Home / الرومانسية / عريس الوصية / الفصل الثامن: اختبار الأمانة

Share

الفصل الثامن: اختبار الأمانة

last update publish date: 2026-07-27 22:43:19

بعد شهرين من الزواج، بدأت سلمى تتولى تدريجيًا مسؤولياتها في إدارة شركة الدسوقي القابضة، بمساعدة الأستاذ منير والمجلس الإداري المؤقت. كانت تدخل عالم الأعمال بحذر شديد، تحاول أن تفهم تفاصيل معقدة ظلت بعيدة عنها طوال سنوات دراستها ونشأتها، فرغم شهادتها الجامعية في الاقتصاد، إلا أن التطبيق العملي داخل شركة بحجم إمبراطورية والدها كان تحديًا مختلفًا تمامًا. في أحد الاجتماعات الأولى التي حضرتها، لاحظت تناقضًا غريبًا في بعض الأرقام المالية المتعلقة بأحد المشاريع الكبرى التي كان والدها يديرها شخصيًا قبل وفاته، مشروع إنشائي ضخم كان من المفترض أن يُموَّل جزئيًا من صندوق حكومي بالشراكة مع جهة خاصة يديرها عادل، خطيبها السابق.

استرعى انتباهها تحديدًا أن هناك فجوة مالية كبيرة بين المبالغ المُعلنة والمبالغ الفعلية المسجلة في دفاتر الحسابات، فجوة تصل إلى ملايين الجنيهات لم تجد لها تفسيرًا واضحًا. حين استفسرت من المدير المالي للشركة، حاول الأخير التهرب من الإجابة بحجج غير مقنعة، مما زاد شكوكها بدلاً من أن يبددها. قررت سلمى أن تحتفظ بهذه الملاحظات لنفسها مؤقتًا، وأن تجري تحقيقًا خاصًا بعيدًا عن أعين المجلس الإداري الذي بدأ يضم بعض الوجوه التي عيّنها عمّها سامي مؤخرًا تحت ذرائع مختلفة.

في تلك الفترة، طلبت سلمى من كريم مساعدتها في أمر غير متوقع: أن يراقب بصمت، دون أن يثير الشبهات، بعض التحركات المريبة التي بدأت تلاحظها حول القصر، خاصة زيارات متكررة كان يقوم بها عمّها سامي لمكتب المستشار الراحل الخاص، الذي ظل مغلقًا منذ الوفاة باستثناء تلك الزيارات الغامضة. وافق كريم على الفور، شاعرًا بأن هذا هو دوره الحقيقي الذي يمكنه أن يقدمه في هذا العالم الغريب عليه، دور الحارس الصامت الذي لا يلفت الانتباه، تمامًا كما كان طوال سنوات عمله كسائق.

في إحدى الليالي، وبينما كان كريم يقود سيارته عائدًا من مشوار متأخر، لاحظ سيارة سامي متوقفة أمام مبنى تجاري غير معروف في منطقة صناعية بعيدة عن وسط المدينة، في توقيت غريب يتجاوز منتصف الليل. توقف كريم بحذر على مسافة آمنة، وترجّل بهدوء ليراقب المكان دون أن يُلاحظ، فرأى سامي يخرج من سيارته ويدخل إلى المبنى برفقة رجل لم يتعرف عليه، بينما كان رجل ثالث ينتظرهما عند الباب يحمل حقيبة جلدية سوداء ضخمة. لم يستطع كريم سماع أي شيء من هذه المسافة، لكنه التقط بهاتفه بعض الصور عن بعد لأرقام السيارات ولوجوه الرجال قدر استطاعته، قبل أن يعود بسرعة إلى سيارته ويغادر المكان حذرًا من أن يُكتشف أمره.

في صباح اليوم التالي، أطلع كريم سلمى على ما رآه، وشاركها الصور التي التقطها، فشعرت سلمى بقشعريرة تسري في جسدها وهي ترى وجه الرجل الغريب الذي كان برفقة عمّها، رجل تبيّن لاحقًا، بعد تحريات سرية أجراها الأستاذ منير، أنه أحد كبار المسؤولين في الجهة الحكومية المسؤولة عن تمويل المشروع الإنشائي الذي كان يثير شكوك سلمى منذ البداية. بدأت الصورة تتضح تدريجيًا أمام سلمى: كان هناك تواطؤ محتمل بين عمّها وبعض المسؤولين الحكوميين للاستيلاء على أموال المشروع تحت غطاء التعاملات الرسمية، وربما كان والدها قد اكتشف هذا التواطؤ قبل وفاته، مما جعله هدفًا لمن يريدون التستر على الأمر بأي ثمن.

قالت سلمى لكريم في تلك الليلة، وهي تحاول استيعاب حجم ما اكتشفته: "كريم، أنا خايفة. لو أبي فعلاً اكتشف الفساد ده، ولو عمي كان طرف فيه، فيبقى احتمال كبير إن أبي اتقتل عشان كان هيفضحهم." شعر كريم بمسؤولية ثقيلة تجاهها في تلك اللحظة، وقال محاولًا طمأنتها رغم قلقه الحقيقي: "إحنا هنكمل نجمع أدلة، بس بحذر شديد يا سلمى. متتسرعيش في أي خطوة، ولا تواجهي عمك لوحدك أبدًا. خليني أكون معاكِ في كل خطوة." كانت هذه الكلمات، رغم بساطتها، قد منحت سلمى إحساسًا حقيقيًا بالأمان لم تشعر به منذ وفاة والدها، إحساسًا بأنها لم تعد وحيدة تمامًا في مواجهة هذه العاصفة المظلمة.

في الأسابيع التالية، بدأ كريم وسلمى يعملان معًا كفريق حقيقي، يجمعان الأدلة بحذر شديد، ويستشيران الأستاذ منير في كل خطوة، بينما يحرصان على إخفاء أي مؤشر على أن سلمى بدأت تشك في تصرفات عمّها. كان كريم يراقب بصمته المعتادة، يستمع إلى المكالمات العابرة التي كان يلتقطها أحيانًا أثناء انتظاره في السيارة قبل زواجه من سلمى حين كان لا يزال يعمل رسميًا كسائق للعائلة، ويربط الخيوط ببطء وحذر. أدرك في هذه الفترة أن أمانته وصمته اللذين كانا سببًا في اختياره لهذا الدور الغريب منذ البداية، أصبحا الآن سلاحه الحقيقي في مساعدة سلمى على كشف حقيقة مروعة قد تكون وراء وفاة والدها.

في إحدى الأمسيات، وبينما كانا يراجعان معًا بعض المستندات المالية على طاولة المكتب الخاص، رفعت سلمى عينيها فجأة نحو كريم، ووجدته يحدق فيها بتركيز شديد، ليس على الأوراق، بل عليها هي، بنظرة حملت إعجابًا صادقًا لم يحاول إخفاءه هذه المرة. شعرت سلمى بارتباك لذيذ، وقالت بابتسامة خجولة: "بتبص لي ليه كده؟" فأجابها كريم بصدقه المعتاد الذي بدأ يزداد جرأة مع الوقت: "بفكر إنك أقوى بكتير مما كنتِ تتخيلي نفسك، وإن الأمانة اللي أبوكِ حطها فيكِ كانت في محلها تمامًا." شعرت سلمى بدفء غريب يملأ صدرها من هذه الكلمات، دفء بدأ يتجاوز حدود الامتنان والصداقة نحو شيء أعمق وأكثر تعقيدًا، شيء بدأ كلاهما يدرك أنه لم يعد بإمكانهما إنكاره لفترة أطول.

في اليوم التالي، عاد الأستاذ منير إليهما بمعلومات إضافية جمعها من مصادره الخاصة في الأوساط القانونية والحكومية، أكدت أن المبنى الذي رصده كريم كان بالفعل مقرًا سريًا لشركة وهمية سجلها سامي باسم مستعار قبل ثلاث سنوات، وأن هذه الشركة كانت الوسيط الذي تُحول عبره أموال المشروع الحكومي بشكل غير قانوني. قال المحامي بجدية بالغة: "هذا الأمر أخطر مما كنا نتصور يا سلمى، نحن نتحدث عن جريمة فساد مالي موثقة، وربما جريمة أكبر من ذلك بكثير إن ثبت تورط عمك في وفاة والدك. يجب أن نتحرك بحذر شديد، فنحن نواجه رجلاً يملك نفوذًا واسعًا، ولن يتردد في التخلص من أي عائق يقف في طريقه."

شعرت سلمى بخوف حقيقي يتسلل إلى قلبها وهي تسمع هذه الكلمات، وللمرة الأولى منذ بدء هذه الرحلة، أدركت أن الخطر الذي يحيط بها لم يعد مجرد تخمينات أو شكوك عابرة، بل كان حقيقة واقعة تهدد حياتها هي الأخرى إن استمرت في هذا الطريق. نظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها بثبات، وشعرت بامتنان عميق لوجوده في حياتها في هذا التوقيت بالذات، رجل لم يكن يملك نفوذًا ولا سلطة، لكنه كان يملك شيئًا أثمن من كل ذلك: القلب الشجاع الذي لا يتراجع أمام الخطر حين يتعلق الأمر بحماية من يهتم بهم.

في تلك الليلة، بعد أن غادر الأستاذ منير، جلست سلمى وكريم وحدهما في المكتب الهادئ، والصمت يخيم بينهما بثقل الحقائق الجديدة التي اكتشفاها. قالت سلمى بصوتٍ متعب: "أنا خايفة يا كريم، مش على نفسي بس، أنا خايفة عليك وعلى يارا كمان. أنا اللي جبتكم لعالم الخطر ده بسبب طمعي في الميراث." قاطعها كريم بحزم رقيق: "متقوليش كده أبدًا يا سلمى. إنتِ ماجبتيش الخطر، الخطر كان موجود قبلينا، وأبوكِ حاول يحميكِ منه بأي شكل. إحنا دلوقتي في الطريق ده مع بعض، وأنا مش هسيبك تواجهيه لوحدك، مهما كان الثمن." مدّ يده بتلقائية ووضعها فوق يدها المرتجفة على الطاولة، وللمرة الأولى، لم تسحب سلمى يدها، بل تركتها هناك، تستمد من دفء تلك اللمسة البسيطة قوة لم تكن تعرف أنها ستحتاج إليها في الأيام القادمة أكثر من أي وقت مضى.

جلسا هكذا في صمت طويل، لا يتحدثان، لكن يدَيهما المتشابكتين كانتا تقولان ما عجزت الكلمات عن التعبير عنه. شعرت سلمى، وهي تنظر إلى وجه كريم في ضوء المصباح الخافت، أنها لأول مرة منذ وفاة والدها لا تشعر بالوحدة القاتلة التي طاردتها كل ليلة، وأن هذا الرجل البسيط، الذي دخل حياتها بموجب عقدٍ بارد على الورق، أصبح فعليًا الشخص الوحيد الذي تثق به ثقة كاملة في عالمٍ ملطخ بالخيانة من كل جانب.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عريس الوصية   الفصل العاشر: ليلة الاعتراف

    بعد أسبوع من حادثة المطاردة، وبينما كانت سلمى وكريم يستعدان لتسليم الأدلة التي جمعاها إلى القاضي المستقل الذي رشّحه الأستاذ منير، تصاعدت الأحداث بشكل مفاجئ ومروع. في مساء أحد الأيام، وبينما كانت يارا تلعب في حديقة القصر تحت إشراف إحدى الخادمات الموثوقات، حاول رجل غريب التسلل عبر السور الخلفي للقصر، لكن الحاج عبد المنعم، الذي كان يراقب المكان بيقظة إضافية منذ تحالفه السري مع كريم، لاحظ الأمر وأطلق صافرة الإنذار على الفور، مما أدى إلى فرار الدخيل قبل أن يتمكن أحد من القبض عليه، لكنه ترك خلفه أداة معدنية حادة سقطت منه أثناء هروبه، أداة كانت واضحة الغرض من استخدامها.أصيبت سلمى بحالة من الهلع الشديد حين علمت بما حدث، وركضت لتحتضن يارا التي لم تكن قد أدركت خطورة الموقف بعد، بينما وصل كريم مسرعًا من عمله فور تلقيه الاتصال، ووجد المكان يعج برجال الأمن الذين استقدمهم مسبقًا. احتضن كريم ابنته بقوة، يتفقد جسدها الصغير للتأكد من سلامتها، ثم نظر إلى سلمى بعينين مليئتين بالغضب والخوف معًا، وقال بصوتٍ يرتجف من شدة الانفعال: "كفاية كده يا سلمى، الموضوع ده وصل لحد خطير جدًا، ابنتي كانت ممكن تتأذى الن

  • عريس الوصية   الفصل التاسع: أنياب تتكشف

    لم يكن سامي الدسوقي رجلاً يقبل الهزيمة بسهولة. بعد فشل محاولته الأولى لإقناع كريم بالانسحاب مقابل المال، وبعد أن شعر أن سلمى بدأت تبتعد عن سيطرته وتتصرف باستقلالية متزايدة في إدارة شؤون الشركة، بدأ يغيّر استراتيجيته تدريجيًا، متحولاً من أسلوب الإغراء إلى أسلوب أكثر خطورة وتهديدًا. استدعى شريكه في الجريمة، ذلك المسؤول الحكومي الذي رآه كريم في تلك الليلة الغامضة، واجتمعا في المبنى السري ذاته، يناقشان كيفية التعامل مع خطر اكتشاف مخططهما قبل فوات الأوان.في تلك الأثناء، بدأت سلمى تلاحظ تغيرًا ملحوظًا في سلوك بعض موظفي الشركة تجاهها، خاصة أولئك الذين عيّنهم عمّها في مناصب حساسة داخل المجلس الإداري. لاحظت أن بعض الملفات التي كانت تطلبها بدأت تختفي بشكل غامض، وأن بعض الاجتماعات كانت تُعقد دون علمها رغم أنها المسؤولة الرسمية الآن عن الشركة وفق شروط الوصية المؤقتة. استشعرت أن هناك من يحاول عزلها تدريجيًا عن مصادر المعلومة الحقيقية، وأخبرت كريم والأستاذ منير بمخاوفها هذه في اجتماع طارئ عقد في مكتب المحامي.قال الأستاذ منير بقلق واضح: "سلمى، أعتقد أن الوقت قد حان لأخذ خطوة جدية. يجب أن نقدم ما ل

  • عريس الوصية   الفصل الثامن: اختبار الأمانة

    بعد شهرين من الزواج، بدأت سلمى تتولى تدريجيًا مسؤولياتها في إدارة شركة الدسوقي القابضة، بمساعدة الأستاذ منير والمجلس الإداري المؤقت. كانت تدخل عالم الأعمال بحذر شديد، تحاول أن تفهم تفاصيل معقدة ظلت بعيدة عنها طوال سنوات دراستها ونشأتها، فرغم شهادتها الجامعية في الاقتصاد، إلا أن التطبيق العملي داخل شركة بحجم إمبراطورية والدها كان تحديًا مختلفًا تمامًا. في أحد الاجتماعات الأولى التي حضرتها، لاحظت تناقضًا غريبًا في بعض الأرقام المالية المتعلقة بأحد المشاريع الكبرى التي كان والدها يديرها شخصيًا قبل وفاته، مشروع إنشائي ضخم كان من المفترض أن يُموَّل جزئيًا من صندوق حكومي بالشراكة مع جهة خاصة يديرها عادل، خطيبها السابق.استرعى انتباهها تحديدًا أن هناك فجوة مالية كبيرة بين المبالغ المُعلنة والمبالغ الفعلية المسجلة في دفاتر الحسابات، فجوة تصل إلى ملايين الجنيهات لم تجد لها تفسيرًا واضحًا. حين استفسرت من المدير المالي للشركة، حاول الأخير التهرب من الإجابة بحجج غير مقنعة، مما زاد شكوكها بدلاً من أن يبددها. قررت سلمى أن تحتفظ بهذه الملاحظات لنفسها مؤقتًا، وأن تجري تحقيقًا خاصًا بعيدًا عن أعين الم

  • عريس الوصية   الفصل السابع: جسر من براءة

    منذ تلك الليلة التي جلست فيها سلمى على مائدة كريم البسيطة، بدأت زياراتها المسائية لجناحه تتكرر تدريجيًا، وإن كانت في البداية بحجج واهية: تارة تسأل عن يارا وتقدمها الدراسي، وتارة أخرى تحمل معها كتابًا اشترته للطفلة، حتى أصبحت هذه الزيارات جزءًا غير معلن من الروتين اليومي داخل القصر. كانت يارا، بفطرتها الطفولية الصافية، هي أول من كسر الجدار الفاصل بين سلمى وكريم، فقد أحبت الطفلة هذه المرأة الجميلة التي بدأت تقضي وقتًا معها، تقرأ لها القصص قبل النوم، وتساعدها في رسوماتها الملونة، وتضحك من نكاتها البريئة بصدق لم تعتد سلمى إظهاره أمام أحد من قبل.في أحد الأيام، وبينما كانت سلمى تجلس في حديقة القصر تراقب يارا وهي تركض بين الأشجار، اقتربت منها الطفلة فجأة، ومسكت بيدها بثقة عفوية، وقالت لها: "تعالي العبي معايا يا سلمى، بابا بيقول إن اللعب مع حد بتحبه أحلى من اللعب لوحدك." شعرت سلمى بدفء غريب يسري في قلبها من هذه الكلمات البسيطة، ونهضت لتلعب مع يارا لعبة الغميضة بين أشجار الحديقة، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، سمع خدم القصر صوت ضحكة سلمى الحقيقية تتردد في أرجاء المكان، ضحكة لم يعتادوا سماعها منذ

  • عريس الوصية   الفصل السادس: بداية غريبة

    أُقيم حفل عقد القران في نطاق ضيق للغاية، اقتصر على الحاجة فاطمة ويوسف من جانب كريم، والخالة نبيلة والأستاذ منير من جانب سلمى، بالإضافة إلى مأذون شرعي وشاهدين رسميين. لم يكن هناك احتفال صاخب، ولا موسيقى، ولا حتى فرحة ظاهرة على الوجوه، بل كان المشهد أقرب إلى توقيع معاهدة سياسية منه إلى حفل زفاف حقيقي. ارتدت سلمى فستانًا بسيطًا رماديًا فاتحًا يليق بفترة حدادها التي لم تنتهِ بعد، بينما ارتدى كريم بدلة داكنة استأجرها لهذه المناسبة، وشعر طوال الوقت أنه يمثل دورًا في مسرحية لا يعرف نهايتها.بعد انتهاء المراسم الرسمية، انتقلت سلمى إلى الجناح المخصص لكريم ويارا داخل القصر، في حين احتفظت هي بجناحها الخاص في الطابق الآخر، وفقًا لما نص عليه العقد. كان هذا الترتيب غريبًا بالنسبة لطاقم الخدم في القصر، الذين اعتادوا رؤية عائلة الدسوقي تعيش وفق تقاليد صارمة، لكنهم التزموا الصمت المهني المعتاد، مكتفين بتبادل النظرات المتسائلة فيما بينهم دون أن يجرؤ أحدهم على التعليق علنًا.كانت الأيام الأولى مليئة بالتوتر والحرج المتبادل. كان كريم يشعر بأنه غريب تمامًا في هذا العالم الفخم، يتوه بين الممرات الطويلة للق

  • عريس الوصية   الفصل الخامس: اللقاء الأول

    وصل كريم إلى مكتب المحاماة قبل الموعد المحدد بعشر دقائق، مرتديًا أفضل ما يملك من ثياب: قميصًا أبيض أنيقًا اشتراه خصيصًا لهذه المناسبة، وبنطالًا داكنًا كان يحتفظ به للمناسبات الرسمية النادرة. جلس في غرفة الانتظار الصغيرة، يشعر بيديه تتعرقان من التوتر، ويكرر في ذهنه الكلمات التي أعدّها ليقولها، رغم علمه أن كل هذه الاستعدادات قد تتبخر في اللحظة التي يجد نفسه فيها وجهًا لوجه أمام الفتاة التي سيقرر مصيره معها.وصلت سلمى بعد دقائق قليلة، ترتدي بذلة رسمية أنيقة باللون الرمادي الداكن، متماشية مع فترة حدادها، وقد بدت عليها آثار الإرهاق والقلق رغم محاولاتها إخفاءها خلف مظهر هادئ متماسك. دخلا معًا إلى مكتب الأستاذ منير، الذي رحّب بهما بحفاوة، وطلب من مساعدته أن تحضر لهما القهوة، ثم قال بابتسامة مطمئنة: "سأتركم الآن لتتحدثا بحرية، أنا في المكتب المجاور إن احتجتما إلى أي شيء." وغادر الغرفة تاركًا إياهما وحدهما لأول مرة.ساد صمت ثقيل استمر لدقيقة كاملة، لم يجرؤ أي منهما على كسره أولاً. كانت سلمى تنظر إلى يديها المتشابكتين فوق حجرها، بينما كان كريم يحدق في نقطة غير محددة على الطاولة الخشبية أمامه. أ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status