من يوم ما رجعت من المدينة، حسيت إن الدنيا بتلف بشكل مختلف تمامًا. أول أسبوعين كانوا صعبين، خصوصًا إني كنت معتاد على صخب الشوارع والكافيهات اللي تفتح نص الليل. هنا في البلدة الصغيرة، كل حاجة بتقفل مع المغرب، والهدوء كان غريب في الأول.
بس مع الوقت، بدأت ألاحظ الحاجات اللي كنت فاتتها. القعدة على السطح مع فنجان قهوة الصبح، وأصوات العصافير بدل زنّة العربيات. الجيران بقوا ناس حقيقيين، مش مجرد وجوه في المصعد. حتى الأكل بقى له طعم تاني، لأن الخضار من البيت مش من السوبرماركت.
صح إني بفتقد بعض الرفاهيات، لكني حسيت إني عايش فعلاً مش بطارد ورا شغل ومواصلات. الحياة بقت أبطأ، وبصراحة أنا مبسوط بهذا التغيير.
لا تظن أنني سأختار لك رواية كلاسيكية عن حياة القرية المثالية، لأن الواقع مختلف تماماً.
من بين ما قرأت، رواية 'كثافة العدم' هي الأقرب لقلبي. تحكي قصة شاب ينتقل من دبي إلى قرية نائية في عُمان، ويواجه صعوبات في التأقلم مع غياب الخدمات والروتين اليومي الممل. ما أعجبني هو أن الكاتب لم يجعل الشخصية بطلاً خارقاً، بل إنساناً يمر بمراحل من الندم والحيرة، ويتعلم تدريجياً متعة الأشياء البسيطة كمشاهدة النجوم أو زراعة الحبق.
هناك أيضاً مشهد لا ينسى في الرواية حيث يقارن البطل بين ضوضاء سيارات الأجرة في المدينة وصوت الريح في الجبال، وكيف أن الصمت كان يخيفه في البداية ثم أصبح ملاذه. أعتقد أن هذه الرواية تلامس أي شخص فكر يوماً في الهروب من زحام المدن.
لكن تحذير: لا تتوقع حلاً سحرياً، فالرواية واقعية وتعكس تناقضات الحياة الريفية الحقيقية.
لاحظت ظاهرة مثيرة للاهتمام في العديد من الأفلام، حيث يقرر الأبطال فجأة ترك المدينة والانتقال إلى الريف. من وجهة نظري كمتابع شغوف للدراما، أجد أن هذا الخيار الدرامي يعكس رغبة إنسانية عميقة في الهروب من ضغوط الحياة العصرية. في فيلم 'Into the Wild' مثلاً، نرى كيف تحولت شخصية كريستوفر من شاب محاصر بالتوقعات المجتمعية إلى إنسان يبحث عن الحرية المطلقة.
لكن الأمر لا يتعلق فقط بالهروب، بل بإعادة اكتشاف الذات. هناك فيلم 'Nomadland' الذي أذهلني بتصويره لأشخاص يختارون العيش في شاحناتهم متنقلين بين المناظر الطبيعية الخلابة. ما يلفت انتباهي أن هذه الأفلام لا تقدم الريف كحل مثالي، بل كخيار معقد مليء بالتحديات.
في النهاية، أعتقد أن جاذبية هذا الموضوع تكمن في تناقضه مع واقعنا المزدحم بالشاشات والمواعيد. ربما نحن جميعاً نحتاج بين الحين والآخر إلى فيلم يذكرنا بأن هناك عوالم أخرى خارج الإسمنت والزحام.
كان يوم الأحد الماضي وأنا أتابع مسلسل 'Maid' على Netflix، وفجأة توقفت عند مشهد بطلة القصة وهي تقف على شاطئ بحيرة في واشنطن تطل على منظر طبيعي خالٍ من ناطحات السحاب. هذا المسلسل يصور بشكل مؤثر فكرة أن الحياة بعد ترك المدينة ليست مجرد تغيير عنوان سكن، بل هي رحلة لإعادة تعريف الذات بعيداً عن ضغط العمل والسوشيال ميديا. أتذكر أنني شعرت بالراحة وأنا أشاهدها وهي تشتري طعاماً طازجاً من سوق المزارعين بدلاً من السوبرماركت المزدحم.
ثم انتقلت لمشاهدة 'Somewhere Boy' وهو مسلسل بريطاني غريب، يعرض قصة شاب نشأ في عزلة تامة بعد أن غادر أبوه المدينة خوفاً من العالم الخارجي. هنا الفكرة مختلفة، لأن ترك المدينة لم يكن اختياراً بقدر ما كان هروباً من صدمة. هذا خلاني أفكر في كيف أن البعض يرى المدينة كمصدر للخطر والبعض الآخر يراها ملاذاً للفرص.
الجميل في هذه الأعمال أنها لا تقدم إجابة واحدة، بل تتركك تتساءل: هل فعلاً الهروب من الزحام هو الحل؟ ولا يهمني إذا كانت النهاية سعيدة أم لا، المهم أن المسلسلات بدأت تناقش موضوع الريف كبديل جدي، مش مجرد خلفية لأحداث رومانسية.
أعرف شخصاً ترك وظيفته في دبي وانتقل إلى قرية صغيرة في ريف الأردن. كان مديراً تنفيذياً في شركة تكنولوجيا، يعمل 14 ساعة يومياً، ويقضي ساعتين في الزحام. بعد ثلاث سنوات من هذا السباق المحموم، قرر أن يجرب العيش البسيط. بدأ يزرع جزءاً من أرض والده القديمة، ويبيع الخضار العضوية في السوق المحلي. في البداية، كان الجميع يظن أنه مجنون، لكن بعد سنة ونصف، أصبح مصدر إلهام للكثيرين. الفكرة ليست في كسب المال، بل في جودة الحياة. صديقي يقول إنه الآن ينام 8 ساعات يومياً، ويأكل مما يزرع، وأصبح يعرف جيرانه بالاسم. آخر مرة تحدثت معه، كان يخطط لتحويل منزله القديم إلى نزل بيئي صغير. هذا ليس هروباً من الواقع، بل إعادة تعريف للنجاح.
قصة أخرى أثرت فيّ هي لزوجين تركا شقتهما في بيروت وانتقلا إلى بلدة جبلية في لبنان. الزوجة كانت مصممة جرافيك تعمل عن بعد، والزوج كان موظفاً في بنك. استثمرا مدخراتهما في شراء أرض صغيرة، وبنيا منزلاً من الطين والخشب وفق تقنيات قديمة. أصبحا ينتجان 70% من طعامهما، ويبيعان فائض المحصول لأصدقاء من المدينة. الأجمل أن الزوجة استطاعت أن تحول شغفها بالرسم إلى مشروع فني صغير، حيث تجمع ألواناً طبيعية من النباتات المحلية. يقولان إن التحدي الأكبر كان التخلي عن عادة الاستهلاك المفرط، لكن بعد 6 أشهر، شعرا بأنهما يملكان كل شيء يحتاجانه حقاً.