LOGINقبض أبي على شعري بكلتا يديه وشدّه بقسوة، ثم أدار وجهي نحو أخي "سيدار". اعتصرني الألم وانكمشت ملامحي رغماً عني، وشعرتُ بقلبي يكاد يُقتلع من صدري.
— "انظر يا "سيدار"، هذه هي السبب في موت ابني! إنها تستحق كل ما يحدث لها!"
تجمّدتُ في مكاني، وتوقف الهواء في حلقي. حادثة مقتل أخي الصغير قبل أحد عشر عامًا... تلك التهمة التي أُلقيت عليّ دون ذنب. رغم أن المرأة التي جلبها أبي على أمي هي من فعلت ذلك، وقلتُ هذا مرارًا وتكرارًا، لم يصدقني أحد. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد حياتي كما كانت، ولن تكون... وصرتُ أعلم ذلك جيدًا.
---
كان هناك صوت خافت في أعماقي يهمس: "ربما يوماً ما..."، لكن هذا الصوت كان يضمحل عاماً بعد عام. وكلما رأيتُ البغض في عيني أبي، كان يموت ذلك الاحتمال في داخلي.
— "أقسم لك أنني لم أفعل يا أبي! كيف لي أن أؤذي أخي؟!"
طارت كلماتي في الهواء دون أن تجد من يسمعها... أو ربما لم يرغب أحد في سماعها.
كنتُ أبكي بحرقة، والدموع تنهمر بلا توقف وأنا أصارع الضيق في صدري. سحبني أخي "سيدار" من بين يدي أبي وصعد بي إلى غرفتي بصمت. لم يتكلم، فلم يكن هناك ما يُقال أساسًا. جلستُ على طرف السرير وغطيتُ وجهي بكفيّ، وشعرتُ بأنني ضئيلة جدًا، بلا قيمة، وكأنني المذنبة حقًا.
— "هل أنتِ بخير يا أختي؟"
لم أستطع الإجابة.
سرعان ما تحول بكائي إلى شهقات متقطعة، وصار حتى التنفس يؤلمني. لو ضربني لما تألمتُ هكذا؛ فالذي وجعني بحق هو كلماته... القسوة والبرود في عيني أبٍ فقد إيمانه بابنته، تلك جرحٌ لا يندمل.
— "أنا... أنا لم أفعلها... أقسم لك."
كان صوتي يرتجف، والكلمات تخرج كأنها تُنتزع من أحشائي. أسندتُ رأسي إلى صدره؛ كنت أسمع دقات قلبه، لكن سكينه لم تنتقل إليّ. شددتُ قبضة يدي حتى غرزت أظافري في لحمي وأوجعتني، لكن ألم الجسد لم يطال ألم الروح.
— "أعلم ذلك يا أختي."
شعرتُ حينها أنني لم أعد أحتمل. مسحتُ دموعي بيديّ المجروحتين... وكأن المسح يغير شيئًا! رفعتُ رأسي عن صدره ولم أستطع النظر في وجهه، فلو نظرتُ لانهرتُ تمامًا.
— "هل يمكنني أن أبقى بمفردي قليلاً؟"
نظر إليّ ثم طبع قبلة على شعري وابتسم بألم، ابتسامة تمزق الفؤاد. كيف يعطف عليّ الغريب، بينما لا يمنحني أبوي ولو ذرة حنان؟ غصت الكلمة في حلقي وحاولت ألا أفكر بالمر، لكن عدم التفكير أصلًا أصلح رفاهية لا أملكها.
— "لا تبكي أكثر من ذلك، اتفقنا؟"
هززتُ رأسي وابتسمتُ، مثل غريبة في المرآة... وكيلانا يعلم أن تلك الابتسامة لا تمت لي بصلة. وما إن خرج من الغرفة حتى أغلقت الباب بالمفتاح، وأسندتُ ظهري إليه وهويتُ إلى الأرض. فقدتُ الإحساس بالوقت، وظللتُ أبكي لساعات طويلة بصمت، كي لا يشعر بي أحد.
كانت وركي تؤلمني وتذكرني بوجودها مع كل حركة. كان القيام من الأرض شاقًا، لكنني لم أستطع التنفس في مكاني أيضًا. كانت نافذة غرفتي تطل على الفناء الخلفي للبيت. وحين كنتُ أرغب في الاستنشاق، لم أكن أملك إذنًا بالخروج، لذا كنتُ أهرب من هنا دائمًا... أسير قليلاً، وأتجوّل حتى يدور رأسي، ثم أعود.
كان الهرب مجرد لعبة قصيرة ينتهي بها المطاف بالعودة...
لكن مع كل عودة، كان ينقص مني شيء لا أعرف له اسمًا، دون أن يلاحظ أحد ذلك، وقد اعتاد عقلي على ألا يلاحظني أحد.
نعيش جميعًا مع أقاربنا في بيت واحد كبير، فنحن عائلة ممتدة وكبيرة جدًا. دون أن يشعر بي أحد، تدليتُ من النافذة وقفزتُ إلى الفناء. كان كاحلي يؤلمني لكنني تجاهلته؛ فلو تفكرتُ بالألم لتوقفت، ولو توقفتُ لعدت. خرجتُ من الباب الخلفي وركضتُ بأقصى سرعتي.
توقفتُ عندما وصلتُ إلى أرض خالية من البشر وجلستُ على الحجارة. كان نفسي متسارعًا غير منتظم. المكان هنا جميل، واسع، قديم وساحر... لكن هذا الجمال كان يبدو وكأنه يتجاهل ألمي ليوجد. كانت الحياة تواصل جريانها، وأنا واقفة في مكاني لا أتحرك.
لم يكن لي أصدقاء، وحصلتُ على الثانوية بشق الأنفس وبمساعدة شقيقيّ "سيدار" و"جيفان". نظرتُ إلى الكدمات في ذراعي وارتسمت على شفاهي ابتسامة ساخرة. أحيانًا يضحك المرء على نفسه حين لا يتبقى أمامه خيار آخر.
لا أعلم كم من الوقت مضى، لكن السماء بدأت تظلم تدريجيًا. كان عليّ العودة قبل أن يُكتشف غيابي؛ فهكذا كانت هرباتي دائمًا، محكومة بوقت محدد.
---
قمتُ وبدأتُ أشي. كنت أعبر طريقًا مقفرًا لا نهاية له، لكنني لم أكن خائفة، أو ربما اخترت ألا أخاف. وبالطبع، إن استثنيتُ تلك السيارة التي اندفعت نحوي مباشرة، لم أكن أستشعر الخوف. فتحتُ عينيّ على وسعهما ورأيتُ السيارة تقترب بسرعة جنونية. شُلّت قدماي، ولم أستطع التحرك... أو ربما لم أرد التحرك. ربما تمنيتُ لخاطر خاطف أن ينتهي كل شيء في تلك اللحظة.
توقفت السيارة بجانب قدمي بفرملة مفاجئة. ظننتُ أن قلبي سيقتلع من مكانه، لكن جسدي ظل جامدًا بلا تفاعل. نزل من السيارة رجل يرتدي السواد، وكانت عيناه تتطاير منهما الشرار. كان في تلك النظرة شيء أشد ثقلاً من وقوفي جامدة في منتصف الطريق، ولم أستطع -لسبب ما- أن أبعد عينيّ عنه.
— "هل تبحثين عن الموت؟!"
هوى صوته عليّ كالسيف، وكان منظره أشد إرهابًا من صوته. قبضتُ على أطراف تنورتي بيديّ وضغطتُ بشدة حتى آلمتني أصابعي دون أن أطلقها؛ فلم أجد طريقة أخرى لأوقف بها ارتجاف يديّ.
— "أنا..."
خرجت المقطوعة بصعوبة من فمي ولم أستطع إكمالها، وكنت أعلم أنني لن أستطيع.
ترجل من السيارة بحركة حادة، وكان لصوت إغلاق الباب أثر جعلني أفزع. تقدم نحوي بخطوات ثقيلة، ومع كل خطوة كان صدري يضيق أكثر. أردتُ التراجع لكن ساقي كانتا مسمرتين. كان هناك صوت يصرخ في داخلي: "اهربي!"، لكن جسدي لم يكن يستمع.
وقف أمامي مباشرة، ولم تعد هناك أي مسافة بيننا. اضطررتُ لرفع رأسي، فلم يكن أمامي خيار آخر. هيبته، أنفاسه، ووجوده الذي يطبق عليّ... كان كل ذلك فوق طاقتي.
— "أنتِ ماذا؟!"
كانت كلماته قاسية، لكن ما آلمني حقًا هو انحناؤه نحو وجهي وهو ينطقها.
استقرت عيناه العسليتان في عينيّ. أردتُ تحويل بصري لكنني لم أستطع. طرقت فكرة الاستدارة والهرب في ذهني للحظة ثم تلاشت؛ فقد كان قريبًا جدًا... قاطعيًا وواقعيًا.
— "اعتذر... لم أستوعب ما حدث... لم أستطع..."
ارتجف صوتي ومقتُ نفسي في تلك اللحظة. لماذا لم يخرج صوتي قويًا؟ لماذا يبدو عاجزًا إلى هذا الحد؟
شهقتُ لأستجمع نفسي، ثم زفرتُ الهواء بسرعة. في تلك اللحظة لاحظتُ أن نظراته هبطت إلى الأسفل، فانقبض قلبي. تراجعتُ للخلـف نصف خطوة فقط، ولم أستطع فعل أكثر من ذلك.
— "لم أستطع التحرك."
لم تكن هذه الجملة دفاعًا، بل كانت اعترافًا... اعترافًا بحقيقة لم أرد الإقرار بها حتى لنفسي.
أطلق شتمة غاضبة ومسد على رأسه بنزق، ثم دار وعاد نحو سيارته، ولا زالت خطواته الثقيلة تُسمع وهو يدمدم. بؤتُ في مكاني، وكان قلبي ينبض بشدة كأنه سيشق صدري، بينما كنتُ عاجزة عن الحركة.
— "وهذا ما كان ينقصني الآن!"
لم أكن أملك إلا الوقوف والنظر في أثره. سحب باب السيارة المفتوح بقوة وأغلقه، ووضع قدمًا في الداخل ثم التفت إليّ. في تلك اللحظة، شعرتُ بنفاذ صبره يسرى في عظامي.
— "هل ستتحركين من الطريق أم لا؟!"
جفلتُ واستعادتُ وعيي، ثم تراجعتُ إلى الجانب بخطوات خائفة. انطلقت السيارة مبتعدة بسرعة، وظللتُ أنظر في أثرها لثوانٍ. لم أكن أعلم ما فعلت، ولا لماذا تجمدتُ هكذا. كان قلبي يتخبط في صدري، ولم يمض وقت طويل حتى استجمعتُ شتات نفسي، وقبل أن أفكر حتى، بدأتُ بالركض.
حين خرجتُ إلى الفناء من الباب الخلفي، التقيتُ بـ "بريتان"—المرأة التي جلبها أبي على أمي. كانت تقف واضعة يديها على صدرها وتنظر إليّ... وتلك الابتسامة الخبيثة ترتسم على وجهها مجددًا. انشدّت أعصابي وأردتُ الهرب من نظراتها، لكنني شعرتُ بعينيها تتصلان بي ولا تفارقاني.
— "من أين كل هذا يا آنسة ديلدا؟"
ما إن سمعتُ نبرة الإيحاء في صوتها حتى انقلبت معدتي. شعرتُ وكأن كل كلمة تخرج من فمها تلوثني. أردتُ التوجه إلى غرفتي والابتعاد، لكنها أمسكت بذراعي قبل أن أتجاوزها، فشعرتُ بمكان لمستها يشتعل.
امتلأت عيناي بالدموع وفهمت سبب وجوده هنا.انعصر قلبي في صدري وعلقة غصتي في حلقي. لم أرد أكون هنا، لم أرد ذلك مطلقاً."لا أريد."كان صوتي أضعف مما ظننت. أمسك بمعصمي وسحبني إليه بقسوة. كان ضغط أشتغله يؤلمني، لكن الألم الحقيقي لم يكن ذلك، بل كان معرفتي بأنني لن أستطيع الهرب."يبدو أن عقلكِ لم يعد إليكِ بعد!"تباً... كنت خائفة. ذلك الخوف الأليف الذي ينمو في داخلي استقر في معدتي. كنت أعلم أنني إن سكتُ فسيصبح الأمر أسوأ، وإن تحدثتُ فكذلك..."إن سألوا، فقولي إنني أصبتُ ببرد."هززت رأسي. لم تكن لدي قوة للاعتراض. وعلى أي حال، لمن كنت سأشرح؟ ومن كان ليستمع؟ُفتح الباب. دخل باران وديار. في تلك اللحظة خفضت بصري نحو الأرض. لم تكن لدي الشجاعة للنظر في وجوههما. وكأننا لو التقت أعيننا، فسيُفهم كل شيء: خوفي، وعجزي، والعاصفة التي تضرب داخلي..."حمد الله على السلامة يا عروسنا، نرجو ألا يكون الأمر خطيراً؟"لم أستطع الإجابة، انعقد لساني. شد والدي قبضته على ذراعي أكثر. تألمت في تلك اللحظة لكنني لم أخرج صوتاً، فقد كنت معتادة على الألم على أي حال."أنا بخير، شكراً لك."لم تكن هذه الكلمات كلماتي، بل كانت الكل
ندمت فور خروج الكلمة من فمي، لأن هذه الجملة لم تجد لها صدى يوماً في هذا البيت. ومع ذلك قلتها، علّ كسرة تتبقى، علّ تلك الكلمة تؤلم موضعاً فيه.سقطت أرضاً بسبب الصفعة القوية التي وجهها لي. احترق وجهي وطنت أذناي، لكن الألم الحقيقي لم يكن في جسدي بل انفجر في داخلي. كانت الأرض باردة، وكانت الأرض أرحم عليّ منه."لستِ ابنتي! لدي ولدان: أحدهما قتلتِه أنتِ، والآخر جوان. ولن أسمح بموت ولدي الوحيد!"في تلك اللحظة انكسر شيء في داخلي... بل لم ينكسر، بل جف. كنت كزهرة قُطفت من غصنها وذبلت. كل ما أقوله كان باطلاً الآن، ولم تكن لأي من كلماتي قيمة في هذا البيت. لم أكن موجودة، كنت مجرد إثم."قلتُ ستتزوجين، وانتهى الأمر."ها هو الحكم. قرار لا نقاش فيه ولا رجعة عنه. لُخصت حياتي في جملة واحدة. لم يكن لي رأي، ولم يكن لي مستقبل، وحتى جسدي لم يكن ملكاً لي.انكببت على قدميه. خجلت من نفسي ولكنني لم أذكر لحظة كنت فيها أكثر ضعفاً. كانت ركبتاي ترتجفان، وكان كبريائي قد سُحق منذ زمن، ولم يتبقَ سوى غريزة البقاء."أرجوك يا أبي... أتوسل إليك. أفعل أي شيء تطلبه لكنني لا أستطيع الزواج!"انكسر صوتي. لم يكن هذا عصياناً بعد
كان صوتي يرتجف. وزاد الثقل على صدري وكأن أحداً يضغط عليه. تحول بكائي إلى نحيب. لم تعد روحي تحتمل ما يحدث. إن كتمت كان الداخلي ينزف، وإن أظهرت كان الوجع يشتد. حتى التنفس بات صعباً. هجم كل شيء عليّ ولم يكن هناك مفر."أرجوك... أرجوك يا الله..."فزعت عند سماع صوت فتح الباب. دخل أخي صدار، لكنني لم أستطع رفع رأسي. لم أرد النظر في وجهه، فلو نظرت لانهار ما تبقى مني. لم تكن لدي رغبة حتى في القيام والنظر إلى المرآة، لأنني كنت أخشى رؤية نفسي فيها؛ أخشى رؤية الخلاء في عيني والضياع على وجهي."ديلدا."عندما نطق باسمي، جمعت آخر ما تبقى لي من قوة ورفعت رأسي. نظرت إلى وجهه لكن لم يكن في عينيه أي أمل، فهمت ذلك فوراً. ومع ذلك كان هناك جزء صغير في داخلي يهمس بـ "علّ...""أرجوك أوقف هذا يا أخوي... لا أستطيع... لا أستطيع الزواج من ذلك الرجل."بلع ريقه. نظر إليّ بابتسامة مريرة قطعت شغاف قلبي. كان يبدو كمن يعرف كل شيء ولكنه حيلة له. وعندما تكلم، انكسرت آخر قطعة في داخلي:" أنت مجبرة. تم اتخاذ القرار."هززت رأسي نفياً. أردت أن أقول لا، لكن الكلمات تجمدت في حنجرتي. كان بإمكانهم فعل هذا بي، كان بإمكانهم تجاهلي
عضضت على شفتاي. تقدم جدي ووقف أمام ديار، واضعاً يديه خلف ظهره. رؤيته بهذا الشكل زادت من التوتر داخلي. شيء ما سيحدث... شيء سيء سيحدث، هكذا كنت أحدث نفسي."جلس لنلتئم ونصل إلى حل وسط.""أي حل تحدثني عنه يا أمد، وحفيدك الكلب قد خطف ابنتي؟"في تلك اللحظة، فُتح باب القصر بصخب شديد. حدقت في الرجل الهائل الذي دخل. كان هو نفسه الرجل صاحب العينين العسليتين الذي رأيته بالأمس. وقبل أن تتاح لي فرصة للتفكير، خطى بخطوات سريعة نحو والدي وأمسك بتلابيب قميصه."أين أختي يا ابن..."لم يرتفع صوته، لكن في تلك اللحظة انقلب كل شيء. ضاق القصر، وتغيرت وقفة الجميع. تراجع الرجال الواقفون خلف والدي إلى الخلف، بينما سمّرت أنا في مكاني دون حراك. "لا تتحركي"، قلت لنفسي، "ليس الآن".هذا ليس مجرد صراخ، حدثت نفسي، هذا شيء أشد قسوة.تكلم والدي بشيء ما، لكن الكلمات لم تدخل أذني. لم يطلق الرجل تلابيبه فوراً، بل ظلت أظافره متشبثة بالقماش. ربما لم يستغرق الأمر طويلاً، لكنه بدا لي أبدياً. "لو يتركه الآن"، فکرت، "لو يتركه فقط..."لكنه لم يفعل.ثم سحب يده ببطء. ذلك البطء زرع في داخلي قلقاً شديداً. لم يكن مستعجلاً، والرجل الذي
أغلقتُ عيني لثانية واحدة، وضغطتُ على أسناني وأخذتُ نفسًا عميقًا. لو نطقتُ بما في داخلي لتحول المكان إلى بركة دماء، لكنني صمتُ... كعادتنا دائمًا.— "مع أي حبيب كنتِ تلتقين؟ أخبريني."في تلك اللحظة انكسر شيء في داخلي. أردتُ الصراخ، أردتُ أن أقول لها: "الزمي حدك!"، لكن الكلمات تجمدت في حلقي. كانت امرأة خبيثة؛ فأنا لم أكن مع أي رجل في حياتي، بل لم أنطق اسم رجل قط، ورغم ذلك تتأملني وكأنني مذنبة، وتلطخني بنظراتها... كان هذا هو ما يمزقني بحق.— "تحدثي بأدب. أنا لم ألقَ أحدًا."سحبتُ ذراعي من يدها بقوة. كانت لمستها تقززني، وكأنها تضغط على أعصابي لا على جلدي.— "وماذا تفعلين بالخارج حتى هذا الوقت إذن؟ ألا تفكرين في ما سيقوله عليكِ أباكِ وماذا سيفعل لو علم؟"كنتُ أعرف التهديد المبطن خلف كلماتها جيدًا. إخبار أبي... كان هذا سلاحها الدائم. كانت تهددني بأبي، تلك الأفعى. كانت هي أول من علمني معنى الكره؛ لم أكن أظن أنني أستطيع كره إنسان إلى هذا الحد، ولا أعلم إن كنتُ سأكره أحدًا بعدها كما كرهتها.— "خرجتُ لأستنشق بعض الهواء، ويمكنكِ قول ذلك لمن تشائين."خرج صوتي هادئًا رغم الفوضى التي تعصف بداخلي. كن
قبض أبي على شعري بكلتا يديه وشدّه بقسوة، ثم أدار وجهي نحو أخي "سيدار". اعتصرني الألم وانكمشت ملامحي رغماً عني، وشعرتُ بقلبي يكاد يُقتلع من صدري.— "انظر يا "سيدار"، هذه هي السبب في موت ابني! إنها تستحق كل ما يحدث لها!"تجمّدتُ في مكاني، وتوقف الهواء في حلقي. حادثة مقتل أخي الصغير قبل أحد عشر عامًا... تلك التهمة التي أُلقيت عليّ دون ذنب. رغم أن المرأة التي جلبها أبي على أمي هي من فعلت ذلك، وقلتُ هذا مرارًا وتكرارًا، لم يصدقني أحد. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد حياتي كما كانت، ولن تكون... وصرتُ أعلم ذلك جيدًا.---كان هناك صوت خافت في أعماقي يهمس: "ربما يوماً ما..."، لكن هذا الصوت كان يضمحل عاماً بعد عام. وكلما رأيتُ البغض في عيني أبي، كان يموت ذلك الاحتمال في داخلي.— "أقسم لك أنني لم أفعل يا أبي! كيف لي أن أؤذي أخي؟!"طارت كلماتي في الهواء دون أن تجد من يسمعها... أو ربما لم يرغب أحد في سماعها.كنتُ أبكي بحرقة، والدموع تنهمر بلا توقف وأنا أصارع الضيق في صدري. سحبني أخي "سيدار" من بين يدي أبي وصعد بي إلى غرفتي بصمت. لم يتكلم، فلم يكن هناك ما يُقال أساسًا. جلستُ على طرف السرير وغطيتُ وجهي بكفيّ







