All Chapters of قَيد من حَرير ودم: Chapter 1 - Chapter 10

20 Chapters

1

ليس القلب دائمًا هو أكثر ما يؤلم في الإنسان... بل الذكريات.لا أهمية لاسمي في الواقع، فما صنعني لم يكن اسمي، بل تلك الأصداء الصامتة التي كانت تتردد بين جدران طفولتي. كبرتُ في بيت... أسميه بيتًا، لكن دفأه كان كشمس لا يصلني شعاعها أبداً. كان لي أم وأب... لكنني لم أستطع يومًا لمس أيهما، ولا أن أجد لي متسعًا في قلبيهما.كانت أمي تمر بجانبي وتتجاوزني دون أن تمس شعري، كأنها تعبر بجوار غريبة. أحيانًا كانت تنظر إلى وجهي، لكن لا لتراني، بل لخوفها من الخيبة التي تسكنني. أما أبي... فكان مشغولًا دائمًا بإصلاح كل شيء؛ إلا أنا.لم أكن أفهم وأنا صغيرة، فكنت أسأل نفسي: "هل اقترفتُ خطأ ما؟"ثم كبرت، وما زلت أسأل السؤال ذاته.أكثر ما يحتاجه الطفل هو أن يسمع كلمات مثل:"أنا فخور بكِ.""وجودكِ في حياتنا بركة.""ابنتي الحبيبة."لم أسمع أيًا منها قط. كان انتظار المحبة من شخصين يبخلان حتى بصوتهما يُشبه الاحتماء بالصمت بحثًا عن الدفء... وقد تجمدتُ برداً.أكثر ما أحزنني حقًا هو كيف يمكن لإنسان أن يُنسى بهذه البساطة بين غريبين يشاركهما البيت نفسه؛ أن يُتجاهل كأنه مجرد كرسي هامشي لا قيمة له.والأشد إيلامًا... أ
last updateLast Updated : 2026-09-09
Read more

2

قبض أبي على شعري بكلتا يديه وشدّه بقسوة، ثم أدار وجهي نحو أخي "سيدار". اعتصرني الألم وانكمشت ملامحي رغماً عني، وشعرتُ بقلبي يكاد يُقتلع من صدري.— "انظر يا "سيدار"، هذه هي السبب في موت ابني! إنها تستحق كل ما يحدث لها!"تجمّدتُ في مكاني، وتوقف الهواء في حلقي. حادثة مقتل أخي الصغير قبل أحد عشر عامًا... تلك التهمة التي أُلقيت عليّ دون ذنب. رغم أن المرأة التي جلبها أبي على أمي هي من فعلت ذلك، وقلتُ هذا مرارًا وتكرارًا، لم يصدقني أحد. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد حياتي كما كانت، ولن تكون... وصرتُ أعلم ذلك جيدًا.---كان هناك صوت خافت في أعماقي يهمس: "ربما يوماً ما..."، لكن هذا الصوت كان يضمحل عاماً بعد عام. وكلما رأيتُ البغض في عيني أبي، كان يموت ذلك الاحتمال في داخلي.— "أقسم لك أنني لم أفعل يا أبي! كيف لي أن أؤذي أخي؟!"طارت كلماتي في الهواء دون أن تجد من يسمعها... أو ربما لم يرغب أحد في سماعها.كنتُ أبكي بحرقة، والدموع تنهمر بلا توقف وأنا أصارع الضيق في صدري. سحبني أخي "سيدار" من بين يدي أبي وصعد بي إلى غرفتي بصمت. لم يتكلم، فلم يكن هناك ما يُقال أساسًا. جلستُ على طرف السرير وغطيتُ وجهي بكفيّ
last updateLast Updated : 2026-09-09
Read more

3

أغلقتُ عيني لثانية واحدة، وضغطتُ على أسناني وأخذتُ نفسًا عميقًا. لو نطقتُ بما في داخلي لتحول المكان إلى بركة دماء، لكنني صمتُ... كعادتنا دائمًا.— "مع أي حبيب كنتِ تلتقين؟ أخبريني."في تلك اللحظة انكسر شيء في داخلي. أردتُ الصراخ، أردتُ أن أقول لها: "الزمي حدك!"، لكن الكلمات تجمدت في حلقي. كانت امرأة خبيثة؛ فأنا لم أكن مع أي رجل في حياتي، بل لم أنطق اسم رجل قط، ورغم ذلك تتأملني وكأنني مذنبة، وتلطخني بنظراتها... كان هذا هو ما يمزقني بحق.— "تحدثي بأدب. أنا لم ألقَ أحدًا."سحبتُ ذراعي من يدها بقوة. كانت لمستها تقززني، وكأنها تضغط على أعصابي لا على جلدي.— "وماذا تفعلين بالخارج حتى هذا الوقت إذن؟ ألا تفكرين في ما سيقوله عليكِ أباكِ وماذا سيفعل لو علم؟"كنتُ أعرف التهديد المبطن خلف كلماتها جيدًا. إخبار أبي... كان هذا سلاحها الدائم. كانت تهددني بأبي، تلك الأفعى. كانت هي أول من علمني معنى الكره؛ لم أكن أظن أنني أستطيع كره إنسان إلى هذا الحد، ولا أعلم إن كنتُ سأكره أحدًا بعدها كما كرهتها.— "خرجتُ لأستنشق بعض الهواء، ويمكنكِ قول ذلك لمن تشائين."خرج صوتي هادئًا رغم الفوضى التي تعصف بداخلي. كن
last updateLast Updated : 2026-09-09
Read more

4

عضضت على شفتاي. تقدم جدي ووقف أمام ديار، واضعاً يديه خلف ظهره. رؤيته بهذا الشكل زادت من التوتر داخلي. شيء ما سيحدث... شيء سيء سيحدث، هكذا كنت أحدث نفسي."جلس لنلتئم ونصل إلى حل وسط.""أي حل تحدثني عنه يا أمد، وحفيدك الكلب قد خطف ابنتي؟"في تلك اللحظة، فُتح باب القصر بصخب شديد. حدقت في الرجل الهائل الذي دخل. كان هو نفسه الرجل صاحب العينين العسليتين الذي رأيته بالأمس. وقبل أن تتاح لي فرصة للتفكير، خطى بخطوات سريعة نحو والدي وأمسك بتلابيب قميصه."أين أختي يا ابن..."لم يرتفع صوته، لكن في تلك اللحظة انقلب كل شيء. ضاق القصر، وتغيرت وقفة الجميع. تراجع الرجال الواقفون خلف والدي إلى الخلف، بينما سمّرت أنا في مكاني دون حراك. "لا تتحركي"، قلت لنفسي، "ليس الآن".هذا ليس مجرد صراخ، حدثت نفسي، هذا شيء أشد قسوة.تكلم والدي بشيء ما، لكن الكلمات لم تدخل أذني. لم يطلق الرجل تلابيبه فوراً، بل ظلت أظافره متشبثة بالقماش. ربما لم يستغرق الأمر طويلاً، لكنه بدا لي أبدياً. "لو يتركه الآن"، فکرت، "لو يتركه فقط..."لكنه لم يفعل.ثم سحب يده ببطء. ذلك البطء زرع في داخلي قلقاً شديداً. لم يكن مستعجلاً، والرجل الذي
last updateLast Updated : 2026-09-09
Read more

5

كان صوتي يرتجف. وزاد الثقل على صدري وكأن أحداً يضغط عليه. تحول بكائي إلى نحيب. لم تعد روحي تحتمل ما يحدث. إن كتمت كان الداخلي ينزف، وإن أظهرت كان الوجع يشتد. حتى التنفس بات صعباً. هجم كل شيء عليّ ولم يكن هناك مفر."أرجوك... أرجوك يا الله..."فزعت عند سماع صوت فتح الباب. دخل أخي صدار، لكنني لم أستطع رفع رأسي. لم أرد النظر في وجهه، فلو نظرت لانهار ما تبقى مني. لم تكن لدي رغبة حتى في القيام والنظر إلى المرآة، لأنني كنت أخشى رؤية نفسي فيها؛ أخشى رؤية الخلاء في عيني والضياع على وجهي."ديلدا."عندما نطق باسمي، جمعت آخر ما تبقى لي من قوة ورفعت رأسي. نظرت إلى وجهه لكن لم يكن في عينيه أي أمل، فهمت ذلك فوراً. ومع ذلك كان هناك جزء صغير في داخلي يهمس بـ "علّ...""أرجوك أوقف هذا يا أخوي... لا أستطيع... لا أستطيع الزواج من ذلك الرجل."بلع ريقه. نظر إليّ بابتسامة مريرة قطعت شغاف قلبي. كان يبدو كمن يعرف كل شيء ولكنه حيلة له. وعندما تكلم، انكسرت آخر قطعة في داخلي:" أنت مجبرة. تم اتخاذ القرار."هززت رأسي نفياً. أردت أن أقول لا، لكن الكلمات تجمدت في حنجرتي. كان بإمكانهم فعل هذا بي، كان بإمكانهم تجاهلي
last updateLast Updated : 2026-09-09
Read more

6

ندمت فور خروج الكلمة من فمي، لأن هذه الجملة لم تجد لها صدى يوماً في هذا البيت. ومع ذلك قلتها، علّ كسرة تتبقى، علّ تلك الكلمة تؤلم موضعاً فيه.سقطت أرضاً بسبب الصفعة القوية التي وجهها لي. احترق وجهي وطنت أذناي، لكن الألم الحقيقي لم يكن في جسدي بل انفجر في داخلي. كانت الأرض باردة، وكانت الأرض أرحم عليّ منه."لستِ ابنتي! لدي ولدان: أحدهما قتلتِه أنتِ، والآخر جوان. ولن أسمح بموت ولدي الوحيد!"في تلك اللحظة انكسر شيء في داخلي... بل لم ينكسر، بل جف. كنت كزهرة قُطفت من غصنها وذبلت. كل ما أقوله كان باطلاً الآن، ولم تكن لأي من كلماتي قيمة في هذا البيت. لم أكن موجودة، كنت مجرد إثم."قلتُ ستتزوجين، وانتهى الأمر."ها هو الحكم. قرار لا نقاش فيه ولا رجعة عنه. لُخصت حياتي في جملة واحدة. لم يكن لي رأي، ولم يكن لي مستقبل، وحتى جسدي لم يكن ملكاً لي.انكببت على قدميه. خجلت من نفسي ولكنني لم أذكر لحظة كنت فيها أكثر ضعفاً. كانت ركبتاي ترتجفان، وكان كبريائي قد سُحق منذ زمن، ولم يتبقَ سوى غريزة البقاء."أرجوك يا أبي... أتوسل إليك. أفعل أي شيء تطلبه لكنني لا أستطيع الزواج!"انكسر صوتي. لم يكن هذا عصياناً بعد
last updateLast Updated : 2026-09-09
Read more

7

امتلأت عيناي بالدموع وفهمت سبب وجوده هنا.انعصر قلبي في صدري وعلقة غصتي في حلقي. لم أرد أكون هنا، لم أرد ذلك مطلقاً."لا أريد."كان صوتي أضعف مما ظننت. أمسك بمعصمي وسحبني إليه بقسوة. كان ضغط أشتغله يؤلمني، لكن الألم الحقيقي لم يكن ذلك، بل كان معرفتي بأنني لن أستطيع الهرب."يبدو أن عقلكِ لم يعد إليكِ بعد!"تباً... كنت خائفة. ذلك الخوف الأليف الذي ينمو في داخلي استقر في معدتي. كنت أعلم أنني إن سكتُ فسيصبح الأمر أسوأ، وإن تحدثتُ فكذلك..."إن سألوا، فقولي إنني أصبتُ ببرد."هززت رأسي. لم تكن لدي قوة للاعتراض. وعلى أي حال، لمن كنت سأشرح؟ ومن كان ليستمع؟ُفتح الباب. دخل باران وديار. في تلك اللحظة خفضت بصري نحو الأرض. لم تكن لدي الشجاعة للنظر في وجوههما. وكأننا لو التقت أعيننا، فسيُفهم كل شيء: خوفي، وعجزي، والعاصفة التي تضرب داخلي..."حمد الله على السلامة يا عروسنا، نرجو ألا يكون الأمر خطيراً؟"لم أستطع الإجابة، انعقد لساني. شد والدي قبضته على ذراعي أكثر. تألمت في تلك اللحظة لكنني لم أخرج صوتاً، فقد كنت معتادة على الألم على أي حال."أنا بخير، شكراً لك."لم تكن هذه الكلمات كلماتي، بل كانت الكل
last updateLast Updated : 2026-09-09
Read more

8

أحيانًا أشعر وكأنني غريبة، مجرد ظِلٍّ يراه الآخرون بعيونهم. مع كل خطوة، يتسع الفراغ في داخلي، ويزداد الصمت في قلبي عمقًا. وأنا أغرق في أفكاري، أجدني أبتعد عن ذاتي وأفقدها أكثر فأكثر مع كل يوم يمر.إن الاضطراب الذي يسكنني أثقل بكثير من تلك الابتسامة التي أرسمها على وجهي. عيناي ترويان كل شيء دون أن تنطقا بكلمة، ومع ذلك أقف عاجزة عن التعبير عما بي. كل شيء يبدو كطريق مسدود؛ وفي رحلة بحثي عن حل، لا أحصد سوى المزيد من الأسئلة.عندما انتقلنا إلى القصر الكبير، كان الجميع يهرولون في عجلة من أمرهم. لم أفهم السبب للوهلة الأولى، لكنني أدركت بعد قليل أن أمراً سيحدث اليوم لمجرد أنهم أرادوا ذلك لي."هيا، استعدي، اذهبي وجهّزي نفسك بسرعة."كانت نبرة الصوت عجولة لدرجة أنني لم أدرِ ماذا أفعل. دفعني السيد والدي من ظهري ممرًا بي نحو الفناء. وبعد فترة وجيزة، جاءت العاملات في المنزل لإعدادي. لكن التزين من أجل ذلك الرجل، والتجمل لأجل نظراته... لم أكن أريد أيًا من ذلك. حقًا، لم أكن أريد."ديلدا، يا حبيبتي."وسط تشابك أفكاري، أتاح لي صوت أختي الكبرى "نيوروز" منفذًا للنجاة. في تلك اللحظة سكن العالم أجمع، ولم يب
last updateLast Updated : 2026-09-30
Read more

9

"لا أستطيع التحمل يا أختي... لقد خابت ظنوني فيمن وثقت بهم... لا أستطيع تحمل أن يضحي الرجل الذي كنت أناديه بأخي وأضعه بمقام أبي، بأخته من أجل المرأة التي يحبها."كان صوتي يرتجف. كان ألمًا عميقًا وصادقًا لدرجة أنني كلما تحدثت عنه خنقتني العبرة أكثر. مجرد التفكير في الزواج من ذلك الرجل كان يقشعر له بدني. لكن لا أحد كان يستمع إليّ، لا أحد يفهم. كانوا يظنون أنهم يعلمون كل شيء، لكن لا أحد منهم رأى الحرب المشتعلة في داخلي. لن أستطيع التحمل، الأمر يزداد ثقلاً يومًا بعد يوم."إنه الحب يا حبيبتي...""إذا كان الحب هكذا، فأنا لا أريد أن أُحَبّ ولا أن أُحِبّ."بينما كانت تمسد شعري المنسدل على ظهري، استجمعت كل قوتي حتى لا أعيش تلك اللحظة بمرارتها."ششش، كوني قوية يا صغيرة، امسحي تلك الدموع."مسحت دموعي بيديها. لم تكن تلك اليد كافية لمحو الألم ولو بدرجة بسيطة، كان الأمر دائمًا هكذا، مجرد اعتياذ."اذكُري الله واجلسي، استريحي هنا ونحن سنعد القهوة، هيا."جلستُ على الطاولة، وسحبت ساقي المرتجفتين نحوي ودلكتهما بيديّ. لاحظت الرجل الواقف عند الباب؛ جذب "باران" انتباهي بنظراته الغاضبة وهيئته الصارمة. كانت ع
last updateLast Updated : 2026-09-30
Read more

10

تململت المرأة متوسطة العمر التي ترتدي وشاحًا أسود على رأسها بحماس في مكانها."يبدو أن الدور علينا لنقول مبارك إذن."شُربت القهوة، ودارت الأحاديث، وتجهز الجميع للمغادرة مع هبوط الليل. لكنني كنت خارج كل شيء، مفقودة في زاوية ما. كان هناك سكون في عقلي، ولكن في قلبي عاصفة هوجاء. بدأ القادمون من عائلة "تيميزر" بالنهوض بالتدريج والوداع واحدًا تلو الآخر. كل واحد منهم كان يخطو نحو ذكريات أخرى من حياته، بينما كنت أقف هنا عاجزة عن اتخاذ خطوة واحدة."اعتني بنفسكِ يا ابنتي الجميلة، لقد أصبح وجهكِ الرقيق كالورد أبيض كالثلج."كانت الكلمات التي قالتها لي السيدة "شيلان" تخرج من فمها بصوت ناعم ولطيف كالعادة. لكنني كنت أستطيع سماع المعنى المخبأ خلف تلك الكلمات. كنت أستطيع الشعور بنظرتها العميقة في عينيها، نظرة حزينة ولكنها تُذكر بشيء ما باستمرار. حنيت رأسي ببطء كالعادة."شكراً لكِ، سأفعل."عندما قلت ذلك، ورغم الهدوء في صوتي، إلا أن العاصفة في داخلي كانت تزداد شدة. كانت هناك ملايين الأشياء التي يتوجب عليّ حسمها، لكنني لم أستطع حل أي منها.عندما حدثت حركة بجانبي، أدرت رأسي نحو ذلك الاتجاه. كان السيد "بارا
last updateLast Updated : 2026-09-30
Read more
PREV
12
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status