ذات ليلة وأنا أتصفح الإنترنت، صادفت منصة اسمها 'نور بوك'، وكنت أظن أنها مجرد موقع عادي للكتب.
لكنني تفاجأت فعلاً بوجود قسم مخصص لرواية 'سرد الرسائل' بشكلها الكلاسيكي المجاني. ما أعجبني فيها أنها تنظم الحوارات بطريقة واضحة، وتوفر خيار التحميل بنص PDF. طبعاً مكتبة 'نون الإلكترونية' أيضاً تحتوي على بعض الكتب التي تعتمد هذا الأسلوب، خاصة في الأدب الرومانسي. أما إذا كنت تفضل متابعة الروايات فصلاً بفصل، فمجموعات الفيسبوك مثل 'شغف القراءة' أو قنوات التلغرام مثل 'روايات واتباد' مليئة المؤلفين اللي ينشرون أعمالهم مجاناً بتلك الطريقة. أحياناً أجد روابط لمدونات شخصية مدهشة فيها سرد رسائل بجودة حوارية عالية، وكأنك تقرأ محادثة حقيقية بين شخصين.
أكثر ما يثيرني في عالم الترجمة الأدبية هو تلك النصوص التي تصلنا عبر تقنية الرسائل، حيث تتحول المشاعر إلى كلمات مكتوبة بخط اليد. من منظور متابع شغوف، أجد أن الدكتور نبيل الحفار قدم عملاً استثنائياً مع رواية 'العطر'، رغم أنها لم تكن رسائلية بحتة، لكن نقله للحس الأوروبي في القرن الثامن عشر كان سلساً لدرجة جعلتني أعيش في شوارع باريس. لكن إذا تحدثنا عن الروايات الرسائلية حرفياً، مثل 'الأحمر والأسود' أو 'يسوع ابن الإنسان'، فأرى أن الأستاذ سامي الجندي قدم ترجمة دقيقة لرواية 'غادة الكاميليا' التي تعتمد على تبادل الرسائل بين العشاق. ما يميز ترجمته هو احتفاظها بتلك النبرة الحميمية التي تجعل القارئ يشعر وكأنه يتطفل على مراسلات خاصة، دون أن يفقد النص رونقه الكلاسيكي.
أحياناً، أفضل الرجوع لترجمات الدكتور محمد عصفور الذي قدم 'رسائل إلى ميلينا' لفرانز كافكا، فهي ليست مجرد نقل حرفي، بل إعادة صياغة لروح كافكا القلقة بطريقة عربية سلسة. لكني أتساءل أحياناً: لماذا لا نجد ترجمات حديثة لروائع مثل 'بؤساء' هوغو بأسلوب رسائلي؟ ربما لأن السوق يفضل الترجمة الآلية السريعة على العمل اليدوي الشاق. باختصار شديد، من يريد الاستمتاع بترجمة عاطفية صادقة، عليه بمتابعة أعمال الدكتور جمال شحيد في 'رسائل إلى صديق' لأنطون تشيخوف، فقد أعاد للحروف العربية دفئها المفقود.
أنا مدمن على روايات السرد بالرسائل، خاصة النوع اللي يخليني أحس إني أتجسس على حياة الشخصيات. تخيل إنك تقرأ مذكرات شخصية أو رسائل مطوية بسرية، كل حرف يحمل نبرة صاحبه. في رواية 'الغريب' لألبير كامو مثلاً، السرد العادي خلاني أراقب البطل من بعيد، لكن لو كانت رسائل، كنت حاس إنه يهمس في أذني.
هالنوعية من السرد تعطي الحبكة طبقات أعمق لأن كل رسالة تكون محملة بنفسية كاتبها، في مدى صراحته أو خداعه. خذ رواية 'Dracula' مثلاً، كل شخصية تروي الحدث من وجهة نظرها، فتضطر انت تلملم القطع المبعثرة لحل اللغز. أحب كيف إن التوتر يتعاظم لما يكون فيه فجوة زمنية بين رسالة واستجابة، تخليني أتساءل وش صار في الرد.
البديل أنك تشوف شخصيتين تتبادلان المشاعر عبر الورق، أعوذ بالله من قسوة العصر الرقمي... مثلاً رواية 'The Perks of Being a Wallflower' مكتوبة كرسائل لشخص مجهول، وهالشي خلى الحكاية أكثر حميمية. أتذكر أيام المراهقة وأنا أكتب مذكرات، وكأني أعيش مع تشارلي آلامه.
أنا من النوع اللي يقرأ الروايات الرسائلية كأنه بيتفرج على فيلم وثائقي عن حياة الشخصيات، وصراحة لما جيت أدور على ترجمة عربية لروايات زي 'Dracula' أو 'The Perks of Being a Wallflower'، لقيت إن الترجمة مش مجرد كلمات، بل لازم تحسّك إنك عايش مع الرسايل نفسها.
أفضل ترجمة صادفتها كانت من دار 'الآداب' لرواية 'الكون في قشرة جوز'، رغم إنها ليست رسائلية بحتة، لكن الترجمة حافظت على الإحساس الشخصي. لكن بخصوص الروايات الرسائلية البحتة، أنصح بترجمة 'رسائل إلى ميلينا' من كافكا، لأن المترجم حافظ على النبرة الحميمية والغموض اللي بيميز أسلوب كافكا.
في النهاية، أنا بركز على إن الترجمة تكون زي مرآة صافية، تعكس المشاعر الحقيقية، مش مجرد نص جاف.