Share

6

Author: Fifi
last update publish date: 2026-09-09 07:31:42

ندمت فور خروج الكلمة من فمي، لأن هذه الجملة لم تجد لها صدى يوماً في هذا البيت. ومع ذلك قلتها، علّ كسرة تتبقى، علّ تلك الكلمة تؤلم موضعاً فيه.

سقطت أرضاً بسبب الصفعة القوية التي وجهها لي. احترق وجهي وطنت أذناي، لكن الألم الحقيقي لم يكن في جسدي بل انفجر في داخلي. كانت الأرض باردة، وكانت الأرض أرحم عليّ منه.

"لستِ ابنتي! لدي ولدان: أحدهما قتلتِه أنتِ، والآخر جوان. ولن أسمح بموت ولدي الوحيد!"

في تلك اللحظة انكسر شيء في داخلي... بل لم ينكسر، بل جف. كنت كزهرة قُطفت من غصنها وذبلت. كل ما أقوله كان باطلاً الآن، ولم تكن لأي من كلماتي قيمة في هذا البيت. لم أكن موجودة، كنت مجرد إثم.

"قلتُ ستتزوجين، وانتهى الأمر."

ها هو الحكم. قرار لا نقاش فيه ولا رجعة عنه. لُخصت حياتي في جملة واحدة. لم يكن لي رأي، ولم يكن لي مستقبل، وحتى جسدي لم يكن ملكاً لي.

انكببت على قدميه. خجلت من نفسي ولكنني لم أذكر لحظة كنت فيها أكثر ضعفاً. كانت ركبتاي ترتجفان، وكان كبريائي قد سُحق منذ زمن، ولم يتبقَ سوى غريزة البقاء.

"أرجوك يا أبي... أتوسل إليك. أفعل أي شيء تطلبه لكنني لا أستطيع الزواج!"

انكسر صوتي. لم يكن هذا عصياناً بعد الآن، بل كان رمقاً أخيراً، كأخر نفس يلفظه الإنسان لينقذ نفسه.

"لا أستطيع... اسمعني أرجوك. على الأقل افعل هذا من أجل ابنتك."

قلت تلك الكلمة بقصد. ابنتك. علّ تلك الكلمة تُسكت الوحش في داخله للحظة. لكنني كنت مخطئة.

"قومي يا..."

أمسك بياقة فستاني ورفعني من الأرض. جُرت قدمي على الأرض. كنت أعلم إلى أين نحن ذاهبون ونحن نخرج من الغرفة. ضاق قلبي. الغرفة ذاتها مجدداً. المظلمة. الباردة. المليئة بالكوابيس. كانت تلك الغرفة مقبرتي، وكأنني أُقبر فيها أكثر مع كل دخول.

"ادخلي إلى هنا! اقضي الليل هنا حتى يعود إليك عقلك!"

الصوت الذي صدر عند إغلاق الباب سحق آخر أمل في داخلي.

وعندما أطبق عليّ الظلام فهمت:

لم يكن عقلي هو ما يُعاقب، بل مصيري.

والإنسان يتفتت أكثر ما يتفتت عندما يفهم أنه لا شيء في عين والده.

أدخلني إلى غرفة باردة كالجليد ومظلمة تماماً. برودة تتسلل إلى داخلي خيطاً خيطاً... وكأن الجدران نفسها كانت تتنفس وتسرق نفسي. كانت روحي ترتجف، وكنت خائفة حتى النخاع.

"أبي!"

أدار ظهره ومضى. لا أعلم كم مرة أُدير قفل الباب، لكن مع كل دورة كان شيء في داخلي ينكسر. استند ظهري إلى الجدار، ولم تعد ركبتاي تحملانني، فسقطت في مكاني. كان الظلام مظلماً بالأساس، لكنه في تلك اللحظة صار أشد سواداً. تسللت البرودة إلى داخل بشرتي.

"أبي..."

خرج صوتي خافتاً، لم يصل حتى إليّ. وكأن الكلمات الخارجة من فمي كانت تتجمد على الأرض.

بينما كان وعيي يغيب رويداً رويداً، كانت الكلمة الوحيدة التي تخرج من شفتي تتردد في تلك الغرفة المتجمدة. كان صوتي يبدو غريباً عليّ: عاجزاً، مكسوراً، ووحيداً.

"أبي..."

أردت النوم... اللجوء إلى نوم أبدي... ألا أستيقظ أبداً، ألا أتذكر أبداً، ألا أشعر بشيء. أردت أن أكون في فراغ يتخلى فيه حتى الألم عني.

"اصمدي يا ديلدا، سأوصلكِ إلى المستشفى!"

كنت أسمع صوت أخي صدار من بعيد، من بعيد جداً. وكأنني كنت تحت الماء وشخص ما يصرح من الأعلى. أردت الإجابة لكن جسدي لم يعد ملكاً لي. أطبق الظلام عليّ، ونزلت البرودة حتى عظامي. كنت أبرد... لم تكن بشرتي فقط، بل قلبي كان يبرد أيضاً.

"آه يا أبي آه!"

ذلك الصوت... مزق أحشائي. كانت المرة الأولى التي أسمع فيها خفه، والمرة الأولى التي ألمس فيها عجزه.

كنت أرتجف، ليس من البرد فحسب، بل من الانكسار، ومن الوحدة، ومن ذلك الألم الوصف الذي ينمو في داخلي. وكأن أحداً كان يصرخ بصمت في داخلي دون أن يسمعه أحد، ولا حتى أنا.

"أخي..."

"قولي يا روح أخيكِ."

وضعت رأسي على ركبتيه. لم تعد لدي قوة لأسكت ما يدور في داخلي. ذلك الثقل العالق في صدري لم يكن يسمح لي حتى بالتنفس.

"لا أريد العيش."

حتى وهي تخرج من شفتي، ارتجف داخلي من هذه الجملة. وكأن صوتي كان غريباً عليّ. طن ثقل ما قلته في أذني، أردت استرجاعه لكن الكلمات كانت قد سقطت بالفعل.

عندما سقطت دمعة أخي جوان على جبيني، انفتحت عيناي وإغلقتا. لامست الحرارة بشرتي؛ خجلت، وانكسرت، وصغرت في داخل نفسي أكثر. وكأنه كان يبكي لأنني لم أستطع البكاء، يبكي نيابة عني، ويحمل حملي...

"خذ روحي، ولا تتحدثي هكذا!"

كنت أبرد، لكن هذا لم يكن صقيع الهواء، بل كان برد الفراغ في داخلي، برد التخلي، وبرد عدم الاتساع لأحد. تعلمت أن المرء يمكن أن يبرد وحيداً حتى وسط الزحام.

عندما فتحت عيني، لاحظت أنني في المستشفى. أحرق الضوء الأبيض في السقف عيني. نظرت إلى المغذي في ذراعي؛ أنبوب نحيل، كأمل نحيل ينسكب قطرة قطرة في داخلي.

حاولت الاعتدال، فتقطب وجهي من شدة الألم. وكأن روحي هي التي كانت تؤلمني وليس جسدي. اقتربت الممرضة التي دخلت وهي تبتسم. بدت لي تلك الابتسامة وكأنها لا تخصني؛ متى نسيت كيف أبتسم؟

"هل أنتِ بخير الآن، كيف تشعرين؟"

كيف أشعر؟ في أي كلمة تقال إجابة هذا السؤال؟ متمزقة؟ تعبة؟ مكسورة؟ مستنزفة؟ لم أقل أي منها. دفنت العاصفة الهوجاء في داخلي في كلمة واحدة.

رددت عليها بنفس الطريقة:

"أنا بخير، شكراً لكِ."

كانت كذبة، لكن الناس يحبون سماع هذه الكذبة أكثر من أي شيء: "أنا بخير". لأنه لا أحد يريد حمل الحقيقة.

نزعت المغذي المنتهي ووضعته جانباً. كان الألم الذي شعرت به عند خروج الإبرة قصيراً. ليت الآلام في داخلي كانت قصيرة هكذا، وليت المرء كان يستطيع إمداد قلبه بضمادة.

"هناك رجلان عند الباب، أظن أنهما أخواكِ... هل تريدين أن أطلب منهما الدخول؟"

توقفت للحظة. أراد شيء في داخلي أن يقول "لا". صرخ ذلك الجزء المكسور الذي لا يريد رؤية أحد. لكن لم تكن لدي طاقة للبقاء بمفردي أيضاً. أحياناً يريد المرء التشبث حتى بـأولئك الذين لا يريد رؤيتهم.

"من الجيد أنه لا يزال هناك ناس طيبون"، قلت في سري. ربما كنت أريد التصديق فقط.

"حسنًا، إن لم يكن في ذلك زحمة عليكِ."

خرج صوته لطيفاً لكن داخلي كان خرباً. كانت الكلمات مرتبة، بينما كنت أنا حطاماً.

بعد خروج الممرضة بفترة قصيرة، دخل أخي جوان وصدار. عندما فُتح الباب، تسارعت ضربات قلبي دون إرادة مني. لم يعد لدي مكان أهرب إليه. اقترب أخي صدار مني بسرعة وطبع شفتيه على شعري. كان يفعل هذا عندما كنت صغيرة؛ كان يبدو كأمان في ذلك الوقت، أما الآن فقد ترك فراغاً يؤلم في داخلي.

"يا جميلتي، هل أنتِ بخير؟"

هل أنا بخير؟ كم كان الجميع يطرح هذا السؤال بسهولة. ربما لأنه لا أحد مجبر على حمل الإجابة بحق.

رسمت ابتسامة على وجهي. تعلمت أن المرء يخفي جرحه بالابتسامة أحياناً.

"أنا بخير يا أخوي، لا تقلق."

كذبة أخرى. اعتاد لساني عليها الآن. ماذا كان سيغير لو قلت الحقيقة؟ لم يكن ألمي ليخف إن شاركته، بل كان سيصبح مرئياً فقط.

"يا ديلدا."

كانت هناك رقّة في نطقه لاسمي، لكن لم يكن لها أثر في داخلي. سمعت صوته ولم أشعر بشعوره.

كانت عيناي لا تزالان على أخي صدار، لكن داخلي كان يتراجع. لا أردت أن أرى ولا أن أتحدث. لم يعد يختلف عن والدي في نظري. عندما ينكسر المرء، ينظر إلى الجميع من نفس المكان: بعيدين، باردين، وغرباء.

بينما كنت أفكر في هذا، فُتح الباب مجدداً. دخل والدي.

ندهشت مما رأيت. ضاق صدري وانقطع نفسي. ما الذي أتى به إلى هنا؟ هل كان قلقاً عليّ؟ حقاً؟ مجرد التفكير في هذا الاحتمال كان يؤلمني. أراد جزء مني التصديق، بينما دفع الجزء الآخر ذلك الأمل بعيداً عن حنجرتي بالقوة.

"ربما كان قلقاً..." همس صوت صغير في داخلي.

لكن فوراً ارتفع صوت آخر: "لا تخدعي نفسكِ."

لأن المرء يتعب أكثر ما يتعب وهو يتخيل اهتماماً لم يأتِ قط.

"سيأتي أهلكِ الجدد (أهل زوجكِ). أصلحي من شأن نفسكِ."

طافت كلماته في الغرفة وجاءت لتصطدم بقلبي. النبرة ذاتها، والمسافة ذاتها. لم يكن عليّ الاستغراب ولو للحظة، ومع ذلك تألمت. فالمرء لا ينكسر من حيث لا يتوقع، بل ينكسر دائماً من حيث ينتظر.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قَيد من حَرير ودم   7

    امتلأت عيناي بالدموع وفهمت سبب وجوده هنا.انعصر قلبي في صدري وعلقة غصتي في حلقي. لم أرد أكون هنا، لم أرد ذلك مطلقاً."لا أريد."كان صوتي أضعف مما ظننت. أمسك بمعصمي وسحبني إليه بقسوة. كان ضغط أشتغله يؤلمني، لكن الألم الحقيقي لم يكن ذلك، بل كان معرفتي بأنني لن أستطيع الهرب."يبدو أن عقلكِ لم يعد إليكِ بعد!"تباً... كنت خائفة. ذلك الخوف الأليف الذي ينمو في داخلي استقر في معدتي. كنت أعلم أنني إن سكتُ فسيصبح الأمر أسوأ، وإن تحدثتُ فكذلك..."إن سألوا، فقولي إنني أصبتُ ببرد."هززت رأسي. لم تكن لدي قوة للاعتراض. وعلى أي حال، لمن كنت سأشرح؟ ومن كان ليستمع؟ُفتح الباب. دخل باران وديار. في تلك اللحظة خفضت بصري نحو الأرض. لم تكن لدي الشجاعة للنظر في وجوههما. وكأننا لو التقت أعيننا، فسيُفهم كل شيء: خوفي، وعجزي، والعاصفة التي تضرب داخلي..."حمد الله على السلامة يا عروسنا، نرجو ألا يكون الأمر خطيراً؟"لم أستطع الإجابة، انعقد لساني. شد والدي قبضته على ذراعي أكثر. تألمت في تلك اللحظة لكنني لم أخرج صوتاً، فقد كنت معتادة على الألم على أي حال."أنا بخير، شكراً لك."لم تكن هذه الكلمات كلماتي، بل كانت الكل

  • قَيد من حَرير ودم   6

    ندمت فور خروج الكلمة من فمي، لأن هذه الجملة لم تجد لها صدى يوماً في هذا البيت. ومع ذلك قلتها، علّ كسرة تتبقى، علّ تلك الكلمة تؤلم موضعاً فيه.سقطت أرضاً بسبب الصفعة القوية التي وجهها لي. احترق وجهي وطنت أذناي، لكن الألم الحقيقي لم يكن في جسدي بل انفجر في داخلي. كانت الأرض باردة، وكانت الأرض أرحم عليّ منه."لستِ ابنتي! لدي ولدان: أحدهما قتلتِه أنتِ، والآخر جوان. ولن أسمح بموت ولدي الوحيد!"في تلك اللحظة انكسر شيء في داخلي... بل لم ينكسر، بل جف. كنت كزهرة قُطفت من غصنها وذبلت. كل ما أقوله كان باطلاً الآن، ولم تكن لأي من كلماتي قيمة في هذا البيت. لم أكن موجودة، كنت مجرد إثم."قلتُ ستتزوجين، وانتهى الأمر."ها هو الحكم. قرار لا نقاش فيه ولا رجعة عنه. لُخصت حياتي في جملة واحدة. لم يكن لي رأي، ولم يكن لي مستقبل، وحتى جسدي لم يكن ملكاً لي.انكببت على قدميه. خجلت من نفسي ولكنني لم أذكر لحظة كنت فيها أكثر ضعفاً. كانت ركبتاي ترتجفان، وكان كبريائي قد سُحق منذ زمن، ولم يتبقَ سوى غريزة البقاء."أرجوك يا أبي... أتوسل إليك. أفعل أي شيء تطلبه لكنني لا أستطيع الزواج!"انكسر صوتي. لم يكن هذا عصياناً بعد

  • قَيد من حَرير ودم   5

    كان صوتي يرتجف. وزاد الثقل على صدري وكأن أحداً يضغط عليه. تحول بكائي إلى نحيب. لم تعد روحي تحتمل ما يحدث. إن كتمت كان الداخلي ينزف، وإن أظهرت كان الوجع يشتد. حتى التنفس بات صعباً. هجم كل شيء عليّ ولم يكن هناك مفر."أرجوك... أرجوك يا الله..."فزعت عند سماع صوت فتح الباب. دخل أخي صدار، لكنني لم أستطع رفع رأسي. لم أرد النظر في وجهه، فلو نظرت لانهار ما تبقى مني. لم تكن لدي رغبة حتى في القيام والنظر إلى المرآة، لأنني كنت أخشى رؤية نفسي فيها؛ أخشى رؤية الخلاء في عيني والضياع على وجهي."ديلدا."عندما نطق باسمي، جمعت آخر ما تبقى لي من قوة ورفعت رأسي. نظرت إلى وجهه لكن لم يكن في عينيه أي أمل، فهمت ذلك فوراً. ومع ذلك كان هناك جزء صغير في داخلي يهمس بـ "علّ...""أرجوك أوقف هذا يا أخوي... لا أستطيع... لا أستطيع الزواج من ذلك الرجل."بلع ريقه. نظر إليّ بابتسامة مريرة قطعت شغاف قلبي. كان يبدو كمن يعرف كل شيء ولكنه حيلة له. وعندما تكلم، انكسرت آخر قطعة في داخلي:" أنت مجبرة. تم اتخاذ القرار."هززت رأسي نفياً. أردت أن أقول لا، لكن الكلمات تجمدت في حنجرتي. كان بإمكانهم فعل هذا بي، كان بإمكانهم تجاهلي

  • قَيد من حَرير ودم   4

    عضضت على شفتاي. تقدم جدي ووقف أمام ديار، واضعاً يديه خلف ظهره. رؤيته بهذا الشكل زادت من التوتر داخلي. شيء ما سيحدث... شيء سيء سيحدث، هكذا كنت أحدث نفسي."جلس لنلتئم ونصل إلى حل وسط.""أي حل تحدثني عنه يا أمد، وحفيدك الكلب قد خطف ابنتي؟"في تلك اللحظة، فُتح باب القصر بصخب شديد. حدقت في الرجل الهائل الذي دخل. كان هو نفسه الرجل صاحب العينين العسليتين الذي رأيته بالأمس. وقبل أن تتاح لي فرصة للتفكير، خطى بخطوات سريعة نحو والدي وأمسك بتلابيب قميصه."أين أختي يا ابن..."لم يرتفع صوته، لكن في تلك اللحظة انقلب كل شيء. ضاق القصر، وتغيرت وقفة الجميع. تراجع الرجال الواقفون خلف والدي إلى الخلف، بينما سمّرت أنا في مكاني دون حراك. "لا تتحركي"، قلت لنفسي، "ليس الآن".هذا ليس مجرد صراخ، حدثت نفسي، هذا شيء أشد قسوة.تكلم والدي بشيء ما، لكن الكلمات لم تدخل أذني. لم يطلق الرجل تلابيبه فوراً، بل ظلت أظافره متشبثة بالقماش. ربما لم يستغرق الأمر طويلاً، لكنه بدا لي أبدياً. "لو يتركه الآن"، فکرت، "لو يتركه فقط..."لكنه لم يفعل.ثم سحب يده ببطء. ذلك البطء زرع في داخلي قلقاً شديداً. لم يكن مستعجلاً، والرجل الذي

  • قَيد من حَرير ودم   3

    أغلقتُ عيني لثانية واحدة، وضغطتُ على أسناني وأخذتُ نفسًا عميقًا. لو نطقتُ بما في داخلي لتحول المكان إلى بركة دماء، لكنني صمتُ... كعادتنا دائمًا.— "مع أي حبيب كنتِ تلتقين؟ أخبريني."في تلك اللحظة انكسر شيء في داخلي. أردتُ الصراخ، أردتُ أن أقول لها: "الزمي حدك!"، لكن الكلمات تجمدت في حلقي. كانت امرأة خبيثة؛ فأنا لم أكن مع أي رجل في حياتي، بل لم أنطق اسم رجل قط، ورغم ذلك تتأملني وكأنني مذنبة، وتلطخني بنظراتها... كان هذا هو ما يمزقني بحق.— "تحدثي بأدب. أنا لم ألقَ أحدًا."سحبتُ ذراعي من يدها بقوة. كانت لمستها تقززني، وكأنها تضغط على أعصابي لا على جلدي.— "وماذا تفعلين بالخارج حتى هذا الوقت إذن؟ ألا تفكرين في ما سيقوله عليكِ أباكِ وماذا سيفعل لو علم؟"كنتُ أعرف التهديد المبطن خلف كلماتها جيدًا. إخبار أبي... كان هذا سلاحها الدائم. كانت تهددني بأبي، تلك الأفعى. كانت هي أول من علمني معنى الكره؛ لم أكن أظن أنني أستطيع كره إنسان إلى هذا الحد، ولا أعلم إن كنتُ سأكره أحدًا بعدها كما كرهتها.— "خرجتُ لأستنشق بعض الهواء، ويمكنكِ قول ذلك لمن تشائين."خرج صوتي هادئًا رغم الفوضى التي تعصف بداخلي. كن

  • قَيد من حَرير ودم   2

    قبض أبي على شعري بكلتا يديه وشدّه بقسوة، ثم أدار وجهي نحو أخي "سيدار". اعتصرني الألم وانكمشت ملامحي رغماً عني، وشعرتُ بقلبي يكاد يُقتلع من صدري.— "انظر يا "سيدار"، هذه هي السبب في موت ابني! إنها تستحق كل ما يحدث لها!"تجمّدتُ في مكاني، وتوقف الهواء في حلقي. حادثة مقتل أخي الصغير قبل أحد عشر عامًا... تلك التهمة التي أُلقيت عليّ دون ذنب. رغم أن المرأة التي جلبها أبي على أمي هي من فعلت ذلك، وقلتُ هذا مرارًا وتكرارًا، لم يصدقني أحد. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد حياتي كما كانت، ولن تكون... وصرتُ أعلم ذلك جيدًا.---كان هناك صوت خافت في أعماقي يهمس: "ربما يوماً ما..."، لكن هذا الصوت كان يضمحل عاماً بعد عام. وكلما رأيتُ البغض في عيني أبي، كان يموت ذلك الاحتمال في داخلي.— "أقسم لك أنني لم أفعل يا أبي! كيف لي أن أؤذي أخي؟!"طارت كلماتي في الهواء دون أن تجد من يسمعها... أو ربما لم يرغب أحد في سماعها.كنتُ أبكي بحرقة، والدموع تنهمر بلا توقف وأنا أصارع الضيق في صدري. سحبني أخي "سيدار" من بين يدي أبي وصعد بي إلى غرفتي بصمت. لم يتكلم، فلم يكن هناك ما يُقال أساسًا. جلستُ على طرف السرير وغطيتُ وجهي بكفيّ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status