Share

5

Author: Fifi
last update publish date: 2026-09-09 07:28:20

كان صوتي يرتجف. وزاد الثقل على صدري وكأن أحداً يضغط عليه. تحول بكائي إلى نحيب. لم تعد روحي تحتمل ما يحدث. إن كتمت كان الداخلي ينزف، وإن أظهرت كان الوجع يشتد. حتى التنفس بات صعباً. هجم كل شيء عليّ ولم يكن هناك مفر.

"أرجوك... أرجوك يا الله..."

فزعت عند سماع صوت فتح الباب. دخل أخي صدار، لكنني لم أستطع رفع رأسي. لم أرد النظر في وجهه، فلو نظرت لانهار ما تبقى مني. لم تكن لدي رغبة حتى في القيام والنظر إلى المرآة، لأنني كنت أخشى رؤية نفسي فيها؛ أخشى رؤية الخلاء في عيني والضياع على وجهي.

"ديلدا."

عندما نطق باسمي، جمعت آخر ما تبقى لي من قوة ورفعت رأسي. نظرت إلى وجهه لكن لم يكن في عينيه أي أمل، فهمت ذلك فوراً. ومع ذلك كان هناك جزء صغير في داخلي يهمس بـ "علّ..."

"أرجوك أوقف هذا يا أخوي... لا أستطيع... لا أستطيع الزواج من ذلك الرجل."

بلع ريقه. نظر إليّ بابتسامة مريرة قطعت شغاف قلبي. كان يبدو كمن يعرف كل شيء ولكنه حيلة له. وعندما تكلم، انكسرت آخر قطعة في داخلي:

" أنت مجبرة. تم اتخاذ القرار."

هززت رأسي نفياً. أردت أن أقول لا، لكن الكلمات تجمدت في حنجرتي. كان بإمكانهم فعل هذا بي، كان بإمكانهم تجاهلي والتعدي علي، لكنني أنا... لم أكن أستطيع فعل هذا بنفسي. لم أعد أتحمل، لم تتبقَ لي قوة.

"لا... لا... لا!"

انكسر صوتي. لم تعد ركبتاي تحملانني وسقطت على الأرض. جثا أخي صدار معي، لكنني لم أرد التشبث بأحد في تلك اللحظة. قبضت بيدي على قميصه بشدة، وكأنني لو تركته لسوف أختفي تماماً. بدأت أبكي، ليس بصمت ولا بتردد... بل بدموع تجرف أحشائي.

"ليحمي ابنه ألقى بي في الواجهة. ليحمي حياته ضحى بي. وكأن ما عشته حتى هذا العمر لم يكن كافياً... ليُزوجني من رجل لا أعرفه..."

كانت كلماتي تخرج كقطق من روحي. انقبض صدري وضاق نفسي. حاولت السحب لكن الهواء لم يكفِ، حاولت ثانية وفشلت. لم أكن أستطيع التنفس، وربما لم أكن أريد ذلك، لأن كل نفس أتنفسه كان يعني القبول بهذا الواقع أكثر.

وأنا... لم أكن أستطيع القبول به.

"لا أستطيع تحمل هذا، لا أقدر يا أخوي... ليست لدي طاقة لكل هذا."

عندما سقطت قطرة من دموع أخي صدار على ساقي، لاحظت ارتجاف يدي. في تلك اللحظة شعرت وكأن جسدي لم يعد ملكي؛ قلبي لا يسعه صدري، ونفسي يعلق في حلقي.

"أنا أكثر من يعلم ما عانيته يا أختي، ولكن..."

ولكن.

عندما يتصل الأمر بي، كان لدى الجميع "ولكن" دائماً.

دائماً موجودة، وستظل دائماً.

"لا يد لي في شيء."

خرج صوته خجِلاً. الخجل... يا لها من كلمة غريبة. بينما أحتضر أنا هنا، كانت ضمائرهم تؤلمهم قليلاً، هذا كل ما في الأمر. لقد انتهيت. كتب والدي وثيقة إعدامي بيده، والآن بات بإمكانهم التنفس براحة في الغرفة. ألقى بي في تلك النار المتقدة وأنا أرى، وبينما كنت أحترق، جلس هو كعادته في ركن الغرفة يستمع إلى صرخات ألمي دون أن يتدخل أو يتحرك، وكأن هذا الوجع لا يمت له بصلة.

كانت هناك صرخة في داخلي تأبى الخروج، تمزق حنجرتي لكنها لا تغدو صوتاً. ليتني استطعت الصراخ، ليت أحداً سمعني، لكنني أكون دائماً الشخص الذي يُسكت.

ُفتح الباب.

دخل أخي جوان.

"أنا أسف."

أسف...

كلمة يستخدمها من يظنون أن كلمة واحدة قادرة على إصلاح كل شيء.

كانت المنطقة تحت عينيه حمراء جداً. أعلم أنه يستعز بي، لكن الاستعزاز لم يكن كافياً. أحياناً يجب على المرء أن يقف في وجه الجميع لينقذ من يحب، وهو لم يستطع الوقوف. وهذا بالذات ما كان يؤلم. ها هو يقف أمامي الآن؛ ولكن ماذا عني؟ من سيقف أمامي أنا؟ من سينشلني من تحت هذا الركام؟

كنت لا أزال أحترق، ولم يكن أحد يطفئ الحريق.

"لا تتأسف... ألم تفكر بي ولو لمرة؟ ألم تقل في نفسك ما الذي سيحدث لها؟"

بينما كانت الكلمات تخرج من فمي، لم أكن أستطيع سماع نفسي. كان هناك شخص آخر يصرخ في داخلي قائلاً: "لقد ألقيت بي في النار وأنت تعلم". طأطأ رأسه وهرب مجدداً. هربوا دائماً. كلما صعب عليهم النظر في وجهي، اختاروا إحناء رؤوسهم. أما أنا، فكان عليّ النظر، كان عليّ النظر إلى كل ما أعيشه.

"أحببت."

ها هي.

كلمة واحدة.

كلمة واحدة دهست حياتي بأكملها.

الفصل الخامس

إن كان هذا هو الحب، فسأظل خائفة من أن يُحبني أحد. كان حبه هو موتي. لم يسألني أحد: "هل تحترقين؟"، بل أحب وهو يعلم أنني سأحترق. اقتربت منه وضغطت بصبعي على صدره، على موضع قلبه. ظننت أنه ربما يتألم فيفهم، لكن بعض القلوب لا تشعر حتى بالألم.

"من الآن فصاعداً، ليس لديك أخت اسمها ديلدا!"

عندما قلت هذا، متّ أنا أيضاً. لأن الإنسان يقطع نفسه أكثر ما يقطع بألفاظه. رفع رأسه ونظر في عيني كأنه يترجاني ألا أفعل.

ألا أفعل ماذا؟

ألا أحترق؟ ألا أصمت؟ ألا ألتلاشى؟

"ديلدا!"

نطق باسمي وكأن له معنى حتى الآن. بينما كنت قد ودعت ذلك الاسم منذ زمن. أدرت وجهي نحو أمي التي دخلت من الباب. كان هناك طفل في داخلي لا يزال يريد اللجوء إلى أمه... لكنني كنت أعلم أن ذلك الطفل لم يكبر في هذا البيت أبداً.

"تحدثي مع أخيك الأكبر بأدب!"

هنا بالذات...

المكان الذي انقطعت فيه روحي.

ظهرت ابتسامة لا إرادية على شفتي، لم تكن سوى ألم صرف. الأكبر... الأخ... الذكر...

وماذا كنت أنا؟

ماذا يعني أن تكوني فتاة في هذا البيت؟ هل يعني أن تكوني فائضة؟ عبئاً؟ صوتاً يجب خنقه؟

"دمرتم حياتي!"

قتلتموني قبل أن أعيش.

"لستُ الوحيدة بين أطفالك!"

حتى وانا أقول هذا، شعرت أنني لا أصدقه، لأنني لم أُحب يوماً كابنة.

"أنا موجودة أيضاً!"

هل أنا موجودة حقاً؟ أم أنني مجرد ظل يتنفس؟

"أنا أيضاً ابنتك التي لم ترها عينك يوماً!"

احترق حلقي وانكسر صوتي، لكنني لم أتوقف، لأنني لو توقفت لسكتُ مجدداً، ولو سكتُ لتلاشيت تماماً.

"انظري الآن، انظري يا أمي إلى وجهي! شاهدي تلاشي!"

انسكبت الدموع من حروقي وسقطت على الأرض. لم تكن لتلك الدموع أي قيمة. لعقت شفتي الجافتين. لم تكن شفتاي فقط هما ما جف في داخلي؛ بل جف الحب، وجفت الثقة... أما الأمل فقد كان مقبوراً في التراب منذ زمن بعيد.

كنت هناك.

كنت أتحدث.

كنت أبكي.

لكن لم يكن أحد يراني.

والإنسان يتلاشى أكثر ما يتلاشى بهذا الشكل.

"لم تمسحي على شعري ولو لمرة واحدة.

حتى عندما كنت أتمرض، كان خدم البيت هم من يعتنون بي؛ هم من كانوا ينتظرون عند رأسي حتى الصباح وليس أنتِ. مرة واحدة... لم تكوني بجانبي ولو لمرة."

ابتسمت بألم. تحركت شفتاي ولكن انكسر شيء آخر في داخلي. أدركت أن المرء يمكن أن يتفتت حتى وهو يبتسم.

"لم يخطر ببالكِ مرة... عندما كان أبي يضربني ضرباً مميتاً، وتتكسر عظامي، كنتِ أنتِ تتملكين الحداد على ابنكِ المتوفى. قلتُ أمي... أنقذيني، قلتُ. أنا أتألم، قلتُ..."

كان صوتي لا يزال يتردد في أذني. صوتي في ذلك اليوم: صغير، ممتلئ بالرجاء، وعاجز. صرخة لم يرد أحد سماعها.

كانت عيون أخي صدار وجوان مليئة بالدموع. كانا ينظران إليّ وكأنهما ينظران إلى الماضي. أما أمي... فكانت تنظر إلى وجهي فقط، بلا غضب في عينيها ولا ندم. كانت جامدة التعابير، وكان هذا أثقل من كل شيء.

"ومع ذلك لم تتحرك لكِ شعرة. حبسني في الغرفة المظلمة. صرختُ: أمي! ولم تسمعينني وأنتِ تمرين بجانب تلك الغرفة، أو ربما لم تريدي سماعي."

بلعت ريقي. لم يكن ما علق في حنجرتي مجرد كلمات، بل كان سنوات.

"ومع ذلك... ومع ذلك لم أكف عن حبكِ للحظة واحدة."

هنا كانت النقطة الأشد إيلاماً. يمكن للإنسان أن يحب حتى من يحرقه، ولا يستطيع المرء التخلي عن أمه.

سكتُ. لو تحدثت أكثر لخرج شيء من داخلي وصدم الجميع. أدرت ظهري ومضيت.

لم يكن والدي وحده من ألقى بي في تلك النار، بل أمي أيضاً ألقت بي، بصمت، وبتحويل عينيها بعيداً.

"ديلدا."

لم أتوقف.

"اذهبوا."

لأن بعض الجراح لا تلتئم بالشرح، بل تزداد نزفاً فقط.

مرت ساعات. كانت عينيا تقاوم النوم لكن جسدي كان قد استسلم منذ زمن. بدأت الآلام في جسدي تظهر تدريجياً، وكأن كل عظمة ستصرخ بعد قليل. بينما كنت أحاول تعديل ظهري المستند إلى رأس السرير، خرجت مني أنة متألمة. بات حتى التنفس رفاهية.

فزعت عندما فُتح الباب وكأنه يكسر. أدرت عيني نحو مصدر الصوت. مات شيء آخر في داخلي في تلك اللحظة؛ لأن الصوت القادم كان معروفا، كان الصوت الذي لا أستطيع الهرب منه ولا النجاة.

"قومي يا..."

ضربتني الكلمات كلمة كلمة على وجهي. لم تعد شتيمة، بل باتت هوية لي. أمسك والدي بشعري ورفعني بالقوة من مدرجي. ارتد رأسي إلى الخلف واحترق عنقي. تألمت لكن لم يخرج مني صوت، فمتى ما خرج صوتي كان الأمر يزداد سوءاً.

"ستتزوجين، هل سمعتني! إن قلتِ لا فقط... فسأجعل اللبن الذي رضعتِه من أمك يخرج من أنفك!"

شد شعري مرة أخرى، وكأنه يقتلعه من جذوره. خرجت مني أنة أخرى، رغماً عني، وبلا حيلة، وبخجل. كرهت نفسي في تلك اللحظة؛ كرهت ضعفي، وصمتي، وقلبي الأحمد الذي لا يزال يحمل أملاً.

"لا أريد يا أبي، لا أريد الزواج!"

كان صوتي يرتجف. بينما كنت أقول هذه الجملة، كان الطفل في داخلي يبكي، علّ معجزة تحدث، علّه يتوقف للحظة، علّ... الإنسان يخدع نفسه أكثر ما يخدع في مثل هذه اللحظات.

دمعت عيناي اللتان جفتا من البكاء مجدداً. كانت دموعي صامتة، لكن العاصفة التي تضرب داخلي كانت كفيلة بإصم الأذان. لماذا أنا؟ لماذا أنا دائماً؟ أردت الصراخ هكذا، لكن لساني التصق بسقف فمي.

"لم يسألكِ أحد! ليس مهماً إن كنتِ تريدين أم لا!"

ها هي تلك الجملة.

الجملة التي تنسي المرء أنه إنسان.

الجملة التي تجعلك تشعرين كأنكِ متاع، أو عبء، أو دين.

نظرت في عينيه، علّه يرحم، علّ جزءاً منه لا يزال أباً، علّ... لكن لم يكن هناك شيء. كانتا فارغتين، غريبتين. كان ينظر إليّ لكنه لا يراني.

"أنا ابنتك."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قَيد من حَرير ودم   7

    امتلأت عيناي بالدموع وفهمت سبب وجوده هنا.انعصر قلبي في صدري وعلقة غصتي في حلقي. لم أرد أكون هنا، لم أرد ذلك مطلقاً."لا أريد."كان صوتي أضعف مما ظننت. أمسك بمعصمي وسحبني إليه بقسوة. كان ضغط أشتغله يؤلمني، لكن الألم الحقيقي لم يكن ذلك، بل كان معرفتي بأنني لن أستطيع الهرب."يبدو أن عقلكِ لم يعد إليكِ بعد!"تباً... كنت خائفة. ذلك الخوف الأليف الذي ينمو في داخلي استقر في معدتي. كنت أعلم أنني إن سكتُ فسيصبح الأمر أسوأ، وإن تحدثتُ فكذلك..."إن سألوا، فقولي إنني أصبتُ ببرد."هززت رأسي. لم تكن لدي قوة للاعتراض. وعلى أي حال، لمن كنت سأشرح؟ ومن كان ليستمع؟ُفتح الباب. دخل باران وديار. في تلك اللحظة خفضت بصري نحو الأرض. لم تكن لدي الشجاعة للنظر في وجوههما. وكأننا لو التقت أعيننا، فسيُفهم كل شيء: خوفي، وعجزي، والعاصفة التي تضرب داخلي..."حمد الله على السلامة يا عروسنا، نرجو ألا يكون الأمر خطيراً؟"لم أستطع الإجابة، انعقد لساني. شد والدي قبضته على ذراعي أكثر. تألمت في تلك اللحظة لكنني لم أخرج صوتاً، فقد كنت معتادة على الألم على أي حال."أنا بخير، شكراً لك."لم تكن هذه الكلمات كلماتي، بل كانت الكل

  • قَيد من حَرير ودم   6

    ندمت فور خروج الكلمة من فمي، لأن هذه الجملة لم تجد لها صدى يوماً في هذا البيت. ومع ذلك قلتها، علّ كسرة تتبقى، علّ تلك الكلمة تؤلم موضعاً فيه.سقطت أرضاً بسبب الصفعة القوية التي وجهها لي. احترق وجهي وطنت أذناي، لكن الألم الحقيقي لم يكن في جسدي بل انفجر في داخلي. كانت الأرض باردة، وكانت الأرض أرحم عليّ منه."لستِ ابنتي! لدي ولدان: أحدهما قتلتِه أنتِ، والآخر جوان. ولن أسمح بموت ولدي الوحيد!"في تلك اللحظة انكسر شيء في داخلي... بل لم ينكسر، بل جف. كنت كزهرة قُطفت من غصنها وذبلت. كل ما أقوله كان باطلاً الآن، ولم تكن لأي من كلماتي قيمة في هذا البيت. لم أكن موجودة، كنت مجرد إثم."قلتُ ستتزوجين، وانتهى الأمر."ها هو الحكم. قرار لا نقاش فيه ولا رجعة عنه. لُخصت حياتي في جملة واحدة. لم يكن لي رأي، ولم يكن لي مستقبل، وحتى جسدي لم يكن ملكاً لي.انكببت على قدميه. خجلت من نفسي ولكنني لم أذكر لحظة كنت فيها أكثر ضعفاً. كانت ركبتاي ترتجفان، وكان كبريائي قد سُحق منذ زمن، ولم يتبقَ سوى غريزة البقاء."أرجوك يا أبي... أتوسل إليك. أفعل أي شيء تطلبه لكنني لا أستطيع الزواج!"انكسر صوتي. لم يكن هذا عصياناً بعد

  • قَيد من حَرير ودم   5

    كان صوتي يرتجف. وزاد الثقل على صدري وكأن أحداً يضغط عليه. تحول بكائي إلى نحيب. لم تعد روحي تحتمل ما يحدث. إن كتمت كان الداخلي ينزف، وإن أظهرت كان الوجع يشتد. حتى التنفس بات صعباً. هجم كل شيء عليّ ولم يكن هناك مفر."أرجوك... أرجوك يا الله..."فزعت عند سماع صوت فتح الباب. دخل أخي صدار، لكنني لم أستطع رفع رأسي. لم أرد النظر في وجهه، فلو نظرت لانهار ما تبقى مني. لم تكن لدي رغبة حتى في القيام والنظر إلى المرآة، لأنني كنت أخشى رؤية نفسي فيها؛ أخشى رؤية الخلاء في عيني والضياع على وجهي."ديلدا."عندما نطق باسمي، جمعت آخر ما تبقى لي من قوة ورفعت رأسي. نظرت إلى وجهه لكن لم يكن في عينيه أي أمل، فهمت ذلك فوراً. ومع ذلك كان هناك جزء صغير في داخلي يهمس بـ "علّ...""أرجوك أوقف هذا يا أخوي... لا أستطيع... لا أستطيع الزواج من ذلك الرجل."بلع ريقه. نظر إليّ بابتسامة مريرة قطعت شغاف قلبي. كان يبدو كمن يعرف كل شيء ولكنه حيلة له. وعندما تكلم، انكسرت آخر قطعة في داخلي:" أنت مجبرة. تم اتخاذ القرار."هززت رأسي نفياً. أردت أن أقول لا، لكن الكلمات تجمدت في حنجرتي. كان بإمكانهم فعل هذا بي، كان بإمكانهم تجاهلي

  • قَيد من حَرير ودم   4

    عضضت على شفتاي. تقدم جدي ووقف أمام ديار، واضعاً يديه خلف ظهره. رؤيته بهذا الشكل زادت من التوتر داخلي. شيء ما سيحدث... شيء سيء سيحدث، هكذا كنت أحدث نفسي."جلس لنلتئم ونصل إلى حل وسط.""أي حل تحدثني عنه يا أمد، وحفيدك الكلب قد خطف ابنتي؟"في تلك اللحظة، فُتح باب القصر بصخب شديد. حدقت في الرجل الهائل الذي دخل. كان هو نفسه الرجل صاحب العينين العسليتين الذي رأيته بالأمس. وقبل أن تتاح لي فرصة للتفكير، خطى بخطوات سريعة نحو والدي وأمسك بتلابيب قميصه."أين أختي يا ابن..."لم يرتفع صوته، لكن في تلك اللحظة انقلب كل شيء. ضاق القصر، وتغيرت وقفة الجميع. تراجع الرجال الواقفون خلف والدي إلى الخلف، بينما سمّرت أنا في مكاني دون حراك. "لا تتحركي"، قلت لنفسي، "ليس الآن".هذا ليس مجرد صراخ، حدثت نفسي، هذا شيء أشد قسوة.تكلم والدي بشيء ما، لكن الكلمات لم تدخل أذني. لم يطلق الرجل تلابيبه فوراً، بل ظلت أظافره متشبثة بالقماش. ربما لم يستغرق الأمر طويلاً، لكنه بدا لي أبدياً. "لو يتركه الآن"، فکرت، "لو يتركه فقط..."لكنه لم يفعل.ثم سحب يده ببطء. ذلك البطء زرع في داخلي قلقاً شديداً. لم يكن مستعجلاً، والرجل الذي

  • قَيد من حَرير ودم   3

    أغلقتُ عيني لثانية واحدة، وضغطتُ على أسناني وأخذتُ نفسًا عميقًا. لو نطقتُ بما في داخلي لتحول المكان إلى بركة دماء، لكنني صمتُ... كعادتنا دائمًا.— "مع أي حبيب كنتِ تلتقين؟ أخبريني."في تلك اللحظة انكسر شيء في داخلي. أردتُ الصراخ، أردتُ أن أقول لها: "الزمي حدك!"، لكن الكلمات تجمدت في حلقي. كانت امرأة خبيثة؛ فأنا لم أكن مع أي رجل في حياتي، بل لم أنطق اسم رجل قط، ورغم ذلك تتأملني وكأنني مذنبة، وتلطخني بنظراتها... كان هذا هو ما يمزقني بحق.— "تحدثي بأدب. أنا لم ألقَ أحدًا."سحبتُ ذراعي من يدها بقوة. كانت لمستها تقززني، وكأنها تضغط على أعصابي لا على جلدي.— "وماذا تفعلين بالخارج حتى هذا الوقت إذن؟ ألا تفكرين في ما سيقوله عليكِ أباكِ وماذا سيفعل لو علم؟"كنتُ أعرف التهديد المبطن خلف كلماتها جيدًا. إخبار أبي... كان هذا سلاحها الدائم. كانت تهددني بأبي، تلك الأفعى. كانت هي أول من علمني معنى الكره؛ لم أكن أظن أنني أستطيع كره إنسان إلى هذا الحد، ولا أعلم إن كنتُ سأكره أحدًا بعدها كما كرهتها.— "خرجتُ لأستنشق بعض الهواء، ويمكنكِ قول ذلك لمن تشائين."خرج صوتي هادئًا رغم الفوضى التي تعصف بداخلي. كن

  • قَيد من حَرير ودم   2

    قبض أبي على شعري بكلتا يديه وشدّه بقسوة، ثم أدار وجهي نحو أخي "سيدار". اعتصرني الألم وانكمشت ملامحي رغماً عني، وشعرتُ بقلبي يكاد يُقتلع من صدري.— "انظر يا "سيدار"، هذه هي السبب في موت ابني! إنها تستحق كل ما يحدث لها!"تجمّدتُ في مكاني، وتوقف الهواء في حلقي. حادثة مقتل أخي الصغير قبل أحد عشر عامًا... تلك التهمة التي أُلقيت عليّ دون ذنب. رغم أن المرأة التي جلبها أبي على أمي هي من فعلت ذلك، وقلتُ هذا مرارًا وتكرارًا، لم يصدقني أحد. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد حياتي كما كانت، ولن تكون... وصرتُ أعلم ذلك جيدًا.---كان هناك صوت خافت في أعماقي يهمس: "ربما يوماً ما..."، لكن هذا الصوت كان يضمحل عاماً بعد عام. وكلما رأيتُ البغض في عيني أبي، كان يموت ذلك الاحتمال في داخلي.— "أقسم لك أنني لم أفعل يا أبي! كيف لي أن أؤذي أخي؟!"طارت كلماتي في الهواء دون أن تجد من يسمعها... أو ربما لم يرغب أحد في سماعها.كنتُ أبكي بحرقة، والدموع تنهمر بلا توقف وأنا أصارع الضيق في صدري. سحبني أخي "سيدار" من بين يدي أبي وصعد بي إلى غرفتي بصمت. لم يتكلم، فلم يكن هناك ما يُقال أساسًا. جلستُ على طرف السرير وغطيتُ وجهي بكفيّ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status