All Chapters of جسد الريفي: Chapter 61 - Chapter 70

120 Chapters

61

**جسد الريفي** **الفصل الحادي والستون**الهدوء الذي ساد الشهور الماضية لم يكن سوى استراحة قصيرة. في صباح يوم عادي، بينما كان سليم في طريقه إلى الشركة، وصلته مكالمة من محامي العائلة. الصوت كان جادًا ومباشرًا:– في دعوى جديدة اتسجلت ضدك وضد الدكتورة هالة. الزوج السابق رفع دعوى إنكار نسب، وطلب فحص بصمة وراثية للطفل. بيقول إن في شبهات حول ظروف الحمل، وعايز المحكمة تثبت أو تنفي.سليم أوقف السيارة على جانب الطريق. الكلمات دارت في رأسه ثواني طويلة قبل أن يرد. – إزاي يقدر يرفع دعوى بعد كل المدة دي؟ – القانون بيديله نافذة معينة، وهو بيستغلها. الدعوى اتسجلت امبارح، وهتوصل لكم رسمي خلال أيام. لازم نتحرك بسرعة.أغلق الخط وجلس صامتًا. في رأسه صورة آدم وهو يضحك على السجادة، وصورة هالة وهي ترضعه، وصورة الرجل الذي حاول شراء صمته بالمال من قبل. الغضب هذه المرة كان باردًا وعميقًا.حين عاد إلى الفيلا في الظهر، وجد هالة في الحديقة مع آدم. ابتسامتها اختفت فور ما رأت وجهه. جلس أمامها وأخبرها بكل التفاصيل بهدوء قدر الإمكان. هي حملت ابنها أقرب إلى صدرها كأنما تحميه من الكلام نفسه. – تاني؟ بعد كل اللي
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more

62

**جسد الريفي** **الفصل الثاني والستون**الصمت الذي ملأ الفيلا بعد صدور قرار المحكمة كان مختلفًا عن أي صمت سابق. لم يكن صمت الخوف ولا صمت الانتظار، بل صمت الرجل والمرأة حين يدركان أن العاصفة الأخيرة قد انكسرت أخيرًا على صخرة الحقيقة. سليم أغلق هاتفه بعد مكالمة المحامي، ووضع الجهاز على الطاولة، ونظر إلى هالة التي كانت تحمل آدم على كتفها. الطفل كان غافيًا، ويده الصغيرة ممسكة بطرف وشاح أمه.هالة لم تتكلم في البداية. مشت نحو الأريكة وجلست ببطء، ثم رفعت عينيها إليه. الدموع كانت موجودة لكنها لم تسقط. – خلصت؟ سألته بصوت منخفض كأنما تخشى أن يكون الجواب حلمًا. – خلصت. التقرير أثبت كل حاجة، والقاضي حفظ الدعوى، وأنذره. أي خطوة تانية هتتقابل ببلاغ مباشر. هو جلس بجانبها ومد يده يلمس رأس ابنه. – ابني… رسمي وقدام المحكمة وقدام الدنيا.في الساعات التالية امتلأ البيت بوجوه العائلة. والد هالة وصل أولًا، صافح سليم مصافحة طويلة وقوية، ثم أخذ الحفيد من ابنته ورفعه في الهواء كأنه يعلن انتصارًا شخصيًا. الأم جاءت بعدها مباشرة، احتضنت هالة طويلاً وبكت هذه المرة من الراحة لا من القلق. اتصلوا بأم سلي
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more

63

**جسد الريفي** **الفصل الثالث والستون**الهدوء الذي استقر في الفيلا بعد انتهاء قضية النسب لم يدم طويلًا كما تمنيا. في صباح يوم عادي، بينما كان سليم في مكتبه بالشركة يراجع تقارير الشهر، وصلته رسالة من رقم قديم لم يكن محفوظًا على هاتفه، لكنه يعرفه من الذاكرة فورًا:«سليم… أنا رنا. عارفة إنك اتجوزت وبقي لك ولد. محتاجة أكلمك. مش هفضل ساكتة إلى الأبد.»قرأ الرسالة مرتين. اليد التي تمسك الهاتف تجمّدت لحظة. صورة رنا جاءت إليه دفعة واحدة: وجهها في شقة العمة، ضحكاتها الخافتة، الليالي التي كانت تأتي فيها إلى غرفته الضيقة بعد أن طُرد، والوداع الأخير حين أخبرها أنه سيتزوج ويقطع كل العلاقات. كان قد أغلق ذلك الباب عمدًا، وظن أنه لن يُفتح من جديد.لم يرد في الحال. أغلق الشاشة وأكمل يومه بصعوبة. في المساء، بعد أن نام آدم وهدأت هالة في الصالة تقرأ، دخل غرفة المكتب الصغيرة داخل الفيلا وأعاد فتح الرسالة. كتب ردًا قصيرًا:«إيه اللي تعوزيه؟»الجواب جاء سريعًا:«أشوفك. في حاجة لازم تعرفها قبل ما توصل لزوجتك من حد تاني.»شعر ببرودة تسري في ظهره. هل كانت تهدد؟ أم تحذر؟ لم يكن يعرف. ردّ بمكان وزمان في اليوم
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more

64

**جسد الريفي** **الفصل الرابع والستون**الصمت الذي أعقب اعتراف سليم لم يكن صمت غضب ولا صمت انكسار، بل صمت المرأة التي تزن الكلام في قلبها قبل أن ترد. هالة بقيت مستندة إلى صدره دقائق طويلة، تسمع دقات قلبه السريعة رغم محاولته الظهور بمظهر الهادئ. آدم كان نائمًا في الغرفة المجاورة، وصوته الخفيف في التنفس يصل إليهما كأنه يذكرهما بما يجب أن يحميانه.أخيرًا رفعت رأسها ونظرت إليه في الضوء الخافت. – أنا مش هسأل عن التفاصيل القديمة. مش عايزة صور في دماغي. صوتها كان ثابتًا. – بس عايزة أعرف حاجة واحدة بس: هل في حد من اللي فاتوا لسه قادر يوصل لك؟ هل في باب مفتوح أنا مش شايفاه؟ – مفيش باب مفتوح. رنا كلمتني عشان تحذر، وأنا قفلت أي تواصل بعدها. والرسالة المجهولة ما ردّيتش عليها. – طيب. لو رجعت رسالة أو مكالمة أو حتى صدفة في شارع… تقولي قبل ما تصير مشكلة. – هقولك.هي أومأت برأسها ثم عادت تسند رأسها إلى كتفه. لم يطلب منها مزيدًا من الكلام، ولم يحاول أن يبرر أكثر مما قال. ناما تلك الليلة بجانب بعضهما، لكن المسافة بينهما كانت مختلفة قليلًا عن الليالي السابقة. اليد التي كانت تبحث عن يده لم
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more

65

**جسد الريفي** **الفصل الخامس والستون**الأيام التي تلت الرسالة الأخيرة من رنا مرّت ببطء داخل الفيلا. سليم كان يتحقق من هاتفه أكثر من المعتاد في البداية، ثم بدأ يقلل من ذلك عمدًا. هالة كانت تراقبه بهدوء دون أن تسأله كل ساعة، لكنها كانت تلاحظ إن كان جهازه يهتز أو إن كان يخرج إلى غرفة المكتب ليرد على رسالة. الثقة بينهما لم تنكسر، لكنها صارت تحتاج إلى إعادة تأكيد يومية صغيرة.في الصباح كانا يستيقظان مع بكاء آدم أو حركته في السرير. سليم يحمله، هالة ترضعه أو تُعدّ له الطعام، ثم يجلسان الثلاثة في الحديقة إذا كان الطقس لطيفًا. الحديث بينهما عاد تدريجيًا إلى طبيعته: عن وزن آدم الذي زاد، عن سنته الأولى التي تقترب، عن العمل، عن إمكانية السفر إلى الريف قبل ارتفاع الحرارة. الماضي لم يُذكر بالاسم، لكنه كان يجلس أحيانًا في الزاوية كظل لا يتكلم.بعد أسبوع من الصمت التام، وصلت رسالة من رقم جديد. هذه المرة كانت من سارة:«سليم، عارفة إنك مش عايز تسمع من حد فينا. بس في كلام بيتقال، وأنا مش طرف فيه. لو زوجتك سمعت حاجة عني أو عن منى، اعرف إننا ما دخلناش في أي حكايات جديدة. القديم قديم.»قرأ سليم الرسالة
last updateLast Updated : 2026-08-23
Read more

66

**جسد الريفي** **الفصل السادس والستون**الصمت الذي استقر بعد آخر رسالة من الماضي لم يكن صمتًا هشًا هذه المرة. كان صمتًا ثقيلًا ومريحًا، يشبه الصمت الذي يأتي بعد انتهاء عاصفة حقيقية لا مجرد هدوء مؤقت. سليم توقف عن تفقد هاتفه كل ساعة. هالة توقفت عن مراقبة تعبيرات وجهه كلما اهتز الجهاز. البيت عاد يتنفس من جديد.آدم أتم عامه الأول بعد أيام قليلة من ذلك الهدوء. الاحتفال كان بسيطًا داخل الفيلا: كعكة صغيرة، وأهل هالة، وأم سليم التي جاءت من الريف خصيصًا وأقامت ثلاثة أيام. الطفل كان يمشي خطوات أسرع، ويسقط ويضحك، ويمسك قطعة الكعكة بيديه الصغيرتين ويلطخ وجهه. سليم صوّر كل لحظة، وهالة كانت تضحك حتى تدمع عيناها من الفرحة لا من القلق هذه المرة.بعد انتهاء الاحتفال ورحيل الضيوف، جلس الزوجان في الصالة وآدم نائم بينهما بعد يوم طويل. هالة قالت وهي تمسح بقايا الكريمة عن خد ابنها: – حسّيت النهاردة إننا أسرة عادية… من غير ظلال. – لأن الظلال بعدت. وإن شاء الله ما ترجعش. هو قبّل رأسها ثم رأس آدم. – السنة اللي جاية هتكون أحسن. أنا حاسر إن اللي فات كان اختبار أخير.في الأسابيع التالية عاد الروتين ال
last updateLast Updated : 2026-08-23
Read more

67

**جسد الريفي** **الفصل السابع والستون**الشهور كانت تمر داخل الفيلا بهدوء يشبه صفحة جديدة تُكتب بعد كتاب طويل من العواصف. آدم أتم عامه ونصف العام، وصار يركض في البيت بسرعة غير متوقعة، ويتكلم كلمات مفهومة أكثر، وينادي «بابا» و«ماما» بصوت عالٍ كلما رآهما. الضحكات صارت تملأ الصالة والحديقة، والسهر الليلي قلّ كثيرًا مقارنة بالأشهر الأولى.سليم كان قد استقر تمامًا في منصبه بالشركة. المسؤوليات زادت، لكنه كان يعرف كيف يوازن بين العمل والبيت. يعود معظم الأيام قبل الغروب، فيجد آدم ينتظره عند الباب أو يركض نحوه بخطوات غير ثابتة. يحمله ويرفعه في الهواء فيصرخ الطفل من الفرحة، ثم يذهبان معًا إلى هالة في المطبخ أو الحديقة.هالة عادت إلى العمل الجامعي جزئيًا بعد اتفاق مع إدارة الكلية. كانت تذهب يومين أو ثلاثة في الأسبوع فقط، وتترك آدم مع أمها أو مع جليسة موثوقة في الساعات القصيرة. في المساء كانت تعود منهكة قليلًا لكنها سعيدة، تروي لسليم عن المحاضرات والزملاء، وهو يروي لها عن يومه في الشركة.الماضي لم يعد يطرق الباب. لا رسائل من رنا أو سارة أو أي رقم قديم. المحامي أكد أن الملف أغلق تمامًا، وأن أي م
last updateLast Updated : 2026-08-26
Read more

68

**جسد الريفي** **الفصل الثامن والستون**الوقت كان يمضي داخل الفيلا بهدوء عميق يشبه تنفس الأرض بعد موسم طويل من المطر. آدم أتم عامين، وصار يركض في كل أنحاء البيت بثقة، ويتكلم جملًا قصيرة واضحة، ويسأل عن كل شيء يراه: «إيه ده؟»، «فين بابا؟»، «نروح الحديقة؟». صوته العالي أصبح جزءًا من صوت البيت نفسه، وضحكاته تملأ الصالة والممرات والحديقة كلما دخل سليم من الباب.سليم كان قد اعتاد هذا الإيقاع تمامًا. يعود من الشركة في ساعة مبكرة معظم الأيام، فيجد ابنه ينتظره عند المدخل أو يطلع من خلف الأريكة يضحك. يحمله ويرفعه عاليًا فيصرخ آدم من الفرحة، ثم يدوران معًا في البيت قبل أن يذهبا إلى هالة. هي تكون عادة في المطبخ أو في غرفة آدم ترتب شيئًا، فتبتسم حين تراهما وتمسح يديها لتحتضنهما معًا.العمل في الشركة استقر وصار روتينيًا بشكل مريح. المسؤوليات موجودة، والاجتماعات أحيانًا تطول، لكن سليم لم يعد يشعر بذلك الضغط القديم الذي كان يرافقه في السنوات الأولى. صار يعرف حدوده، ويعرف متى يقول «لا» لبعض المهام الإضافية، ويعرف أن البيت ينتظره أكثر مما تنتظره أي ترقية جديدة. في أحد الاجتماعات أشاد به المدير أمام
last updateLast Updated : 2026-08-28
Read more

69

**جسد الريفي** **الفصل التاسع والستون**الهدوء الذي ملأ الفيلا بعد العودة من الريف لم يكن هدوءًا فارغًا، بل هدوءًا ممتلئًا بالتفاصيل الصغيرة التي صارت تعني كل شيء. آدم أتم عامين وشهرين، وصار يتكلم بوضوح أكبر، ويسأل أسئلة لا تنتهي، ويتمسك بيد أبيه كلما خرجا إلى الحديقة. في الصباح كان سليم يصحو قبل الجميع أحيانًا، فيعدّ القهوة ويجلس في الحديقة يسمع صوت الطيور قبل أن يبدأ يومه. بعد قليل كانت هالة تنزل حاملة آدم الذي ما زال نصف نائم، فيجلسان معًا يتناولون الإفطار على الطاولة الخشبية تحت المظلة.الحديث الصباحي صار طقسًا ثابتًا لا يُمس. يتكلمون عن نوم آدم في الليلة السابقة، عن الموعد القادم مع طبيب الأطفال، عن اجتماع مهم في الشركة، عن محاضرة هالة التي ستلقيها بعد غد. بعد الإفطار يحمل سليم ابنه قليلاً ثم يسلمه لأمه ويقبّلهما قبل أن يخرج. في السيارة كان أحيانًا يبتسم وحده وهو يتذكر كيف كان يخرج من الغرفة الضيقة منذ سنوات وهو لا يعرف أين سينام في الليلة التالية.العمل في الشركة كان قد أخذ شكلًا مستقرًا. سليم صار مرجعًا لزملائه الأصغر سنًا في بعض الملفات، والمدير يثق به في المهام التي تحتاج إ
last updateLast Updated : 2026-08-28
Read more

70

**جسد الريفي** **الفصل السبعون**الوقت كان يمر داخل الفيلا بهدوء يشبه ماءً راكدًا صافيًا لا تعكره الرياح. آدم أتم عامين ونصف العام، وصار يتكلم بجمل كاملة قصيرة، ويركض في الحديقة دون أن يسقط كثيرًا، ويصر على أن «يساعد» أباه حين يعود من العمل بحمل حقيبته الصغيرة أو محاولة خلع حذائه. صوته أصبح جزءًا أساسيًا من صوت البيت، وضحكاته تسبق وجوده في أي غرفة يدخلها.سليم كان قد وصل إلى مرحلة من الاستقرار المهني لم يكن يتخيلها قبل سنوات. صار يدير فريقًا صغيرًا بكفاءة، ويحضر اجتماعات الإدارة أحيانًا، ويعود إلى البيت في ساعة تسمح له أن يلعب مع ابنه قبل العشاء. في أحد الأيام استدعاه المدير إلى مكتبه وقال له: – في فرصة لترقية رسمية مع زيادة جيدة. المسؤوليات هتزيد شوية، بس أنا شايفك قدها. فكر وقولي رأيك خلال أسبوع. سليم شكر وطلب مهلة. في المساء روى لهالة التفاصيل كاملة. هي استمعت ثم قالت بهدوء: – لو حسّيت إنك قادر توازن من غير ما البيت يتأثر… خُدها. إحنا مش محتاجين الفلوس زيادة عشان نعيش، بس لو الفرصة هتفيدك على المدى الطويل يبقى كويس. هو فكر يومين ثم وافق. الترقية جاءت مع بداية الشهر التالي
last updateLast Updated : 2026-08-28
Read more
PREV
1
...
56789
...
12
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status