LOGINاستدعى الأستاذ منير حبيب كريم إلى مكتبه في صباح يوم خميس، بعد أن أنهى مناوبته المعتادة في نقل بعض أوراق المستشار الراحل إلى المحامي، تلك المهمة التي كُلّف بها منذ وفاة صاحب العمل، إذ لم يكن أحد في العائلة قد قرر بعد مصير عمله كسائق. دخل كريم إلى المكتب الفخم مرتديًا زيّه المعتاد، يشعر بشيء من التوتر غير المفهوم، إذ لم يكن معتادًا أن يُستدعى بمفرده لمقابلة رسمية كهذه.
"تفضل بالجلوس يا كريم." قال المحامي بابتسامة هادئة حاول من خلالها أن يبدد التوتر الظاهر على وجه الشاب. جلس كريم على حافة الكرسي، ووضع يديه على ركبتيه بانتظار أن يعرف سبب هذا الاستدعاء المفاجئ. بدأ المحامي حديثه بمقدمة طويلة عن وفاة المستشار، وعن الوصية، وعن الشرط الغريب الذي وضعه لابنته، وكان كريم يستمع بانتباه شديد، دون أن يفهم بعد ما علاقته هو بكل هذا الحديث المعقد عن الميراث والزواج. حين وصل المحامي أخيرًا إلى صلب الموضوع، توقف قليلاً، ثم قال بحذرٍ شديد: "كريم، أنا أعرفك منذ سنوات طويلة، منذ أن بدأت العمل مع المستشار كمال رحمه الله، وأعرف أنك رجل أمين، مستقيم، بعيد كل البعد عن عالم النفاق الذي يحيط بنا. لهذا السبب، أطرح عليك اليوم عرضًا غير تقليدي، وأرجو أن تستمع إليه كاملاً قبل أن تحكم عليه." نظر كريم إليه بحيرة واضحة، وأومأ برأسه موافقًا على الاستماع. شرح له المحامي تفاصيل الشرط: أن ابنة المستشار، سلمى، بحاجة إلى الزواج من رجل بعيد عن عالم السياسة والمال خلال شهر واحد، وأن هذا الزواج يجب أن يستمر فعليًا لعام كامل حتى تستطيع الاحتفاظ بحقها في الميراث الشرعي، وأن اسم كريم قد طُرح كخيار موثوق لهذا الدور الصعب. صُعق كريم من هول ما سمعه، ونهض واقفًا وكأن الكرسي احترق تحته، وقال بصوتٍ يخالطه الذهول: "أستاذ منير، هل تمزح معي؟ أنا سائق، رجل بسيط، وهي ابنة مستشار كبير، هذا كلام غير معقول إطلاقًا!" حاول المحامي أن يهدئه، وقال بصوتٍ رصين: "أعرف أن الأمر يبدو جنونيًا يا كريم، لكن اسمع الحقائق أولاً قبل أن ترفض. هذا الزواج، إن وافقت عليه، لن يكون كأي زواج تقليدي، بل هو اتفاق قانوني بحت، عقد بشروط واضحة ستحمي حقوقك وحقوقها معًا. ستحصل مقابل ذلك على مبلغ مالي كبير يكفيك ويكفي ابنتك لسنوات طويلة قادمة، بالإضافة إلى تأمين تعليمها ومستقبلها بالكامل. وفي الوقت نفسه، ستكون قد ساعدت فتاة وحيدة على حماية حقها المشروع من ذئاب طامعة تحيط بها من كل جانب." جلس كريم من جديد، وقد بدا عليه الإرهاق النفسي الشديد، وقال بصوتٍ منخفض: "لكن أستاذ منير، أنا... أنا لست مستعدًا للزواج مرة أخرى. زوجتي ماتت من سنتين بس، وأنا لسه... لسه مش قادر أفكر في حد تاني في حياتي." كانت كلماته صادقة تمامًا، إذ لم يكن الأمر يتعلق بالمال أو بالفرصة الاجتماعية التي يحلم بها كثيرون، بل بجرحٍ لم يندمل بعد، وبولاء عميق لذكرى امرأة أحبها بصدق. تفهّم المحامي مشاعره، وقال بلطف: "أعرف حجم الفقد الذي مررت به يا كريم، وأنا لا أطلب منك أن تنسى سلوى رحمها الله، ولا أن تحل محلها أحد في قلبك. هذا العرض ليس زواج حب يا بني، بل هو اتفاق مصلحة متبادلة، أشبه بعقد عمل مؤقت، تحمي فيه فتاة من الضياع، وتؤمن فيه مستقبل ابنتك. بعد عام، إن لم ترغبا في الاستمرار، ينتهي العقد بطلاق ودّي، ويعود كل منكما إلى حياته دون أي التزامات إضافية." طلب كريم مهلة للتفكير، فوافق المحامي على الفور، مدركًا حجم الصدمة التي أصابت الرجل. عاد كريم إلى بيته في تلك الليلة وهو غارق في تفكير عميق، لم يستطع النوم، وظل يتقلب في فراشه ساعات طويلة، يفكر في يارا، في مستقبلها، في العلاج الذي تحتاجه لضعف بسيط في نظرها اكتشفه الطبيب مؤخرًا ويحتاج إلى نفقات باهظة لم يكن يملكها، وفي ذكرى سلوى التي كانت تملأ كل زاوية من زوايا قلبه. في الصباح التالي، ذهب كريم إلى المقبرة كعادته، ووقف أمام قبر زوجته، وتحدث إليها بصوتٍ مبحوح: "سلوى، معنديش حد أستشيره غيرك. فيه عرض غريب جدًا اتعرض عليّ، وأنا خايف. خايف أخون ذكراكِ، وخايف كمان إني أضيّع فرصة ممكن تفيد يارا. أنا مش عارف أعمل إيه." لم يكن يتوقع إجابة بالطبع، لكنه شعر، وهو يقف هناك صامتًا، بشيء من السكينة يتسلل إلى قلبه المضطرب، وكأن روح سلوى كانت تهمس له ألا يخاف من الحياة، وألا يجعل حزنه يقف حائلاً بينه وبين مستقبل ابنته. استشار كريم صديقه يوسف أيضًا، الذي استمع إلى القصة بذهول تام، ثم قال بحماس: "يا راجل ده فرصة عمرك! هتتجوز واحدة غنية وهتاخد فلوس كمان؟ إنت مجنون لو رفضت!" لكن كريم ردّ عليه بجدية: "الموضوع مش عن الفلوس يا يوسف، الموضوع إني هدخل عالم مش عارف حاجة عنه، مع بنت مش عارفها، وهعرّض يارا لحياة تانية خالص، مليانة أضواء وناس غريبة. أنا خايف عليها، مش طامع في حاجة." سكت يوسف قليلاً، ثم أضاف بنبرة أكثر جدية، وكأنه أدرك متأخرًا حجم القرار الذي يواجه صديقه: "طيب فكّر في الموضوع من زاوية تانية يا كريم. مش هتتجوزها عشان تحبها، ولا هي هتتجوزك عشان بتحبك. ده اتفاق، زي عقد شغل بالظبط، إنت هتحمي بنت من الضياع، وهي هتساعدك تأمّن مستقبل يارا. مفيش حد هيتضرر، والاتنين هتستفيدوا. المشكلة الوحيدة إنك خايف من قلبك، مش من الاتفاق نفسه." كانت كلمات يوسف، رغم بساطتها، قد لامست جزءًا حقيقيًا من مخاوف كريم الدفينة، فهو لم يكن يخشى الاتفاق القانوني بحد ذاته، بل كان يخشى أن ينفتح قلبه على أحد من جديد، ثم يفقده كما فقد سلوى. في تلك الليلة، وبينما كان يضع يارا في فراشها، سألته الطفلة الصغيرة بفضول طفولي بريء: "بابا، إنت زعلان ليه من كام يوم؟" ابتسم كريم رغم ثقل الأفكار التي تجول برأسه، وقال لها: "لأ يا حبيبتي، بابا مش زعلان، بس بيفكر في حاجة مهمة." نظرت إليه يارا بعينيها الواسعتين، ثم قالت بجملة بسيطة هزّت كيانه: "لو الحاجة دي هتخلينا سعداء، اعملها يا بابا." لم تكن الطفلة تدرك عمق ما قالته، لكن كلماتها البريئة استقرت في قلب كريم كصوتٍ يحمل حكمة تفوق سنوات عمرها القليلة. قضى كريم الليلة التالية يراجع في ذهنه كل التفاصيل التي شرحها له المحامي: العقد المكتوب، البنود الواضحة، الغرفتان المنفصلتان، الحدود المحترمة، إمكانية الطلاق الودي بعد عام دون أي مساءلة. حاول أن يقنع نفسه أن الأمر لن يكون أكثر من اتفاق مؤقت، صفقة تحمي طرفين ضعيفين في مواجهة عالم قاسٍ لا يرحم الفقراء ولا يرحم اليتامى من الحماية. لكن في أعماقه، كان هناك صوت خافت يهمس له بأن الحياة لا تسير دائمًا وفق الخطط المرسومة على الورق، وأن القلب البشري، مهما حاول الإنسان تحصينه، يبقى عرضة للتغيير في أكثر اللحظات غير المتوقعة. بعد ثلاثة أيام من التفكير العميق، والاستشارة مع الحاجة فاطمة التي فاجأته بموافقتها المشروطة قائلة: "لو حسّيت إن ده هيحمي يارا ومستقبلها، ووافقت إن الاتفاق واضح ومكتوب بالقانون، ماعنديش مانع يا كريم. المهم إنك تحافظ على كرامتك، ومتخليش الفلوس تشتري ضميرك"، قرر كريم أن يوافق على لقاء سلمى أولاً قبل اتخاذ أي قرار نهائي، ليرى بنفسه من تكون هذه الفتاة التي سيُطلب منه أن يربط مصيره بمصيرها لعام كامل من حياته. اتصل بالأستاذ منير في صباح اليوم التالي، وأخبره بقراره بالموافقة على اللقاء التمهيدي، دون أي التزام نهائي بعد. شعر المحامي بارتياح واضح في نبرة صوته، وقال: "قرار حكيم يا كريم، سأرتب اللقاء غدًا في مكتبي، في جو هادئ بعيد عن أي ضغوط، تتحدثان فيه بصراحة تامة، وتقرران معًا إن كان هذا الطريق مناسبًا لكما أم لا." أنهى كريم المكالمة، وشعر بثقل غريب يخف قليلاً عن كتفيه، كأن مجرد اتخاذ خطوة أولى نحو المجهول كان كافيًا لتهدئة بعض من قلقه المتراكم. في تلك الليلة الأخيرة قبل اللقاء، جلس كريم أمام صورة سلوى كعادته، وقال لها بصوتٍ هادئ هذه المرة، بعد أن استقر قراره: "سلوى، أنا مش بخون ذكراكِ، أنا بس بحاول أحمي يارا، وأحمي بنت تانية مش عارفة تحمي نفسها. لو كان في الأمر ده خير، يارب توفقني، ولو كان شر، يارب تبعده عن طريقي." أطفأ الضوء، وأوى إلى فراشه، وللمرة الأولى منذ زمن طويل، شعر أن نومه لم يكن مثقلاً بالحزن وحده، بل كان يحمل أيضًا بصيصًا خافتًا من الترقب لما قد يحمله الغد. وفي غرفتها الفسيحة على الطرف الآخر من المدينة، كانت سلمى بدورها تستعد نفسيًا للقاء المرتقب، تقلّب في ذهنها الأسئلة التي ستطرحها على هذا الرجل الغريب: هل سيكون صادقًا معها؟ هل سيحترم حدود الاتفاق؟ وهل سيكون قادرًا على مواجهة عالمها المليء بالتعقيدات والأخطار دون أن يتراجع في منتصف الطريق؟ لم تكن تعلم أن هذا الرجل، الذي لم تكلمه يومًا سوى بكلمات قليلة عابرة حين كان يقود سيارة والدها، كان في تلك اللحظة نفسها يفكر فيها هي الأخرى بقلقٍ مماثل، وكأن القدر كان يهيئ كليهما، كل من مكانه، للقاءٍ سيغيّر مجرى حياتيهما إلى الأبد.بعد أسبوع من حادثة المطاردة، وبينما كانت سلمى وكريم يستعدان لتسليم الأدلة التي جمعاها إلى القاضي المستقل الذي رشّحه الأستاذ منير، تصاعدت الأحداث بشكل مفاجئ ومروع. في مساء أحد الأيام، وبينما كانت يارا تلعب في حديقة القصر تحت إشراف إحدى الخادمات الموثوقات، حاول رجل غريب التسلل عبر السور الخلفي للقصر، لكن الحاج عبد المنعم، الذي كان يراقب المكان بيقظة إضافية منذ تحالفه السري مع كريم، لاحظ الأمر وأطلق صافرة الإنذار على الفور، مما أدى إلى فرار الدخيل قبل أن يتمكن أحد من القبض عليه، لكنه ترك خلفه أداة معدنية حادة سقطت منه أثناء هروبه، أداة كانت واضحة الغرض من استخدامها.أصيبت سلمى بحالة من الهلع الشديد حين علمت بما حدث، وركضت لتحتضن يارا التي لم تكن قد أدركت خطورة الموقف بعد، بينما وصل كريم مسرعًا من عمله فور تلقيه الاتصال، ووجد المكان يعج برجال الأمن الذين استقدمهم مسبقًا. احتضن كريم ابنته بقوة، يتفقد جسدها الصغير للتأكد من سلامتها، ثم نظر إلى سلمى بعينين مليئتين بالغضب والخوف معًا، وقال بصوتٍ يرتجف من شدة الانفعال: "كفاية كده يا سلمى، الموضوع ده وصل لحد خطير جدًا، ابنتي كانت ممكن تتأذى الن
لم يكن سامي الدسوقي رجلاً يقبل الهزيمة بسهولة. بعد فشل محاولته الأولى لإقناع كريم بالانسحاب مقابل المال، وبعد أن شعر أن سلمى بدأت تبتعد عن سيطرته وتتصرف باستقلالية متزايدة في إدارة شؤون الشركة، بدأ يغيّر استراتيجيته تدريجيًا، متحولاً من أسلوب الإغراء إلى أسلوب أكثر خطورة وتهديدًا. استدعى شريكه في الجريمة، ذلك المسؤول الحكومي الذي رآه كريم في تلك الليلة الغامضة، واجتمعا في المبنى السري ذاته، يناقشان كيفية التعامل مع خطر اكتشاف مخططهما قبل فوات الأوان.في تلك الأثناء، بدأت سلمى تلاحظ تغيرًا ملحوظًا في سلوك بعض موظفي الشركة تجاهها، خاصة أولئك الذين عيّنهم عمّها في مناصب حساسة داخل المجلس الإداري. لاحظت أن بعض الملفات التي كانت تطلبها بدأت تختفي بشكل غامض، وأن بعض الاجتماعات كانت تُعقد دون علمها رغم أنها المسؤولة الرسمية الآن عن الشركة وفق شروط الوصية المؤقتة. استشعرت أن هناك من يحاول عزلها تدريجيًا عن مصادر المعلومة الحقيقية، وأخبرت كريم والأستاذ منير بمخاوفها هذه في اجتماع طارئ عقد في مكتب المحامي.قال الأستاذ منير بقلق واضح: "سلمى، أعتقد أن الوقت قد حان لأخذ خطوة جدية. يجب أن نقدم ما ل
بعد شهرين من الزواج، بدأت سلمى تتولى تدريجيًا مسؤولياتها في إدارة شركة الدسوقي القابضة، بمساعدة الأستاذ منير والمجلس الإداري المؤقت. كانت تدخل عالم الأعمال بحذر شديد، تحاول أن تفهم تفاصيل معقدة ظلت بعيدة عنها طوال سنوات دراستها ونشأتها، فرغم شهادتها الجامعية في الاقتصاد، إلا أن التطبيق العملي داخل شركة بحجم إمبراطورية والدها كان تحديًا مختلفًا تمامًا. في أحد الاجتماعات الأولى التي حضرتها، لاحظت تناقضًا غريبًا في بعض الأرقام المالية المتعلقة بأحد المشاريع الكبرى التي كان والدها يديرها شخصيًا قبل وفاته، مشروع إنشائي ضخم كان من المفترض أن يُموَّل جزئيًا من صندوق حكومي بالشراكة مع جهة خاصة يديرها عادل، خطيبها السابق.استرعى انتباهها تحديدًا أن هناك فجوة مالية كبيرة بين المبالغ المُعلنة والمبالغ الفعلية المسجلة في دفاتر الحسابات، فجوة تصل إلى ملايين الجنيهات لم تجد لها تفسيرًا واضحًا. حين استفسرت من المدير المالي للشركة، حاول الأخير التهرب من الإجابة بحجج غير مقنعة، مما زاد شكوكها بدلاً من أن يبددها. قررت سلمى أن تحتفظ بهذه الملاحظات لنفسها مؤقتًا، وأن تجري تحقيقًا خاصًا بعيدًا عن أعين الم
منذ تلك الليلة التي جلست فيها سلمى على مائدة كريم البسيطة، بدأت زياراتها المسائية لجناحه تتكرر تدريجيًا، وإن كانت في البداية بحجج واهية: تارة تسأل عن يارا وتقدمها الدراسي، وتارة أخرى تحمل معها كتابًا اشترته للطفلة، حتى أصبحت هذه الزيارات جزءًا غير معلن من الروتين اليومي داخل القصر. كانت يارا، بفطرتها الطفولية الصافية، هي أول من كسر الجدار الفاصل بين سلمى وكريم، فقد أحبت الطفلة هذه المرأة الجميلة التي بدأت تقضي وقتًا معها، تقرأ لها القصص قبل النوم، وتساعدها في رسوماتها الملونة، وتضحك من نكاتها البريئة بصدق لم تعتد سلمى إظهاره أمام أحد من قبل.في أحد الأيام، وبينما كانت سلمى تجلس في حديقة القصر تراقب يارا وهي تركض بين الأشجار، اقتربت منها الطفلة فجأة، ومسكت بيدها بثقة عفوية، وقالت لها: "تعالي العبي معايا يا سلمى، بابا بيقول إن اللعب مع حد بتحبه أحلى من اللعب لوحدك." شعرت سلمى بدفء غريب يسري في قلبها من هذه الكلمات البسيطة، ونهضت لتلعب مع يارا لعبة الغميضة بين أشجار الحديقة، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، سمع خدم القصر صوت ضحكة سلمى الحقيقية تتردد في أرجاء المكان، ضحكة لم يعتادوا سماعها منذ
أُقيم حفل عقد القران في نطاق ضيق للغاية، اقتصر على الحاجة فاطمة ويوسف من جانب كريم، والخالة نبيلة والأستاذ منير من جانب سلمى، بالإضافة إلى مأذون شرعي وشاهدين رسميين. لم يكن هناك احتفال صاخب، ولا موسيقى، ولا حتى فرحة ظاهرة على الوجوه، بل كان المشهد أقرب إلى توقيع معاهدة سياسية منه إلى حفل زفاف حقيقي. ارتدت سلمى فستانًا بسيطًا رماديًا فاتحًا يليق بفترة حدادها التي لم تنتهِ بعد، بينما ارتدى كريم بدلة داكنة استأجرها لهذه المناسبة، وشعر طوال الوقت أنه يمثل دورًا في مسرحية لا يعرف نهايتها.بعد انتهاء المراسم الرسمية، انتقلت سلمى إلى الجناح المخصص لكريم ويارا داخل القصر، في حين احتفظت هي بجناحها الخاص في الطابق الآخر، وفقًا لما نص عليه العقد. كان هذا الترتيب غريبًا بالنسبة لطاقم الخدم في القصر، الذين اعتادوا رؤية عائلة الدسوقي تعيش وفق تقاليد صارمة، لكنهم التزموا الصمت المهني المعتاد، مكتفين بتبادل النظرات المتسائلة فيما بينهم دون أن يجرؤ أحدهم على التعليق علنًا.كانت الأيام الأولى مليئة بالتوتر والحرج المتبادل. كان كريم يشعر بأنه غريب تمامًا في هذا العالم الفخم، يتوه بين الممرات الطويلة للق
وصل كريم إلى مكتب المحاماة قبل الموعد المحدد بعشر دقائق، مرتديًا أفضل ما يملك من ثياب: قميصًا أبيض أنيقًا اشتراه خصيصًا لهذه المناسبة، وبنطالًا داكنًا كان يحتفظ به للمناسبات الرسمية النادرة. جلس في غرفة الانتظار الصغيرة، يشعر بيديه تتعرقان من التوتر، ويكرر في ذهنه الكلمات التي أعدّها ليقولها، رغم علمه أن كل هذه الاستعدادات قد تتبخر في اللحظة التي يجد نفسه فيها وجهًا لوجه أمام الفتاة التي سيقرر مصيره معها.وصلت سلمى بعد دقائق قليلة، ترتدي بذلة رسمية أنيقة باللون الرمادي الداكن، متماشية مع فترة حدادها، وقد بدت عليها آثار الإرهاق والقلق رغم محاولاتها إخفاءها خلف مظهر هادئ متماسك. دخلا معًا إلى مكتب الأستاذ منير، الذي رحّب بهما بحفاوة، وطلب من مساعدته أن تحضر لهما القهوة، ثم قال بابتسامة مطمئنة: "سأتركم الآن لتتحدثا بحرية، أنا في المكتب المجاور إن احتجتما إلى أي شيء." وغادر الغرفة تاركًا إياهما وحدهما لأول مرة.ساد صمت ثقيل استمر لدقيقة كاملة، لم يجرؤ أي منهما على كسره أولاً. كانت سلمى تنظر إلى يديها المتشابكتين فوق حجرها، بينما كان كريم يحدق في نقطة غير محددة على الطاولة الخشبية أمامه. أ







