Share

7

Author: Fifi
last update publish date: 2026-09-09 07:33:31

امتلأت عيناي بالدموع وفهمت سبب وجوده هنا.

انعصر قلبي في صدري وعلقة غصتي في حلقي. لم أرد أكون هنا، لم أرد ذلك مطلقاً.

"لا أريد."

كان صوتي أضعف مما ظننت. أمسك بمعصمي وسحبني إليه بقسوة. كان ضغط أشتغله يؤلمني، لكن الألم الحقيقي لم يكن ذلك، بل كان معرفتي بأنني لن أستطيع الهرب.

"يبدو أن عقلكِ لم يعد إليكِ بعد!"

تباً... كنت خائفة. ذلك الخوف الأليف الذي ينمو في داخلي استقر في معدتي. كنت أعلم أنني إن سكتُ فسيصبح الأمر أسوأ، وإن تحدثتُ فكذلك...

"إن سألوا، فقولي إنني أصبتُ ببرد."

هززت رأسي. لم تكن لدي قوة للاعتراض. وعلى أي حال، لمن كنت سأشرح؟ ومن كان ليستمع؟

ُفتح الباب. دخل باران وديار. في تلك اللحظة خفضت بصري نحو الأرض. لم تكن لدي الشجاعة للنظر في وجوههما. وكأننا لو التقت أعيننا، فسيُفهم كل شيء: خوفي، وعجزي، والعاصفة التي تضرب داخلي...

"حمد الله على السلامة يا عروسنا، نرجو ألا يكون الأمر خطيراً؟"

لم أستطع الإجابة، انعقد لساني. شد والدي قبضته على ذراعي أكثر. تألمت في تلك اللحظة لكنني لم أخرج صوتاً، فقد كنت معتادة على الألم على أي حال.

"أنا بخير، شكراً لك."

لم تكن هذه الكلمات كلماتي، بل كانت الكلمات المتوقعة مني. كنت وكأنني أراقب نفسي من الخارج؛ لم أكن أنا من يتحدث.

التقت عيناي بعيني باران للحظة قصيرة. جالت نظراته عليّ من الأعلى إلى الأسفل. قشعر بدني، وشعرت بعدم الراحة. شعرت بأنني بلا حماية، كأنني عارية، وكأنني أُفحص كأداة أو متاع.

"أبهذه الطريقة تنظر إلى ابنتنا العروس يا ديار؟"

في تلك اللحظة انكسر شيء في داخلي. لم يعد لدي خجل ولا قوة، فقط تعب عميق... تعب أن تكوني امرأة، وأن تصمتي، وأن تتحملي.

مع سؤال ديار، سكت الجميع. وكأن الزمن توقف في تلك اللحظة. كان قلبي يخفق في صدري، وكنت أجد صعوبة في التنفس. لم أستطع رفع عيني عن الأرض، وكأنني لو نظرت لصار كل شيء أكثر واقعية.

"حاشا لله، مجرد نفيحة برد، ولن يكون بها شيء غداً. لا تقلق."

نفيحة برد...

هل كان هذا هو اسم الحريق في داخلي الآن؟ لم يكن جسدي المرتجف بسبب البرد، بل كان بسبب الخوف والإنضغاط. لكن لم يكن أحد يسمع هذا، ولم يريدوا سماعه.

"إن كان الأمر كذلك فالحال حسنة، إن كنتم متفرغين هذا المساء، فنود القدوم لطلب الفتاة؟"

في تلك اللحظة انكسر شيء في داخلي.

رفعت رأسي الملقى أرضاً ونظرت إلى والدي. كانت عيناي تتوسلان. "لا تفعل"، كانت نظراتي تقول. "لا تعطني". لكنه إما لم يرَ تلك النظرات أو أنه تجاهلها. كان مصيري بين شفتيه.

"نحن بانتظاركم، تفضلوا بالقدوم."

بينما كان صوتي يصرخ في داخلي، كان العالم الخارجي صامتاً. أخرجت نفسي بقلة حيلة، وكأنني أترك آخر قوة متبقية في داخلي. التقت نظراتي بنظرات باران مجدداً. كانت باردة، وخالية من التعابير. لم تكن في عينيه فضول ولا تردد.

ألا يريدني؟

ألا يريد هذا الزواج؟

أم أن الأمر لا يعني له شيئاً حتى وإن لم يكن يريده؟

"حمد الله على سلامتكِ يا ابنتي."

وصلت كلماته إلى أذني لكنها لم تنزل إلى قلبي. ابتسمت بمشقة. ارتجفت شفتاي. في تلك اللحظة أدركت: كم كانت حتى الابتسامة تبدو ثقيلة عليّ.

انتقلت نظرات باران إلى أخي جوان. كانت حادة، قاطعة، ومخيفة. انحنيت تحت ثقل تلك النظرات. وكان الشيء الوحيد الذي يجول في خاطري هو:

كيف سأتزوج هذا الرجل؟

كيف سأدخل البيت ذاته، وأجلس إلى المائدة ذاتها، وأُحكم بالحياة ذاتها؟

واصلت طرح الأسئلة التي أعرف إجاباتها في داخلي. لأن المرء يريد أحياناً شرح عجزه لنفسه أكثر من أي شيء آخر... عندما لا يكون هناك أحد آخر ليشرَح له...

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قَيد من حَرير ودم   7

    امتلأت عيناي بالدموع وفهمت سبب وجوده هنا.انعصر قلبي في صدري وعلقة غصتي في حلقي. لم أرد أكون هنا، لم أرد ذلك مطلقاً."لا أريد."كان صوتي أضعف مما ظننت. أمسك بمعصمي وسحبني إليه بقسوة. كان ضغط أشتغله يؤلمني، لكن الألم الحقيقي لم يكن ذلك، بل كان معرفتي بأنني لن أستطيع الهرب."يبدو أن عقلكِ لم يعد إليكِ بعد!"تباً... كنت خائفة. ذلك الخوف الأليف الذي ينمو في داخلي استقر في معدتي. كنت أعلم أنني إن سكتُ فسيصبح الأمر أسوأ، وإن تحدثتُ فكذلك..."إن سألوا، فقولي إنني أصبتُ ببرد."هززت رأسي. لم تكن لدي قوة للاعتراض. وعلى أي حال، لمن كنت سأشرح؟ ومن كان ليستمع؟ُفتح الباب. دخل باران وديار. في تلك اللحظة خفضت بصري نحو الأرض. لم تكن لدي الشجاعة للنظر في وجوههما. وكأننا لو التقت أعيننا، فسيُفهم كل شيء: خوفي، وعجزي، والعاصفة التي تضرب داخلي..."حمد الله على السلامة يا عروسنا، نرجو ألا يكون الأمر خطيراً؟"لم أستطع الإجابة، انعقد لساني. شد والدي قبضته على ذراعي أكثر. تألمت في تلك اللحظة لكنني لم أخرج صوتاً، فقد كنت معتادة على الألم على أي حال."أنا بخير، شكراً لك."لم تكن هذه الكلمات كلماتي، بل كانت الكل

  • قَيد من حَرير ودم   6

    ندمت فور خروج الكلمة من فمي، لأن هذه الجملة لم تجد لها صدى يوماً في هذا البيت. ومع ذلك قلتها، علّ كسرة تتبقى، علّ تلك الكلمة تؤلم موضعاً فيه.سقطت أرضاً بسبب الصفعة القوية التي وجهها لي. احترق وجهي وطنت أذناي، لكن الألم الحقيقي لم يكن في جسدي بل انفجر في داخلي. كانت الأرض باردة، وكانت الأرض أرحم عليّ منه."لستِ ابنتي! لدي ولدان: أحدهما قتلتِه أنتِ، والآخر جوان. ولن أسمح بموت ولدي الوحيد!"في تلك اللحظة انكسر شيء في داخلي... بل لم ينكسر، بل جف. كنت كزهرة قُطفت من غصنها وذبلت. كل ما أقوله كان باطلاً الآن، ولم تكن لأي من كلماتي قيمة في هذا البيت. لم أكن موجودة، كنت مجرد إثم."قلتُ ستتزوجين، وانتهى الأمر."ها هو الحكم. قرار لا نقاش فيه ولا رجعة عنه. لُخصت حياتي في جملة واحدة. لم يكن لي رأي، ولم يكن لي مستقبل، وحتى جسدي لم يكن ملكاً لي.انكببت على قدميه. خجلت من نفسي ولكنني لم أذكر لحظة كنت فيها أكثر ضعفاً. كانت ركبتاي ترتجفان، وكان كبريائي قد سُحق منذ زمن، ولم يتبقَ سوى غريزة البقاء."أرجوك يا أبي... أتوسل إليك. أفعل أي شيء تطلبه لكنني لا أستطيع الزواج!"انكسر صوتي. لم يكن هذا عصياناً بعد

  • قَيد من حَرير ودم   5

    كان صوتي يرتجف. وزاد الثقل على صدري وكأن أحداً يضغط عليه. تحول بكائي إلى نحيب. لم تعد روحي تحتمل ما يحدث. إن كتمت كان الداخلي ينزف، وإن أظهرت كان الوجع يشتد. حتى التنفس بات صعباً. هجم كل شيء عليّ ولم يكن هناك مفر."أرجوك... أرجوك يا الله..."فزعت عند سماع صوت فتح الباب. دخل أخي صدار، لكنني لم أستطع رفع رأسي. لم أرد النظر في وجهه، فلو نظرت لانهار ما تبقى مني. لم تكن لدي رغبة حتى في القيام والنظر إلى المرآة، لأنني كنت أخشى رؤية نفسي فيها؛ أخشى رؤية الخلاء في عيني والضياع على وجهي."ديلدا."عندما نطق باسمي، جمعت آخر ما تبقى لي من قوة ورفعت رأسي. نظرت إلى وجهه لكن لم يكن في عينيه أي أمل، فهمت ذلك فوراً. ومع ذلك كان هناك جزء صغير في داخلي يهمس بـ "علّ...""أرجوك أوقف هذا يا أخوي... لا أستطيع... لا أستطيع الزواج من ذلك الرجل."بلع ريقه. نظر إليّ بابتسامة مريرة قطعت شغاف قلبي. كان يبدو كمن يعرف كل شيء ولكنه حيلة له. وعندما تكلم، انكسرت آخر قطعة في داخلي:" أنت مجبرة. تم اتخاذ القرار."هززت رأسي نفياً. أردت أن أقول لا، لكن الكلمات تجمدت في حنجرتي. كان بإمكانهم فعل هذا بي، كان بإمكانهم تجاهلي

  • قَيد من حَرير ودم   4

    عضضت على شفتاي. تقدم جدي ووقف أمام ديار، واضعاً يديه خلف ظهره. رؤيته بهذا الشكل زادت من التوتر داخلي. شيء ما سيحدث... شيء سيء سيحدث، هكذا كنت أحدث نفسي."جلس لنلتئم ونصل إلى حل وسط.""أي حل تحدثني عنه يا أمد، وحفيدك الكلب قد خطف ابنتي؟"في تلك اللحظة، فُتح باب القصر بصخب شديد. حدقت في الرجل الهائل الذي دخل. كان هو نفسه الرجل صاحب العينين العسليتين الذي رأيته بالأمس. وقبل أن تتاح لي فرصة للتفكير، خطى بخطوات سريعة نحو والدي وأمسك بتلابيب قميصه."أين أختي يا ابن..."لم يرتفع صوته، لكن في تلك اللحظة انقلب كل شيء. ضاق القصر، وتغيرت وقفة الجميع. تراجع الرجال الواقفون خلف والدي إلى الخلف، بينما سمّرت أنا في مكاني دون حراك. "لا تتحركي"، قلت لنفسي، "ليس الآن".هذا ليس مجرد صراخ، حدثت نفسي، هذا شيء أشد قسوة.تكلم والدي بشيء ما، لكن الكلمات لم تدخل أذني. لم يطلق الرجل تلابيبه فوراً، بل ظلت أظافره متشبثة بالقماش. ربما لم يستغرق الأمر طويلاً، لكنه بدا لي أبدياً. "لو يتركه الآن"، فکرت، "لو يتركه فقط..."لكنه لم يفعل.ثم سحب يده ببطء. ذلك البطء زرع في داخلي قلقاً شديداً. لم يكن مستعجلاً، والرجل الذي

  • قَيد من حَرير ودم   3

    أغلقتُ عيني لثانية واحدة، وضغطتُ على أسناني وأخذتُ نفسًا عميقًا. لو نطقتُ بما في داخلي لتحول المكان إلى بركة دماء، لكنني صمتُ... كعادتنا دائمًا.— "مع أي حبيب كنتِ تلتقين؟ أخبريني."في تلك اللحظة انكسر شيء في داخلي. أردتُ الصراخ، أردتُ أن أقول لها: "الزمي حدك!"، لكن الكلمات تجمدت في حلقي. كانت امرأة خبيثة؛ فأنا لم أكن مع أي رجل في حياتي، بل لم أنطق اسم رجل قط، ورغم ذلك تتأملني وكأنني مذنبة، وتلطخني بنظراتها... كان هذا هو ما يمزقني بحق.— "تحدثي بأدب. أنا لم ألقَ أحدًا."سحبتُ ذراعي من يدها بقوة. كانت لمستها تقززني، وكأنها تضغط على أعصابي لا على جلدي.— "وماذا تفعلين بالخارج حتى هذا الوقت إذن؟ ألا تفكرين في ما سيقوله عليكِ أباكِ وماذا سيفعل لو علم؟"كنتُ أعرف التهديد المبطن خلف كلماتها جيدًا. إخبار أبي... كان هذا سلاحها الدائم. كانت تهددني بأبي، تلك الأفعى. كانت هي أول من علمني معنى الكره؛ لم أكن أظن أنني أستطيع كره إنسان إلى هذا الحد، ولا أعلم إن كنتُ سأكره أحدًا بعدها كما كرهتها.— "خرجتُ لأستنشق بعض الهواء، ويمكنكِ قول ذلك لمن تشائين."خرج صوتي هادئًا رغم الفوضى التي تعصف بداخلي. كن

  • قَيد من حَرير ودم   2

    قبض أبي على شعري بكلتا يديه وشدّه بقسوة، ثم أدار وجهي نحو أخي "سيدار". اعتصرني الألم وانكمشت ملامحي رغماً عني، وشعرتُ بقلبي يكاد يُقتلع من صدري.— "انظر يا "سيدار"، هذه هي السبب في موت ابني! إنها تستحق كل ما يحدث لها!"تجمّدتُ في مكاني، وتوقف الهواء في حلقي. حادثة مقتل أخي الصغير قبل أحد عشر عامًا... تلك التهمة التي أُلقيت عليّ دون ذنب. رغم أن المرأة التي جلبها أبي على أمي هي من فعلت ذلك، وقلتُ هذا مرارًا وتكرارًا، لم يصدقني أحد. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد حياتي كما كانت، ولن تكون... وصرتُ أعلم ذلك جيدًا.---كان هناك صوت خافت في أعماقي يهمس: "ربما يوماً ما..."، لكن هذا الصوت كان يضمحل عاماً بعد عام. وكلما رأيتُ البغض في عيني أبي، كان يموت ذلك الاحتمال في داخلي.— "أقسم لك أنني لم أفعل يا أبي! كيف لي أن أؤذي أخي؟!"طارت كلماتي في الهواء دون أن تجد من يسمعها... أو ربما لم يرغب أحد في سماعها.كنتُ أبكي بحرقة، والدموع تنهمر بلا توقف وأنا أصارع الضيق في صدري. سحبني أخي "سيدار" من بين يدي أبي وصعد بي إلى غرفتي بصمت. لم يتكلم، فلم يكن هناك ما يُقال أساسًا. جلستُ على طرف السرير وغطيتُ وجهي بكفيّ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status