من الرماد الى النور

من الرماد الى النور

last updateLast Updated : 2026-09-15
By:  ملك السطور Updated just now
Language: Arab
goodnovel16goodnovel
10
1 rating. 1 review
10Chapters
3views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

​"عندما تنطفئ الشعلة الأخيرة في منتصف العتمة، ويتحول كل ما بنيته إلى مجرد رماد تتلاقفُه الرياح، تعتقد أن النهاية قد حُسمت. لكن بين طيات الألم وخيبة الأمل، تولد القوة الحقيقية. ​تسير في طريق محفوف بالمرارة والذكريات القاسية، تحاول ترميم ما تبدَّد من روحها ومواجهة عالم لم يرحم ضعفها. وسط هذا الركام، يلوح شعاع غير متوقع ليشق الظلمة ويغير مجرى حياتها للأبد. ​هل يمكن لقلب احترق حتى الخفوت أن ينبض بالحب والأمل من جديد؟ أم أن طريق الخروج من الرماد إلى النور يتطلب الاستغناء عن كل ما مضى؟ رحلة مشوقة عن التغلب على الصعاب، البحث عن الذات، وإيجاد النور في أشد الأوقات إظلاماً."

View More

Chapter 1

الفصل الاول: رماد الأمس

كانت المدينة تغرق في ضبابها المعتاد حين وقف "سامر" على حافة السطح، يحدّق في الأضواء البعيدة وكأنها نجوم سقطت من السماء لتستقر بين المباني.

لم يكن يفكر في القفز، رغم أن الفكرة راودته أكثر من مرة في الأشهر الأخيرة، بل كان يفكر في كل شيء انتهى إليه: العمل الذي خسره، الأصدقاء الذين تخلوا عنه حين اكتشفوا حقيقة ديونه، وزجاجة الويسكي الفارغة التي تركها على الطاولة قبل أن يصعد إلى هنا.

كان عمره لا يتجاوز الثامنة والعشرين، لكنه شعر وكأنه عاش حياة رجل في الستين. كل قرار اتخذه في السنوات الخمس الماضية بدا الآن وكأنه حجر إضافي يُلقى في بئر لا قرار له. بدأ الأمر بسيطًا: قروض صغيرة لتغطية مصاريف الجامعة، ثم مقامرة "لمرة واحدة فقط" مع أصدقاء العمل لتعويض الخسارة، ثم أصبحت المقامرة عادة، والعادة إدمانًا، والإدمان طريقًا مسدودًا لا يعرف صاحبه كيف يخرج منه.

نزل عن حافة السطح وجلس على الأرض الباردة، يستند ظهره إلى الجدار الإسمنتي. أخرج من جيبه ورقة مطوية بعناية، كانت رسالة من والدته كتبتها له منذ ثلاث سنوات، قبل أن تمرض وتُدخل المستشفى. لم يقرأها كاملة من قبل، كان دائمًا يخاف من كلماتها، يخاف أن يرى فيها خيبة الأمل التي يعرف أنه يستحقها. لكن الليلة، وفي هذه اللحظة بالذات، شعر أنه لم يعد لديه ما يخسره.

فتح الورقة ببطء، وبدأ يقرأ بصوت خافت يرتجف مع كل كلمة:

"سامر، ابني الحبيب... أعرف أنك تمر بأوقات صعبة، وأعرف أنك تخفي عني الكثير ظنًا منك أنك تحميني. لكن الأمهات يشعرن بما لا يُقال.

أريدك أن تعرف أن الرماد الذي تراه في حياتك اليوم ليس نهاية الحكاية، بل هو التربة التي ستنبت منها بداية جديدة. لا تدع الظلام يقنعك أنه الوحيد الموجود، فالنور دائمًا في مكان ما، ينتظر منك خطوة واحدة نحوه..."

توقف عن القراءة، وشعر بدمعة تنزلق على خده رغم محاولاته المستميتة لمنعها. لم يبكِ منذ سنوات، كان قد أقنع نفسه أن البكاء ضعف لا يليق برجل خسر كل شيء وما زال يحاول أن يبدو قويًا أمام من تبقى حوله. لكن كلمات أمه فتحت بابًا كان مغلقًا بإحكام، بابًا يخفي خلفه كل الألم الذي كان يهرب منه بالكحول والمقامرة والسهر في أماكن لا يعرف فيها أحد اسمه الحقيقي.

في تلك اللحظة، رنّ هاتفه. نظر إلى الشاشة فرأى اسم "ليان"، ابنة عمه التي لم يتحدث معها منذ أشهر بعدما رفضت مساعدته في سداد أحد ديونه، ليس لأنها لا تحبه، بل لأنها كانت تعرف أن المال لن يحل مشكلته، بل سيؤجل انفجارها فقط.

تردد قليلاً قبل أن يرد.

"سامر؟ هل أنت بخير؟ لم أستطع النوم، شعرت أن هناك شيئًا خاطئًا..." كان صوتها مرتجفًا، مليئًا بالقلق الذي لم يعتَد أن يسمعه موجهًا إليه منذ زمن بعيد.

لم يستطع أن يجيب فورًا. حاول أن يتماسك، أن يظهر بصوته الطبيعي المعتاد الذي يخفي خلفه كل الانهيار الداخلي، لكن شيئًا في داخله انكسر، فخرجت الكلمات بصعوبة:

"لا... لست بخير يا ليان. لم أعد أعرف كيف أكون بخير."

صمتت للحظة، ثم قالت بحزم هادئ: "أين أنت الآن؟ أخبرني بالمكان بالضبط، أنا قادمة."

حاول أن يرفض، أن يقول لها إنه لا يستحق أن تأتي من أجله في هذا الوقت المتأخر، لكنه أخبرها بالعنوان، وكأن جزءًا منه كان ينتظر من يمد يده إليه قبل أن يستسلم تمامًا للظلام.

بعد نصف ساعة، وصلت ليان، ووجدته لا يزال جالسًا في المكان نفسه، الرسالة ما زالت في يده، ووجهه يحمل آثار دموع لم يعتد أن يريها لأحد. جلست بجانبه دون أن تقول كلمة، فقط وضعت يدها على كتفه، وتركته يتنفس، يتحرر من ثقل كان يحمله وحيدًا لسنوات.

"أعرف أنك تظن أن لا أحد يفهم ما تمر به،" قالت أخيرًا، "لكن كل شخص له رماده الخاص يا سامر. الفرق أن البعض يختار أن يبقى فيه، والبعض الآخر يقرر أن يستخدمه كسماد لبداية جديدة."

نظر إليها، وشعر لأول مرة منذ زمن طويل أن هناك بصيص أمل، ضعيف لكنه حقيقي، يلمع في نهاية النفق المظلم الذي كان يعيش فيه.

في تلك الليلة، لم يتغير كل شيء فجأة، فالتحول الحقيقي لا يحدث بين عيشة وضحاها. لكن شيئًا ما بدأ يتحرك بداخله، بذرة صغيرة زُرعت وسط الرماد، تنتظر فقط من يسقيها بالصبر والإرادة والحب الذي لم يكن يعتقد أنه ما زال يستحقه.

بعد لحظات الصمت الطويلة، شعر سامر أن كتفيه أصبحا أخف قليلاً، وكأن الاعتراف بالحقيقة أمام ليان أزاح جزءًا من الحمل الذي كان يحمله وحده منذ سنوات. نظر إلى السماء التي بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل إليها، وقال بصوت متعب لكنه أكثر هدوءًا مما كان عليه قبل قليل:

"لا أعرف من أين أبدأ يا ليان. كل شيء تراكم فوق بعضه حتى لم أعد أميز بين المشكلة الأصلية والمشاكل التي تولّدت عنها. الديون، العمل، حتى علاقتي بنفسي... كل شيء تحوّل إلى كتلة واحدة من الفشل."

ابتسمت له ابتسامة حزينة، لكنها كانت مليئة بشيء يشبه اليقين: "لا أحد يطلب منك أن تبدأ من كل شيء دفعة واحدة. ابدأ من نقطة واحدة، أصغر نقطة ممكنة. الغد مثلاً، ماذا لو استيقظت وقررت أن تتصل بطبيب نفسي بدلاً من أن تتصل بمن يقدم لك زجاجة أخرى؟"

ضحك سامر ضحكة خافتة، أول ضحكة حقيقية منذ أسابيع، وقال: "تتحدثين وكأن الأمر بهذه البساطة."

"لم أقل إنه بسيط،" ردت بجدية، "قلت إنه ممكن. وهناك فرق كبير بين الاثنين."

جلسا صامتين لبعض الوقت، يستمعان إلى أصوات المدينة التي بدأت تستيقظ ببطء: سيارة بعيدة، طائر يغرد على حافة نافذة، وبائع الخبز الذين يفتحون محلاتهم في الشارع السفلي. كان هناك شيء مطمئن في هذا الإيقاع اليومي البسيط، وكأن الحياة تستمر بغض النظر عن حجم الانهيار الذي يشعر به الإنسان في داخله.

فجأة، تذكر سامر شيئًا كان قد نسيه تمامًا وسط فوضى الأشهر الأخيرة: دفتر رسم قديم كان يملأه بالرسومات حين كان طالبًا في الجامعة، قبل أن تبتلعه ضغوط العمل والديون. قال لليان وهو يحاول أن يتذكر مكان الدفتر بالضبط:

"كان لدي شيء أحبه حقًا قبل أن أفقد نفسي في كل هذا... الرسم. كنت أرسم لساعات دون أن أشعر بالوقت."

"وماذا حدث له؟" سألته بفضول حقيقي.

"دفنته تحت أعذار كثيرة. لا وقت، لا طاقة، لا فائدة منه أصلاً. أقنعت نفسي أن الرسم رفاهية لا يستطيع رجل مثقل بالديون أن يحلم بها."

هزّت ليان رأسها برفق، ثم قالت: "ربما ليست رفاهية يا سامر، ربما كانت طوق النجاة الذي تجاهلته طوال هذه المدة."

كانت كلماتها بسيطة، لكنها استقرت في مكان عميق داخله. فكّر في كل الليالي التي قضاها يحدق في السقف بدلاً من أن يمسك بقلم رصاص، وربما، كان الطريق إلى النور أبسط مما كان يتخيل، لا يحتاج إلى معجزة كبيرة، بل إلى سلسلة من الخطوات الصغيرة التي تبدأ من استعادة الأشياء التي أحبها يومًا ثم فقدها.

وقف سامر أخيرًا، ومدّ يده إلى ليان لتساعدها على النهوض، رغم أنها هي من جاءت لتسنده. ضحكت من المفارقة، وأمسكت بيده. نزلا معًا من السطح، والشمس بدأت تتسلل بخيوطها الذهبية الأولى بين المباني، تمامًا كما كانت الأضواء التي رآها سامر من بعيد قبل ساعات قليلة، لكنها الآن بدت أقرب، أكثر دفئًا، وكأنها تمد له يدًا لا تطلب منه شيئًا سوى أن يستمر.

في طريقهما إلى السيارة، توقف سامر لحظة، وأخرج الورقة التي كتبتها والدته من جيبه، طواها بعناية ووضعها في محفظته، ليس كذكرى للألم هذه المرة، بل كتذكير دائم بأن هناك من آمن به حتى حين لم يؤمن هو بنفسه.

وصلا إلى السيارة، وقبل أن يفتح الباب، التفت سامر إلى ليان وقال بصوت هادئ: "شكرًا لأنك لم تتخلي عني، حتى بعد كل ما فعلته."

ابتسمت وقالت: "العائلة لا تتخلى، هي فقط تنتظر اللحظة المناسبة لتمد يدها."

ركبا السيارة، وكانت تلك الليلة نقطة تحوّل صامتة، ليلة لم يشهدها أحد سواه وسواها، لكنها كانت كافية لتزرع بداية جديدة وسط كل ذلك الرماد.

" **كان هذا هو الفصل الأول من رحلته، رحلة لم تكن سهلة، لكنها كانت البداية الحقيقية لتحوله من الرماد إلى النور.**"

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters

reviews

alraqhydr28
alraqhydr28
**********
2026-09-15 20:18:33
0
0
10 Chapters
الفصل الاول: رماد الأمس
كانت المدينة تغرق في ضبابها المعتاد حين وقف "سامر" على حافة السطح، يحدّق في الأضواء البعيدة وكأنها نجوم سقطت من السماء لتستقر بين المباني. لم يكن يفكر في القفز، رغم أن الفكرة راودته أكثر من مرة في الأشهر الأخيرة، بل كان يفكر في كل شيء انتهى إليه: العمل الذي خسره، الأصدقاء الذين تخلوا عنه حين اكتشفوا حقيقة ديونه، وزجاجة الويسكي الفارغة التي تركها على الطاولة قبل أن يصعد إلى هنا. كان عمره لا يتجاوز الثامنة والعشرين، لكنه شعر وكأنه عاش حياة رجل في الستين. كل قرار اتخذه في السنوات الخمس الماضية بدا الآن وكأنه حجر إضافي يُلقى في بئر لا قرار له. بدأ الأمر بسيطًا: قروض صغيرة لتغطية مصاريف الجامعة، ثم مقامرة "لمرة واحدة فقط" مع أصدقاء العمل لتعويض الخسارة، ثم أصبحت المقامرة عادة، والعادة إدمانًا، والإدمان طريقًا مسدودًا لا يعرف صاحبه كيف يخرج منه. نزل عن حافة السطح وجلس على الأرض الباردة، يستند ظهره إلى الجدار الإسمنتي. أخرج من جيبه ورقة مطوية بعناية، كانت رسالة من والدته كتبتها له منذ ثلاث سنوات، قبل أن تمرض وتُدخل المستشفى. لم يقرأها كاملة من قبل، كان دائمًا يخاف من كلماتها، يخاف أن ي
last updateLast Updated : 2026-09-15
Read more
الفصل الثاني: خطوة على الطريق
مرّ أسبوع كامل منذ تلك الليلة على السطح، أسبوع لم يكن سهلاً على سامر، لكنه لم يكن كسابقه أيضًا. استيقظ في صباح يوم الاثنين على صوت منبه هاتفه، وهو صوت لم يعتد سماعه منذ أشهر، لأنه ببساطة توقف عن ضبط أي مواعيد لنفسه. جلس على حافة السرير، فرك عينيه، ونظر حوله في الغرفة التي كانت تحمل آثار فوضى طويلة: ملابس متناثرة، علب فارغة، وستائر مغلقة تمنع الضوء من الدخول منذ وقت طويل.تذكر كلمات ليان: "ابدأ من نقطة واحدة." فقرر أن تكون نقطته الأولى هي هذه الغرفة بالذات.قضى ساعتين في تنظيف المكان، لم يكن الأمر سهلاً نفسيًا، فكل قطعة كان يرفعها تحمل ذكرى: زجاجة فارغة تذكّره بليلة سيئة، ورقة حساب مصرفي عليها تنبيه بالتأخر عن السداد، وصورة قديمة له مع أصدقاء لم يعودوا يتصلون به. لكنه استمر، قطعة بعد قطعة، حتى بدأت الغرفة تشبه مكانًا يمكن لإنسان أن يتنفس فيه من جديد.في المساء، اتصل بليان كما وعدها."فعلتها،" قال بفخر خجول، "حجزت موعدًا مع طبيب نفسي. الأسبوع القادم."سمع ابتسامتها في صوتها قبل أن ترد: "هذه بداية حقيقية يا سامر. أنا فخورة بك."كانت هذه الكلمات البسيطة كافية لتمنحه دفعة لم يشعر بها منذ
last updateLast Updated : 2026-09-15
Read more
الفصل الثالث: أشباح الماضي
مرّ شهر كامل منذ تلك الليلة على السطح، وبدأ سامر يشعر أن الأرض تحت قدميه أصبحت أكثر ثباتًا. كان قد سدد جزءًا بسيطًا من دينه لخالد، وواظب على جلسات الدعم، وأصبح لديه في المستودع سمعة الموظف الجاد الذي لا يتأخر ولا يتغيب. لكن الحياة، كما تعلّم مؤخرًا، نادرًا ما تسير في خط مستقيم.في صباح أحد الأيام، وبينما كان في طريقه إلى العمل، توقفت أمامه سيارة فارهة سوداء عند إشارة المرور، ونزل منها رجل يعرفه جيدًا: "منذر"، الشخص الذي أدخله إلى عالم المقامرة منذ سنوات، والذي كان يملك أحد الأندية الليلية التي قضى فيها سامر أسوأ لياليه."سامر! يا رجل، أين اختفيت؟" قال منذر بابتسامة عريضة، ممدًا يده للمصافحة.تردد سامر للحظة قبل أن يصافحه بفتور، وقال: "أحاول أن أرتب حياتي يا منذر."ضحك منذر ضحكة ساخرة خفيفة، وقال: "حياتك مرتبة أكثر حين تكون معنا. اسمع، لدينا طاولة خاصة الليلة، أشخاص جدد، فرص كبيرة. أعرف أنك تحتاج المال، خصوصًا مع دَينك لخالد."شعر سامر بقلبه يتسارع، ليس من الحماس هذه المرة، بل من الخوف. كانت هذه بالضبط اللحظة التي حذّره منها فراس في إحدى جلسات الدعم: "ستأتي لحظة يعود فيها الماضي ليطرق
last updateLast Updated : 2026-09-15
Read more
الفصل الرابع: ضوء في آخر النفق
مرّت ثلاثة أشهر منذ تلك الليلة على السطح، وبدأت حياة سامر تأخذ شكلاً لم يكن يتخيله. تحسّنت صحة والدته تدريجيًا، حتى تمكنت من مغادرة المستشفى والعودة إلى منزلها، حيث أصبح سامر يزورها كل يوم تقريبًا بعد العمل، يحضّر لها الشاي أحيانًا، ويجلس معها يتحدثان عن أشياء بسيطة كانا قد نسيا كيف يتشاركانها: ذكريات طفولته، أحلامه القديمة، وحتى خططه المستقبلية التي بدأت تتشكل من جديد بعد أن كانت قد اختفت تمامًا من تفكيره.في العمل، لاحظ أبو ياسر تفانيه وانضباطه، فقرر أن يمنحه مسؤولية أكبر: الإشراف على تنظيم المستودع بالكامل. لم تكن الوظيفة كبيرة أو مرموقة، لكنها كانت اعترافًا حقيقيًا بالتغيير الذي طرأ عليه، وشعر سامر بفخر صادق، مختلف تمامًا عن ذلك الفخر الزائف الذي كان يشعر به سابقًا حين يربح في طاولات القمار.استمر أيضًا في حضور جلسات الدعم كل خميس، وأصبح مع الوقت قادرًا على مساعدة أعضاء جدد ينضمون إلى المجموعة، يشاركهم تجربته دون خجل، ويشجعهم على اتخاذ خطواتهم الأولى كما فعل هو من قبل. كان فراس يراقبه بفخر صامت، ويقول له أحيانًا: "أنت تتحول من شخص يحتاج المساعدة إلى شخص يقدّمها. هذه علامة تعافٍ حق
last updateLast Updated : 2026-09-15
Read more
الفصل الخامس: بذور جديدة
مرّ عام كامل منذ تلك الليلة التي وقف فيها سامر على حافة السطح، عام تغيّر خلاله كل شيء تقريبًا في حياته، لكنه لم يكن يشعر أبدًا أن الرحلة قد انتهت. كان يجلس في صباح أحد أيام الربيع على شرفة شقته الجديدة، الشقة الصغيرة التي استأجرها بعد أن استقر وضعه المالي أخيرًا، ينظر إلى دفتر رسمه القديم الذي أصبح الآن واحدًا من عدة دفاتر ممتلئة بلوحات مختلفة، بعضها بيع في معارض صغيرة، وبعضها الآخر لا يزال يحتفظ به لنفسه.كانت ورشة الرسم التي بدأها قد نمت بشكل لم يتوقعه؛ من عشرة مقاعد فارغة إلى مجموعة ثابتة من خمسة عشر شابًا وشابة، بعضهم انضم حديثًا، وبعضهم مثل عمر أصبح الآن مساعدًا له في تنظيم الجلسات. تطورت علاقة سامر بعمر لتصبح أشبه بعلاقة أخ أكبر بأخيه الصغير، خصوصًا بعد أن ساعده سامر في العودة إلى المدرسة عبر برنامج تعليم مسائي، وشهد بفخر كبير كيف بدأ عمر يستعيد ثقته بنفسه شيئًا فشيئًا.في ذلك الصباح بالذات، تلقى سامر مكالمة من مديرة المركز الثقافي، تخبره فيها أن الورشة حظيت باهتمام إحدى المؤسسات الخيرية الكبرى، التي عرضت تمويل توسيع البرنامج ليشمل عدة أحياء في المدينة، مع إمكانية أن يصبح سامر م
last updateLast Updated : 2026-09-15
Read more
الفصل السادس: حين يتعثر النور
بعد أسبوعين من انطلاق برنامج "من الرماد إلى النور" بشكله الجديد، بدأ سامر يشعر بثقل غير متوقع: النجاح نفسه أصبح عبئًا. الطلبات على الانضمام إلى الورشة تضاعفت بعد أن نشرت إحدى الصحف المحلية تقريرًا صغيرًا عن قصته، وبدأ يتلقى رسائل من أهالي شباب يائسين، ومن مؤسسات تطلب التعاون، ومن أشخاص يطلبون منه استشارات فردية لم يكن مستعدًا لتقديمها بمفرده.جلس في مكتبه الصغير الجديد في المركز الثقافي، محاطًا بأكوام من الطلبات والرسائل، وشعر لأول مرة منذ أشهر بذلك القلق القديم يتسلل إليه من جديد، ليس قلق الإدمان هذه المرة، بل قلق آخر: "ماذا لو لم أكن كافيًا لكل هذا؟ ماذا لو خذلت شخصًا يعتمد عليّ الآن كما اعتمدت أنا على ليان وفراس؟"دخل فراس إلى المكتب في تلك اللحظة، ولاحظ التعب على وجه سامر فورًا. سأله: "ما الخطب؟ تبدو كمن يحمل جبلاً على كتفيه."أشار سامر إلى الأكوام أمامه، وقال بإحباط: "لم أكن أتوقع أن ينتشر الأمر بهذه السرعة. أشعر أنني بدأت شيئًا لا أعرف كيف أديره بشكل صحيح. ماذا لو فشلت في مساعدة كل هؤلاء الناس الذين بدأوا يعلّقون آمالهم علينا؟"جلس فراس أمامه، وقال بحزم هادئ يعرفه سامر جيدًا من
last updateLast Updated : 2026-09-15
Read more
الفصل السابع: خيوط معقّدة
مرّ أسبوع كامل منذ لقاء سامر بعمر في ذلك المقهى، أسبوع قضاه يتنقل بين اجتماعات مع الجمعية المتخصصة بإعادة تأهيل الشباب، ومحاولات حذرة للتواصل مع أخي عمر دون أن يشعر أحد بالتهديد. كان يعرف أن أي خطوة متسرعة قد تُغلق كل الأبواب المفتوحة حاليًا، فتعامل مع الملف بحذر شديد الشبه بحذر جراح يحاول استخراج شوكة عميقة دون أن يسبب نزيفًا أكبر.في أحد الأيام، طلبت منه سلمى أن يقابل "أستاذ ياسين"، مستشارًا اجتماعيًا يعمل مع الجمعية منذ سنوات، وله خبرة طويلة في التعامل مع حالات مشابهة لحالة أخ عمر. جلس الثلاثة في مكتب صغير متواضع، وشرح سامر الوضع بالتفصيل الذي يعرفه، محاولاً ألا يفشي أي معلومة قد تعرّض عمر أو أخاه لخطر إضافي.استمع ياسين بانتباه، ثم قال: "هذه ليست حالة نادرة، للأسف. غالبًا من يُدخلون في هذه الشبكات ليسوا أشرارًا بطبيعتهم، بل ضحايا ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية. المفتاح ليس مواجهة الأخ الأكبر مباشرة، بل تقديم بديل حقيقي وملموس له، لا مجرد نصيحة أو تحذير."سأله سامر: "بديل من أي نوع؟"أوضح ياسين: "فرصة عمل حقيقية، أو دعم مادي مؤقت يخفف الضغط الذي يدفعه للبقاء في هذا الطريق. المواجهة
last updateLast Updated : 2026-09-15
Read more
الفصل الثامن: ظلال من الماضي
مرّ شهر على استقرار وضع عمر وأخيه، وبدأ سامر يشعر أن الأمور تسير بانتظام نادر منذ فترة طويلة: الورشة تنمو بثبات، علاقته بليان تزداد عمقًا، ووالدته تحافظ على صحة مستقرة. لكن الحياة، كما تعلّم مرارًا، لا تمنح فترات الهدوء دون أن تُعقبها اختبارات جديدة.في صباح أحد الأيام، وبينما كان يراجع طلبات التمويل للبرنامج الموسّع، دخلت سلمى مكتبه بوجه جاد غير معتاد. قالت وهي تضع هاتفها على الطاولة: "سامر، هناك شيء عليك أن تراه."كان الأمر تعليقًا نشره أحد الحسابات المجهولة على منشور الصحيفة القديم الذي كتبته عنه، يفتح فيه "قصة سامر الحقيقية" بتفاصيل مشوّهة عن ماضيه في المقامرة، محاولاً تصويره كمحتال يستغل قصة تعافيه لجمع التبرعات والتمويل لمصلحته الشخصية. لم يكن التعليق يحمل أي دليل حقيقي، لكنه بدأ ينتشر بسرعة بين بعض المتابعين المتشككين.شعر سامر بموجة من القلق القديم تعود إليه، ذلك الخوف من أن يُنظر إليه دائمًا من خلال أخطائه الماضية بغض النظر عن كل ما بناه بعدها. سأل بصوت متوتر: "من يقف خلف هذا؟"بحثت سلمى بسرعة، وتمكنت بعد يومين من تتبع الحساب، ليتفاجأ سامر أن مصدره غير متوقع تمامًا: "رامي"، ز
last updateLast Updated : 2026-09-15
Read more
الفصل التاسع: على طاولة القرار
في صباح يوم الاجتماع مع مسؤول وزارة التنمية الاجتماعية، ارتدى سامر بدلة رسمية اقترضها من فراس، شعر فيها بغرابة خفيفة، وكأنه يرتدي هوية لم يتعود عليها بعد: هوية "المسؤول عن مؤسسة"، لا "الناجي الذي يرسم". جلس في سيارة سلمى التي عرضت أن تنقله إلى الوزارة، وقالت له بابتسامة مشجعة: "تذكّر، أنت لا تطلب منّة، أنت تعرض شراكة حقيقية بنتائج ملموسة. تحدث من هذا المكان."في مكتب فسيح بالوزارة، استقبلهم "الدكتور نبيل"، مسؤول كبير في قسم برامج الشباب، رجل في الخمسينيات يحمل ملفًا كاملاً عن البرنامج أمامه، مما فاجأ سامر بمدى التفاصيل التي جمعوها عنه."قرأت مقالك،" قال الدكتور نبيل مباشرة دون مقدمات طويلة، "الصادق، لا المقال الأول. أقدّر هذا النوع من الشجاعة، خصوصًا أننا في هذا المجال نتعامل كثيرًا مع واجهات مصقولة تخفي فراغًا حقيقيًا خلفها."شرح سامر بإيجاز فكرة البرنامج، نتائجه حتى الآن، وقصص التحول التي شهدها في عمر وغيره من المشاركين، دون أن يذكر أسماء أو تفاصيل حساسة. استمع الدكتور نبيل بانتباه، ثم قال: "نريد أن ندعم توسيع هذا البرنامج ليشمل ثلاث مدن أخرى، بتمويل حكومي، على أن يكون هناك إطار رسم
last updateLast Updated : 2026-09-15
Read more
الفصل العاشر: مدينة جديدة
في صباح باكر من أحد أيام الخريف، وقف سامر أمام مبنى صغير في مدينة "الزرقاء"، أول مدينة يُفتتح فيها فرع جديد من برنامج "من الرماد إلى النور". كان المبنى متواضعًا، غرفتين فقط في الطابق الأرضي لمركز شبابي محلي، لكنه بدا لسامر في تلك اللحظة أكبر من أي قصر، لأنه يمثل تجسيدًا حقيقيًا لفكرة كانت حتى وقت قريب مجرد حلم يخصه وحده.رافقه في هذه الزيارة فراس، ومدرّبة جديدة اسمها "هند"، معلمة رسم سابقة انضمت إلى البرنامج بعد أن قرأت قصته وشعرت أنها تريد أن تكون جزءًا من هذا النوع من العمل. كانت هند قد مرت بتجربة اكتئاب حاد بعد وفاة زوجها، ووجدت في الرسم طريقها الخاص للخروج منه، ما جعلها تفهم فلسفة البرنامج بعمق دون أن يشرحها لها أحد بالتفصيل.في اليوم الأول، استقبلت الغرفة الصغيرة اثني عشر شابًا وشابة من أحياء مختلفة في المدينة، بعضهم أتى بدافع الفضول فقط، وبعضهم وصلته دعوة من مدرسته بعد أن رصد المرشد الاجتماعي فيها حالات تحتاج دعمًا. جلس سامر في الخلف هذه المرة، تاركًا لهند قيادة الجلسة الأولى، حريصًا على أن يترك مساحة حقيقية للمدربين الجدد لبناء أسلوبهم الخاص، لا أن يفرض عليهم نسخة طبق الأصل من
last updateLast Updated : 2026-09-15
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status