LOGINكان صوتي يرتجف. وزاد الثقل على صدري وكأن أحداً يضغط عليه. تحول بكائي إلى نحيب. لم تعد روحي تحتمل ما يحدث. إن كتمت كان الداخلي ينزف، وإن أظهرت كان الوجع يشتد. حتى التنفس بات صعباً. هجم كل شيء عليّ ولم يكن هناك مفر.
"أرجوك... أرجوك يا الله..."
فزعت عند سماع صوت فتح الباب. دخل أخي صدار، لكنني لم أستطع رفع رأسي. لم أرد النظر في وجهه، فلو نظرت لانهار ما تبقى مني. لم تكن لدي رغبة حتى في القيام والنظر إلى المرآة، لأنني كنت أخشى رؤية نفسي فيها؛ أخشى رؤية الخلاء في عيني والضياع على وجهي.
"ديلدا."
عندما نطق باسمي، جمعت آخر ما تبقى لي من قوة ورفعت رأسي. نظرت إلى وجهه لكن لم يكن في عينيه أي أمل، فهمت ذلك فوراً. ومع ذلك كان هناك جزء صغير في داخلي يهمس بـ "علّ..."
"أرجوك أوقف هذا يا أخوي... لا أستطيع... لا أستطيع الزواج من ذلك الرجل."
بلع ريقه. نظر إليّ بابتسامة مريرة قطعت شغاف قلبي. كان يبدو كمن يعرف كل شيء ولكنه حيلة له. وعندما تكلم، انكسرت آخر قطعة في داخلي:
" أنت مجبرة. تم اتخاذ القرار."
هززت رأسي نفياً. أردت أن أقول لا، لكن الكلمات تجمدت في حنجرتي. كان بإمكانهم فعل هذا بي، كان بإمكانهم تجاهلي والتعدي علي، لكنني أنا... لم أكن أستطيع فعل هذا بنفسي. لم أعد أتحمل، لم تتبقَ لي قوة.
"لا... لا... لا!"
انكسر صوتي. لم تعد ركبتاي تحملانني وسقطت على الأرض. جثا أخي صدار معي، لكنني لم أرد التشبث بأحد في تلك اللحظة. قبضت بيدي على قميصه بشدة، وكأنني لو تركته لسوف أختفي تماماً. بدأت أبكي، ليس بصمت ولا بتردد... بل بدموع تجرف أحشائي.
"ليحمي ابنه ألقى بي في الواجهة. ليحمي حياته ضحى بي. وكأن ما عشته حتى هذا العمر لم يكن كافياً... ليُزوجني من رجل لا أعرفه..."
كانت كلماتي تخرج كقطق من روحي. انقبض صدري وضاق نفسي. حاولت السحب لكن الهواء لم يكفِ، حاولت ثانية وفشلت. لم أكن أستطيع التنفس، وربما لم أكن أريد ذلك، لأن كل نفس أتنفسه كان يعني القبول بهذا الواقع أكثر.
وأنا... لم أكن أستطيع القبول به.
"لا أستطيع تحمل هذا، لا أقدر يا أخوي... ليست لدي طاقة لكل هذا."
عندما سقطت قطرة من دموع أخي صدار على ساقي، لاحظت ارتجاف يدي. في تلك اللحظة شعرت وكأن جسدي لم يعد ملكي؛ قلبي لا يسعه صدري، ونفسي يعلق في حلقي.
"أنا أكثر من يعلم ما عانيته يا أختي، ولكن..."
ولكن.
عندما يتصل الأمر بي، كان لدى الجميع "ولكن" دائماً.
دائماً موجودة، وستظل دائماً.
"لا يد لي في شيء."
خرج صوته خجِلاً. الخجل... يا لها من كلمة غريبة. بينما أحتضر أنا هنا، كانت ضمائرهم تؤلمهم قليلاً، هذا كل ما في الأمر. لقد انتهيت. كتب والدي وثيقة إعدامي بيده، والآن بات بإمكانهم التنفس براحة في الغرفة. ألقى بي في تلك النار المتقدة وأنا أرى، وبينما كنت أحترق، جلس هو كعادته في ركن الغرفة يستمع إلى صرخات ألمي دون أن يتدخل أو يتحرك، وكأن هذا الوجع لا يمت له بصلة.
كانت هناك صرخة في داخلي تأبى الخروج، تمزق حنجرتي لكنها لا تغدو صوتاً. ليتني استطعت الصراخ، ليت أحداً سمعني، لكنني أكون دائماً الشخص الذي يُسكت.
ُفتح الباب.
دخل أخي جوان.
"أنا أسف."
أسف...
كلمة يستخدمها من يظنون أن كلمة واحدة قادرة على إصلاح كل شيء.
كانت المنطقة تحت عينيه حمراء جداً. أعلم أنه يستعز بي، لكن الاستعزاز لم يكن كافياً. أحياناً يجب على المرء أن يقف في وجه الجميع لينقذ من يحب، وهو لم يستطع الوقوف. وهذا بالذات ما كان يؤلم. ها هو يقف أمامي الآن؛ ولكن ماذا عني؟ من سيقف أمامي أنا؟ من سينشلني من تحت هذا الركام؟
كنت لا أزال أحترق، ولم يكن أحد يطفئ الحريق.
"لا تتأسف... ألم تفكر بي ولو لمرة؟ ألم تقل في نفسك ما الذي سيحدث لها؟"
بينما كانت الكلمات تخرج من فمي، لم أكن أستطيع سماع نفسي. كان هناك شخص آخر يصرخ في داخلي قائلاً: "لقد ألقيت بي في النار وأنت تعلم". طأطأ رأسه وهرب مجدداً. هربوا دائماً. كلما صعب عليهم النظر في وجهي، اختاروا إحناء رؤوسهم. أما أنا، فكان عليّ النظر، كان عليّ النظر إلى كل ما أعيشه.
"أحببت."
ها هي.
كلمة واحدة.
كلمة واحدة دهست حياتي بأكملها.
الفصل الخامس
إن كان هذا هو الحب، فسأظل خائفة من أن يُحبني أحد. كان حبه هو موتي. لم يسألني أحد: "هل تحترقين؟"، بل أحب وهو يعلم أنني سأحترق. اقتربت منه وضغطت بصبعي على صدره، على موضع قلبه. ظننت أنه ربما يتألم فيفهم، لكن بعض القلوب لا تشعر حتى بالألم.
"من الآن فصاعداً، ليس لديك أخت اسمها ديلدا!"
عندما قلت هذا، متّ أنا أيضاً. لأن الإنسان يقطع نفسه أكثر ما يقطع بألفاظه. رفع رأسه ونظر في عيني كأنه يترجاني ألا أفعل.
ألا أفعل ماذا؟
ألا أحترق؟ ألا أصمت؟ ألا ألتلاشى؟
"ديلدا!"
نطق باسمي وكأن له معنى حتى الآن. بينما كنت قد ودعت ذلك الاسم منذ زمن. أدرت وجهي نحو أمي التي دخلت من الباب. كان هناك طفل في داخلي لا يزال يريد اللجوء إلى أمه... لكنني كنت أعلم أن ذلك الطفل لم يكبر في هذا البيت أبداً.
"تحدثي مع أخيك الأكبر بأدب!"
هنا بالذات...
المكان الذي انقطعت فيه روحي.
ظهرت ابتسامة لا إرادية على شفتي، لم تكن سوى ألم صرف. الأكبر... الأخ... الذكر...
وماذا كنت أنا؟
ماذا يعني أن تكوني فتاة في هذا البيت؟ هل يعني أن تكوني فائضة؟ عبئاً؟ صوتاً يجب خنقه؟
"دمرتم حياتي!"
قتلتموني قبل أن أعيش.
"لستُ الوحيدة بين أطفالك!"
حتى وانا أقول هذا، شعرت أنني لا أصدقه، لأنني لم أُحب يوماً كابنة.
"أنا موجودة أيضاً!"
هل أنا موجودة حقاً؟ أم أنني مجرد ظل يتنفس؟
"أنا أيضاً ابنتك التي لم ترها عينك يوماً!"
احترق حلقي وانكسر صوتي، لكنني لم أتوقف، لأنني لو توقفت لسكتُ مجدداً، ولو سكتُ لتلاشيت تماماً.
"انظري الآن، انظري يا أمي إلى وجهي! شاهدي تلاشي!"
انسكبت الدموع من حروقي وسقطت على الأرض. لم تكن لتلك الدموع أي قيمة. لعقت شفتي الجافتين. لم تكن شفتاي فقط هما ما جف في داخلي؛ بل جف الحب، وجفت الثقة... أما الأمل فقد كان مقبوراً في التراب منذ زمن بعيد.
كنت هناك.
كنت أتحدث.
كنت أبكي.
لكن لم يكن أحد يراني.
والإنسان يتلاشى أكثر ما يتلاشى بهذا الشكل.
"لم تمسحي على شعري ولو لمرة واحدة.
حتى عندما كنت أتمرض، كان خدم البيت هم من يعتنون بي؛ هم من كانوا ينتظرون عند رأسي حتى الصباح وليس أنتِ. مرة واحدة... لم تكوني بجانبي ولو لمرة."
ابتسمت بألم. تحركت شفتاي ولكن انكسر شيء آخر في داخلي. أدركت أن المرء يمكن أن يتفتت حتى وهو يبتسم.
"لم يخطر ببالكِ مرة... عندما كان أبي يضربني ضرباً مميتاً، وتتكسر عظامي، كنتِ أنتِ تتملكين الحداد على ابنكِ المتوفى. قلتُ أمي... أنقذيني، قلتُ. أنا أتألم، قلتُ..."
كان صوتي لا يزال يتردد في أذني. صوتي في ذلك اليوم: صغير، ممتلئ بالرجاء، وعاجز. صرخة لم يرد أحد سماعها.
كانت عيون أخي صدار وجوان مليئة بالدموع. كانا ينظران إليّ وكأنهما ينظران إلى الماضي. أما أمي... فكانت تنظر إلى وجهي فقط، بلا غضب في عينيها ولا ندم. كانت جامدة التعابير، وكان هذا أثقل من كل شيء.
"ومع ذلك لم تتحرك لكِ شعرة. حبسني في الغرفة المظلمة. صرختُ: أمي! ولم تسمعينني وأنتِ تمرين بجانب تلك الغرفة، أو ربما لم تريدي سماعي."
بلعت ريقي. لم يكن ما علق في حنجرتي مجرد كلمات، بل كان سنوات.
"ومع ذلك... ومع ذلك لم أكف عن حبكِ للحظة واحدة."
هنا كانت النقطة الأشد إيلاماً. يمكن للإنسان أن يحب حتى من يحرقه، ولا يستطيع المرء التخلي عن أمه.
سكتُ. لو تحدثت أكثر لخرج شيء من داخلي وصدم الجميع. أدرت ظهري ومضيت.
لم يكن والدي وحده من ألقى بي في تلك النار، بل أمي أيضاً ألقت بي، بصمت، وبتحويل عينيها بعيداً.
"ديلدا."
لم أتوقف.
"اذهبوا."
لأن بعض الجراح لا تلتئم بالشرح، بل تزداد نزفاً فقط.
مرت ساعات. كانت عينيا تقاوم النوم لكن جسدي كان قد استسلم منذ زمن. بدأت الآلام في جسدي تظهر تدريجياً، وكأن كل عظمة ستصرخ بعد قليل. بينما كنت أحاول تعديل ظهري المستند إلى رأس السرير، خرجت مني أنة متألمة. بات حتى التنفس رفاهية.
فزعت عندما فُتح الباب وكأنه يكسر. أدرت عيني نحو مصدر الصوت. مات شيء آخر في داخلي في تلك اللحظة؛ لأن الصوت القادم كان معروفا، كان الصوت الذي لا أستطيع الهرب منه ولا النجاة.
"قومي يا..."
ضربتني الكلمات كلمة كلمة على وجهي. لم تعد شتيمة، بل باتت هوية لي. أمسك والدي بشعري ورفعني بالقوة من مدرجي. ارتد رأسي إلى الخلف واحترق عنقي. تألمت لكن لم يخرج مني صوت، فمتى ما خرج صوتي كان الأمر يزداد سوءاً.
"ستتزوجين، هل سمعتني! إن قلتِ لا فقط... فسأجعل اللبن الذي رضعتِه من أمك يخرج من أنفك!"
شد شعري مرة أخرى، وكأنه يقتلعه من جذوره. خرجت مني أنة أخرى، رغماً عني، وبلا حيلة، وبخجل. كرهت نفسي في تلك اللحظة؛ كرهت ضعفي، وصمتي، وقلبي الأحمد الذي لا يزال يحمل أملاً.
"لا أريد يا أبي، لا أريد الزواج!"
كان صوتي يرتجف. بينما كنت أقول هذه الجملة، كان الطفل في داخلي يبكي، علّ معجزة تحدث، علّه يتوقف للحظة، علّ... الإنسان يخدع نفسه أكثر ما يخدع في مثل هذه اللحظات.
دمعت عيناي اللتان جفتا من البكاء مجدداً. كانت دموعي صامتة، لكن العاصفة التي تضرب داخلي كانت كفيلة بإصم الأذان. لماذا أنا؟ لماذا أنا دائماً؟ أردت الصراخ هكذا، لكن لساني التصق بسقف فمي.
"لم يسألكِ أحد! ليس مهماً إن كنتِ تريدين أم لا!"
ها هي تلك الجملة.
الجملة التي تنسي المرء أنه إنسان.
الجملة التي تجعلك تشعرين كأنكِ متاع، أو عبء، أو دين.
نظرت في عينيه، علّه يرحم، علّ جزءاً منه لا يزال أباً، علّ... لكن لم يكن هناك شيء. كانتا فارغتين، غريبتين. كان ينظر إليّ لكنه لا يراني.
"أنا ابنتك."
عند خروجنا من القصر، التقت عيناي بعيني باران. ألقى عليّ نظرة ثقيلة تفحصني فيها من رأسي إلى قدمي، مع برودة غريبة تجسدت في عينيه. كان بالنسبة لي شخصاً غريباً بكل ما تعنيه الكلمة. صعدنا إلى السيارة، وساد صمتٌ أطبق على المكان؛ لا هو ينطق ولا أنا أتكلم. كسر هو الصمت قائلاً:— "لو كانت امرأة أخرى مكانكِ، لما وسعتها الأرض من الفرح."ترددت كلماته في صدري. لقد بدأتُ أعتاد على تحمّل هذا الجفاء. كان يتصرف وكأنه يستحق كل شيء، بينما أنا مجبورة على كل شيء.— "ولكن وجهكِ يقطر حزناً."كان يشيح بوجهك بعيداً. لم أعد أبحث عن إجابات، فقد تقبلتُ الانكسار المرتسم على ملامحي.— "ولماذا يتوجب عليّ أن أكون سعيدة؟"خرجت العبارة مني تلقائياً. تعدل هو في جلسته، وفتح قدميه بجمود واستند إلى الخلف براحة لم أألفها. كان يتصرف وكأن لا شيء يمسه، في حين أن كل تفصيلة كانت تطحنني.— "لأنكِ تزوجتِ بي."وقعت كلماته كالمطرقة، لكنني لم أعد أشعر بالمزيد من الألم. لقد أدركتُ مدى خاوية هذه الجوازة.تطلعتُ إليه بثبات وارتجاف مكتوم:— "أنا لم أتزوجكِ بإرادتي."التفت إليّ وعيناه تنضحان بالحنق:— " محقة. ولو كنتُ سأتزوج أحداً برغبت
أحياناً يشعر الإنسان بوطأة العالم فوق كتفيه؛ تتباطأ الخطوات، وتضيق الأنفاس، وتتحول الحياة إلى عبء ثقيل. تضيع شيئاً فشيئاً مع كل يوم يمشي، وتتسع الفجوة في الداخل؛ تعرف تماماً ما فقدته، لكنك تعجز عن تذكر ما وجدته.تكتفي أحياناً بدور المراقب لرحلتك من البعيد، بينما تظل الصرخات الحبيسة في صدرك على حالها. وحين تفرض عليك الأقدار مواجهة ظلال الماضي، يتضاعف ثقل كل شيء. في تلك اللحظة، عند فتح أبواب الخزانة، تدرك كيف تطوقك الذكريات بجسدك ومشاعرك. يتراكم كل شيء ليحاصرك، حتى يغدو خطو خطوة واحدة أمراً شبه مستحيل.***اغتسلتُ علّني أسترد بعض طافتي، وبعد الخروج بدأتُ بوضع المرهم على مواضع الجراح فوق جسدي. غداً موعد الزفاف، غير أن الفراغ الذي يسكنني كان يتسع. مهما بلغت استعدداتي، ما الذي ينتظرني غداً؟ وإلى أين سيمضي كل هذا؟كانت أفكاري متضاربة، والمشاعر تتزاحم في رأسي. تصرفات باران المتوقعة تثير في نفسي ذعراً لا يهدأ. ماذا لو أقدَم على أمرٍ لا أرغبه؟ ماذا لو أُجبرتُ على شيء رغماً عني؟ كيف سأتصرف؟ ربما يتوجب عليّ القبول بالواقع، لكن كيف لي أن أتغلب على هذا الخوف الدفين؟كيف سأتقاسم الغرفة والعيش مع رج
كان هناك فراغ ينهك روحي، وكأن كل شيء في حياتي بُتر قبل أن يكتمل. رغم أن كل من حولي يبدون مكتملين، إلا أنني طالما شعرتُ بأنني القطعة المفقودة خارج اللوحة. للجميع في هذه الحياة وجهة؛ حب، أحلام، أو أمل... أما أنا فكنتُ أعيش دومًا في هامش بعيد. تارةً أشعر بوجود الشيء قبالة عيني ثم يختفي فجأة، وتارةً لا أكون سوى أثر باهٍ تخلف عن الراحلين.المشاعر التي يمتلكها الآخرون كالحب، والسعادة، والطمأنينة... كانت تبدو لي دومًا غريبة وبعيدة، أعرفها دون أن أذوقها. كَبُر هذا الفراغ في صدري يومًا بعد يوم، وكان أشد ما يمزقني أنني لم أفهم السبب قط؛ لم أدرك متى أضعتُ نفسي، أو كيف غدوتُ ناقصة إلى هذا الحد. كل ما عشته هو هذا الشعور الثقيل الذي يتفاقم مع كل ذرة أكسجين أستنشقها.جافاني النوم، فخرجتُ إلى فناء المنزل. جثوتُ على ركبتيّ ووسدتُ رأسي إلى يديّ كعادتي. كانت أحداث اليوم تتزاحم في مخيلتي كشريط لا يتوقف. الصفعة التي تلقيتها من "جيفان" ظلت شاخصة أمام عيني بوضوح مرعب. تذكرتُ نظرات أمي الباردة، وصوتها القديم وهو يتردد في أذني: "ليتكِ لم تكوني ابنتي". كانت تكررها دومًا حتى اعتاد قلبي الندبة. لم تحبني يومًا؛ أ
شعرتُ بضيق في صدري وانقباض في قلبي. تنفستُ بصمت وابتلعتُ كلماتي بصعوبة.— ثم...التفتُّ إليه، ولابد أنه لاحظ الفراغ ونظرات التشتت في وجهي. لم أعرف ما أقول، وصارعتُ لأتمالك نفسي.— ثم جاء أبي، ومسكني من شعري، وظل يضرب جسدي الصغير في الفناء لساعات. قضيتُ يومين في العناية المركزة. ومنذ ذلك اليوم وحتى الآن، والأمر يتكرر.عندما نظر إلى وجهي لم أجد فيه شيئًا، كان جمودًا وبرودًا تامين. لكن مهما حاولتُ، لم أستطع إخفاء مشاعري. طالما كنتُ هكذا؛ أجد صعوبة في التعبير عما أشعر به، لكن إخفاء الألم المتراكم لم يكن أبدًا بالأمر السهل.— وهل هذا الأحمق "جيفان" يفعل ذلك أيضًا؟وضعتُ يدي على وجهي دون وعي. ألمه هو قد مضى، أما ألمي فلم يمضِ بعد، أستشعر وجوده في منتصف صدري، في نقطة تحترق دومًا بنفس الطريقة.— لا، لم يكن كذلك... حتى اختطفتْ أختُك.قادني فضولي للالتفات نحو "باران". كان يشعل سيجارة أخرى من بقايا الأولى، وكل حركة منه تزبد من تشتت أفكاري.— ماذا فعل أبي لعمك؟ ما سبب هذه العداوة؟ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها احتوت على شيء آخر غير الغضب؛ حيرة وغرابة. كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها شعورًا مختلف
قبل أن أكمل كلماتي، لطمني على وجهي بقوة. اندفع رأسي جانباً، وبدأ طنين حاد في رأسي. أظلمت رؤيتي، وطعم المعدن ملأ فمي. رفعتُ رأسي ولمستُ شفتي لأشعر بالدم على أصابعي، لكنني لم أستطع فعل شيء، بقيتُ ملقاة على الأرض.— إن تطاولتِ على زوجتكِ أو كدرتِ صفوها مجدداً، فلن أعتبركِ أختي وسأطأ عليكِ بقدمي!ترددت هذه الكلمات في أذني وأنا أشعر بالضياع. لم تكن تلك الصفعة مجرد ضربة جسدية، بل كانت نهاية كل شيء وتغيّر كل شيء. شاخصت عيناي إلى زاوية الغرفة وجسدي عاجز عن الحركة، وكأنني أسقط في هاوية لا قاع لها، وسط أصوات تتطاحن في رأسي.عندما استندتُ بجسدي إلى السرير، شعرتُ بألم الجروح التي فتحتها الصفعة، لكن الأشد ألمًا كان الأثر النفسي الذي تركته... أثر لن تمحوه السنون، وجرحٌ يبدو أنه لن يندمل أبدًا.دون أن أبالي بحفاتي، فتحتُ النافذة وقفزتُ منها إلى الفناء. كانت شفتي تنزف، لكن ألم الجسد لم يكن شيئًا مقارنة بمن تسبب به. تسللتُ من الباب الخلفي دون أن يراني أحد، وركضتُ في الطريق الخالي حتى ابتعدتُ عن القصر. لم تمنعني الحصى التي تغرس في قدمي العاريتين، فكل خطوة تبتعد بي عن ذلك المكان كانت تريح صدري قليلاً.ت
كان قبول فكرة أن شيئًا لن يتغير هو الأصعب على الإطلاق. مهما بذلت من جهد، لم أتمكن من العثور على ذاك الجزء المفقود في روحي؛ كان ينخر داخلي كالفراغ، ويزداد اتساعًا مع كل يوم يمر. الاستسلام... ربما كان هذا هو الخيار الوحيد المتبقي. أعرِفُ أنني أضيع أكثر مع كل خطوة، لكنني لن أتوقف بعد الآن؛ فلحدث ما يحدث، وكأنني أقترب من نهاية كل شيء. الأفكار المتناثرة في عقلي اختلطت بمشاعري، وكل كلمة تركت أثرًا عميقًا في روحي.الحقائق كانت تغمرني ببطء، أدرك ذلك وأشعر به. بحثتُ عن مخرج ولم أجد، فسلمتُ أمري. هذا الفراغ، هذا التردد... كله ملكي. الفوضى التي بداخلي ليست سوى انعكاس لي بكل تفاصيلها. تقبُّل ذلك هو كل ما عليّ فعله الآن. سلمتُ وخطوتُ خطوة واحدة... مجرد خطوة، لكنها بدت وكأنها ستغير مجرى الأحداث تمامًا.طُرِق باب غرفتي فجأة. بسرعة، حشرتُ الكتاب الذي بيدي خلف الوسادة. قفز إلى ذهني سؤال متوتر: "أمرة أخرى؟" ليخفق قلبي بسرعة. في آخر مرة ضبطني فيها والدي وأنا أقرأ، سلبني نقودي وأخذ كل كتبي. منذ ذلك اليوم، شاب شغفي بالقراءة بعض النقص. كنتُ أتدبر أمري بصعوبة بالغة عبر المصروف الذي آخذه من إخوتي الكبار، فوق







