All Chapters of على قيد الاستثناء : Chapter 51 - Chapter 60

67 Chapters

شكوك المسافة

مر أسبوعان على حفل الخطوبة، وبدأت الترتيبات العملية تأخذ مساراً أكثر جدية. كان الدكتور طارق يتردد على الفيلا بين الحين والآخر، يترقب أوقات فراغ سلمى ليناقش معها تفاصيل تجهيز الشقة ومواعيد اللقاءات العائلية القادمة.غير أن سلمى بدأت تستشعر تحولاً غريباً في داخلكِ؛ فكلما جلس طارق بجوارها في التراس وحاول فتح أحاديث دافئة تخص مستقبلهما العاطفي، سرت في جسدها برودة مبهمة، ورغبة غير إرادية في الانسحاب وحصر الحوار في النطاق العلمي أو الترتيبات العامة. بدأت تتساءل في سريرتها بحيرة شفافة: هل كان اندفاعها نحو طارق مجرد إعجاب بأسلوبه الأكاديمي ولطفه الناعم، أم أن قلبها يرفض الفكرة برمتها لأنه متعلق بظل آخر يملأ أركان الفيلا؟في ظهيرة أحد الأيام، جاء طارق إلى الفيلا يحمل بعض التصاميم الهندسية لشقتها الجديدة. كان يجلس مع سلمى في الصالون الصغير، يفيض بالحماس وهو يشرح لها تفاصيل الأثاث والألوان.قال طارق بابتسامة واثقة وهو يشير إلى أحد المخططات: "سلمى.. اخترتُ هذا النمط الكلاسيكي لغرفة الاستقبال، أرى أنه يتماشى مع ذوقكِ الرفيع. ما رأيكِ أن ننهي هذه الإجراءات هذا الأسبوع؟".نظرت سلمى إلى الأوراق بشرود
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more

ضغط الترتيبات

دخلت تجهيزات الزفاف مرحلة أكثر جدية مع بداية الأسبوع الجديد؛ إذ أصر الدكتور طارق على أن ترافقه سلمى لمعاينة الشقة التي وقع عليها الاختيار، والبدء في وضع التصاميم النهائية للأثاث والديكور.كانت سلمى تسير بجواره في أروقة البناية الجديدة بآلية غريبة، تتأمل الجدران الخالية بملامح هادئة لا تخبو فيها أي حرارة. كلما أشار طارق إلى زاوية معينة وتحدث بحماس عن تفاصيل تأثيثها، شعرت سلمى بضيق يتسلل إلى حنجرتها؛ كان طارق يتحدث بنبرة جازمة، يرسم الخطوط العريضة لحياتهما دون أن يمنحها مساحة حقيقية لإبداء رأيها أو التعبير عن رغباتها.في ظهيرة ذلك اليوم، وقفا في منتصف الصالون المفتوح للشقة. التفت طارق إليها وقال بنبرة حاسمة: "سلمى.. اتفقتُ مع المهندس على بدء أعمال الدهانات الأسبوع القادم، وسنحدد موعد الزفاف في منتصف الشهر القادم قبل بداية الفصل الدراسي الجديد".نظرت سلمى إليه باندهاش ورفعت حاجبيها بقليل من الحدة: "منتصف الشهر القادم؟! هذا موعد مبكر جداً يا طارق.. اتصلتُ بك بالأمس وأخبرتك أنني بحاجة إلى ثلاثة أشهر على الأقل لأنتهي من كتابة المسودة الأخيرة للماجستير".تأفف طارق بخفة، ثم تقدم خطوة ونظر إلي
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more

مواقف المشهد

حلّ مساءُ اليوم التالي محاطاً بهدوء حذر يخيم على أروقة الفيلا. أعلن عم جابر عن وصول الدكتور طارق، الذي حضر دون موعد سابق، يحمل في ملامحه إصراراً واضحاً على حسم الخلاف وتحديد الموعد النهائي للزفاف مع سلمى.كان عاصم يجلس في الصالون الرئيسي يتابع بعض أوراق أعماله على طاولته العريضة. ما إن دخل طارق وألقى السلام، حتى قام عاصم من مجلسه برزانة وشموخ، يرحب به بأسلوب هادئ وخالٍ من التكلف: "أهلاً بك يا دكتور طارق.. تفضل بالجلوس".جلس طارق، وبدا عليه التوتر وهو ينظر حوله قبل أن يقول بوضوح: "أهلاً بك يا سيد عاصم.. الحقيقة أنني جئت اليوم لأتحدث مع سلمى ومعك أيضاً بخصوص الترتيبات الأخيرة. أرى أننا أطلنا فترة التردد، ولا بد من حسم موعد الزفاف هذا الشهر".في تلك اللحظة، كانت سلمى تنزل درجات السلم الداخلي بخطوات هادئة. توقفت في أطراف البهو حين سمعت نبرة طارق الحاسمة، وفضلت البقاء على مسافة قريبة لتراقب المشهد بصمت.أغلق عاصم المجلد الذي بين يديه ببطء، ووضع قلمه جانباً. نظر إلى طارق بعينين حادتين وثابتتين، ثم قال بصوت عميق ودافئ يخلو من أي انفعال: "أهلاً بك دائماً يا دكتور طارق.. لكن الأمور التي تخص مس
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more

ظلال الشك

مع حلول المساء، شهد الصالون الرئيسي بالفيلا حراكاً غير عادي؛ إذ حضر الدكتور طارق برفقة والدته السيدة ثريا في زيارة عائلية لم تكن سلمى قد أعدت لها نفسها. كانت الجلسة تضم فريدة ووالدتها، في أجوائها كلفة ظاهرية يغلفها طابع المظاهر والترتيبات الاجتماعية.جلست سلمى بين أطراف المجلس ممسكة بكوب الشاي، تسير في أروقة الحديث بآلية هادئة. كانت السيدة ثريا تتحدث بنبرة واثقة عن تفاصيل التجهيزات والمستوى الاجتماعي الذي تتوقعه لشقة ابنها، ملمحة بين الحين والآخر إلى بعض المقاييس التي تراها ضرورية لبيت أستاذ جامعي.انتهزت فريدة الفرصة، ومالت نحو أمها ثم قالت بصوت مسموع يقطر بالاستهانة الخفية: "بالتأكيد يا طنط ثريا.. من الطبيعي أن تتولى حضرتكِ إدارة التفاصيل، فسلمى مستغنية كلياً عن هذه الأمور وبحوثها شغلها الشاغل عن البيت والتجهيزات".شعرت سلمى بوخزة ضيق في صدرها أمام هذه المحاولة لتقليل قدرها وتهميش شغفها. أطرقت رأسها بقليل من الصمت، محاولة كتمان انفعالها كي لا تفسد الجلسة، بينما اكتفى طارق بابتسامة باهتة دون أن يتخذ موقفاً أو يدافع عن موقف سلمى واختياراتها.في تلك اللحظة، دخل عاصم إلى الصالون بخطواته
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more

شروخ الجامعة

كانت أروقة قسم الدراسات العليا في الكلية تضج بالحركة الخفيفة مع بداية الظهيرة. دخلت سلمى إلى مكتب الدكتور طارق وهي تحمل ملف مسودتها الأخيرة، تمنى نفسها بلقاء علمي هادئ يعيد لأطروحتها قيمتها البعيدة عن صخب الترتيبات والمظاهر العائلية.جلس طارق خلف مكتبه الخشبي، وبدا عليه التكلف والوقار الأكاديمي. أشار إليها بالجلوس دون أن تبتسم ملامحه كالعادة، ثم تناول الملف وأخذ يقلب الأوراق بنبرة يخالطها النقد والتعالي غير المبرر.قال طارق وهو يضع القلم بحدة على الصفحة: "سلمى.. هذه التعديلات في الفصل الثالث غير مكتملة. أرى أن تركيزكِ مشتت للغاية، والأفكار تبدو ضعيفة ومبتورة مقارنة بالمسودات الأولى".رفعت سلمى عينيها نحوه بذهول واندهش شديد؛ فقد بذلت أسابيع طويلة في تحرير هذه النقاط بناءً على ملاحظاته السابقة نفسها. قالت بنبرة هادئة ومستغربّة: "ولكن يا دكتور طارق، هذه النقاط هي بالضبط ما اتفقنا عليه في الجلسة الماضية، وقد قمت بصياغتها وفق المراجع التي حددتها أنت بنفسك!".تأفف طارق بخفة، وأسند ظهرة إلى المقعد بنبرة حادة تحاول إقحام الخلافات الشخصية في النطاق العلمي: "الواضح يا سلمى أنكِ غير قادرة على ال
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more

حسم الموقف

أشرقت شمس الصباح محملة بهواء حار ونقي، لكن سلمى استيقظت بذهن صافٍ وقلب حاسم لم يطرق باب التردد منذ أيام. ارتدت ملابسها الرسمية البسيطة، وخرجت باتجاه الكلية لحسم الأمر الذي أثقل كاهلها، ممسكة بالخاتم الذهبي في يدها وهي تستشعر بوضوح أن هذه الخطوة هي الخيار الوحيد للعودة إلى ذاتها.طلبت سلمى لقاء الدكتور طارق في المكتب الفرعي للمحاضرين، بعيداً عن أروقة الطلاب وصخب القسم. دخل طارق وفي عينيه انزعاج مكتوم حاول تغليفه بالرصانة الأكاديمية.جلس طارق ووضع يديه على المكتب قائلاً بنبرة جافة: "أهلاً يا سلمى.. أتمنى أن تكوني قد أعدتِ التفكير بعقلانية في ملاحظاتي وتوقفِ عن هذا الجدال الذي لا معنى له".وقفت سلمى بثبات واستقامة أمام المكتب، ولم تجلس. نظرت في عينيه بنبرة هادئة، قوية، وخالية تماماً من الانفعال: "بالفعل يا دكتور طارق.. أعدتُ التفكير في كل شيء، ووصلتُ إلى القرار الصحيح الذي كان ينبغي أن أتخذه منذ البداية".خلعت سلمى الخاتم من إصبعها ببطء ورزانة، ثم وضعته على السطح الخشبي للطاولة بينهما.سكنت حركة طارق، واتسعت عيناه بصدمة حقيقية. قال بنبرة مشدودة يمتزج فيها الذهول بالاستنكار: "ما هذا يا سل
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more

عاصفة الهدوء

لم تكد تمضي أربع وعشرون ساعة على قرار سلمى حتى انتشر الخبر في أرجاء الفيلا، لتهب عاصفة من الاستنكار واللغط قادتها فريدة وأمها. كانت الجلسة الصباحية في الصالون مفعمة بالتشنج، حيث استغلت فريدة غياب عاصم المؤقت لتسديد لومها المباشر لسلمى التي كانت تجلس بثبات في الزاوية المقابلة.قالت فريدة بنبرة حادة يكسوها العتاب والتهكم: "ما التجهيزات التي استخففتِ بها بهذه البساطة يا سلمى؟! رجل بمكانة طارق الأكاديمية والاجتماعية لا يُرفض بهذه الطريقة الطفولية لمجرد ملاحظات علمية! لقد أحرجتِ الجميع أمام أهله وقاربتِ أن تجعلي الفيلا حديث الناس".ردت سلمى بصوت هادئ ومستقر، دون أن تسمح للتسلل التردد إلى نبرتها: "موقفي كان واضحاً يا فريدة.. الخطوبة فترة للتعارف والتأكد من التوافق، وحين يغيب الأمان والتفاهم يصبح الاستمرار خطأ كبيراً في حق الطرفين".تدخلت أم فريدة بنبرة متكلفة: "لكن الأمور لا تُدار برغباتكِ الفردية يا سلمى، كان يجب أن تراجعينا قبل اتخاذ مثل هذه الخطوة".في تلك اللحظة بالذات، انفتح الباب الخارجي ودخل عاصم بخطواته الموزونة وهيبته الصارمة. ألقت وقفته الثابتة سكوناً فورياً على المكان، وارتسمت في
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more

بشائر العبور

أثمرت الأيام المتواصلة من السهر والعمل الدؤوب عن لحظة فارقة انتظرته سلمى طويلاً؛ إذ أعلنت لجنة الدراسات العليا بالكلية عن اعتماد المسودة النهائية لأطروحتها، وحصولها على تقييم أكاديمي ممتاز مع تحديد موعد المناقشة الرسمية. كانت فرحتها عارمة، أشرقت بها ملامحها الشاحبة واستعادت معها ثقتها الشديدة بجهدها العلمي بعد طول تردد وظلم.غير أن المفاجأة الأكبر كانت في كتاب رسمي أرفقه رئيس القسم مع التقرير؛ يتضمن ترشيح سلمى للمشاركة في مؤتمر علمي مقبل في دبي لمدة أسبوعين لتقديم ملخص أطروحتها وتلقي تدريب متقدم في المناهج البحثية.عادت سلمى إلى الفيلا وفي صدرها مزيج غريب من الفرحة والارتباك. كانت الفرصة ممتازة لربط اسم بحثها بالمحافل العلمية، غير أن فكرة السفر والابتعاد عن الفيلا وعن هذا الدفء الغامض الذي بدأ يتسلل إلى حياتها في الآونة الأخيرة جعلتها تقف أمام قرار ليس بالهين.في أواخر الظهيرة، كانت سلمى تجلس في التراس الخلفي المطيل على الحديقة، تضع دعوة السفر أمامها على الطاولة الرخامية وتتأمل الياسمين بشرود هادئ.سمعت خطوات عاصم تقترب برزانة. كان يرتدي قميصه الداكن المعتاد، ووجهه الحاد يفيض بهدوء وو
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more

حسرة الرحيل

مرت الأيام القليلة التالية متسارعة كحلم خاطف؛ إذ انغمرت سلمى في تحضير عروضها البحثية ومراجعة المداخلات العلمية، بينما كان عاصم ينسق تفاصيل رحلتها بدقة متناهية أثارت دهشة الجميع في الفيلا. لم يكتفِ بإسناد المهمة لسكرتاريته، بل أشرف بنفسه على اختيار الفندق القريب من مقر المؤتمر، وتأكيد حجز الدرجة الأولى، وتنسيق سيارة خاصة تستقبلها فور وصولها مطار دبي.كانت سلمى تتابع اهتمامه الاستثنائي بذهول ناعم؛ تراه يتصل هاتفياً ليتأكد من جودة الخدمات وسلامة المسار، فتسري في روحها موجة عارمة من الأمان الممزوج بارتباك خفي. لم تعد قادرة على إقناع نفسها بأن هذا الحاد الصارم يفعل كل ذلك لمجرد الواجب؛ بل لمست في حرصه رغبة عميقة في حمايتها وإحاطتها بسور من الراحة لا يخترقه عائق.في الليلة التي سبقت السفر، خيم سكون دافئ على الفيلا. كانت سلمى تجلس في الصالون الفرعي، تراجع النسخ المطبوعة من بحثها تحت ضوء مصباح الطاولة الخافق. كانت تتأمل الأوراق، لكن ذهنها كان شائكاً بتفكير ملحّ في هذه الشقة الجديدة التي ستفصلها عن هذا البيت وعن صاحب البيت لعدة أسابيع.سمعت خطوه الثابت ينساب عبر البهو. دخل عاصم مجرداً من سترة
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more

طيف العزلة

حطت الطائرة في مطار دبي، وكانت الإجراءات أنساب ما يكون؛ إذ وجدت سلمى في استقبالها مندوباً خاصاً يحمل لوحة باسمها، لينقلها بسيارة فاخرة إلى الفندق المطل على الأبراج الشاهقة. عندما دخلت جناحها المجهز، ذُهلت من دقة التفاصيل؛ باقة ورد بيضاء ناعمة تجلس على الطاولة، وبطاقة ترحيبية من إدارة الفندق تشير إلى أن كافة التسهيلات قد صُممت بناءً على توجيهات خاصة من "مكتب الأستاذ عاصم".شعرت سلمى برعشة دافئة تسري في جسدها؛ هذا الرجل يحيطها بسور فولاذي من العناية حتى وهو على بعد مئات الكيلومترات. لم تنتظر كثيراً، بل أخرجت هاتفها واتصلت بالرقم الذي حفظت أرقامه عن ظهر قلب.أتاها صوته العميق من الرنة الأولى، وكأنه كان يمسك الهاتف بيده ينتظر الإشارة: "سلمى.. هل وصلتِ بخير؟".ابتسمت سلمى بصفاء وشوق خفي: "وصلتُ للتو يا سيد عاصم.. كل شيء ترتيبه فوق الوصف، والخدمة ممتازة جداً. أردتُ فقط أن أطمئنك كما وعدتك".ساد الصمت عبر الخط لثوانٍ معدودة، استمع فيها عاصم لصوتها العذب الذي ترك في الفيلا فراغاً هائلاً منذ الصباح. قال بصوت خفيض ودافئ يخفي خلف رزانته حنواً جمّاً: "الحمد لله على سلامتكِ يا سلمى.. ارتاحي اليوم
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more
PREV
1234567
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status