All Chapters of حين أحببتها... نسيت من أكون: Chapter 181 - Chapter 190

265 Chapters

181

181 كان الصباح هادئًا على نحو لم تعتده دار الحكمة. دخلت أشعة الشمس من النوافذ العالية، واستقرت فوق رفوف الكتب القديمة، كأنها تغسل المكان من ظلال السنوات الماضية. كان ريان واقفًا خلف المكتب، يقلب صفحات دفتر الحسابات. أمامه كوب قهوة بارد. وعلى الكرسي المقابل له جلس الطفل، يرسم. لم يعد ريان يسأله عن المستقبل. ولم يعد الطفل يتحدث عنه. كانا قد عقدا بينهما اتفاقًا غير معلن. أن يتركا الأيام تأتي وحدها. دخلت نور وهي تحمل صندوقًا صغيرًا. قالت: "وجدته." رفع ريان رأسه. "ماذا وجدتِ؟" وضعت الصندوق على المكتب. "هذا كان في غرفة جدي." اقترب ريان. تأمل الصندوق. كان خشبيًا صغيرًا، أسود من الأطراف، وعليه قفل صدئ. قال: "متى وجدته؟" "هذا الصباح." "وأين كان؟" "خلف الرف الأخير." تغير وجه ريان. قال: "أي رف؟" ابتسمت. "لا تقلق." ثم: "رف عادي." تنفس ريان ببطء. "الحمد لله." ضحكت. "ما زلت تخاف من الرفوف." قال: "بعد كل ما رأيته، من حقّي." --- اقترب الطفل. نظر إلى الصندوق. ثم توقف. لم يعد يرسم. قال: "لا تفتحه." نظر إليه ريان. "لماذا؟" هز الطفل رأسه. "لا أعرف." قالت ن
last updateLast Updated : 2026-08-12
Read more

182

182 استيقظ ريان قبل الجميع بقليل. لم يكن هناك سبب واضح لإيقاظه في ذلك الصباح، لكنه فتح عينيه فجأة، وكأن شيئًا ما ناداه من بعيد. ظل مستلقيًا للحظات، ينظر إلى سقف الغرفة. لم يكن هناك صوت. لا طرق على الباب. لا همسات في الممر. لا أحلام غريبة. فقط هدوء. ومع ذلك، كان قلبه ينبض بطريقة مختلفة. التفت إلى النافذة. كان المطر قد توقف. والسماء بدأت تستعيد لونها الأزرق ببطء. نهض من فراشه، ارتدى ملابسه، وخرج إلى الممر. مرّ بجوار الغرفة التي ينام فيها الطفل. توقف عند الباب. كان الطفل نائمًا بهدوء، وقد احتضن الحصان الخشبي إلى صدره. تأمله ريان طويلًا. ثم ابتسم. كان قد قرر منذ الليلة السابقة ألا يسأل عن الأحلام. ألا يسأل عن المستقبل. ألا يبحث عن تفسير لكل شيء. لكنه لم يستطع منع نفسه من التفكير في كلام فؤاد. يوسف حي. تلك الجملة وحدها كانت كافية لتفتح في داخله عشرات الأبواب القديمة. لكنه أغلقها واحدًا تلو الآخر. قال لنفسه: "لن أبحث." ثم ابتعد. وصل إلى الطابق السفلي. كانت دار الحكمة لا تزال غارقة في السكون. فتح الباب الرئيسي. دخل هواء الصباح البارد. وقف على العتبة، ونظر إلى
last updateLast Updated : 2026-08-12
Read more

183

183 لم يتحرك أحد. كان الظلام قد ابتلع الغرفة بالكامل، ولم يبقَ إلا صوت أنفاسهم المتقطعة. ثم سمع ريان صوتًا آخر. خطوة واحدة. ثم ثانية. كان الصوت يأتي من خلفهم. استدار بسرعة، لكن الظلام لم يسمح له برؤية شيء. قالت نور: "أبي؟" لم يجب الصوت. اقترب ريان منها. "نور، ابقي خلفي." قالت: "لا." "نور." "قلت لا." ثم تقدمت خطوة. "إذا كان أبي هنا، فأنا أريد أن أراه." جاءت ضحكة خافتة من الظلام. لم تكن ضحكة شريرة. بل كانت ضحكة رجل سمع شيئًا يعرفه جيدًا. قال الصوت: "ما زلتِ تشبهين أمك." تجمدت نور. قالت: "أنت." أجاب: "نعم." سألت: "أبي؟" صمت طويل. ثم: "نعم." --- أشعل آدم مصباحه مرة أخرى. ارتجف الضوء قبل أن يستقر. ظهر رجل عند نهاية الغرفة. كان أكبر سنًا مما تتوقع نور. وجهه يحمل آثار السنين، وشعره أبيض عند الجانبين. لكن عينيه... كانتا عيني الرجل الذي رأته في الصور. قالت نور: "أبي." لم يتحرك. كانت المسافة بينهما لا تتجاوز بضعة أمتار، لكنها شعرت بأنها تقف أمام عمر كامل. قالت: "أنت حي." أجاب: "منذ سنوات طويلة." "لماذا تركتني؟" أطرق رأسه. "لأنني لم أستطع العود
last updateLast Updated : 2026-08-12
Read more

184

184 لم يكن أحد يعرف كم مر من الوقت بعد انطفاء الجهاز. ثوانٍ. دقائق. ربما أكثر. كانت القاعة غارقة في الظلام، لكن أحدًا لم يتحرك. ظل ريان ممسكًا بيد الطفل، بينما كانت نور إلى جواره. أما الرجال الذين اقتحموا المكان، فقد توقفوا في الجهة الأخرى من القاعة، كأنهم هم أيضًا لم يفهموا ما حدث. ثم أضاء مصباح صغير في سقف القاعة. ظهر وجه الرجل الذي كان يتقدمهم. كان في أواخر الخمسينيات، يرتدي معطفًا أسود، ويحمل ملفًا جلديًا. نظر إلى الجهاز المعطل. ثم إلى الجدار. ثم إلى الطفل. وقال بهدوء: "لقد أفسدتم كل شيء." رد ريان: "بل أوقفناه." ابتسم الرجل. "أنت لا تعرف ماذا أوقفت." قال ريان: "أعرف شيئًا واحدًا." "ما هو؟" "أنكم تريدون أخذ طفل." صمت الرجل. ثم قال: "إنه ليس طفلًا عاديًا." أجاب ريان: "وهذا لا يعطيكم الحق في امتلاكه." --- تقدم الرجل خطوة. قال: "اسمي مراد." قالت نور: "لم أسمع بهذا الاسم من قبل." "لأن والدك كان يعرف متى يصمت." نظرت إلى سامر. "كنت تعمل معه؟" أجاب سامر: "كان واحدًا من الذين مولوا المشروع." قال مراد: "مولناه، نعم." ثم نظر إلى سامر. "لكننا لم نخنه
last updateLast Updated : 2026-08-12
Read more

185

185 مرّ الصباح على دار الحكمة مختلفًا عن كل صباح سبقَه. لم يكن هناك خوف. لم يكن أحد ينتظر طرقًا غامضًا على الباب. لم تكن هناك رسائل مجهولة فوق المكاتب. ولم يكن ريان يراقب النوافذ كل بضع دقائق ليتأكد من عدم وجود أحد في الخارج. كان المكان هادئًا. هادئًا إلى درجة جعلته يشعر بالريبة. وقف خلف المكتب، وأمامه فنجان قهوة لم يشرب منه إلا رشفة واحدة. رفع عينيه إلى الساعة. الثامنة وعشر دقائق. ثم نظر إلى الباب. الثامنة واثنتا عشرة دقيقة. قال لنفسه: "أنت أصبحت غريبًا." سمع صوت نور من خلفه: "تحدث نفسك؟" التفت. كانت تقف عند مدخل المكتبة، تحمل مجموعة من الكتب. ابتسم. "أحيانًا." وضعت الكتب على الطاولة. "عن ماذا؟" "عن الهدوء." ضحكت. "تشتاق إلى المشاكل؟" "لا." ثم نظر حوله. "لكنني لا أثق في الهدوء." اقتربت منه. "لأنك اعتدت أن يكون وراء كل هدوء سر." "بالضبط." "وهل تريد أن أذكرك أننا اتفقنا؟" "على ماذا؟" "أن نعيش." ابتسم. "أحاول." --- دخل الطفل راكضًا. كان يحمل ورقة في يده. قال: "ريان!" التفت إليه. "ماذا حدث؟" وقف الطفل أمامه، يلهث. "وجدت شيئًا." تبادل ريان ونو
last updateLast Updated : 2026-08-12
Read more

186

186 عاد ريان إلى دار الحكمة قبل أن تصل الشمس إلى منتصف السماء. لم يتحدث طوال الطريق. كانت نور تجلس إلى جواره، وسامر في المقعد الخلفي، بينما ظل الطفل صامتًا بصورة غير معتادة. كان كل واحد منهم غارقًا في أفكاره. لكن شيئًا واحدًا كان يجمعهم جميعًا. الرسالة. رسالة عبدالرحمن. الرسالة التي لم يُسمح بفتحها إلا عندما يصل ريان إلى الفصل الأخير. ولم يكن ريان يعرف هل المقصود بالفصل الأخير هو نهاية الحكاية، أم أن الرسالة نفسها تحمل معنى آخر. عندما ظهرت دار الحكمة في نهاية الطريق، شعر بقلبه يضرب بقوة. كان الباب مفتوحًا. وهذا وحده كان كافيًا ليجعله يتوقف. قالت نور: "أين الجميع؟" لم يجب. نزل من السيارة. دخل. كانت المكتبة هادئة. الكتب في أماكنها. الكراسي كما تركوها. لكن آدم لم يكن خلف المكتب. ناداه ريان: "آدم!" جاء صوته من الأرشيف: "هنا." دخل ريان بسرعة. وجد آدم واقفًا بجوار الصندوق القديم. كان آسر وليان وسارة هناك أيضًا. أما الصندوق فكان مفتوحًا. قال ريان: "أين الرسالة؟" أشار آدم إلى الطاولة. كانت هناك رسالة واحدة. مغلقة. وبجانبها ظرف صغير. اقترب ريان. قرأ الكتابة
last updateLast Updated : 2026-08-12
Read more

187

187 لم يتحرك ريان. ظل واقفًا أمام مريم، يحاول أن يستوعب أن المرأة التي عاش سنوات وهو يظن أنها ماتت تقف أمامه الآن، هادئة، وكأن ظهورها في دار الحكمة أمر طبيعي. كانت نور تحدق في أمها دون أن تنطق. أما سامر، فكان وجهه شاحبًا. قال أخيرًا: "مريم." التفتت إليه. "سامر." لم يكن في صوتها غضب. وهذا أخافه أكثر. قال: "كيف؟" ابتسمت ابتسامة صغيرة. "السؤال الحقيقي ليس كيف بقيت." ثم: "السؤال هو لماذا تركتك تظن أنني مت." تقدم سامر خطوة. "كنت أعتقد أنك مت." "كنت أحتاجك أن تعتقد ذلك." "لماذا؟" "لأنهم كانوا يراقبونك." نظر سامر إلى ريان. "ومن كانوا يراقبونك؟" أجابته مريم: "الجميع." --- اقتربت نور. كانت عيناها ممتلئتين بالدموع. قالت: "لماذا؟" نظرت إليها مريم. تغير وجهها. للحظة لم تعد المرأة الغامضة التي ظهرت أمامهم. كانت أمًا ترى ابنتها بعد سنوات طويلة. قالت: "لأنني كنت أعرف أنك ستبحثين عني." "بحثت." "أعرف." "بكيت." أغمضت مريم عينيها. "أعرف." "كرهتك." "أعرف." ثم قالت نور: "لكنني كنت أريدك." لم تجب مريم. اقتربت منها. مدت يدها. لكن نور لم تتحرك. بقيت المسافة ب
last updateLast Updated : 2026-08-12
Read more

188

188 لم يكن الظلام هذه المرة يشبه أي ظلام عرفوه من قبل. لم يكن غيابًا للضوء فقط، بل كان كأن المكان نفسه اختفى، وكأن الأرض والسماء والجدران وكل ما حولهم أصبح مجرد فراغ واسع لا نهاية له. ثم عاد الصوت. هادئًا. قريبًا. "واحد منكم يجب أن يبقى." لم يتحرك أحد. كانت الجملة معلقة فوقهم كحكم لا يمكن الاعتراض عليه. قال ريان: "ومن قال إننا سنختار؟" ضحك الصوت. "لأن الباب الرابع لا يُفتح إلا بثمن." قالت نور: "وأنت من يحدد الثمن؟" "الغرفة." قالت: "الغرفة ليست إنسانًا." "لكنها تعرف الإنسان أكثر مما يعرف نفسه." ظهر ضوء صغير أمامهم. اتسع تدريجيًا. وفي داخله ظهرت صورهم. ريان. نور. سامر. مريم. والطفل. ثم بدأت الصور تنفصل. صورة لريان وحده. صورة لنور. صورة لسامر. صورة لمريم. وصورة للطفل. قال الصوت: "اختاروا." قال ريان: "لا." اختفت صورته. ثم ظهرت صورة نور. قال: "لا." اختفت. ثم سامر. "لا." ثم مريم. "لا." ثم الطفل. توقف ريان. قال الصوت: "إذن هو." أجاب ريان: "لا." بدأت الأرض تهتز. قال سامر: "ريان، لا يمكنك رفض القانون." "أي قانون؟" "الغرفة." "الغرفة اخترع
last updateLast Updated : 2026-08-12
Read more

189

189 لم ينم أحد في تلك الليلة. ظلت الخريطة على أرض دار الحكمة، مضاءة بضوء خافت لا يعرف أحد مصدره. لم تكن خريطة لمكان. كانت خريطة لحياة. خطوط كثيرة تتفرع من نقطة واحدة، ثم تتقاطع، ثم تنفصل من جديد. وفي أعلى الخريطة ظهرت أسماء يعرفونها جميعًا. عبدالرحمن. مريم. سامر. يوسف. فاطمة. نور. ريان. وآدم. قال ريان: "لماذا اسمي موجود هنا؟" لم تجبه مريم. قال سامر: "لأنك أصبحت جزءًا من الحكاية منذ أن فتحت الباب الأول." هز ريان رأسه. "لا." ثم أشار إلى اسم نور. "اسمها ظهر قبل اسمي." قالت نور: "ربما لأنني كنت موجودة في القصة قبل أن تعرف أنت أنها قصة." ساد الصمت. ثم قال آدم: "لا تبحثوا عن البداية." نظروا إليه. "ابحثوا عن الشخص الذي كتب النهاية." --- في الصباح، كانت دار الحكمة مختلفة. لم يعد هناك شيء غامض. الرفوف ثابتة. الأبواب مغلقة. الكتب في أماكنها. حتى الخريطة اختفت. لكن الكتاب الذي يحمل اسم فاطمة ظل على الطاولة. جلس ريان أمامه. لم يفتحه. قالت نور: "خائف؟" ابتسم. "قليلًا." "من الحقيقة؟" "من أن تكون النهاية أقل مما توقعنا." جلست إلى جواره. "أحيانًا الحقيق
last updateLast Updated : 2026-08-12
Read more

190

190 لم يكن ريان يعرف أن بعض النهايات لا تأتي بصوت مرتفع. لا أبواب تُغلق بعنف. لا صرخات. لا أسرار جديدة تظهر من خلف الجدران. أحيانًا تأتي النهاية هادئة جدًا، لدرجة أنك لا تلاحظها إلا بعد أن تكون قد عبرتها بالفعل. كان الصباح قد بدأ يتسلل إلى شوارع المدينة عندما فتح ريان باب دار الحكمة. دخلت أشعة الشمس من النوافذ القديمة، وسقطت على الأرض الخشبية في خطوط ذهبية طويلة. وقف للحظة عند الباب. نظر إلى الداخل. كل شيء كما هو. المكتب. الرفوف. الكتب. الكرسي الذي كان جده يجلس عليه. الساعة القديمة المعلقة فوق الجدار. والنافذة التي كانت نور تقف عندها كلما أرادت أن تنظر إلى الشارع دون أن يراها أحد. ابتسم. لم يعد المكان يخيفه. لم يعد يشعر أن خلف كل رف سرًا. لم يعد يتوقع أن يتحرك كتاب وحده، أو أن تظهر رسالة من الماضي، أو أن يفتح باب لا يعرفه. للمرة الأولى منذ عرف دار الحكمة، شعر أنها مجرد مكتبة. وهذا الشعور كان أجمل من كل الأسرار التي اكتشفها. دخلت نور خلفه. كانت تحمل كوبين من القهوة. قالت: "أنت واقف هنا منذ خمس دقائق." التفت إليها. "كنت أودع المكان." ناولته الكوب. "وهل المك
last updateLast Updated : 2026-08-12
Read more
PREV
1
...
1718192021
...
27
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status