LOGINأُقيم حفل عقد القران في نطاق ضيق للغاية، اقتصر على الحاجة فاطمة ويوسف من جانب كريم، والخالة نبيلة والأستاذ منير من جانب سلمى، بالإضافة إلى مأذون شرعي وشاهدين رسميين. لم يكن هناك احتفال صاخب، ولا موسيقى، ولا حتى فرحة ظاهرة على الوجوه، بل كان المشهد أقرب إلى توقيع معاهدة سياسية منه إلى حفل زفاف حقيقي. ارتدت سلمى فستانًا بسيطًا رماديًا فاتحًا يليق بفترة حدادها التي لم تنتهِ بعد، بينما ارتدى كريم بدلة داكنة استأجرها لهذه المناسبة، وشعر طوال الوقت أنه يمثل دورًا في مسرحية لا يعرف نهايتها.
بعد انتهاء المراسم الرسمية، انتقلت سلمى إلى الجناح المخصص لكريم ويارا داخل القصر، في حين احتفظت هي بجناحها الخاص في الطابق الآخر، وفقًا لما نص عليه العقد. كان هذا الترتيب غريبًا بالنسبة لطاقم الخدم في القصر، الذين اعتادوا رؤية عائلة الدسوقي تعيش وفق تقاليد صارمة، لكنهم التزموا الصمت المهني المعتاد، مكتفين بتبادل النظرات المتسائلة فيما بينهم دون أن يجرؤ أحدهم على التعليق علنًا. كانت الأيام الأولى مليئة بالتوتر والحرج المتبادل. كان كريم يشعر بأنه غريب تمامًا في هذا العالم الفخم، يتوه بين الممرات الطويلة للقصر، ويرتبك أمام كثرة الخدم الذين يترقبون كل إشارة منه لتنفيذها فورًا، وهو الذي لم يعتد في حياته كلها أن يخدمه أحد. في المقابل، كانت سلمى تجد صعوبة في التأقلم مع وجود طفلة صغيرة تركض في أرجاء القصر الهادئ الذي لم يعتد ضجيج الأطفال منذ سنوات طويلة، وتجد نفسها أحيانًا منزعجة من الفوضى البسيطة التي تخلفها يارا وراءها، رغم محاولاتها إخفاء انزعاجها احترامًا للاتفاق. في أحد الأيام الأولى، حدث أول احتكاك حقيقي بينهما. كانت يارا تلعب بالقرب من طاولة زجاجية أنيقة في الصالة الرئيسية، تحمل مزهرية كريستالية باهظة الثمن ورثتها العائلة عن جيل سابق، وحين اقتربت الطفلة من الطاولة بفضول طفولي، انزلقت المزهرية من مكانها وتحطمت على الأرض بصوت عالٍ. هرعت إحدى الخادمات مذعورة، وسمعت سلمى الضجيج فأسرعت إلى المكان، وحين رأت شظايا المزهرية المتناثرة، لم تستطع كتم انفعالها، وقالت بحدة غير مقصودة: "يا إلهي، هذه المزهرية كانت من أغلى مقتنيات جدتي! يجب أن تكون هناك رقابة أكثر على الطفلة!" شعر كريم بالإهانة الشديدة لهذه الملاحظة، فتقدم بسرعة، وحمل يارا التي بدأت تبكي من الخوف، وقال بصوتٍ حازم لم يعتده منذ زمن: "هي طفلة يا سلمى، بتلعب زي أي طفل في سنها. المزهرية ممكن نعوضها، بس لو حسّيتي إن وجودنا هنا عبء عليكِ وعلى مقتنياتك الغالية، ممكن نرتب حياتنا بشكل تاني يخلينا مانلمسش حاجة من ممتلكاتك الثمينة." كانت نبرته حادة بشكل غير معتاد، إذ لامس التعليق جرحًا عميقًا فيه، جرح الشعور بالدونية الذي حاول جاهدًا ألا يسمح له بالتسلل إلى نفسه منذ انتقاله إلى هذا العالم الغريب. أدركت سلمى فورًا حجم خطئها، فقد كانت كلماتها قد خرجت بردة فعل عصبية دون تفكير، وشعرت بالخجل الشديد وهي ترى يارا تبكي بخوف بين ذراعي والدها. حاولت أن تصحح الموقف، فاقتربت بحذر وقالت بصوتٍ أكثر لينًا: "أنا آسفة، لم أقصد إخافتها، أنا فقط... لست معتادة على وجود أطفال في المنزل، ورد فعلي كان قاسيًا أكثر مما ينبغي." لكن كريم كان لا يزال متجهمًا، وقال: "مش عايز اعتذار يا سلمى، عايزك تفهمي إن يارا مش هتتغير طباعها عشان مزهرية غالية. لو الاتفاق ده هيخلينا نعيش في توتر دايم، يبقى الأفضل نبطّله من دلوقتي." كانت هذه اللحظة بمثابة اختبار حقيقي للطرفين، وأدركت سلمى أن غضب كريم لم يكن مجرد رد فعل عابر، بل كان انعكاسًا لكبريائه المجروح منذ اليوم الأول في هذا العالم الذي لم يختره بمحض إرادته. قضت سلمى الليلة تفكر في الموقف، وأدركت أنها كانت مدفوعة أيضًا بشعور خفي بعدم الارتياح لوجود غرباء في عالمها المغلق، عالم اعتادت أن تتحكم فيه بكل تفاصيله الصغيرة، وأن قدوم كريم ويارا قد كسر هذا النظام المألوف الذي كانت تستمد منه إحساسها بالأمان الزائف. في صباح اليوم التالي، وجد كريم أمام باب غرفته لعبة جديدة اشترتها سلمى ليارا، دبّة قماشية كبيرة ناعمة الملمس، بالإضافة إلى بطاقة صغيرة كتبت عليها بخط يدها: "أتمنى أن تسامحني يارا على ما بدر مني أمس. أنا حقًا لم أقصد إخافتك." شعر كريم بشيء من التفاجؤ إزاء هذه اللفتة، فقد كان يتوقع أن تتجاهل الموقف تمامًا كما اعتاد أن يفعل الأثرياء عادة، لا أن تبادر باعتذار متواضع كهذا. أعطى الدبة القماشية ليارا، التي احتضنتها بفرح فوري ونسيت الحادثة بأكملها في لحظات، بينما ظل كريم يفكر في هذه اللفتة الصغيرة التي كشفت له وجهًا آخر لسلمى لم يتوقعه. بدأت الأيام تمر بإيقاع أكثر هدوءًا بعد ذلك الحادث، رغم أن الحواجز بين الطرفين ظلت قائمة بقوة. كان كريم يخرج مبكرًا كل صباح للاستمرار في عمله كسائق، إذ رفض بشكل قاطع أن يتوقف عن العمل رغم إصرار الأستاذ منير على أنه لم يعد بحاجة إلى ذلك ماديًا، قائلاً بإصرار: "أنا مش عايز حد يقول إني عايش على فلوس مراتي. هفضل أشتغل لحد ما أثبت لنفسي، مش لحد تاني، إني لسه راجل بيعتمد على نفسه." كانت هذه الكرامة العنيدة هي بالضبط ما بدأت سلمى تلاحظه فيه أكثر فأكثر مع مرور الأيام، ذلك الإصرار على الحفاظ على استقلاليته رغم كل الإغراءات المحيطة به، وهو ما جعلها تنظر إليه بعين مختلفة تمامًا عن نظرتها الأولى إليه كمجرد سائق بسيط اضطرت الظروف لربط مصيرها به. لم يتقبل عمّها سامي خبر الزواج بسهولة، بل انفجر غاضبًا حين علم بتفاصيله، واتصل بسلمى في اليوم التالي للعقد صارخًا عبر الهاتف: "أنتِ جننتِ فعلاً يا سلمى! تزوجتِ سائقًا؟! كيف ستحملين اسم الدسوقي وأنتِ زوجة لرجل يقود السيارات؟! هذا عار سيلاحقنا جميعًا في كل المحافل الاجتماعية!" ردت عليه سلمى بهدوء ممزوج بحزم لم تعهده منها من قبل: "عمي سامي، أنا لم أفعل هذا لإرضاء أحد، ولا لإغضاب أحد. فعلته لأحمي إرث أبي، وهذا بالضبط ما كان يريده هو، لا أنت." أنهت المكالمة قبل أن يرد، شاعرة بقوة داخلية جديدة بدأت تتشكل فيها منذ توقيعها على ذلك العقد الغريب. في اليوم نفسه، حاول سامي أسلوبًا مختلفًا، فزار القصر شخصيًا، وطلب لقاء كريم على انفراد. جلسا في المكتب الخاص، ونظر سامي إلى كريم بنظرة استعلاء واضحة، وقال بلهجة يحاول أن تبدو ودية لكنها كانت مشحونة بالتهديد المبطن: "اسمع يا كريم، أنا رجل عملي، ولا أحب إضاعة الوقت. أعرف أن هذا الزواج مجرد صفقة، وأنا مستعد أن أدفع لك ضعف ما وعدوك به، على أن تنسحب بهدوء وتترك الأمور تأخذ مجراها الطبيعي." نظر كريم إليه بصمت لحظات، ثم قال بصوتٍ هادئ لكنه حازم تمامًا: "أستاذ سامي، أنا وقعت عقد قدام القانون، ومعنديش أي نية إني أكسره عشان فلوس حد، مهما كان المبلغ. لو عندك مشكلة، اتكلم مع المحامي بتاعي، أنا مش هسمعلك تاني في الموضوع ده." نهض كريم من مكانه منهيًا اللقاء بحزم لم يتوقعه سامي من رجل بسيط كهذا، وغادر الغرفة تاركًا العم غاضبًا يحاول استيعاب أن خطته السريعة للتخلص من هذا "العائق" قد باءت بالفشل. أخبر كريم سلمى لاحقًا بتفاصيل هذا اللقاء، فشعرت بمزيج من الغضب من تصرفات عمّها والامتنان لصلابة كريم في مواجهته. قالت له بصدق: "شكرًا لك، لم أكن أتوقع أن تقف بهذا الثبات ضد إغراء كهذا." أجابها كريم ببساطة رجل يفتخر بمبادئه: "أنا مش بائع كلمتي يا سلمى، عمري ما هبيع كلمتي مهما كان الثمن. لو كنت كده، ماكانش المحامي وقّع اسمي على الورقة دي من الأساس." بدأت هذه الحوادث المتتالية، رغم توترها، تنسج خيطًا رفيعًا من الثقة المتبادلة بين الطرفين، ثقة لم تكن قد تحولت بعد إلى مشاعر أعمق، لكنها بدأت تؤسس لأرضية مختلفة تمامًا عن تلك التي بدأ عليها هذا الزواج الغريب، أرضية من الاحترام المتنامي وسط عاصفة من التحديات الخارجية التي كانت لا تزال في بداياتها فقط. في تلك الليلة، وبينما كانت سلمى تتناول عشاءها وحيدة على طاولتها الفسيحة كعادتها، وجدت نفسها للمرة الأولى تشعر بوحشة هذا الاتساع الفارغ من حولها، فقررت، بدافع لم تفهمه تمامًا، أن تطرق باب جناح كريم، وتسأله إن كان هو ويارا قد تناولا العشاء بعد. فوجئ كريم بزيارتها غير المتوقعة، لكنه دعاها بتردد للجلوس معهما على مائدتهما البسيطة، حيث كانت يارا تتناول طبقًا من المكرونة بالجبن بشهية طفولية واضحة. جلست سلمى بحرج بادٍ للوهلة الأولى، لكنها سرعان ما وجدت نفسها تضحك من ملاحظات يارا البريئة وأسئلتها الطفولية التي لا تنتهي، وشعرت في تلك اللحظة البسيطة بدفءٍ لم تشعر به منذ سنوات طويلة داخل جدران هذا القصر الفخم، دفءٍ لم يكن يملكه كل ثراء العالم، لكنه كان موجودًا بوفرة على تلك المائدة الصغيرة المتواضعة.بعد أسبوع من حادثة المطاردة، وبينما كانت سلمى وكريم يستعدان لتسليم الأدلة التي جمعاها إلى القاضي المستقل الذي رشّحه الأستاذ منير، تصاعدت الأحداث بشكل مفاجئ ومروع. في مساء أحد الأيام، وبينما كانت يارا تلعب في حديقة القصر تحت إشراف إحدى الخادمات الموثوقات، حاول رجل غريب التسلل عبر السور الخلفي للقصر، لكن الحاج عبد المنعم، الذي كان يراقب المكان بيقظة إضافية منذ تحالفه السري مع كريم، لاحظ الأمر وأطلق صافرة الإنذار على الفور، مما أدى إلى فرار الدخيل قبل أن يتمكن أحد من القبض عليه، لكنه ترك خلفه أداة معدنية حادة سقطت منه أثناء هروبه، أداة كانت واضحة الغرض من استخدامها.أصيبت سلمى بحالة من الهلع الشديد حين علمت بما حدث، وركضت لتحتضن يارا التي لم تكن قد أدركت خطورة الموقف بعد، بينما وصل كريم مسرعًا من عمله فور تلقيه الاتصال، ووجد المكان يعج برجال الأمن الذين استقدمهم مسبقًا. احتضن كريم ابنته بقوة، يتفقد جسدها الصغير للتأكد من سلامتها، ثم نظر إلى سلمى بعينين مليئتين بالغضب والخوف معًا، وقال بصوتٍ يرتجف من شدة الانفعال: "كفاية كده يا سلمى، الموضوع ده وصل لحد خطير جدًا، ابنتي كانت ممكن تتأذى الن
لم يكن سامي الدسوقي رجلاً يقبل الهزيمة بسهولة. بعد فشل محاولته الأولى لإقناع كريم بالانسحاب مقابل المال، وبعد أن شعر أن سلمى بدأت تبتعد عن سيطرته وتتصرف باستقلالية متزايدة في إدارة شؤون الشركة، بدأ يغيّر استراتيجيته تدريجيًا، متحولاً من أسلوب الإغراء إلى أسلوب أكثر خطورة وتهديدًا. استدعى شريكه في الجريمة، ذلك المسؤول الحكومي الذي رآه كريم في تلك الليلة الغامضة، واجتمعا في المبنى السري ذاته، يناقشان كيفية التعامل مع خطر اكتشاف مخططهما قبل فوات الأوان.في تلك الأثناء، بدأت سلمى تلاحظ تغيرًا ملحوظًا في سلوك بعض موظفي الشركة تجاهها، خاصة أولئك الذين عيّنهم عمّها في مناصب حساسة داخل المجلس الإداري. لاحظت أن بعض الملفات التي كانت تطلبها بدأت تختفي بشكل غامض، وأن بعض الاجتماعات كانت تُعقد دون علمها رغم أنها المسؤولة الرسمية الآن عن الشركة وفق شروط الوصية المؤقتة. استشعرت أن هناك من يحاول عزلها تدريجيًا عن مصادر المعلومة الحقيقية، وأخبرت كريم والأستاذ منير بمخاوفها هذه في اجتماع طارئ عقد في مكتب المحامي.قال الأستاذ منير بقلق واضح: "سلمى، أعتقد أن الوقت قد حان لأخذ خطوة جدية. يجب أن نقدم ما ل
بعد شهرين من الزواج، بدأت سلمى تتولى تدريجيًا مسؤولياتها في إدارة شركة الدسوقي القابضة، بمساعدة الأستاذ منير والمجلس الإداري المؤقت. كانت تدخل عالم الأعمال بحذر شديد، تحاول أن تفهم تفاصيل معقدة ظلت بعيدة عنها طوال سنوات دراستها ونشأتها، فرغم شهادتها الجامعية في الاقتصاد، إلا أن التطبيق العملي داخل شركة بحجم إمبراطورية والدها كان تحديًا مختلفًا تمامًا. في أحد الاجتماعات الأولى التي حضرتها، لاحظت تناقضًا غريبًا في بعض الأرقام المالية المتعلقة بأحد المشاريع الكبرى التي كان والدها يديرها شخصيًا قبل وفاته، مشروع إنشائي ضخم كان من المفترض أن يُموَّل جزئيًا من صندوق حكومي بالشراكة مع جهة خاصة يديرها عادل، خطيبها السابق.استرعى انتباهها تحديدًا أن هناك فجوة مالية كبيرة بين المبالغ المُعلنة والمبالغ الفعلية المسجلة في دفاتر الحسابات، فجوة تصل إلى ملايين الجنيهات لم تجد لها تفسيرًا واضحًا. حين استفسرت من المدير المالي للشركة، حاول الأخير التهرب من الإجابة بحجج غير مقنعة، مما زاد شكوكها بدلاً من أن يبددها. قررت سلمى أن تحتفظ بهذه الملاحظات لنفسها مؤقتًا، وأن تجري تحقيقًا خاصًا بعيدًا عن أعين الم
منذ تلك الليلة التي جلست فيها سلمى على مائدة كريم البسيطة، بدأت زياراتها المسائية لجناحه تتكرر تدريجيًا، وإن كانت في البداية بحجج واهية: تارة تسأل عن يارا وتقدمها الدراسي، وتارة أخرى تحمل معها كتابًا اشترته للطفلة، حتى أصبحت هذه الزيارات جزءًا غير معلن من الروتين اليومي داخل القصر. كانت يارا، بفطرتها الطفولية الصافية، هي أول من كسر الجدار الفاصل بين سلمى وكريم، فقد أحبت الطفلة هذه المرأة الجميلة التي بدأت تقضي وقتًا معها، تقرأ لها القصص قبل النوم، وتساعدها في رسوماتها الملونة، وتضحك من نكاتها البريئة بصدق لم تعتد سلمى إظهاره أمام أحد من قبل.في أحد الأيام، وبينما كانت سلمى تجلس في حديقة القصر تراقب يارا وهي تركض بين الأشجار، اقتربت منها الطفلة فجأة، ومسكت بيدها بثقة عفوية، وقالت لها: "تعالي العبي معايا يا سلمى، بابا بيقول إن اللعب مع حد بتحبه أحلى من اللعب لوحدك." شعرت سلمى بدفء غريب يسري في قلبها من هذه الكلمات البسيطة، ونهضت لتلعب مع يارا لعبة الغميضة بين أشجار الحديقة، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، سمع خدم القصر صوت ضحكة سلمى الحقيقية تتردد في أرجاء المكان، ضحكة لم يعتادوا سماعها منذ
أُقيم حفل عقد القران في نطاق ضيق للغاية، اقتصر على الحاجة فاطمة ويوسف من جانب كريم، والخالة نبيلة والأستاذ منير من جانب سلمى، بالإضافة إلى مأذون شرعي وشاهدين رسميين. لم يكن هناك احتفال صاخب، ولا موسيقى، ولا حتى فرحة ظاهرة على الوجوه، بل كان المشهد أقرب إلى توقيع معاهدة سياسية منه إلى حفل زفاف حقيقي. ارتدت سلمى فستانًا بسيطًا رماديًا فاتحًا يليق بفترة حدادها التي لم تنتهِ بعد، بينما ارتدى كريم بدلة داكنة استأجرها لهذه المناسبة، وشعر طوال الوقت أنه يمثل دورًا في مسرحية لا يعرف نهايتها.بعد انتهاء المراسم الرسمية، انتقلت سلمى إلى الجناح المخصص لكريم ويارا داخل القصر، في حين احتفظت هي بجناحها الخاص في الطابق الآخر، وفقًا لما نص عليه العقد. كان هذا الترتيب غريبًا بالنسبة لطاقم الخدم في القصر، الذين اعتادوا رؤية عائلة الدسوقي تعيش وفق تقاليد صارمة، لكنهم التزموا الصمت المهني المعتاد، مكتفين بتبادل النظرات المتسائلة فيما بينهم دون أن يجرؤ أحدهم على التعليق علنًا.كانت الأيام الأولى مليئة بالتوتر والحرج المتبادل. كان كريم يشعر بأنه غريب تمامًا في هذا العالم الفخم، يتوه بين الممرات الطويلة للق
وصل كريم إلى مكتب المحاماة قبل الموعد المحدد بعشر دقائق، مرتديًا أفضل ما يملك من ثياب: قميصًا أبيض أنيقًا اشتراه خصيصًا لهذه المناسبة، وبنطالًا داكنًا كان يحتفظ به للمناسبات الرسمية النادرة. جلس في غرفة الانتظار الصغيرة، يشعر بيديه تتعرقان من التوتر، ويكرر في ذهنه الكلمات التي أعدّها ليقولها، رغم علمه أن كل هذه الاستعدادات قد تتبخر في اللحظة التي يجد نفسه فيها وجهًا لوجه أمام الفتاة التي سيقرر مصيره معها.وصلت سلمى بعد دقائق قليلة، ترتدي بذلة رسمية أنيقة باللون الرمادي الداكن، متماشية مع فترة حدادها، وقد بدت عليها آثار الإرهاق والقلق رغم محاولاتها إخفاءها خلف مظهر هادئ متماسك. دخلا معًا إلى مكتب الأستاذ منير، الذي رحّب بهما بحفاوة، وطلب من مساعدته أن تحضر لهما القهوة، ثم قال بابتسامة مطمئنة: "سأتركم الآن لتتحدثا بحرية، أنا في المكتب المجاور إن احتجتما إلى أي شيء." وغادر الغرفة تاركًا إياهما وحدهما لأول مرة.ساد صمت ثقيل استمر لدقيقة كاملة، لم يجرؤ أي منهما على كسره أولاً. كانت سلمى تنظر إلى يديها المتشابكتين فوق حجرها، بينما كان كريم يحدق في نقطة غير محددة على الطاولة الخشبية أمامه. أ







