كان السكون يلف أرجاء البيت إلا من صوت قطرات ماء تتساقط بانتظام من صنبور المطبخ القديم. تجاوزت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وسلمى ما تزال جاثية على ركبتيها تنظف أرضية الصالة الباردة، بقطعة قماش بالية طالتها برودة الليل واعتصرت ما بقي فيها من جهد.لم يكن التعب الجسدي وحده هو ما ينهكها، بل ذلك الشعور الثقيل على صدرها بأنها باتت غريبة في بيت بني بجهد أبيها وعرقه. رحل المهندس عبد الحميد الشناوي منذ ثلاثة أسابيع فقط، وتركها في أول الشباب، تائهة بين صدمة الفقد وقسوة زوجته سهام وجفاء ابنتها نورهان. لم تنتظر المرأتان حتى انقضاء أيام الحداد الأولى؛ بل بدأتا فوراً في التضييق عليها، ومسح كل أثر لوالدها في البيت، وكأنهما تسرعان في إلغاء وجودها هي الأخرى.سندت سلمى جبهتها المجهدة إلى الجدار الرطب، وأغمضت عينيها العسليتين لثوانٍ. تسللت طيوف أبيها إلى ذاكرتها؛ مسحته الدافئة على رأسها، وصوته المليء بالفخر وهو يحدثها عن عمله وكفاحه. كان مهندساً عصامياً قضى سنوات طويلة في التخطيط والإشراف على المصانع الأولى لـ "مجموعة عاصم عبد الغني". تذكرت كيف كان أبيها يثني دائماً على عاصم، ويصفه بالرجل الاستثنائي
Last Updated : 2026-08-05 Read more