في ليلة ممطرة بفلورنسا، يتعرض زعيم المافيا "أليساندرو" لمحاولة اغتيال مدبرة إثر خيانة داخلية. ورغم إصابته البالغة برصاصة في خاصرته، يرفض المساعدة ويهرب وحيدًا في الأزقة المظلمة. ينهار فاقدًا للوعي أمام عتبة بيت عتيق وتخرج منه إلينا ويبدأ معها فصل مختلف من الحب والرومانسية والمغامرة
تعمّدت ابنتي أن تقول لوالدها بصوتٍ عالٍ في الحفلة: "أبي، الخالة شيرين معتز حامل منك، هل سنعيش معها من الآن؟"
وضع زوجي شريحة اللحم أمامي ثم قال بهدوء:
"تعاهدتُ مع والدتكِ على أن من يسبق بالخيانة، يختفِ إلى الأبد من حياة الآخر".
"أنا لا أستطيع تحمّل عواقب ذلك، لذلك أخفيتُ الأمر بإحكام".
"وبعد ولادة الطفل، لن أسمح لهم أبدًا بالظهور أمام والدتكِ".
أنهى كلماته، ثم أكمل بلغة الإشارة يقول لي أنه يحبني إلى الأبد.
لكنه لم يلاحظ احمرار عينيّ.
لم يكن يعلم أنني شُفيت من الصمم منذ أسبوع،
ولم يعلم أنني اكتشفت منذ زمنٍ خيانتهما الخفيّة،
ولم يعلم أيضًا أنني اشتريت سرًّا تذكرة سفر إلى مدينة السحاب للعمل التطوعي في التدريس.
كنتُ أنتظر سبعة أيام فقط حتى تكتمل الإجراءات، ثم سأختفي إلى الأبد.
قبل زفافي بشهر، قرر خطيبي أن يُنجب طفلًا من امرأةٍ أخرى.
رفضتُ، فظلّ يُلح عليّ يومًا بعد يوم.
وقبل الزفاف بأسبوعين، وصلتني صورة لنتيجةِ اختبارِ حملٍ إيجابية.
عندها فقط أدركت أن حبيبته القديمة كانت بالفعل حاملًا منذ قرابةِ شهرٍ.
أي أنه لم يكن ينتظر موافقتي من البداية.
في تلك اللحظة، تبدد كل الحب الذي دام سنواتٍ، فتلاشى كالدخان.
لذا ألغيت الزفاف، وتخلصت من كل ذكرياتنا، وفي يوم الزفاف نفسه، التحقتُ بمختبرٍ بحثيّ مغلقٍ.
ومنذ ذلك اليوم، انقطعت كل صلتي به تمامًا.
تدور القصة حول "ليلى"، ابنة محامي مشهور يُقتل في ظروف غامضة، لتكتشف أن والدها كان يغسل أموالاً لأخطر زعماء المافيا في "نيويورك"، وهو "سياف الكارلو". قبل موته، وقع والدها "عقداً" يرهن فيه حياتها لـ "سياف" كضمان لولائه. سياف، الرجل الذي لا يعرف الرحمة، يقرر تنفيذ العهد ليس حباً فيها، بل ليستخدمها كطعم للوصول إلى الشخص الذي خان المنظمة وقتل والدها.
زوجي الرئيس التنفيذي كان مقتنعًا أنني امرأة انتهازية، وفي كل مرة يذهب ليكون إلى جانب حبيبته الأولى حين تنتكس نوبات اكتئابها.
كان يشتري لي حقيبة هيرميس بإصدارٍ محدود.
بعد ستة أشهر من الزواج، امتلأت غرفة الملابس بالحقائب.
وعندما استلمت الحقيبة التاسعة والتسعين، لاحظ أنني تغيّرت فجأة.
لم أعد أتشاجر معه بعنفٍ يمزّق القلب لأنه يذهب ليكون إلى جانب تلك الحبيبة الأولى.
ولم أعد، من أجل جملةٍ واحدة منه مثل:" أريد أن أراك"، أعبر المدينة كلّها تحت الرياح والمطر.
كل ما طلبته منه كان تميمة حماية، لأهديها لطفلنا الذي لم يولد بعد.
وعندما ذُكر الطفل، لانَت نظرة باسل ليث قليلًا:
" حين تتحسّن حالة رلى الصحية بعض الشيء، سأرافقكِ إلى المستشفى لإجراء فحوصات الحمل."
أجبتُه بطاعةٍ هامسة: نعم.
ولم أخبره أنني أجهضتُ قبل عشرة أيام.
ما تبقّى بيني وبينه، لم يكن سوى اتفاقية طلاقٍ تنتظر التوقيع.
أجهضت جنيني الذي لم يتجاوز عمره ثلاثة أشهر، دون علم خطيبي.
لأنه كان لا يزال مغرمًا بحبيبته الأولى.
ولكي يُشعرها وكأنها في منزلها، أفرغ غرفة نومي الرئيسية وأعطاها لها دون تردد.
بل إنه حوّل حفل خطوبتنا إلى مأدبة ترحيب بها.
وتركني أُصبح أضحوكة أمام الجميع.
لذا تخلصت من فستان خطوبتي الممزق، ووافقت على الزواج من الشخص الذي رشحته لي أختي.
أتذكر شعورًا غريبًا حين قرأت ترجمة لإحدى قصائد محمود درويش على صفحة مترجمة: كأنني رأيت صورتَي في مرآةٍ بعيدة الزجاج، مع تشويش جديد يجعلني أقرأ نفسي من منظور خارجي. تأثير ترجمات شعر درويش على قراء العالم العربي كان متعدد الطبقات؛ أولها شعور بالاعتراف العالمي الذي أعاد للمتلقي العربي قيمة لغته وصوته الأدبي. رؤية اسم درويش مطبوعًا بلغات أخرى أو متلَقًّى في مهرجانات دولية خلقت نفَسًا من الفخر، لكن أيضًا ثمة حساسية: الترجمة في كثير من الأحيان تُعيد تشكيل النص، تختار صورًا وتصفيةً للمعنى، وهذا يؤثر على كيف يفهم القراء العرب قصيدته حين تُعرض في سياق عالمي.
ثانيًا، الترجمات فتحت باب الحوار النقدي داخل العالم العربي. حين تُناقش ترجمة أجنبية لقصيدة ما، ينقسم القراء بين مَن يرى أن الترجمة أنقذت النص من الانغلاق القومي وبين مَن يحذر من تبييض البعد السياسي لصوت درويش. شخصيًا، مررت بلحظات تأثر حين قرأت ترجمة أعادت تركيب صورته في عقل جماعة من القراء العرب، كما شاهدت أصدقاء يعيدون قراءة النص الأصلي بعد أن جذبتهم نسخة مترجمة — وهذه دورة مهمة: الترجمة ليست مجرد انتقال إلى لغات أخرى، بل قد تعيد الحيوية إلى النص الأصلي داخل فضاءه الأول.
أخيرًا، لا يمكن إغفال دور المترجمين بوصفهم قرّاء أوليين وشركاء إبداعيين. اختيارهم لكلمات بديلة، لإيقاع أو لتشبيه، شكل كيف سيُلقى درويش في عيون متلقيه العرب وغير العرب. الترجمات ساهمت في جعل شعره مادة للتدريس، للمسرح، وللموسيقى عبر العالم، وبالتالي أدت إلى توسع دائرة القراء العرب الذين صاروا يراقبون ويقارنون النصوص بوعي نقدي متزايد. بالنسبة لي، كانت الترجمات بمثابة مرايا متعددة: كل مرآة تكشف زاوية جديدة من درويش، ومعها تظهر أسئلة جديدة حول اللغة، الهوية، والمكان — وهذا بحد ذاته أثرٌ حيوي لا يمكن اختزاله.
أتذكر بحثي عن أقدم أعماله وكأني أستعيد خريطة طريق لممثلٍ صار فيما بعد اسمًا مألوفًا. محمود ياسين بدأ مشواره التمثيلي في منتصف ستينيات القرن العشرين، لكن بدايته لم تكن بطلًا فوريًا أو ضوءًا مركزياً على الشاشة؛ كانت خطواته الأولى في المسرح وفي أدوار ثانوية وسندات صغيرة في أفلام ومسلسلات تلك الحقبة.
في السنوات الأولى ظهر كممثل داعم، يأخذ وقتَه في التعلم والتأقلم مع كاميرا السينما ونبرة المسرح. لا أستطيع حصر عمل واحد كـ'أول دور مطلق' لأنه مثل كثير من الممثلين آنذاك بدأ بتراكم أدوار صغيرة قبل أن يُسند إليه دور أكبر. ومع مرور الوقت، خصوصًا في السبعينات، تحوّل إلى أدوار قيادية وأكثر تعقيدًا، ما رسم له مسار نجمية طويلة.
أحب أن أرى بداياته كمرحلة صقل: لم تكن صحوة مفاجئة بعمل واحد، بل سلسلة تجارب صغيرة صنعت منه الممثل الذي عرفناه لاحقًا. النهاية الطبيعية لهذا التفكير أن البدايات المتواضعة في منتصف الستينات هي السر في عمق أدائه لاحقًا.
أحمل صورة النفي في ذاكرتي كما لو أنها نقش على جلد، لا يزول بسهولة ولا يخفف من وطأته سوى الشعر. عندما أقرأ شعر محمود درويش أجد النفي ليس مجرد حالة جغرافية بل تجربة وجودية متكاملة: الحنين الذي لا يشفى، والذاكرة التي تتردّد بها أصوات الأسماء والأماكن، واللغة التي تتحوّل إلى ملاذ وموطن في آن واحد. في نصوصه مثل 'سجل أنا عربي' و'ذاكرة للنسيان'، يحوّل درويش جواز السفر والحدود والخرائط إلى رموز لتجزئة الذات، لكنه أيضاً يمنح هذه الرموز قدرة على المقاومة عبر الإصرار على الوجود. بالنسبة لي، النفي عنده يبدو كقانون طبيعي صارم يملي على الشاعر أن يحفر وطنه في الكلمات لأن الأرض قد تُسلب، أما الكلمة فتبقى.
أستمتع في قراءة درويش بكيفية تداخل الشخصي مع الجماعي؛ ألم فراق المنزل يتحوّل إلى صرخة تؤرخ لأمة بأسرها. صور الزيتون والبحر والمدينة التي رحلت عنها الروح تظهر وتختفي، لكن ما يلفت نظري هو تحوله من مجرد حنين إلى أداة نقد: النفي يكشف الهشاشة في تعريف الوطن ويعرض تساؤلات أخلاقية عن الحق والذاكرة والعدالة. أسلوبه في المزج بين النغمة الغنائية واللغة الحادة يجعل النفي شعراً حياً يتنفس، لا مجرد شعور يُروى.
وأختم بأن تجربة النفي عند درويش ليست إحالة ثابتة إلى مكان واحد، إنها قدرة على تحويل الغياب إلى مادة شعرية وأن يخبرنا أن الاغتراب قد يكون مصدراً للخلق والوعي، حتى لو ترك في النفس ندوباً لا تمحوها الأيام. أعود دائماً إلى نصوصه لأجد فيها رفيقاً يعترف بكل تناقضات الحب للوطن والبعد عنه.
قلبت في أرشيف الصحف والمقابلات والحوارات القديمة لأصل إلى إجابة معقولة عن سؤال كم جائزة حصل عليها محمود ياسين خلال مسيرته الفنية.
المشكلة الأولى التي واجهتني هي اختلاف تعريف كلمة 'جائزة' بين المصادر: هل نحسب التكريمات والشهادات التقديرية أم نحصي فقط جوائز المسابقة الرسمية في المهرجانات؟ إذا شملت كل التكريمات الرسمية والخاصة من نقابات وفنون ومهرجانات محلية وعربية ودولية، فالمجموع يصبح كبيرًا ومتنوعًا. شهدت حياته عشرات التكريمات وجوائز التقدير، إلى جانب جوائز مسابقة في مهرجانات وإشادات نقدية.
بناءً على مراجعة مصادر متعددة، أعتقد أن الرقم الكامل — شاملاً الجوائز الرسمية والتكريمات المتكررة عبر سنوات طويلة — يقع تقريبًا بين 20 و40 جائزة/تكريم. هذا لا يقلل من قيمتها؛ بل يبرز كم كان نجمًا متواصلًا في الساحة الفنية. في النهاية، أثره والذكريات التي تركها أهم من رقم محدد، وهذا يظل انطباعًا شخصيًا بعد الاطلاع على السجلات.
دخلت بحثًا سريعًا في مصادر الأفلام المصرية لأنني أردت جوابًا دقيقًا قبل أن أجيب بشكل نهائي.
عند الاطلاع على سجلات الأعمال المسرحية والسينمائية والتلفزيونية لمحمود ياسين على مواقع مرجعية مثل صفحات الفنان، وIMDb، و'elCinema'، يتضح أنه تعامل مع عشرات المخرجين عبر أكثر من خمسين عامًا من النشاط الفني — من مخرجي السينما الكلاسيكية إلى صنّاع المسلسلات الحديثة. أسماء المخرجين تتوزع بين من اشتغلوا في أفلام قصيرة وطويلة، ومن قدّموا له مسلسلات شهرية ومناسباتية.
لا أدرج هنا اسماء محددة لأني أحرص على الدقة، لكن إن رغبت في قائمة مصدّقة وسهلة الاستعراض فستجدها منظمة حسب العمل (فيلم/مسلسل/مسرحية) على صفحاته في قواعد البيانات السينمائية؛ تلك المصادر تمنحك اسم المخرج لكل عمل وتاريخ التعاون، وهذا الأسلوب أسرع وأدق من سرد أسماء ممكن أن أنسى منها أو أخلط بينها.
صوته ووقاره هما أول ما يتبادر إلى ذهني حين أفكر في تأثير محمود ياسين على نجوم اليوم.
أنا أرى أن أسلوبه في التمثيل علّم الكثيرين قيمة الهدوء داخل المشهد؛ ليس بالضرورة أن تكون الصيحة أو الحركة الصاخبة هي التي تخلق التأثير، بل الثبات والانتظار الصحيح للحظة. تعلمت الأجيال الحديثة كيف يستخدمون النظرات البسيطة، وكيف يجعلون الصمت مكثفًا بدلًا من فراغ تعبئة المشهد.
كما أن احترافه في اختيار الأدوار الطويلة والمتنوعة أعطى مثالًا عمليًا عن بناء مسيرة فنية لا تعتمد على لحظة نجاح واحدة. هذا خلق ذائقة جديدة لدى النجوم الشباب: احترام النص والعمل مع مخرجين يكملون رؤيتهم بدلًا من مجرد الظهور؛ ولهذا أجد أن كثيرًا من ممثلي اليوم يحاولون موازنة الكاريزما مع أعمال تبرز عمقهم أكثر من مجرد صورة براقه.
أستطيع أن أتصور شعر محمود درويش كسيرة تطوّرية تتلاعب بالوطن والذات واللغة حتى تصبح كلّها وجهاً واحداً. في بداياته عالج موضوع الأرض والحنين بطريقة مباشرة تقريباً: صور الفقد والتهجير والقرية والزرع والريح كأنها ذاكرة جماعية تئن. في هذه المرحلة صوت الشاعر جماعي، حماسي أحياناً، ومليء بالصور الشعبية البسيطة التي تُقرب القارئ من مأساة تُكتب بلغة اليومية، وأراه هنا يقف أمامنا كشاعر ينطق باسم شعب، مثل ما يتجلّى في سطور مألوفة من 'سجل أنا عربي' أو بيتية مثل 'على هذه الأرض ما يستحق الحياة' التي تجمع بين الحزن والإصرار. ثم يبدأ التحوّل في منتصف المسيرة: يتداخل السياسي مع الشخصي، وتنكسر الحدود بين أنا الوطن والعاشق، فتظهر لغة أكثر خصوصية وتجريباً. في هذه المرحلة يصبح الشعر مساحة للتأمل والجدل، حيث يستخدم الرموز الدينية والأسطورية والتاريخية ليفسح مكاناً للشك والمرارة والحنين المزدوج — حنين إلى محبوب وإلى وطن. الأسلوب هنا يصبح أحياناً موسيقياً أكثر، يعتمد على الطبقات الاستعارية والاقتطاعات الذهنية، وتارة يتحول إلى خطابٍ غاضبٍ يواجه الظلم، وتارة أخرى إلى همسٍ حميمي يغازل اللغة نفسها. في مراحله المتأخرة يتجه درويش إلى نوع من البلاغة الوجدانية الناضجة: شعرٌ يعترف بالهزيمة أحياناً، ويبحث عن مصادمات الجمال والبؤس، عن مفاهيم الوجود والمهجر والعودة بعيون فلسفية. اللغة تصبح مأوى بذاته: الوطن قد لا يعود، لكن الكلمة تبقى كبيتٍ أو مرفأ. هذا الشعر أخفت فيه المرارة مقبض الأمل أحياناً، وبرزت فيه مفردات الخسارة، الذكرى، والمسامحة. إنني أخرج دائماً من قراءة درويش بإحساس أنني مررت بثلاث محطات رئيسية — صوت الجماعة، صيرورة الذات، وتأملات النضج — وكل محطة تجلب معها طبقات جديدة من المفردة والإيقاع، حتى يتحول الشاعر إلى مرآة تعكس تاريخ شعب وحكاية إنسان في آن واحد.
من أول الأشياء التي أجدها مفيدة عندما أبحث عن مقابلات تركز على حياة محمود ياسين الفنية هي التوجه مباشرة إلى أرشيفات التلفزيون المصري ومنصات الفيديو.
أحيانًا تلمح كنوز في قنوات مثل أرشيف ماسبيرو أو قنوات ثقافية رسمية على يوتيوب حيث تُرفع مقابلات قديمة مع نجوم السينما المصرية. أنصح بالبحث عن عبارات مثل 'مقابلة محمود ياسين' أو 'حوار مع محمود ياسين' مع ترتيب النتائج حسب الأقدم أو الأطول، لأن اللقاءات الطويلة عادةً ما تكشف عن تفاصيل مسار الفنان وأفكاره حول التمثيل.
بعيدًا عن الفيديو، صحف مثل 'الأهرام' و'المصري اليوم' و'الشروق' تمتلك أرشيفات رقمية قد تحوي لقاءات مطبوعة ومقالات معمقة أُجريت عبر السنين. كذلك المكتبات الثقافية مثل مكتبة الإسكندرية أو أرشيفات مهرجان القاهرة السينمائي قد تضم نشرات وبرامج وسجلات لقاءات من مناسبات وندوات شارك فيها.
أحب اقتفاء هذه المسارات لأنها تعطيك صورة كاملة: التسجيلات المرئية للأداء اليومي، والمقابلات المطبوعة للتأملات، وأرشيفات المهرجانات لسرد البدايات والجوائز — كل قطعة تضيف لونًا مختلفًا لرسم حياة فنية متكاملة.
لا أنسى كيف كان حضوره نفسه عمل فني؛ محمود ياسين قدّم طيفًا واسعًا من الأعمال التي تركت أثرًا عميقًا في الجمهور، سواء في السينما أو التلفزيون أو المسرح.
في السينما كان كثيرًا ما يجسد دور الرجل المركّب: عاشق، محطم، مُناضل اجتماعي، وهذا التنوع جعل الناس يتعاطفون معه ويعتبروه انعكاسًا لحكاياتهم اليومية. الأفلام التي قدّمت قصص حب معقدة أو صراعات اجتماعية كانت تُشعر المتفرج بأنه أمام شخص يسمع قلبه وينطق بصراحته.
على شاشة التلفزيون، حضوره في مسلسلات طويلة أثّر أكثر لأنها سمحت له ببناء شخصيات تدريجيًا؛ الجمهور تعلق بشخصياته لأنها مرّت بمراحل وعي مختلفة، وعلّمت الناس مفاهيم عن التضحية والكرامة والصراع الداخلي. كما أن له ظهورات مسرحية قوية كانت تُظهر قدرته على التواصل المباشر مع المتلقي، وصُنع من اللحظات المسرحية أيقونات تظل في الذاكرة. تأثيره بالنسبة لي شخصيًا كان في قدرته على جعل المشهد البسيط محوسبًا بالعاطفة؛ ياسين علّم الجمهور أن التمثيل ليس فقط تقمصًا، بل مشاركة إنسانية حقيقية.
من بين قصائد محمود درويش، أرى أن الشهرة الأكبر والأثر الأعمق كانت مع قصيدة 'سجّل: أنا عربي'.
أحيانًا لا أحتاج لأن أشرح لماذا؛ جملة الافتتاح 'سجّل: أنا عربي' تعمل كصفعة لطيفة تذكر القارئ بالكرامة والوجود، وكأن الشاعر يخاطب التاريخ نفسه ليؤكد حقّ الوجود والهوية. لغة درويش هنا موجَزة لكنها حادّة، تجمع بين الصرخة والوِقاية، بين الشحصنة الجماعية والخصوصية الفردية. أحب الطريقة التي يحوّل بها كلمة واحدة — 'سجل' — إلى فعل مقاومة سردي، ثم يتلوها تعريف بسيط لكنه محمّل بالعالم كله: 'أنا عربي'. هذا التلاقي بين الأنا والجماعة يجعل القصيدة قابلة لأن تكون شعاراً ومناجاة في آن معاً.
أقدّر أيضاً البنية الإيقاعية والبلاغية في القصيدة؛ درويش لا يمدح بلا شعور ولا يشتت الانتباه بتعقيدات مفرطة، بل يختار الصور البصرية القوية والألفاظ التي تظلّ تطنّ في الرأس بعد الانتهاء من القراءة. لذلك تراها تُتلى في المسيرات والمدارس والمنتديات الثقافية، وتُترجم إلى لغات عديدة لأنها تختزل حالة إنسانية عامة في جملة بسيطة وصادقة. من وجهة نظري، هذه القدرة على اختزال تجربة فلسطينية وعربية بعلامة لغوية واحدة هي السبب في أن 'سجّل: أنا عربي' بقيت راسخة في الذاكرة الجمعية.
عندما أعود لقراءة درويش، أجد أن هذه القصيدة تعمل كبوابة لباقي شعره: ثمة مزيج من الحنين والغضب والأمل واللوم، وكل ذلك بفظاظة عاطفية تخطف القارئ. لو أردت أن أعرّف شخصاً جديداً على درويش، سأطلب منه أن يبدأ بـ'سجّل: أنا عربي' ثم يتابع إلى قصائد مثل 'على هذه الأرض ما يستحق الحياة' ليكتشف النطاق الواسع لأسلوبه وتأثيره. في نهاية المطاف، بالنسبة لي تبقى هذه القصيدة أكثر من نصّ؛ هي صرخة تذكّر بأن الكلمة يمكن أن تكون سلاحاً وملاذاً في الوقت ذاته.