All Chapters of من الرماد الى النور : Chapter 111 - Chapter 120

133 Chapters

من الرماد الى النور: 10

مع حلول الشتاء، بدأت العائلة تلاحظ تطورًا جديدًا في طريقة سامر بالتعبير عن نفسه: صار يستخدم الرسم أكثر من الكلام للتواصل في بعض الأحيان، كأن يده وجدت طريقة للتعبير أعمق مما تستطيع الكلمات أن تصلها أحيانًا. حين كان يصعب عليه إيجاد كلمة معينة، كان يأخذ قلمه ويرسم ما يريد قوله، وكانت ليان ونور قد تعلمتا قراءة هذه اللغة الجديدة بينهما.في أحد الأيام، أراد سامر أن يخبر ليان بشيء يتعلق بذكرى قديمة، لكن الكلمة المناسبة لم تأتِ بسهولة. أخذ دفتره، ورسم بسرعة مشهدًا بسيطًا: بحرًا، وقاربًا صغيرًا، وشخصين يجلسان فيه. فهمت ليان فورًا: كانت تلك ذكرى رحلتهما الأولى بعد زواجهما، حين استأجرا قاربًا صغيرًا في عطلة نهاية أسبوع قبل عقود طويلة. ابتسمت وقالت: "نعم، أتذكر ذلك اليوم جيدًا." أومأ سامر برأسه بارتياح، ممتنًا أن لغته الصامتة وصلت.في تلك الفترة، اقترحت الدكتورة سلمى الجابري، التي كانت لا تزال على تواصل مع العائلة، أن توثق هذا النوع الجديد من التواصل كجزء من بحثها المستمر حول الفن كأداة تواصل حتى في مراحل متقدمة من العمر. وافقت العائلة بحذر، حريصة على أن يبقى أي توثيق محترمًا لخصوصية سامر وكرامته
last updateLast Updated : 2026-10-02
Read more

من الرماد الى النور: 11

مع بداية فصل جديد من السنة، استقرت حياة سامر على إيقاع هادئ ومستقر، لا تطور كبير فيه ولا تراجع مقلق. بدا أن حالته وصلت إلى هضبة من الثبات، يعيش فيها بوعي كامل بمن حوله، وبحب يزداد عمقًا كل يوم، حتى لو تلاشت بعض التفاصيل الصغيرة من ذاكرته اليومية.في تلك الفترة، قرر سامر أن يكتب شيئًا جديدًا، ليس كتابًا ولا رسالة، بل قائمة بسيطة أسماها "أشياء لا أريد أن أنساها أبدًا"، كتبها بخط ثابت في دفتر صغير يحمله معه دائمًا. كتب فيها: "ابتسامة ليان حين تستيقظ كل صباح. صوت نور وهي تتحدث عن عملها بحماس. ضحكة فراس في المقهى القديم. شعور يد طفل صغير تمسك بقلم لأول مرة."شاركت ليان قراءة هذه القائمة معه ذات مساء، وتأثرت بعمق بهذه البساطة التي تلخص جوهر كل ما يهم في الحياة. قالت له: "أعتقد أن هذه القائمة تحمل كل حكمة حياتك في صفحة واحدة." ابتسم سامر، وقال: "ربما هذا كل ما يحتاجه الإنسان في النهاية: أن يعرف ما يهمه حقًا، ويحتفظ به قريبًا من قلبه."في أحد الأيام، زارت سارة سامر وهي تحمل أحدث لوحاتها، تلك التي رسمتها إحدى طالباتها الصغيرات في المدينة الثالثة. أرته اللوحة بفخر: يد ممتدة، لكن هذه المرة من ات
last updateLast Updated : 2026-10-02
Read more

من الرماد الى النور: 12

مرّ الصيف بطيئًا ودافئًا، وكان سامر يقضي معظم صباحاته في الحديقة، يجلس تحت الشجرة التي زرعتها نور قبل سنوات تكريمًا لجدتها. صارت الشجرة الآن عالية، تلقي ظلًا واسعًا يتسع لكرسيه ولكرسي ليان وللطفل الذي يزورهما كل سبت.في أحد الصباحات، جاء فراس مبكرًا على غير عادته، يحمل كيسًا صغيرًا من الكعك الذي يحبه سامر. جلسا معًا دون كلام كثير، يشربان الشاي ويراقبان العصافير تتقافز على الحشائش. قال فراس بعد مدة: "هل تتذكر أول مرة جلسنا فيها هكذا؟" فكّر سامر، ثم ضحك وقال: "لا أتذكر المكان، لكنني أتذكر أنك لم تسألني شيئًا، وكان ذلك أجمل ما فعله أحد لي في تلك الأيام." ابتسم فراس، وقال: "هذا يكفي. ما نسيته أنت أتذكره أنا، وما أتذكره أنت لا يحتاج أن أذكّرك به."في الأسبوع التالي، وصلت رسالة من روان، وقد تخرجت من برنامج الفن العلاجي. أرفقت صورة لها واقفة بثوب التخرج بجانب عمتها التي بدت أكبر سنًا لكنها أكثر إشراقًا. كتبت: "أستاذ سامر، أول ما سأفعله بعد التخرج أن أعود إلى المخيم، لا كزائرة هذه المرة، بل كمعلمة. وسأبدأ كل جلسة بقول إن أول خط معوج يستحق أن يُرسم." قرأت ليان الرسالة بصوت عالٍ، لأن عينيه كانت
last updateLast Updated : 2026-10-02
Read more

من الرماد إلى النور: 13

جاء السبت كما وعد نفسه. استيقظ البيت على صوت خطوات صغيرة تركض في الممر، ثم طرقة خفيفة على باب الغرفة. كان الحفيد قد وصل مبكرًا، يحمل دفتره الصغير تحت إبطه وعلى وجهه ابتسامة من يحمل سرًّا. قال بصوت مبحوح من فرط الحماس: "جدو، أحضرت لك مفاجأة."جلسا في الحديقة تحت الشجرة، وفتح الطفل دفتره بحذر. كان قد رسم صفحة كاملة: رجلًا كبيرًا بشعر أبيض يجلس على كرسي، وبجانبه طفل صغير، وفوقهما شمس كبيرة بخطوط معوجة، وخلفهما شجرة. كتب تحتها بحروف كبيرة متعثرة كلمات تعلّم كتابتها حديثًا: "جدو وأنا." نظر سامر إلى الرسمة طويلًا، وقال بصوت هادئ: "هذه أجمل لوحة رأيتها هذا الأسبوع." سأله الطفل بقلق صادق: "حقًا؟ حتى أجمل من لوحاتك؟" ضحك سامر وقال: "لوحاتي كانت تحاول أن تشرح شيئًا، ولوحتك لا تحتاج أن تشرح أي شيء."بعد الظهر، وصلت نور بسيارتها من المطار دون إخبار أحد. وقفت عند باب الحديقة تراقب المشهد قبل أن يلاحظها أحد: والدها والطفل منحنيان على ورقة واحدة، يرسمان معًا، وليان تجلس بجانبهما تقرأ كتابًا وتبتسم من حين لآخر. شعرت بغصة خفيفة في حلقها، لكنها كانت غصة دافئة. اقتربت بهدوء، وقالت: "هل يوجد مكان لواحدة
last updateLast Updated : 2026-10-02
Read more

من الرماد الى النور: 14

في الأسابيع التي تلت سفر نور، استقر البيت على إيقاع جديد بطيء. صارت الصباحات أطول، والشاي أبرد قبل أن يُشرب، والأحاديث أقصر وأدفأ. لم يعد سامر يخرج إلى المركز الثقافي كل أسبوع كما كان يفعل، لكن المركز جاء إليه: كان يصل إلى البيت كل خميس شخص مختلف، مدرب شاب أو مشارك قديم أو طفل جاء مع أمه، يجلسون قليلًا تحت الشجرة، ثم يمضون وقد حملوا معهم شيئًا لا يستطيعون تسميته.في أحد الخميسات جاءت فتاة في العشرين، قالت إنها تدرّب أطفالًا في جناح الذاكرة بالزرقاء، وإنها لم تلتقه قط لكنها قرأت كل شيء عنه. جلست أمامه متوترة، وبدأت تسرد إنجازات البرنامج بسرعة، كأنها تقدّم تقريرًا. نظر إليها سامر بابتسامة هادئة، وقال: "لم يكن يهمني يومًا ما أنجزناه. أخبريني، ما أصعب شيء حدث لك هذا الأسبوع؟" توقفت الفتاة، وارتجف صوتها قليلًا، ثم قالت: "جدة في الجناح نادتني باسم ابنتها، وبكيت في الحمام بعد ذلك." أومأ سامر وقال: "إذن أنتِ تقومين بالعمل كما يجب. لا بأس أن تبكي. ابكِ، ثم عودي." خرجت من عنده أخفّ، وقد نسيت كل التقرير الذي أعدّته.وفي يوم آخر، وصل فراس ومعه مفاجأة: صندوق خشبي قديم وجده عند ابنه أثناء ترتيب أغ
last updateLast Updated : 2026-10-02
Read more

من الرماد الى النور: 15

خرج سامر إلى الحديقة متكئًا على عصاه الخشبية، يخطو ببطء لكن بثبات. كانت الشمس لا تزال منخفضة، ترسم على العشب خطوطًا ذهبية طويلة، والندى يلمع على الأوراق كأنه حبر لم يجف بعد. جلس على كرسيه تحت الشجرة، وأخذ القلم الثاني من الطفل، وقال: "أرني ما رسمت قبل أن أصل."مدّ الحفيد الورقة بفخر. كان خطه المتعرج يمتد بجانب خط جده الثابت، وقد أضاف في آخره دائرة صغيرة. سأله سامر: "ما هذه؟" قال الطفل بجدية: "هذه أنا حين أصل إلى آخر الخط." ضحك سامر ضحكة طويلة، ثم قال: "وأين أنا؟" فكّر الطفل قليلًا، وقال: "أنت في البداية، لأنك الذي بدأ." توقفت يد سامر عن الحركة. لم تكن الجملة معقدة، لكنها وصلت إلى مكان عميق فيه. قال بهدوء: "ربما هذا صحيح، لكن البداية لا تعني أنني سأبقى فيها. سأمشي معك قدر ما أستطيع."في ذلك الأسبوع، بدأت ليان تلاحظ أن زوجها يطيل الجلوس عند النافذة المطلة على الشارع، ينظر إلى المارة كأنه يتعرف على وجوههم من جديد. وفي مساء أحد الأيام قال لها: "كنت أفكر في الأشخاص الذين لا نعرف أسماءهم، أولئك الذين وصلتهم رسائلنا، ولم يكتبوا لنا شيئًا." قالت: "كثيرون." قال: "أتمنى أن يكونوا بخير. لا يهم أ
last updateLast Updated : 2026-10-03
Read more

من الرماد الى النور: 16

استيقظت المدينة في الصباح التالي على بياض نادر. غطّى الثلج الأسطح والأشجار والشوارع، وصار كل شيء أهدأ من المعتاد، حتى أصوات السيارات بدت بعيدة. خرج الحفيد أولًا إلى الحديقة، يركض في الثلج بحذائه الصغير، وهو يصرخ بفرح من يكتشف العالم للمرة الأولى: "جدو، انظر! الشجرة لبست أبيض!" جاء سامر إلى النافذة وابتسم. لم يخرج في ذلك الصباح، فقد نصحته ليان بالبقاء داخل الدفء، لكنه فتح النافذة قليلًا ليسمع ضحكات الطفل. جلست نور بجانبه، تلف يديه بيديها، وقالت: "هل تتذكر أول ثلج رأيته؟" فكّر قليلًا، ثم قال: "كنت صغيرًا، وأمي أخرجتني بمعطف كبير جدًا عليّ. كنت أغرق فيه، وهي تضحك." ضحكت نور وقالت: "لم أسمع هذه القصة من قبل." قال: "ولا أنا، حتى هذه اللحظة. ربما الثلج يوقظ الأشياء النائمة." في الظهيرة، أحضر عمر ورقة كبيرة وألوانًا، وفرشها على طاولة الصالة. اجتمع الجميع حولها، وقال: "ما رأيكم أن نرسم الثلج معًا؟ كل واحد يضيف شيئًا." بدأ الحفيد بدائرة بيضاء كبيرة وقال إنها كرة ثلج. أضاف فراس شجرة بخطوط رمادية خفيفة. رسمت نور بيتًا صغيرًا بنافذة مضاءة. وأضافت ليان دخانًا يتصاعد من مدخنته. وحين وصلت الورقة إ
last updateLast Updated : 2026-10-03
Read more

من الرماد الى النور: 17

في الأسابيع التي تلت لعبة الحجارة، صارت تلك النافذة الصغيرة محطة يومية لسامر. كان يستيقظ ويمرّ بيده على الحجارة العشرة قبل أن يجلس لفطوره، يلمس كل واحد كأنه يحيّي صاحبه، حتى الحجر الثامن الذي بقي بلا اسم واضح، لكنه لم يتوقف يومًا عن لمسه بالعناية نفسها. في أحد الأيام، أحضرت هند صورة قديمة التقطتها في أول يوم افتتحت فيه فرع الزرقاء، وأرسلتها عبر نور ليراها سامر. كانت صورة باهتة الألوان: مجموعة صغيرة من الشباب يجلسون في غرفة متواضعة، وفي الوسط سامر أصغر سنًا بكثير، يبتسم ابتسامة متعبة لكنها صادقة. نظر إليها طويلًا، ولم يتذكر كل التفاصيل، لكنه قال فجأة: "هذا اليوم الذي شعرت فيه أن العمل لن يتوقف عندي وحدي." لم يكن يتذكر التاريخ ولا كل الأسماء في الصورة، لكنه تذكر الشعور، وكأن الشعور وحده كان كافيًا ليحمل كل الذكرى. في تلك الفترة، بدأ الحفيد يطرح أسئلة أكثر عمقًا مما يناسب عمره أحيانًا. سأل جده ذات يوم: "هل سيأتي يوم لا أراك فيه؟" توقف سامر عن الرسم، ونظر إلى الطفل بعينين هادئتين، وقال: "سيأتي يوم لن تراني فيه بعينيك، لكنك سترى هذا الخط الذي رسمناه معًا كل سبت، وستتذكرني." سأله الطفل: "
last updateLast Updated : 2026-10-04
Read more

من الرماد الى النور: 18

مع دخول فصل جديد من السنة، بدأت الزيارات إلى بيت سامر تتخذ طابعًا مختلفًا قليلًا: لم تعد زيارات متفرقة فحسب، بل صارت أشبه بطقس جماعي غير معلن، كأن الجميع، دون اتفاق مسبق، قرروا أن يمنحوه من وقتهم أكثر مما اعتادوا. كان فراس يأتي كل ثلاثاء وخميس بدلًا من خميس واحد، وبدأت هند ترسل رسائل صوتية يومية بدلًا من المكالمات الأسبوعية، وصار عمر يحضر أبناءه الثلاثة معه في كل زيارة بدلًا من واحد فقط. في أحد أيام الثلاثاء، جلس فراس مع سامر يستعيدان ذكرى قديمة عن أول خلاف جدي وقع بينهما، حين اختلفا حول كيفية التعامل مع حالة شاب في بدايات البرنامج. ضحك سامر وهو يستمع لفراس يروي التفاصيل التي لم يعد يتذكرها بدقة، وقال: "هل كنتُ عنيدًا إلى هذا الحد؟" أجاب فراس بمحبة: "أكثر بكثير، لكن عنادك كان دائمًا من أجل شخص آخر، لا من أجل نفسك، وهذا ما جعلني أتحمله." تأثر سامر بهذا الوصف، وقال: "أتمنى أن يكون هذا صحيحًا، أن كل عنادي كان خدمة لشيء أكبر مني." في تلك الفترة، بدأت نور تخطط لزيارة أطول، فقد شعرت أن المسافة بينها وبين والدها، رغم كل المكالمات، تحمل ثقلاً تريد أن تخففه بحضور مستمر. استأذنت من عملها لثلا
last updateLast Updated : 2026-10-04
Read more

من الرماد الى النور: 19

مرّت الأسابيع بعد رحيل نور بهدوء غريب، كأن البيت يتنفس بإيقاع أبطأ، لكنه إيقاع مليء لا فارغ. عاد سامر إلى طقوسه الصغيرة: القهوة الصباحية، لمسة الحجارة العشرة، جلسة الرسم تحت الشجرة، وانتظار يوم السبت لحفيده. لم يكن يشعر بالوحدة، فقد صار يدرك أن الحب لا يُقاس بالحضور الجسدي وحده. في أحد الأيام، وصلت رسالة من إندونيسيا، من نفس الشخص المجهول الذي كتب قبل سنوات يشكر على رسالة غيّرت قراره في لحظة حرجة. هذه المرة كتب بصراحة أكبر، كشف عن اسمه: "أريدكم أن تعرفوا أنني أصبحت الآن أبًا، وابنتي الأولى اسمها 'أمل'، تيمنًا بما وجدته في تلك الرسالة." قرأت ليان الرسالة لسامر بصوت عالٍ، وبكى بصمت، لا حزنًا، بل من ثقل الامتنان الذي يصعب أحيانًا أن يحمله قلب واحد. في تلك الفترة، بدأ سامر يطلب من ليان أن تقرأ له كتابه الجماعي القديم، فصلاً كل مساء، كأنه يعيد اكتشاف قصته من جديد بعيون أكثر هدوءًا. كان يستمع بانتباه، وأحيانًا يقاطعها ليقول: "هل كتبتُ هذا حقًا؟ يبدو وكأنه لشخص آخر." كانت تبتسم وتقول: "هو أنت، لكن في مرحلة مختلفة من حياتك." كان هذا التمييز بين "هو" و"أنا" يزداد وضوحًا مع مرور الأيام، لا بخ
last updateLast Updated : 2026-10-05
Read more
PREV
1
...
91011121314
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status