All Chapters of على قيد الاستثناء : Chapter 1 - Chapter 10

15 Chapters

غُبار الذاكرة

كان السكون يلف أرجاء البيت إلا من صوت قطرات ماء تتساقط بانتظام من صنبور المطبخ القديم. تجاوزت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وسلمى ما تزال جاثية على ركبتيها تنظف أرضية الصالة الباردة، بقطعة قماش بالية طالتها برودة الليل واعتصرت ما بقي فيها من جهد.لم يكن التعب الجسدي وحده هو ما ينهكها، بل ذلك الشعور الثقيل على صدرها بأنها باتت غريبة في بيت بني بجهد أبيها وعرقه. رحل المهندس عبد الحميد الشناوي منذ ثلاثة أسابيع فقط، وتركها في أول الشباب، تائهة بين صدمة الفقد وقسوة زوجته سهام وجفاء ابنتها نورهان. لم تنتظر المرأتان حتى انقضاء أيام الحداد الأولى؛ بل بدأتا فوراً في التضييق عليها، ومسح كل أثر لوالدها في البيت، وكأنهما تسرعان في إلغاء وجودها هي الأخرى.سندت سلمى جبهتها المجهدة إلى الجدار الرطب، وأغمضت عينيها العسليتين لثوانٍ. تسللت طيوف أبيها إلى ذاكرتها؛ مسحته الدافئة على رأسها، وصوته المليء بالفخر وهو يحدثها عن عمله وكفاحه. كان مهندساً عصامياً قضى سنوات طويلة في التخطيط والإشراف على المصانع الأولى لـ "مجموعة عاصم عبد الغني". تذكرت كيف كان أبيها يثني دائماً على عاصم، ويصفه بالرجل الاستثنائي
last updateLast Updated : 2026-08-05
Read more

زلزال فى عتمة الليل

ساد صمتٌ أثقل من الجبال في صالة المنزل عقب انتهاء المكالمة. كانت يد سهام تجمدت فوق سماعة الهاتف الثابت، ووجهها الملون باصفرار الذعر يشي بمقدار الرعب الذي حلّ بها. تراجعت خطوة للوراء وهي تنظر إلى سلمى بعينين ضيقتين تحاولان استكشاف ما خفي عنهما."ماذا يريد منكِ عاصم عبد الغني؟" نطقت سهام وأخيراً بصوتٍ خافت، لكنه محمل بتهديد مكتوم، مضيفة: "كيف يعرف اسمكِ؟ وما الذي بينكِ وبين هذا الرجل؟".وقفت سلمى ثابته في مكانها، تضغط ببراجم أطرافها المرتجفة على المغلف الجلدي المخفي بين ثنايا ثوبها، وقالت بنبرة هادئة تسللت إليها شجاعة لم تعهدها: "ألم تسمعيه بنفسكِ؟ قال إنه يملك وصية من أبي. لا أعرف أكثر مما تعرفين".اندفعت نورهان من خلف أمها، وقد تملكها الجشع والتوجس، واقتربت من سلمى بوقاحة: "أنتِ تكذبين! لابد أنكِ تواصلتِ معه دون علمنا. والدكِ لم يترك شيئاً يذكر، من أين ظهر هذا العاصم فجأة؟".لم تجب سلمى، بل انسحبت ببطء ونظراتها معلقة بهما، حتى وصلت إلى باب غرفتها الصغيرة وتسللت داخلها، قافلة الباب خلفها بالمفتاح القديم. ألقى جسدها المجهد بنفسه على السرير الخشبي البسيط، وضمت المغلف الجلدي إلى صدرها كأن
last updateLast Updated : 2026-08-05
Read more

صدمة الحقيقة

وقعت كلمات عاصم على مسامع الحاضرين كالصاعقة التي شلت الحركة في أرجاء الصالة. ساد المكان صمتٌ ثقيل مشحون بالذهول والارتباك، قبل أن تنفجر سهام صائحة بصوتٍ اهتزت له جدران المنزل: "شريكة؟ بالنصف؟ هذا محال وباطل! عبد الحميد لم يكن يملك شيئاً سوى هذا البيت البسيط، كيف يُعقل أن يملك نصف مصنع دون علمي وأنا زوجته؟ هذه الأوراق التي تحملها مزورة بالتأكيد ولن أعترف بها!".حافظ عاصم على هدوئه الشديد أمام ثورتها، ولم تتأثر ملامحه الثابتة بانفعالها أو الصراخ الذي ملأ المكان. فتح الملف الجلدي الذي بين يديه ببطء ورزانة، ونزع منه وثيقة رسمية تحمل أختاماً حكومية بارزة وموثقة، ثم وضعها بثقة وهدوء على الطاولة الخشبية أمامهما.وقال بنبرة حازمة قاطعة تفرض احترامها على الجميع: "الأوراق رسمية وموثقة في الشهر العقاري منذ أربع سنوات كاملة. المهندس عبد الحميد كان شريكي الفعلي والأساسي في تأسيس المصنع وتطويره خطوة بخطوة، وقبل وفاته بأسابيع قليلة، قام بنقل ملكية أسهمه كاملة باسم ابنته سلمى كبيعة نهائية وتنازل لا رجعة فيه، حتى يضمن مستقبلاً آمناً لابنته ولا تدخل هذه الملكية ضمن التركات القابلة للنزاع".اتسعت عينا ن
last updateLast Updated : 2026-08-05
Read more

عتبات جديدة

لم تستغرق سلمى أكثر من عشر دقائق لتجمع شتات حياتها في ذلك البيت. حقيبة سفر صغيرة واحدة، تهالكت أطرافها من القدم، كانت كافية لِتَحوي ما تملكه من ثياب بسيطة، وبضع صور قديمة تجمعها بوالدها الراحل.مشت بخطوات ثقيلة نحو الصالة، تلاحقها نظرات سهام ونورهان اللتين وقفتا كتمثالين من الغل والسخط. نظرت إليها سهام وقالت بنبرة خفيضة ينضح منها الوعيد: "تظنين أنكِ نجوتِ يا سلمى؟ سنرى إلى أين سيأخذكِ هذا الرجل، والبيت الذي غادرتِه لن تطئي عتبته مجدداً".لم ترد سلمى، بل اكتفت بالنظر إلى المكان ونظرته الأخيرة قبل أن تلتفت إلى عاصم الذي كان يقف عند الباب المفتوح، شامخاً بوقاره، يفتح لها طريق الخروج. قال عاصم لسهام بنبرة مقتضبة وحازمة قبل أن يغادر: "حقوق هذا البيت واستحقاقاته الشرعية ستصلكم عبر مكتبي القانوني في مواعيدها، لا داعي لأي تواصل مباشر بعد اليوم".نزلت سلمى السلالم خلف عاصم، وفي السيارة السوداء الفاخرة، جلست في المقعد الخلفي تراقِب الشوارع وهي تبتعد. كان شعورٌ متداخل يتملكها؛ حزن على الفقد والمكان الذي كبرت فيه، وراحة مبهمة لأنها تخلصت من سجنٍ كاد يطفئ شبابها.لاحظ عاصم صمتها وانكماشها من مرآة
last updateLast Updated : 2026-08-05
Read more

بذور الهدوء والشائعات

جلست سلمى على طرف المقعد الخشبي أمام مكتب والدها القديم، ويدها المرتجفة تفتح الظرف الورقي الذي وجدته في الخزنة. لم تكن رسالة تحذيرية، بل كانت كلمات دافئة كُتبت بخط أبيها المألوف، تحمل في ثناياها عبق أنفاسه ووصاياه الأخيرة.قرأت سلمى بصوت خفيض يملؤه التأثر: "ابنتي الغالية سلمى.. إن قادتكِ الأيام لقراءة هذه الكلمات في شقتي الصغيره، فاعلمي أنني رحلت عنكِ جسداً فقط، وتأكدي أنني لم أترككِ هباءً. استكملي تعليمكِ يا بنيتي، ولا تدعي القهر يطفئ نور عينيكِ. عاصم رجل عظيم وأمين، وقف معي في أوقات الشدة، وستجدين فيه السند الذي يمنع عنكِ طمع الآخرين.. كوني قوية كما أردتكِ دائماً".ضمت سلمى الورقة إلى صدرها، وتدفقت دموعها هادئة وصافية، لكنها هذه المرة لم تكن دموع انكسار، بل كانت دموع سكينة وطمأنينة تسللت إلى قلبها لأول مرة منذ أسابيع.في الصباح التالي، قرع الباب بهدوء، ولبت السيدة فاطمة النداء لتستقبل عاصم ومعه الأستاذ سمير، المحامي الخاص بمجموعته التجارية. دخل عاصم بهيبته المعتادة، ملقياً التحية بصوت رجولي رزين يعكس وقاره وحرصه.جلس الجميع في صالة الشقة الدافئة، وقدم المحامي الملفات الرسمية لأرباح
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more

أمل جديد وهمسات فى الظل

أشرقت شمس الصباح على حديقة المصنع القديم لتضفي على المكان دفئاً خاصاً. في الشقة الملحقة، كانت سلمى تقف أمام المرآة البسيطة ترتب شعرها وهندامها بهدوء، وترتدي رداءً كحلياً مرتباً يعكس وقار حزنها وفي الوقت ذاته براءة شبابها. كان قلبها يخفق بدقات متسارعة، خليط من الحماس والخوف؛ فهذا هو يومها الأول للعودة إلى مقاعد الدراسة الجامعية بعد أشهر طويلة من الانقطاع بسبب المرض العضال الذي ألم بوالدها ثم وفاته المفاجأة.خرجت إلى الصالة لتجد السيدة فاطمة قد أعدت لها وجبة إفطار دافئة، واستقبلتها بابتسامة حنونة وهي تقول: "صباح الخير يا بنيتي.. ما شاء الله، بالتوفيق والنجاح يا رب في أول يوم لكِ بالجامعة، أدعو الله أن ييسر لكِ كل صعيب".ابتسمت سلمى بامتنان ونبل، وقالت بصوت ناعم: "شكراً لكِ يا دادة فاطمة.. لولا وقفة السيد عاصم وتيسيره للأوراق لما استطعت العودة في هذا التوقيت، أدعو الله أن أكون عند حسن الظن دائماً".في تلك الأثناء، وعلى بعد خطوات قليلة داخل المبنى الإداري للمصنع، كان المشهد مختلفاً كلياً. كان المحاسب مدحت يقف بجوار آلة إعداد القهوة يتحدث بنبرة خفيضة مع أحد الموظفين القدامى، ممرراً كلماته
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more

ضحكات عفوية ومسافات هادئة

مرت ثمانية أشهر كاملة كأنها نسمة دافئة عبرت على الشقة الملحقة بالمصنع القديم. ثمانية أشهر كانت كفيلة بأن تلملم سلمى جراح روحها، وتلمس استقراراً لم تذقه منذ سنوات. لم تعد تلك الفتاة المنكسرة الشاحبة التي غادرت بيت والدها في ليلة قاسية، بل عادت إليها نضارتها ورحها الخفيفة العفوية التي غطتها ظروف الحزن طويلاً.في صباح يوم ربيعي هادئ، كانت سلمى تقف في المطبخ تحاول إعداد طبق جديد تعلمته من أحد مقاطع الفيديو، بينما تقف السيدة فاطمة تتابعها بابتسامة حنونة وهزات رأس مشككة.التفتت سلمى نحوها بملعقة خشبية وقالت بنبرة مرحة وخفيفة الدم: "دادة فاطمة.. رجاءً لا تنظري إليّ بنظرة التحكيم هذه! أنا أتبع الوصفة بالمليمتر، والمكونات تؤكد أن الناتج سيكون تحفة فنية تستحق الاقتناء".ضحكت السيدة فاطمة وقالت: "يا بنيتي المكونات شيء والتطبيق شيء آخر.. الملح الذي وضعتِه يكفي لإطعام الحي بالكامل!".شهقت سلمى بتمثيل درامي لطيف وهي تنظر للوعاء: "ملح؟ ظننته سكراً! يبدو أننا سنغير اسم الوصفة من طبق رئيسي إلى عقوبة متكاملة الأركان!".ساد الدفء والضحك أرجاء الشقة البسيطة، تلك الخفة الفطرية في شخصية سلمى كانت تضفي حيوي
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more

بين جفاف الصالونات ودفء الأرواح

كانت طاولة الطعام الكريستالية في فيلا عاصم تتسع لعشرة أشخاص، لكنها لم تكن تجمع سوى اثنين: عاصم وفريدة. خيم صمت ثقيل على القاعة الفاخرة، صمت لا يقطعه إلا صوت حركة الأطباق الفضية الخفيفة. كانت فريدة تجلس في الطرف المقابل، ممسكة بهاتفها الذكي، تتابع صور إحدى الصديقات في حفل خيرات رفيع المستوى، ووجهها يحمل تعابير باردة لا تتبدل.رفعت فريدة عينيها نحو عاصم وقالت بنبرة يسودها الرسمية والجفاف: "عاصم.. نادي الروتاري يقيم حفل عشاء الأسبوع القادم، وحضورنا معاً أصلٌ اجتماعي لا بد منه. أرجو ألا تعتذر كالعادة بحجة مشروعات المصنع القديم".نظر إليها عاصم بهدوء، وضع شوكته جانباً وقال برزانته المعتادة: "سأحاول التواجد يا فريدة إن لم تتداخل المواعيد مع اجتماعات مجلس الإدارة".تأففت فريدة بزفرة حادة، وقالت بتكلف ينضح بالمرارة: "اجتماعاتك لا تنتهي، وبيتنا أشبه بفندق مهجور. لو كان لدينا أطفال يملؤون هذا الفراغ لربما وجدتُ عذراً لهذا الصمت، لكن حتى هذا الحق حرمتني الأيام منه".كانت تلك الجملة بمثابة سهم مسموم يُرمى في المكان كلما أرادت فريدة إشعال الشعور بالذنب في صدره. لم يرد عاصم؛ فالحديث في هذا الموضوع
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more

ظل الوفاء وشرارة الشك

توسطت القاعة الكبرى بكلية التجارة مجموعات الطلاب، لكن الركن المفضل لسلمى وميار كان دائماً عند النوافذ العريضة المطلة على الحديقة. كانت الطاولة مكسوة بأوراق المحاسبة والمعادلات المالية الصعبة، وميار تجلس مقطبة الجبين كأنها تخوض معركة حاسمة.رفعت ميار رأسها ونظرت لسلمى باستعطاف مرح وقالت: "سلمى.. الأرقام تتراقص أمامي كأنها بلغة غير بشرية! كيف تستوعبين كل هذه الجداول بهذه البساطة؟".ابتسمت سلمى بخفة ودمها اللطيف العادي، وعدلت أوراقها وقالت بذكاء: "المسألة ليست سحراً يا ميار، الأرقام مثل الأشخاص تماماً، إن أحسنتِ فهمها وتوزيعها في مكانها الصحيح ستعطيكِ النتيجة المطلوبة دون وجع دماغ.. تعالَي، سأشرح لكِ الميزانية بطريقة أسهل من وصفات الطبخ التي أفشل فيها!".ضحكت ميار وانطلقت الأجواء بينهما دافئة ومرحة، تلك الصداقة التي نمت ببطء ونقاء أصبحت سنداً حقيقياً لسلمى في يومياتها الجامعية، وجعلت للجامعة طعماً مختلفاً يملؤه الشغف والرفقة الصادقة.على الجانب الآخر، وفي المبنى الإداري الجديد للشركة الرئيسية، كان عاصم يقف في مكتبه الفاخر يراجع بعض التقريرات التنفيذية. قرع الباب ودخل الأستاذ عماد يحمل بع
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more

هدوء الحاضر وترصد الظلال

كانت أروقة الكلية تضج بحركة الطلاب وتوترهم المعتاد مع اقتراب امتحانات منتصف العام الدراسي. وفي المكتبة المركزية الهادئة، كانت سلمى تجلس بجوار ميار أمام أكوام من المراجع والملاحظات المنظمة بدقة.رفعت ميار رأسها وزفرت بقلة حيلة وقالت بنبرة خفيضة ومرحة: "سلمى.. أعتقد أن خفاش المكتبة سيرحمنا وينادي بالخروج قبل أن تستوعب ذاكرتي هذه الصفحة الأخيرة!".ابتسمت سلمى بذكاء ولطافة، وعدلت ترتيب أوراقها وقالت بدمها الخفيف العادي: "لو سمعكِ المشرف يا ميار لن نخرج مطرودين فقط، بل سنحصل على حظر دائم من دخول المكتبة حتى تخرجنا! استجمعي شتات عقلكِ، لم يبقَ سوى جدول واحد وننهي مراجعة اليوم بنجاح".نظرت إليها ميار بامتنان صادق وقالت: "حقيقي يا سلمى.. لا أعلم كيف كانت ستمر هذه السنة بدونكِ. أنتِ تعيدين لي الهدوء في أكثر الأوقات توتراً".ردت سلمى بابتسامة دافئة ووداعة: "ونحن لبعضنا يا ميار.. الرفقة الطيبة هي التي تهون كل صعب".في تلك الأثناء، وفي عالم آخر مختلف تماماً، كانت فريدة تجلس في صالون فيلتها الأنيق، تحتسي قهوتها بطريقة متكلفة وهي تتحدث عبر الهاتف مع إحدى معارفها النافذات في بعض الدوائر الإدارية. لم
last updateLast Updated : 2026-08-07
Read more
PREV
12
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status