟ ما الذي كان يعرفه ولم يخبرها به؟ رفعت عينيها نحو المحامي، وسألته بصوتٍ مرتجف: "أستاذ منير، هل تعرف لماذا اشترط أبي هذا الشرط الغريب؟ هل أخبرك بشيء عن الأسباب الحقيقية وراءه؟" نظر المحامي إليها بعينين مليئتين بالأسى، وبعد صمت طويل، قال بصوتٍ منخفض حتى لا يسمعه أحد غيرها: "والدك كان يعلم أنه محاط بمن يتربصون بثروته، سلمى، وكان يخشى أن تُزوَّجي قسرًا من أحد هؤلاء المتربصين لينهبوا الشركة تحت غطاء الزواج الشرعي. أراد أن يحميك من أن تصبحي مجرد وسيلة يستخدمها من حولك للوصول إلى ما بنيتُه أنا وهو معًا على مدار عمر كامل. الشرط ليس ضد حريتك يا ابنتي، بل هو درعٌ صممه لحمايتك، رغم قسوته الظاهرية." أخرج المحامي بعد ذلك ملفًا إضافيًا لم يكن قد كشف عنه بعد، وقال: "هناك أمر آخر يجب أن تعرفيه سلمى. والدك ترك لي أيضًا رسالة خاصة وبعض المستندات المالية التي طلب مني ألا أفتحها إلا بعد قراءة الوصية رسميًا أمام الجميع، وأن أسلمها لك شخصيًا حين تكونين مستعدة." نظرت سلمى إلى الملف بخوفٍ ممزوج بالفضول، لكنها أومأت برأسها موافقة على استلامه لاحقًا، إذ لم تكن قادرة في تلك اللحظة على استيعاب المزيد من الصدمات. بعد انتهاء الجلسة، وبينما كان الحاضرون يغادرون القاعة في حالة من الذهول والغضب المكتوم، اقترب سامي من سلمى وقال لها بنبرة تحمل تهديدًا مبطنًا خلف قناع الحرص العائلي: "سلمى، أنتِ فتاة صغيرة لا تعرفين شيئًا عن إدارة الأعمال، ولا يمكن أن أتركك تتخذين قرارًا متسرعًا كهذا. سأتدخل، فأنا عمّك، ولي الحق في حمايتك من نفسك." شعرت سلمى بقشعريرة تسري في جسدها من نبرة صوته، فهذا الرجل الذي كان يدّعي الحرص عليها، كان في الحقيقة أول من حاول الاستيلاء على أوراق والدها قبل أن يبرد جسده حتى. أما عادل، فقد حاول اللحاق بها في الممر الخارجي، وقال بصوتٍ يحاول أن يبدو متفهمًا: "سلمى، أعرف أن هذا الشرط صعب، لكن يمكننا أن نجد حلاً... يمكنني أن أتنازل عن بعض أعمالي مؤقتًا، أن أظهر بمظهر مختلف، المهم ألا تفقدي هذا الميراث بسبب تفصيل قانوني تافه." شعرت سلمى بالاشمئزاز من كلماته، إذ أدركت أن كل همّه لم يكن يومًا حبها، بل الثروة التي كانت على وشك أن تُفلت من بين يديه. عادت سلمى إلى القصر في تلك الليلة، تحمل معها الملف السري الذي سلمها إياه المحامي، وقفلت باب غرفتها، وفتحت الظرف بيدين مرتجفتين. كانت هناك رسالة بخط والدها، ومستندات مالية معقدة تشير إلى تحويلات مشبوهة، وأسماء لم تكن تعرفها من قبل. قرأت الرسالة ببطء، وكانت كل كلمة فيها تكشف لها طبقة جديدة من عالمٍ لم تكن تعلم بوجوده من قبل، عالمٍ من الفساد والخيانة كان والدها يحاول جاهدًا حمايتها منه، حتى في لحظاته الأخيرة على قيد الحياة. جلست سلمى تبكي بصمت، تشعر بثقل المسؤولية يهبط على كتفيها فجأة، وبأن الشهر الوحيد المتاح أمامها لن يكون كافيًا لتتخذ قرارًا يغيّر مجرى حياتها بالكامل. من أين لها أن تجد رجلاً غريبًا عن عالمها بالكامل، تثق به بما يكفي لتربط مصيرها به لعام كامل على الأقل، بينما هي محاطة بذئابٍ متأهبة للانقضاض على أول بادرة ضعف تظهر منها؟ في اليوم التالي، توجهت سلمى إلى منزل خالتها نبيلة، تبحث عن ملاذٍ آمن تستطيع فيه أن تفكر بعيدًا عن أجواء القصر المشحونة بالتوتر والترقب. جلست الخالة تستمع إليها بصبر وهي تسرد تفاصيل الوصية، ثم قالت بهدوء ممزوج بالحزم: "أخي لم يكن أبدًا رجلًا يتخذ قراراته اعتباطًا يا سلمى، وإن بدا هذا الشرط قاسيًا، فأنا أثق أنه كان يحمل في داخله حكمة أعمق مما نراه الآن. لكن السؤال الحقيقي ليس لماذا اشترط هذا الشرط، بل من يمكن أن تثقي به بما يكفي لتُقدمي على خطوة كهذه؟" فكرت سلمى مليًا، واستعرضت في ذهنها كل الرجال الذين عرفتهم في حياتها، لكنها لم تجد بينهم واحدًا يمكن أن يصلح لهذا الدور الغريب. كلهم إما ينتمون إلى دوائر النفوذ التي حذّرها والدها منها، أو لا تثق بهم بما يكفي لتربط مصيرها بمصيرهم. عادت إلى مكتب المحامي في اليوم التالي، تحمل معها هذا السؤال المؤرق، عساه يجد لها حلاً يخرجها من هذا المأزق. استقبلها الأستاذ منير بترحاب هادئ، وحين شرحت له معضلتها، ساد صمت طويل قبل أن يتحدث بحذر: "سلمى، هناك شخص واحد أثق به تمامًا، ويمكن أن يكون الحل الذي تبحثين عنه، رغم أنه قد يبدو لك غريبًا بعض الشيء." نظرت إليه سلمى بترقب، فأردف: "إنه كريم، سائق والدك الخاص. رجل نظيف السمعة، لا صلة له بأي من عالم السياسة أو المال، أرمل يربي طفلته الصغيرة بمفرده، وأعرفه منذ سنوات، فقد كان والدك يثق به ثقة عمياء، وكان يقول لي دائمًا إنه من أندر الرجال الذين قابلهم في حياته من حيث الأمانة والاستقامة." شعرت سلمى بدهشة ممزوجة برفض داخلي عفوي، فالفكرة بدت لها للوهلة الأولى جنونية تمامًا، أن تتزوج سائق العائلة، رجلاً من طبقة اجتماعية مختلفة تمامًا عن عالمها، لم تتبادل معه يومًا أكثر من تحية عابرة. لكنها في الوقت نفسه، وبينما كانت تستعيد في ذهنها وجوه من حولها، أدركت أن هذا الغريب الذي لا تعرفه قد يكون أكثر أمانًا لها من كل الوجوه المألوفة التي أحاطت بها طوال حياتها، تلك الوجوه التي أثبتت الأيام الأخيرة أنها لا تخلو من الأطماع الخفية. سألت سلمى المحامي بصوتٍ متردد: "وهل تعتقد أن رجلاً كهذا سيقبل بهذا العرض الغريب؟ نحن نتحدث عن ارتباطٍ يفرض عليه أن يترك حياته البسيطة، وأن يواجه عالمًا لم يألفه من قبل، مليئًا بالأضواء والمخاطر التي لا يعرف عنها شيئًا." أجاب الأستاذ منير بحكمة الرجل الذي عرف كريم عن قرب: "لن يقبل من أجل المال يا سلمى، فهذا ليس من طبعه، لكنه قد يقبل إن شعر أن في الأمر حماية لك، وربما إن كان الثمن المعروض سيساعده على تأمين مستقبل ابنته. هو رجل يفكر بمنطق الأب قبل كل شيء، فحدثيه من هذا الباب، لا من باب المال وحده." خرجت سلمى من مكتب المحاماة في ذلك اليوم وهي تحمل في داخلها خليطًا معقدًا من المشاعر: خوف من المجهول، وحيرة من قرارٍ لم تكن مستعدة لاتخاذه، وبصيص أمل خافت بأن هذا الحل الغريب قد يكون فعلاً الطريق الوحيد للنجاة من عاصفة الأطماع التي بدأت تحيط بها من كل جانب. قررت في تلك الليلة أن تطلب من المحامي ترتيب لقاء مع كريم في أقرب وقت ممكن، رغم أنها لم تكن تعلم كيف ستبدأ حديثًا بهذا الحجم مع رجلٍ غريب تمامًا عنها، رجلٍ سيُقرر خلال أيام قليلة إن كان سيصبح زوجها الشرعي أم لا.بعد أسبوع من حادثة المطاردة، وبينما كانت سلمى وكريم يستعدان لتسليم الأدلة التي جمعاها إلى القاضي المستقل الذي رشّحه الأستاذ منير، تصاعدت الأحداث بشكل مفاجئ ومروع. في مساء أحد الأيام، وبينما كانت يارا تلعب في حديقة القصر تحت إشراف إحدى الخادمات الموثوقات، حاول رجل غريب التسلل عبر السور الخلفي للقصر، لكن الحاج عبد المنعم، الذي كان يراقب المكان بيقظة إضافية منذ تحالفه السري مع كريم، لاحظ الأمر وأطلق صافرة الإنذار على الفور، مما أدى إلى فرار الدخيل قبل أن يتمكن أحد من القبض عليه، لكنه ترك خلفه أداة معدنية حادة سقطت منه أثناء هروبه، أداة كانت واضحة الغرض من استخدامها.أصيبت سلمى بحالة من الهلع الشديد حين علمت بما حدث، وركضت لتحتضن يارا التي لم تكن قد أدركت خطورة الموقف بعد، بينما وصل كريم مسرعًا من عمله فور تلقيه الاتصال، ووجد المكان يعج برجال الأمن الذين استقدمهم مسبقًا. احتضن كريم ابنته بقوة، يتفقد جسدها الصغير للتأكد من سلامتها، ثم نظر إلى سلمى بعينين مليئتين بالغضب والخوف معًا، وقال بصوتٍ يرتجف من شدة الانفعال: "كفاية كده يا سلمى، الموضوع ده وصل لحد خطير جدًا، ابنتي كانت ممكن تتأذى الن
لم يكن سامي الدسوقي رجلاً يقبل الهزيمة بسهولة. بعد فشل محاولته الأولى لإقناع كريم بالانسحاب مقابل المال، وبعد أن شعر أن سلمى بدأت تبتعد عن سيطرته وتتصرف باستقلالية متزايدة في إدارة شؤون الشركة، بدأ يغيّر استراتيجيته تدريجيًا، متحولاً من أسلوب الإغراء إلى أسلوب أكثر خطورة وتهديدًا. استدعى شريكه في الجريمة، ذلك المسؤول الحكومي الذي رآه كريم في تلك الليلة الغامضة، واجتمعا في المبنى السري ذاته، يناقشان كيفية التعامل مع خطر اكتشاف مخططهما قبل فوات الأوان.في تلك الأثناء، بدأت سلمى تلاحظ تغيرًا ملحوظًا في سلوك بعض موظفي الشركة تجاهها، خاصة أولئك الذين عيّنهم عمّها في مناصب حساسة داخل المجلس الإداري. لاحظت أن بعض الملفات التي كانت تطلبها بدأت تختفي بشكل غامض، وأن بعض الاجتماعات كانت تُعقد دون علمها رغم أنها المسؤولة الرسمية الآن عن الشركة وفق شروط الوصية المؤقتة. استشعرت أن هناك من يحاول عزلها تدريجيًا عن مصادر المعلومة الحقيقية، وأخبرت كريم والأستاذ منير بمخاوفها هذه في اجتماع طارئ عقد في مكتب المحامي.قال الأستاذ منير بقلق واضح: "سلمى، أعتقد أن الوقت قد حان لأخذ خطوة جدية. يجب أن نقدم ما ل
بعد شهرين من الزواج، بدأت سلمى تتولى تدريجيًا مسؤولياتها في إدارة شركة الدسوقي القابضة، بمساعدة الأستاذ منير والمجلس الإداري المؤقت. كانت تدخل عالم الأعمال بحذر شديد، تحاول أن تفهم تفاصيل معقدة ظلت بعيدة عنها طوال سنوات دراستها ونشأتها، فرغم شهادتها الجامعية في الاقتصاد، إلا أن التطبيق العملي داخل شركة بحجم إمبراطورية والدها كان تحديًا مختلفًا تمامًا. في أحد الاجتماعات الأولى التي حضرتها، لاحظت تناقضًا غريبًا في بعض الأرقام المالية المتعلقة بأحد المشاريع الكبرى التي كان والدها يديرها شخصيًا قبل وفاته، مشروع إنشائي ضخم كان من المفترض أن يُموَّل جزئيًا من صندوق حكومي بالشراكة مع جهة خاصة يديرها عادل، خطيبها السابق.استرعى انتباهها تحديدًا أن هناك فجوة مالية كبيرة بين المبالغ المُعلنة والمبالغ الفعلية المسجلة في دفاتر الحسابات، فجوة تصل إلى ملايين الجنيهات لم تجد لها تفسيرًا واضحًا. حين استفسرت من المدير المالي للشركة، حاول الأخير التهرب من الإجابة بحجج غير مقنعة، مما زاد شكوكها بدلاً من أن يبددها. قررت سلمى أن تحتفظ بهذه الملاحظات لنفسها مؤقتًا، وأن تجري تحقيقًا خاصًا بعيدًا عن أعين الم
منذ تلك الليلة التي جلست فيها سلمى على مائدة كريم البسيطة، بدأت زياراتها المسائية لجناحه تتكرر تدريجيًا، وإن كانت في البداية بحجج واهية: تارة تسأل عن يارا وتقدمها الدراسي، وتارة أخرى تحمل معها كتابًا اشترته للطفلة، حتى أصبحت هذه الزيارات جزءًا غير معلن من الروتين اليومي داخل القصر. كانت يارا، بفطرتها الطفولية الصافية، هي أول من كسر الجدار الفاصل بين سلمى وكريم، فقد أحبت الطفلة هذه المرأة الجميلة التي بدأت تقضي وقتًا معها، تقرأ لها القصص قبل النوم، وتساعدها في رسوماتها الملونة، وتضحك من نكاتها البريئة بصدق لم تعتد سلمى إظهاره أمام أحد من قبل.في أحد الأيام، وبينما كانت سلمى تجلس في حديقة القصر تراقب يارا وهي تركض بين الأشجار، اقتربت منها الطفلة فجأة، ومسكت بيدها بثقة عفوية، وقالت لها: "تعالي العبي معايا يا سلمى، بابا بيقول إن اللعب مع حد بتحبه أحلى من اللعب لوحدك." شعرت سلمى بدفء غريب يسري في قلبها من هذه الكلمات البسيطة، ونهضت لتلعب مع يارا لعبة الغميضة بين أشجار الحديقة، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، سمع خدم القصر صوت ضحكة سلمى الحقيقية تتردد في أرجاء المكان، ضحكة لم يعتادوا سماعها منذ
أُقيم حفل عقد القران في نطاق ضيق للغاية، اقتصر على الحاجة فاطمة ويوسف من جانب كريم، والخالة نبيلة والأستاذ منير من جانب سلمى، بالإضافة إلى مأذون شرعي وشاهدين رسميين. لم يكن هناك احتفال صاخب، ولا موسيقى، ولا حتى فرحة ظاهرة على الوجوه، بل كان المشهد أقرب إلى توقيع معاهدة سياسية منه إلى حفل زفاف حقيقي. ارتدت سلمى فستانًا بسيطًا رماديًا فاتحًا يليق بفترة حدادها التي لم تنتهِ بعد، بينما ارتدى كريم بدلة داكنة استأجرها لهذه المناسبة، وشعر طوال الوقت أنه يمثل دورًا في مسرحية لا يعرف نهايتها.بعد انتهاء المراسم الرسمية، انتقلت سلمى إلى الجناح المخصص لكريم ويارا داخل القصر، في حين احتفظت هي بجناحها الخاص في الطابق الآخر، وفقًا لما نص عليه العقد. كان هذا الترتيب غريبًا بالنسبة لطاقم الخدم في القصر، الذين اعتادوا رؤية عائلة الدسوقي تعيش وفق تقاليد صارمة، لكنهم التزموا الصمت المهني المعتاد، مكتفين بتبادل النظرات المتسائلة فيما بينهم دون أن يجرؤ أحدهم على التعليق علنًا.كانت الأيام الأولى مليئة بالتوتر والحرج المتبادل. كان كريم يشعر بأنه غريب تمامًا في هذا العالم الفخم، يتوه بين الممرات الطويلة للق
وصل كريم إلى مكتب المحاماة قبل الموعد المحدد بعشر دقائق، مرتديًا أفضل ما يملك من ثياب: قميصًا أبيض أنيقًا اشتراه خصيصًا لهذه المناسبة، وبنطالًا داكنًا كان يحتفظ به للمناسبات الرسمية النادرة. جلس في غرفة الانتظار الصغيرة، يشعر بيديه تتعرقان من التوتر، ويكرر في ذهنه الكلمات التي أعدّها ليقولها، رغم علمه أن كل هذه الاستعدادات قد تتبخر في اللحظة التي يجد نفسه فيها وجهًا لوجه أمام الفتاة التي سيقرر مصيره معها.وصلت سلمى بعد دقائق قليلة، ترتدي بذلة رسمية أنيقة باللون الرمادي الداكن، متماشية مع فترة حدادها، وقد بدت عليها آثار الإرهاق والقلق رغم محاولاتها إخفاءها خلف مظهر هادئ متماسك. دخلا معًا إلى مكتب الأستاذ منير، الذي رحّب بهما بحفاوة، وطلب من مساعدته أن تحضر لهما القهوة، ثم قال بابتسامة مطمئنة: "سأتركم الآن لتتحدثا بحرية، أنا في المكتب المجاور إن احتجتما إلى أي شيء." وغادر الغرفة تاركًا إياهما وحدهما لأول مرة.ساد صمت ثقيل استمر لدقيقة كاملة، لم يجرؤ أي منهما على كسره أولاً. كانت سلمى تنظر إلى يديها المتشابكتين فوق حجرها، بينما كان كريم يحدق في نقطة غير محددة على الطاولة الخشبية أمامه. أ







