LOGINمنذ تلك الليلة التي جلست فيها سلمى على مائدة كريم البسيطة، بدأت زياراتها المسائية لجناحه تتكرر تدريجيًا، وإن كانت في البداية بحجج واهية: تارة تسأل عن يارا وتقدمها الدراسي، وتارة أخرى تحمل معها كتابًا اشترته للطفلة، حتى أصبحت هذه الزيارات جزءًا غير معلن من الروتين اليومي داخل القصر. كانت يارا، بفطرتها الطفولية الصافية، هي أول من كسر الجدار الفاصل بين سلمى وكريم، فقد أحبت الطفلة هذه المرأة الجميلة التي بدأت تقضي وقتًا معها، تقرأ لها القصص قبل النوم، وتساعدها في رسوماتها الملونة، وتضحك من نكاتها البريئة بصدق لم تعتد سلمى إظهاره أمام أحد من قبل.
في أحد الأيام، وبينما كانت سلمى تجلس في حديقة القصر تراقب يارا وهي تركض بين الأشجار، اقتربت منها الطفلة فجأة، ومسكت بيدها بثقة عفوية، وقالت لها: "تعالي العبي معايا يا سلمى، بابا بيقول إن اللعب مع حد بتحبه أحلى من اللعب لوحدك." شعرت سلمى بدفء غريب يسري في قلبها من هذه الكلمات البسيطة، ونهضت لتلعب مع يارا لعبة الغميضة بين أشجار الحديقة، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، سمع خدم القصر صوت ضحكة سلمى الحقيقية تتردد في أرجاء المكان، ضحكة لم يعتادوا سماعها منذ وفاة والدتها قبل عشر سنوات. راقب كريم هذا المشهد من بعيد وهو يستعد للخروج إلى عمله، وشعر بشيء يشبه الدفء يتسلل إلى قلبه وهو يرى ابنته سعيدة بهذا الشكل، وسلمى تضحك بتلك الطريقة الصادقة التي لم يرها عليها من قبل. توقف لحظة يتأمل المشهد، ثم استكمل طريقه وهو يحمل في صدره إحساسًا جديدًا لم يعرف كيف يصفه بعد، إحساسًا بأن هذا الاتفاق الغريب ربما كان يحمل في طياته أكثر مما توقعه في البداية. في مساء ذلك اليوم، وحين عاد كريم من عمله متأخرًا كعادته، وجد سلمى ويارا نائمتين معًا على أريكة كبيرة في صالة القراءة، وكتاب قصص مفتوح بينهما، وكأن سلمى كانت تقرأ ليارا حتى غلبهما النعاس معًا. وقف كريم للحظات طويلة يتأمل هذا المشهد الدافئ، شاعرًا بخليط من المشاعر المتضاربة: سعادة لرؤية ابنته آمنة ومحبوبة، وحنين مؤلم لذكرى سلوى التي كانت تفعل الشيء نفسه تمامًا كل ليلة، وشعور غريب جديد بدأ يتشكل تجاه هذه المرأة النائمة أمامه، شعور حاول أن يقنع نفسه أنه مجرد امتنان عابر، رغم أن قلبه كان يهمس له بشيء أعمق من ذلك بكثير. اقترب بهدوء، وحمل يارا بلطف ليضعها في فراشها دون أن يوقظ سلمى، ثم عاد وأحضر بطانية خفيفة ووضعها عليها وهي لا تزال نائمة على الأريكة، حريصًا ألا يلمسها أو يقترب منها أكثر مما يقتضيه الأدب. لكن سلمى استيقظت في تلك اللحظة بالتحديد، وفتحت عينيها لتجده منحنيًا بجانبها، فارتبك كلاهما للحظة، وتلعثم كريم قائلاً: "آسف، كنت... كنت بس بغطيكي عشان الجو برد شوية بالليل." نظرت إليه سلمى بابتسامة خفيفة، وقالت: "شكرًا لك، هذا لطف منك." جلست وهي تحاول أن تخفي الحمرة التي بدأت تتسلل إلى وجنتيها لسبب لم تفهمه بوضوح. جلسا معًا في ذلك المساء يتحدثان لأول مرة بلا حرج، بلا موضوعات محددة سلفًا، بل بحديث عفوي بسيط عن يارا، عن ذكريات كريم مع سلوى التي شارك بعضها بثقة متزايدة، عن طفولة سلمى الوحيدة في هذا القصر الكبير، وعن أحلامها التي دفنتها تحت ضغط والدها الصارم ومتطلبات العائلة. اكتشف كل منهما أن الآخر يحمل في داخله جراحًا عميقة رغم اختلاف مصادرها، جراح الفقد والوحدة التي لا تفرق بين غني وفقير، وأن كليهما كان يبحث، دون أن يعترف بذلك حتى لنفسه، عن شخص يفهم هذا الألم دون الحاجة إلى شرحه بالكلمات. قالت سلمى في تلك الليلة بصدق نادر: "أتعرف يا كريم، منذ أن دخلتما حياتي أنت ويارا، بدأت أشعر بأن هذا القصر أصبح بيتًا حقيقيًا لأول مرة منذ وفاة أمي. كنت أعيش هنا كضيفة دائمة في منزل والدي، رغم أنه بيتي رسميًا." أجابها كريم بصدق مماثل: "وأنا كمان حاسس إن يارا لقت جزء من الدفء اللي فقدته بعد وفاة أمها، وده فضل مني ليكي، مش العكس." تبادلا نظرة طويلة صامتة، نظرة حملت في طياتها اعترافًا خفيًا بأن شيئًا ما بدأ يتغير بينهما، شيء لم يكن جزءًا من بنود العقد الذي وقّعاه، ولم يكن أي منهما مستعدًا بعد لتسميته بصراحة. في الأيام التالية، بدأت العادات الجديدة تترسخ: عشاء مشترك كل مساء، نزهات قصيرة في حديقة القصر عصر كل جمعة، وحتى محاولات خجولة من سلمى لتعلم بعض عبارات اللهجة الشعبية التي كان يستخدمها كريم، مما كان يثير ضحكهما المشترك كل مرة تنطق بها بطريقة خاطئة. كانت هذه اللحظات البسيطة، رغم بساطتها الظاهرية، تبني جسرًا حقيقيًا بين عالمين متباعدين تمامًا، جسرًا صنعته براءة طفلة صغيرة لم تكن تدرك أنها تلعب دورًا محوريًا في تقريب قلبين كانا يخشيان الاقتراب من بعضهما البعض، كل لأسبابه الخاصة. لم تكن هذه التحولات لتمر دون أن يلاحظها المحيطون بالقصر. لاحظت الخالة نبيلة، في إحدى زياراتها، التغير الملحوظ على وجه سلمى، تلك الإشراقة التي عادت إلى عينيها بعد أسابيع من الحزن والقلق، فقالت لها بابتسامة عارفة: "يبدو أن قرارك لم يكن بهذا السوء الذي توقعتيه يا سلمى." ابتسمت سلمى بحرج، وردت بسرعة: "إنه مجرد اتفاق يا خالتي، لا شيء أكثر من ذلك." لكن نبرة صوتها لم تكن مقنعة تمامًا، حتى لنفسها، وهو ما جعلها تتساءل في أعماقها إن كانت قد بدأت بالفعل تسير في طريق لم تخطط له، طريق قد يقودها إلى مشاعر لم تكن مستعدة لمواجهتها بعد. من جانبه، لاحظ يوسف أيضًا التغير الذي طرأ على صديقه، حين التقيا في المقهى الشعبي المعتاد بعد أسابيع من الانقطاع بسبب انشغال كريم بحياته الجديدة. قال له يوسف وهو يتفحص وجهه بدقة: "إنت مبسوط يا كريم، ملامحك اتغيرت تمامًا عن آخر مرة شفتك فيها. في حاجة بتحصل، صح؟" حاول كريم أن ينفي بسرعة، قائلاً: "الاتفاق ماشي كويس، بس هو ده كل اللي في الموضوع." ابتسم يوسف بخبث صديق قديم يعرف كل تفاصيل حياة رفيقه، وقال: "كريم، أنا بعرفك من عشرين سنة. الابتسامة دي مش ابتسامة راجل بيمشي في اتفاق عمل، دي ابتسامة راجل بدأ يحس بحاجة تانية خالص، وأنا مبسوط ليك، بس خلي بالك من نفسك، ومن قلبك، الدنيا دي مش زي اللي إحنا عايشينها." لم يكن كريم يستطيع إنكار كلمات يوسف تمامًا، فقد بدأ يشعر فعلاً بتغير داخلي لم يعرف كيف يتعامل معه. في تلك الليلة، جلس وحيدًا في غرفته بعد أن نامت يارا، وفتح صندوقًا خشبيًا صغيرًا يحتفظ فيه بذكريات سلوى: صورهما معًا، خطاب حب كتبته له في بداية زواجهما، وخاتمها الذي احتفظ به بعد وفاتها. تأمل هذه الأشياء طويلًا، وشعر بصراع داخلي عنيف بين الشعور بالذنب تجاه ذكرى زوجته الراحلة، وبين إحساس جديد بدأ يتسلل إلى قلبه رغمًا عنه تجاه امرأة أخرى لم يتوقع يومًا أن يشعر تجاهها بأي شيء يتجاوز حدود الاتفاق المكتوب بينهما. استشار الحاجة فاطمة في تلك الفترة، وأخبرها بصراحته المعتادة عن الأحاسيس المتضاربة التي تجتاحه، فاستمعت إليه بحنان الأم التي فقدت ابنتها لكنها لم تفقد حكمتها، وقالت له: "يا كريم، حبك لسلوى رحمها الله مش هيموت لو حبيت حد تاني، ده مش خيانة يا بني، ده امتداد طبيعي للحياة. سلوى نفسها ماكانتش تحب تشوفك حزين طول عمرك، ولا تشوف يارا بتكبر من غير أم تحبها. خلي قلبك يتنفس، ومتخافش من المشاعر دي، بس خد وقتك، وافهم نفسك كويس قبل ما تاخد أي قرار." كانت كلمات الحاجة فاطمة بمثابة إذن داخلي طال انتظاره، سمح لكريم أخيرًا أن يتقبل هذا التحول العاطفي الجديد دون أن يثقل نفسه بشعور الذنب الذي كان يطارده منذ أسابيع. في نهاية ذلك الأسبوع، وبينما كانت العائلة الصغيرة المؤقتة تقضي أمسية هادئة في حديقة القصر، ركضت يارا فجأة نحو كريم وسلمى وهما يجلسان جنبًا إلى جنب على مقعد حجري، وقالت بصوتها الطفولي البريء الذي لا يعرف حسابات الكبار: "بابا، سلمى، ليه ماسكين إيد بعض لسه؟ كل الأهل بيمسكوا إيد بعض." نظر كريم وسلمى إلى بعضهما البعض في حرج ممزوج بضحكة خافتة، ولم يجب أي منهما، لكن يدَي كليهما تحركتا بتلقائية غريبة، تقتربان قليلاً من بعضهما فوق المقعد الحجري، قبل أن يتراجعا بخجل متبادل في اللحظة الأخيرة، تاركين سؤال الطفلة البريء معلقًا في الهواء، يحمل في طياته حقيقة كان كلاهما يشعر بها لكن لم يجرؤ أي منهما على النطق بها بعد.بعد أسبوع من حادثة المطاردة، وبينما كانت سلمى وكريم يستعدان لتسليم الأدلة التي جمعاها إلى القاضي المستقل الذي رشّحه الأستاذ منير، تصاعدت الأحداث بشكل مفاجئ ومروع. في مساء أحد الأيام، وبينما كانت يارا تلعب في حديقة القصر تحت إشراف إحدى الخادمات الموثوقات، حاول رجل غريب التسلل عبر السور الخلفي للقصر، لكن الحاج عبد المنعم، الذي كان يراقب المكان بيقظة إضافية منذ تحالفه السري مع كريم، لاحظ الأمر وأطلق صافرة الإنذار على الفور، مما أدى إلى فرار الدخيل قبل أن يتمكن أحد من القبض عليه، لكنه ترك خلفه أداة معدنية حادة سقطت منه أثناء هروبه، أداة كانت واضحة الغرض من استخدامها.أصيبت سلمى بحالة من الهلع الشديد حين علمت بما حدث، وركضت لتحتضن يارا التي لم تكن قد أدركت خطورة الموقف بعد، بينما وصل كريم مسرعًا من عمله فور تلقيه الاتصال، ووجد المكان يعج برجال الأمن الذين استقدمهم مسبقًا. احتضن كريم ابنته بقوة، يتفقد جسدها الصغير للتأكد من سلامتها، ثم نظر إلى سلمى بعينين مليئتين بالغضب والخوف معًا، وقال بصوتٍ يرتجف من شدة الانفعال: "كفاية كده يا سلمى، الموضوع ده وصل لحد خطير جدًا، ابنتي كانت ممكن تتأذى الن
لم يكن سامي الدسوقي رجلاً يقبل الهزيمة بسهولة. بعد فشل محاولته الأولى لإقناع كريم بالانسحاب مقابل المال، وبعد أن شعر أن سلمى بدأت تبتعد عن سيطرته وتتصرف باستقلالية متزايدة في إدارة شؤون الشركة، بدأ يغيّر استراتيجيته تدريجيًا، متحولاً من أسلوب الإغراء إلى أسلوب أكثر خطورة وتهديدًا. استدعى شريكه في الجريمة، ذلك المسؤول الحكومي الذي رآه كريم في تلك الليلة الغامضة، واجتمعا في المبنى السري ذاته، يناقشان كيفية التعامل مع خطر اكتشاف مخططهما قبل فوات الأوان.في تلك الأثناء، بدأت سلمى تلاحظ تغيرًا ملحوظًا في سلوك بعض موظفي الشركة تجاهها، خاصة أولئك الذين عيّنهم عمّها في مناصب حساسة داخل المجلس الإداري. لاحظت أن بعض الملفات التي كانت تطلبها بدأت تختفي بشكل غامض، وأن بعض الاجتماعات كانت تُعقد دون علمها رغم أنها المسؤولة الرسمية الآن عن الشركة وفق شروط الوصية المؤقتة. استشعرت أن هناك من يحاول عزلها تدريجيًا عن مصادر المعلومة الحقيقية، وأخبرت كريم والأستاذ منير بمخاوفها هذه في اجتماع طارئ عقد في مكتب المحامي.قال الأستاذ منير بقلق واضح: "سلمى، أعتقد أن الوقت قد حان لأخذ خطوة جدية. يجب أن نقدم ما ل
بعد شهرين من الزواج، بدأت سلمى تتولى تدريجيًا مسؤولياتها في إدارة شركة الدسوقي القابضة، بمساعدة الأستاذ منير والمجلس الإداري المؤقت. كانت تدخل عالم الأعمال بحذر شديد، تحاول أن تفهم تفاصيل معقدة ظلت بعيدة عنها طوال سنوات دراستها ونشأتها، فرغم شهادتها الجامعية في الاقتصاد، إلا أن التطبيق العملي داخل شركة بحجم إمبراطورية والدها كان تحديًا مختلفًا تمامًا. في أحد الاجتماعات الأولى التي حضرتها، لاحظت تناقضًا غريبًا في بعض الأرقام المالية المتعلقة بأحد المشاريع الكبرى التي كان والدها يديرها شخصيًا قبل وفاته، مشروع إنشائي ضخم كان من المفترض أن يُموَّل جزئيًا من صندوق حكومي بالشراكة مع جهة خاصة يديرها عادل، خطيبها السابق.استرعى انتباهها تحديدًا أن هناك فجوة مالية كبيرة بين المبالغ المُعلنة والمبالغ الفعلية المسجلة في دفاتر الحسابات، فجوة تصل إلى ملايين الجنيهات لم تجد لها تفسيرًا واضحًا. حين استفسرت من المدير المالي للشركة، حاول الأخير التهرب من الإجابة بحجج غير مقنعة، مما زاد شكوكها بدلاً من أن يبددها. قررت سلمى أن تحتفظ بهذه الملاحظات لنفسها مؤقتًا، وأن تجري تحقيقًا خاصًا بعيدًا عن أعين الم
منذ تلك الليلة التي جلست فيها سلمى على مائدة كريم البسيطة، بدأت زياراتها المسائية لجناحه تتكرر تدريجيًا، وإن كانت في البداية بحجج واهية: تارة تسأل عن يارا وتقدمها الدراسي، وتارة أخرى تحمل معها كتابًا اشترته للطفلة، حتى أصبحت هذه الزيارات جزءًا غير معلن من الروتين اليومي داخل القصر. كانت يارا، بفطرتها الطفولية الصافية، هي أول من كسر الجدار الفاصل بين سلمى وكريم، فقد أحبت الطفلة هذه المرأة الجميلة التي بدأت تقضي وقتًا معها، تقرأ لها القصص قبل النوم، وتساعدها في رسوماتها الملونة، وتضحك من نكاتها البريئة بصدق لم تعتد سلمى إظهاره أمام أحد من قبل.في أحد الأيام، وبينما كانت سلمى تجلس في حديقة القصر تراقب يارا وهي تركض بين الأشجار، اقتربت منها الطفلة فجأة، ومسكت بيدها بثقة عفوية، وقالت لها: "تعالي العبي معايا يا سلمى، بابا بيقول إن اللعب مع حد بتحبه أحلى من اللعب لوحدك." شعرت سلمى بدفء غريب يسري في قلبها من هذه الكلمات البسيطة، ونهضت لتلعب مع يارا لعبة الغميضة بين أشجار الحديقة، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، سمع خدم القصر صوت ضحكة سلمى الحقيقية تتردد في أرجاء المكان، ضحكة لم يعتادوا سماعها منذ
أُقيم حفل عقد القران في نطاق ضيق للغاية، اقتصر على الحاجة فاطمة ويوسف من جانب كريم، والخالة نبيلة والأستاذ منير من جانب سلمى، بالإضافة إلى مأذون شرعي وشاهدين رسميين. لم يكن هناك احتفال صاخب، ولا موسيقى، ولا حتى فرحة ظاهرة على الوجوه، بل كان المشهد أقرب إلى توقيع معاهدة سياسية منه إلى حفل زفاف حقيقي. ارتدت سلمى فستانًا بسيطًا رماديًا فاتحًا يليق بفترة حدادها التي لم تنتهِ بعد، بينما ارتدى كريم بدلة داكنة استأجرها لهذه المناسبة، وشعر طوال الوقت أنه يمثل دورًا في مسرحية لا يعرف نهايتها.بعد انتهاء المراسم الرسمية، انتقلت سلمى إلى الجناح المخصص لكريم ويارا داخل القصر، في حين احتفظت هي بجناحها الخاص في الطابق الآخر، وفقًا لما نص عليه العقد. كان هذا الترتيب غريبًا بالنسبة لطاقم الخدم في القصر، الذين اعتادوا رؤية عائلة الدسوقي تعيش وفق تقاليد صارمة، لكنهم التزموا الصمت المهني المعتاد، مكتفين بتبادل النظرات المتسائلة فيما بينهم دون أن يجرؤ أحدهم على التعليق علنًا.كانت الأيام الأولى مليئة بالتوتر والحرج المتبادل. كان كريم يشعر بأنه غريب تمامًا في هذا العالم الفخم، يتوه بين الممرات الطويلة للق
وصل كريم إلى مكتب المحاماة قبل الموعد المحدد بعشر دقائق، مرتديًا أفضل ما يملك من ثياب: قميصًا أبيض أنيقًا اشتراه خصيصًا لهذه المناسبة، وبنطالًا داكنًا كان يحتفظ به للمناسبات الرسمية النادرة. جلس في غرفة الانتظار الصغيرة، يشعر بيديه تتعرقان من التوتر، ويكرر في ذهنه الكلمات التي أعدّها ليقولها، رغم علمه أن كل هذه الاستعدادات قد تتبخر في اللحظة التي يجد نفسه فيها وجهًا لوجه أمام الفتاة التي سيقرر مصيره معها.وصلت سلمى بعد دقائق قليلة، ترتدي بذلة رسمية أنيقة باللون الرمادي الداكن، متماشية مع فترة حدادها، وقد بدت عليها آثار الإرهاق والقلق رغم محاولاتها إخفاءها خلف مظهر هادئ متماسك. دخلا معًا إلى مكتب الأستاذ منير، الذي رحّب بهما بحفاوة، وطلب من مساعدته أن تحضر لهما القهوة، ثم قال بابتسامة مطمئنة: "سأتركم الآن لتتحدثا بحرية، أنا في المكتب المجاور إن احتجتما إلى أي شيء." وغادر الغرفة تاركًا إياهما وحدهما لأول مرة.ساد صمت ثقيل استمر لدقيقة كاملة، لم يجرؤ أي منهما على كسره أولاً. كانت سلمى تنظر إلى يديها المتشابكتين فوق حجرها، بينما كان كريم يحدق في نقطة غير محددة على الطاولة الخشبية أمامه. أ







