Home / الرومانسية / عريس الوصية / الفصل الثاني: قصرٌ بلا دفء

Share

الفصل الثاني: قصرٌ بلا دفء

last update publish date: 2026-07-27 22:37:31

على النقيض من عالم كريم البسيط، كانت سلمى الدسوقي تعيش في قصرٍ فسيح تحيط به الحدائق الغنّاء، قصرٍ تتلألأ نوافذه في المساء بأضواء الثريات الباهظة، وتتزين جدرانه باللوحات النادرة التي جلبها والدها من رحلاته الخارجية المتكررة. كانت الفتاة في الرابعة والعشرين من عمرها، حديثة التخرج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، تحمل شهادة تؤهلها لأن تكون واحدة من أبرز الأسماء في عالم المال والأعمال، لكنها كانت في العمق تشعر بأنها سجينة في قفصٍ ذهبي لا تُرى قضبانه لكنها تُحكم الخناق كل يوم أكثر من سابقه.

كان والدها، المستشار كمال الدسوقي، رجلًا صارمًا في تربيته، حريصًا على أن تظهر ابنته دائمًا بالمظهر اللائق باسم العائلة العريقة، فمنعها منذ صغرها من مخالطة من وصفهم بـ"غير المناسبين"، وفرض عليها مسارًا محددًا للحياة لا تحيد عنه: دراسة جيدة، ثم زواج من عائلة ذات نفوذ ومكانة، ثم دور اجتماعي لائق يليق باسم "الدسوقي". لم تكن سلمى تجرؤ على الاعتراض كثيرًا، فقد كانت تحب والدها رغم صرامته، وتعلم أن خلف تلك القسوة الظاهرية قلبًا يحبها بطريقته الخاصة، وإن كانت تلك الطريقة لا تخلو من القسوة أحيانًا.

أما والدتها، فقد توفيت منذ عشر سنوات إثر مرض عضال، تاركةً فراغًا كبيرًا لم يستطع أحد ملأه، لا حتى الخالة نبيلة، شقيقة والدتها، التي حاولت أن تكون بديلًا عن الأم الغائبة، لكنها لم تكن تملك الوقت الكافي لذلك بسبب انشغالها بحياتها الخاصة. كانت سلمى في أعماقها تشعر بوحدة قاتلة، تعيش وسط خدمٍ وحاشية كبيرة، لكنها لا تجد من تبوح له بمكنونات قلبها، ولا من يسألها ببساطة: "كيف حالك اليوم يا سلمى؟" دون أن ينتظر منها إجابة تناسب صورة العائلة.

في تلك الفترة، كانت سلمى مخطوبة رسميًا منذ ستة أشهر لشابٍ يُدعى عادل شكري، نجل أحد رجال الأعمال المقربين من والدها، وكان هذا الارتباط قد رُتب بعناية فائقة، أشبه بصفقة تجارية أكثر منه علاقة عاطفية. لم تكن سلمى تكنّ لعادل أي مشاعر حقيقية، بل كانت تشعر تجاهه ببرودٍ غريب، خاصة بعدما لاحظت في الأشهر الأخيرة تصرفاته المريبة، ونظراته الحسابية التي كانت توحي بأنه ينظر إليها كصفقة ناجحة أكثر من كونها إنسانة يحبها.

في صباح ذلك اليوم، بينما كانت سلمى تتناول فطورها في الشرفة الواسعة المطلة على الحديقة، وصلها اتصال من مساعدة والدها الشخصية تخبرها أن المستشار لم يحضر إلى مكتبه في الموعد المعتاد، وأنه لا يرد على هاتفه منذ ساعات. لم تشعر سلمى بالقلق في البداية، فقد اعتادت انشغال والدها المفرط، لكن شيئًا في نبرة صوت المساعدة أثار فيها إحساسًا غامضًا بالخطر. حاولت الاتصال بوالدها عدة مرات دون جدوى، ثم قررت التوجه إلى مكتبه الخاص في الطابق العلوي من القصر، حيث كان يقضي معظم أوقاته في متابعة أعماله.

وجدت الباب موصدًا من الداخل، وحين لم يُجب أحد على طرقاتها المتكررة، استدعت الحارس الخاص ليكسر القفل. وحين فُتح الباب، كان المشهد الذي استقبلها أشد قسوة مما تخيلت في أسوأ كوابيسها: كان والدها ممددًا على الأرض بجانب مكتبه، جامد الحركة، شاحب الوجه، وقد سقط من يده كوبٌ زجاجي تناثرت شظاياه حوله. صرخت سلمى صرخة مزّقت جدران القصر الصامتة، وركضت نحوه، تحاول أن توقظه، أن تشعر بنبضه، لكن الجسد كان قد بردَ بالفعل.

استُدعيت سيارة الإسعاف على الفور، لكن الأطباء لم يستطيعوا فعل شيء سوى تأكيد ما كانت سلمى تخشاه: لقد فارق المستشار كمال الدسوقي الحياة قبل ساعات من اكتشاف جثته، والسبب المبدئي، بحسب الفحص الأولي، كان أزمة قلبية حادة. لكن شيئًا في تفاصيل المشهد لم يكن يبدو منطقيًا تمامًا بالنسبة لسلمى: لماذا كان الباب موصدًا من الداخل بهذا الإحكام؟ ولماذا كانت أوراق كثيرة مبعثرة على الأرض وكأن أحدًا كان يبحث عن شيء بعجالة قبل مغادرته؟ ولماذا كان الحاسوب المحمول لوالدها مفتوحًا على شاشة فارغة، وكأن أحدًا قد حذف كل ما كان معروضًا عليها للتو؟

في الأيام التي تلت الوفاة، غرق القصر في فوضى من نوع آخر: فوضى المعزّين، ورجال الأعمال، والسياسيين الذين تدفقوا لتقديم واجب العزاء، لكن خلف هذه الفوضى الظاهرية، كانت سلمى تشعر بتيارٍ خفي من التوتر يسري بين أفراد العائلة، خاصة عمّها الأصغر، سامي الدسوقي، شقيق والدها، الذي بدا حريصًا بشكل غريب على الاطلاع على أوراق المستشار الخاصة قبل حتى انتهاء فترة العزاء. لاحظت سلمى أيضًا أن خطيبها عادل كان يتصرف بغرابة، يحاول باستمرار أن يعرف تفاصيل عن وضع الشركة المالي وعن الوصية التي تركها والدها، بأسلوبٍ لا يخلو من الاستعجال المريب.

في اليوم الثالث من العزاء، وبينما كانت سلمى تجلس في صالون الاستقبال الكبير ترتدي السواد الحداد، اقترب منها عادل بخطواتٍ بطيئة، وجلس بجانبها محاولًا أن يبدو متعاطفًا، لكن سلمى لاحظت أن نظراته كانت تتسلل خلسة نحو المكتب الزجاجي المغلق في الطرف الآخر من الغرفة، حيث كان أوراق الشركة وسجلاتها المالية محفوظة.

"سلمى، أنا آسف جدًا لخسارتك، وأعرف أن هذا وقت صعب." قال عادل بصوتٍ يحاول أن يبدو رقيقًا. "لكن يجب أن نفكر أيضًا في المستقبل، في الشركة، في استقرارك... أنا هنا لأساندك في كل شيء."

شعرت سلمى بشيء من البرود يسري في عروقها وهي تسمعه يتحدث عن "الشركة" و"الاستقرار" بينما لم يمضِ على وفاة والدها سوى أيام قليلة. ردت عليه بجفاف: "شكرًا يا عادل، لكنني الآن أفكر فقط في دفن أبي بكرامة، وما بعد ذلك سنراه لاحقًا."

بدا على وجه عادل ارتباك خفيف سرعان ما أخفاه بابتسامة مصطنعة، لكن سلمى كانت قد بدأت تلاحظ أن هذا الرجل، الذي كان من المفترض أن يكون شريك حياتها، لم يسألها مرة واحدة كيف تشعر، بل كان كل حديثه يدور حول الأصول والممتلكات والمستقبل المالي للعائلة.

في تلك الأثناء، كان عمّها سامي يتحرك بدأب ملحوظ بين ضيوف العزاء، يتحدث بصوتٍ منخفض مع محامي العائلة، الأستاذ منير حبيب، الذي كان صديقًا قديمًا للمستشار الراحل ووصيًا على تنفيذ وصيته. لاحظت سلمى من بعيد كيف كان سامي يحاول باستمرار جذب المحامي إلى زوايا معزولة عن الأنظار، وكيف كانت ملامح وجهه تتبدل بين الابتسام المصطنع أمام الضيوف والتجهم الحاد حين يظن أن لا أحد يراقبه. حين اقتربت سلمى مصادفة من إحدى هذه المحادثات الهامسة، سمعت عمّها يقول بصوتٍ متوتر: "لازم نعرف تفاصيل الوصية قبل ما تتقرى رسميًا يا أستاذ منير، الموضوع ده أكبر من مجرد ميراث." لم تفهم سلمى حينها المغزى الكامل لهذه الجملة، لكنها شعرت بقشعريرة غريبة تسري في جسدها، وكأن حدسها كان يحذّرها من شيء لم تستطع بعد أن تراه بوضوح.

كانت الخالة نبيلة، التي حضرت من الخارج فور سماعها الخبر، هي الوحيدة التي بدت صادقة في حزنها، وكانت تحتضن سلمى كل ليلة وهي تبكي، تحاول أن تخفف عنها وطأة الفقد المفاجئ. في إحدى الليالي، وبينما كانت سلمى تبكي بصمت في حضن خالتها، سألتها بصوتٍ مبحوح: "خالتي، هل تعتقدين أن أبي مات بشكل طبيعي؟" توقفت نبيلة عن الحديث لحظات، وبدا عليها التردد الواضح قبل أن تجيب: "لا أعرف يا حبيبتي، لكن والدك كان له أعداء كثر في هذا العالم القذر الذي عمل فيه. كوني حذرة، وثقي بقلبك أكثر مما تثقين بالوجوه المحيطة بك."

كانت هذه الكلمات بمثابة جرس إنذار حقيقي لسلمى، التي بدأت من تلك اللحظة تنظر إلى من حولها بعينٍ مختلفة، أكثر حذرًا وتيقظًا. لاحظت كيف كان عمّها سامي يتحدث بصوتٍ منخفض مع محامي العائلة في زوايا القصر المعتمة، وكيف كان عادل يتودد إليها بشكل مبالغ فيه أكثر من المعتاد، وكأنه يخشى أن تفلت منه صفقة كان قد بدأ يعتبرها مضمونة.

في اليوم السابق لقراءة الوصية الرسمية، جلست سلمى وحيدة في غرفتها، تتأمل صورة والدها المعلقة على الجدار، ذلك الرجل الذي أحبها بطريقته الصارمة، والذي تركها الآن وحيدة في عالمٍ مليء بالذئاب المتنكرة في ثياب الأقارب والأصدقاء. شعرت بخوفٍ عميق يتسلل إلى قلبها، ليس خوفًا من المستقبل المالي، فقد كانت تعلم أنها لن تفتقر، بل خوفًا من الحقيقة التي بدأت تتكشف أمامها ببطء: أن وفاة والدها لم تكن مجرد قدرٍ محتوم، بل ربما كانت جريمة مُتقنة الصنع، دُبرت من شخصٍ قريب منها أكثر مما تتخيل.

في تلك الليلة، وقبل أن تغرق في نومٍ مضطرب، همست لنفسها بصوتٍ خافت: "سأعرف الحقيقة يا أبي، مهما كلفني الأمر، وسأحمي ما بنيتَه، حتى لو كان الثمن أن أفقد كل من حولي."

نهضت من فراشها في منتصف الليل، عاجزة عن النوم، وتوجهت إلى مكتبة والدها الخاصة في الطابق السفلي، ذلك المكان الذي كان يقضي فيه ساعات طويلة كل مساء بعيدًا عن أعين الجميع. أضاءت المصباح الصغير على المكتب، وبدأت تتصفح الأدراج بحثًا عن أي أثر يفسر لها ما حدث. في أحد الأدراج المغلقة بمفتاح صغير كانت تعرف مكانه منذ طفولتها، عثرت على مغلف بنّي قديم يحمل اسمها بخط يد والدها: "لسلمى، حين يحين الوقت." تجمّد قلبها للحظة، وتساءلت: هل كان والدها يتوقع أن شيئًا سيحدث له؟ هل كان يعرف أن أحدًا يتربص به؟

لم تجرؤ على فتح المغلف في تلك الليلة، فقد شعرت أن يديها ترتجفان بشدة، وأن عقلها لم يكن مستعدًا بعد لاستيعاب أي حقيقة جديدة قد يحملها ذلك الظرف الغامض. أعادته إلى الدرج، وأغلقته بعناية، وعادت إلى غرفتها وهي تحمل في صدرها ثقلاً جديدًا يضاف إلى أثقالها المتراكمة. جلست عند النافذة تراقب الحديقة الغارقة في الظلام، وشعرت للمرة الأولى في حياتها بأن كل هذه الفخامة المحيطة بها لا تساوي شيئًا أمام إحساسها العميق بالوحدة والخوف من المجهول القادم. لم تكن تعلم حينها أن الطريق إلى الحقيقة سيمر عبر قرارٍ غريب تركه والدها في وصيته، قرارٍ سيجبرها على الارتباط برجلٍ لم تكن تعرف عنه شيئًا سوى أنه سائق العائلة الصامت، ذلك الرجل الذي لم تكن تتخيل يومًا أن يصبح درعها الوحيد في مواجهة عاصفة قادمة لا ترحم.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عريس الوصية   الفصل العاشر: ليلة الاعتراف

    بعد أسبوع من حادثة المطاردة، وبينما كانت سلمى وكريم يستعدان لتسليم الأدلة التي جمعاها إلى القاضي المستقل الذي رشّحه الأستاذ منير، تصاعدت الأحداث بشكل مفاجئ ومروع. في مساء أحد الأيام، وبينما كانت يارا تلعب في حديقة القصر تحت إشراف إحدى الخادمات الموثوقات، حاول رجل غريب التسلل عبر السور الخلفي للقصر، لكن الحاج عبد المنعم، الذي كان يراقب المكان بيقظة إضافية منذ تحالفه السري مع كريم، لاحظ الأمر وأطلق صافرة الإنذار على الفور، مما أدى إلى فرار الدخيل قبل أن يتمكن أحد من القبض عليه، لكنه ترك خلفه أداة معدنية حادة سقطت منه أثناء هروبه، أداة كانت واضحة الغرض من استخدامها.أصيبت سلمى بحالة من الهلع الشديد حين علمت بما حدث، وركضت لتحتضن يارا التي لم تكن قد أدركت خطورة الموقف بعد، بينما وصل كريم مسرعًا من عمله فور تلقيه الاتصال، ووجد المكان يعج برجال الأمن الذين استقدمهم مسبقًا. احتضن كريم ابنته بقوة، يتفقد جسدها الصغير للتأكد من سلامتها، ثم نظر إلى سلمى بعينين مليئتين بالغضب والخوف معًا، وقال بصوتٍ يرتجف من شدة الانفعال: "كفاية كده يا سلمى، الموضوع ده وصل لحد خطير جدًا، ابنتي كانت ممكن تتأذى الن

  • عريس الوصية   الفصل التاسع: أنياب تتكشف

    لم يكن سامي الدسوقي رجلاً يقبل الهزيمة بسهولة. بعد فشل محاولته الأولى لإقناع كريم بالانسحاب مقابل المال، وبعد أن شعر أن سلمى بدأت تبتعد عن سيطرته وتتصرف باستقلالية متزايدة في إدارة شؤون الشركة، بدأ يغيّر استراتيجيته تدريجيًا، متحولاً من أسلوب الإغراء إلى أسلوب أكثر خطورة وتهديدًا. استدعى شريكه في الجريمة، ذلك المسؤول الحكومي الذي رآه كريم في تلك الليلة الغامضة، واجتمعا في المبنى السري ذاته، يناقشان كيفية التعامل مع خطر اكتشاف مخططهما قبل فوات الأوان.في تلك الأثناء، بدأت سلمى تلاحظ تغيرًا ملحوظًا في سلوك بعض موظفي الشركة تجاهها، خاصة أولئك الذين عيّنهم عمّها في مناصب حساسة داخل المجلس الإداري. لاحظت أن بعض الملفات التي كانت تطلبها بدأت تختفي بشكل غامض، وأن بعض الاجتماعات كانت تُعقد دون علمها رغم أنها المسؤولة الرسمية الآن عن الشركة وفق شروط الوصية المؤقتة. استشعرت أن هناك من يحاول عزلها تدريجيًا عن مصادر المعلومة الحقيقية، وأخبرت كريم والأستاذ منير بمخاوفها هذه في اجتماع طارئ عقد في مكتب المحامي.قال الأستاذ منير بقلق واضح: "سلمى، أعتقد أن الوقت قد حان لأخذ خطوة جدية. يجب أن نقدم ما ل

  • عريس الوصية   الفصل الثامن: اختبار الأمانة

    بعد شهرين من الزواج، بدأت سلمى تتولى تدريجيًا مسؤولياتها في إدارة شركة الدسوقي القابضة، بمساعدة الأستاذ منير والمجلس الإداري المؤقت. كانت تدخل عالم الأعمال بحذر شديد، تحاول أن تفهم تفاصيل معقدة ظلت بعيدة عنها طوال سنوات دراستها ونشأتها، فرغم شهادتها الجامعية في الاقتصاد، إلا أن التطبيق العملي داخل شركة بحجم إمبراطورية والدها كان تحديًا مختلفًا تمامًا. في أحد الاجتماعات الأولى التي حضرتها، لاحظت تناقضًا غريبًا في بعض الأرقام المالية المتعلقة بأحد المشاريع الكبرى التي كان والدها يديرها شخصيًا قبل وفاته، مشروع إنشائي ضخم كان من المفترض أن يُموَّل جزئيًا من صندوق حكومي بالشراكة مع جهة خاصة يديرها عادل، خطيبها السابق.استرعى انتباهها تحديدًا أن هناك فجوة مالية كبيرة بين المبالغ المُعلنة والمبالغ الفعلية المسجلة في دفاتر الحسابات، فجوة تصل إلى ملايين الجنيهات لم تجد لها تفسيرًا واضحًا. حين استفسرت من المدير المالي للشركة، حاول الأخير التهرب من الإجابة بحجج غير مقنعة، مما زاد شكوكها بدلاً من أن يبددها. قررت سلمى أن تحتفظ بهذه الملاحظات لنفسها مؤقتًا، وأن تجري تحقيقًا خاصًا بعيدًا عن أعين الم

  • عريس الوصية   الفصل السابع: جسر من براءة

    منذ تلك الليلة التي جلست فيها سلمى على مائدة كريم البسيطة، بدأت زياراتها المسائية لجناحه تتكرر تدريجيًا، وإن كانت في البداية بحجج واهية: تارة تسأل عن يارا وتقدمها الدراسي، وتارة أخرى تحمل معها كتابًا اشترته للطفلة، حتى أصبحت هذه الزيارات جزءًا غير معلن من الروتين اليومي داخل القصر. كانت يارا، بفطرتها الطفولية الصافية، هي أول من كسر الجدار الفاصل بين سلمى وكريم، فقد أحبت الطفلة هذه المرأة الجميلة التي بدأت تقضي وقتًا معها، تقرأ لها القصص قبل النوم، وتساعدها في رسوماتها الملونة، وتضحك من نكاتها البريئة بصدق لم تعتد سلمى إظهاره أمام أحد من قبل.في أحد الأيام، وبينما كانت سلمى تجلس في حديقة القصر تراقب يارا وهي تركض بين الأشجار، اقتربت منها الطفلة فجأة، ومسكت بيدها بثقة عفوية، وقالت لها: "تعالي العبي معايا يا سلمى، بابا بيقول إن اللعب مع حد بتحبه أحلى من اللعب لوحدك." شعرت سلمى بدفء غريب يسري في قلبها من هذه الكلمات البسيطة، ونهضت لتلعب مع يارا لعبة الغميضة بين أشجار الحديقة، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، سمع خدم القصر صوت ضحكة سلمى الحقيقية تتردد في أرجاء المكان، ضحكة لم يعتادوا سماعها منذ

  • عريس الوصية   الفصل السادس: بداية غريبة

    أُقيم حفل عقد القران في نطاق ضيق للغاية، اقتصر على الحاجة فاطمة ويوسف من جانب كريم، والخالة نبيلة والأستاذ منير من جانب سلمى، بالإضافة إلى مأذون شرعي وشاهدين رسميين. لم يكن هناك احتفال صاخب، ولا موسيقى، ولا حتى فرحة ظاهرة على الوجوه، بل كان المشهد أقرب إلى توقيع معاهدة سياسية منه إلى حفل زفاف حقيقي. ارتدت سلمى فستانًا بسيطًا رماديًا فاتحًا يليق بفترة حدادها التي لم تنتهِ بعد، بينما ارتدى كريم بدلة داكنة استأجرها لهذه المناسبة، وشعر طوال الوقت أنه يمثل دورًا في مسرحية لا يعرف نهايتها.بعد انتهاء المراسم الرسمية، انتقلت سلمى إلى الجناح المخصص لكريم ويارا داخل القصر، في حين احتفظت هي بجناحها الخاص في الطابق الآخر، وفقًا لما نص عليه العقد. كان هذا الترتيب غريبًا بالنسبة لطاقم الخدم في القصر، الذين اعتادوا رؤية عائلة الدسوقي تعيش وفق تقاليد صارمة، لكنهم التزموا الصمت المهني المعتاد، مكتفين بتبادل النظرات المتسائلة فيما بينهم دون أن يجرؤ أحدهم على التعليق علنًا.كانت الأيام الأولى مليئة بالتوتر والحرج المتبادل. كان كريم يشعر بأنه غريب تمامًا في هذا العالم الفخم، يتوه بين الممرات الطويلة للق

  • عريس الوصية   الفصل الخامس: اللقاء الأول

    وصل كريم إلى مكتب المحاماة قبل الموعد المحدد بعشر دقائق، مرتديًا أفضل ما يملك من ثياب: قميصًا أبيض أنيقًا اشتراه خصيصًا لهذه المناسبة، وبنطالًا داكنًا كان يحتفظ به للمناسبات الرسمية النادرة. جلس في غرفة الانتظار الصغيرة، يشعر بيديه تتعرقان من التوتر، ويكرر في ذهنه الكلمات التي أعدّها ليقولها، رغم علمه أن كل هذه الاستعدادات قد تتبخر في اللحظة التي يجد نفسه فيها وجهًا لوجه أمام الفتاة التي سيقرر مصيره معها.وصلت سلمى بعد دقائق قليلة، ترتدي بذلة رسمية أنيقة باللون الرمادي الداكن، متماشية مع فترة حدادها، وقد بدت عليها آثار الإرهاق والقلق رغم محاولاتها إخفاءها خلف مظهر هادئ متماسك. دخلا معًا إلى مكتب الأستاذ منير، الذي رحّب بهما بحفاوة، وطلب من مساعدته أن تحضر لهما القهوة، ثم قال بابتسامة مطمئنة: "سأتركم الآن لتتحدثا بحرية، أنا في المكتب المجاور إن احتجتما إلى أي شيء." وغادر الغرفة تاركًا إياهما وحدهما لأول مرة.ساد صمت ثقيل استمر لدقيقة كاملة، لم يجرؤ أي منهما على كسره أولاً. كانت سلمى تنظر إلى يديها المتشابكتين فوق حجرها، بينما كان كريم يحدق في نقطة غير محددة على الطاولة الخشبية أمامه. أ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status