5 回答
أغوص في صفحات الرافعي وأشعر أنني أمام فسيفساء أسطورية مركبة، كل قطعة فيها مستعارة من ذاكرة شعبية ومتصلة بخيوط حداثية. هذا المزيج يخلق شعوراً بأن الأسطورة ليست شيئاً ماضياً فحسب، بل أداة لفهم حاضر الشخصية والمجتمع.
ألاحظ أن الكاتب يستعمل الصور المتكررة كليتب، فتتحول إلى حاملات معنى عبر النص؛ مثلاً الرمز المرتبط بالرحلة أو بالتحول يصبح مرجعاً لتفسير التصرفات. كما أنه لا يخاف من إبقاء بعض الأسئلة معلقة، ما يجعل الأسطورة تستمر داخل عقل القارئ بعد غلق الكتاب. في النهاية، يترك نصه لكمية من الانطباعات التي تبدو بسيطة أولاً ثم تكبر داخل الذاكرة، وهذا ما يعجبني ويجعل القراءة تجربة مستمرة.
لا أستطيع تجاهل كيف تبقى رموز الأسطورة عالقة بعد الانتهاء من قراءة حكايته؛ هذا أثر لا يزول سريعاً. من منظورٍ متفحّص، أرى أن الرافعي يوائم بين البنية الأسطورية والبنية النفسية للشخصيات، فيجعل الرمز يخدم الصراع الداخلي وليس العكس.
أحب أيضاً بساطة مقاطعه التي تخفي عمقاً؛ مشهد واحد أو وصف واحد قد يكفي لتحويل شخصية إلى رمز. هكذا، الأسطورة عنده تعمل كقالبٍ مرن، يسمح بتعدد القراءات ويضيف للنص بعداً روحياً لا يعتمد على السردية التقليدية فقط، بل على صدى الكلمات في ذهن القارئ.
أجد أن الرافعي لا ينسخ الأسطورة بل يعيد صياغتها بما يناسب حس القارئ الحديث، وهذا ما يثيرني كقارئ يميل إلى التحليل البسيط والعمق الروحي معاً. أسلوبه يوحّد عناصر مختلفة: لغة بلاغية تسلط ضوءاً على الرمز، ومشاهد قصيرة تشبه مقاطع الحكاية الشعبية، وإيقاع سردي يشبه الترانيم.
أحب كيف يعيد توزيع الأدوار الأرْخِية: البطل قد يصبح ضعيفاً، والشر قد يحمل طابعاً إنسانياً، والرموز تتبدل من كونها مجرد عناصر زخرفية إلى محركات درامية. هكذا يشعر النص بأنه حيّ، يذكرني بأن الأسطورة ليست ثابتة بل مادة متحركة تتفاعل مع زمن الكاتب وقارئه. في النهاية أخرج من قصصه وكأني تعرفت إلى أسطورة قديمة أُعيد حياكتها بحسٍّ إنساني عميق.
أحب كيف يخلط الرافعي الأسطورة بالواقعية بطريقة تجعل القارئ يتيه بين العالمين.
أشعر عندما أقرأ نصوصه أنه لا يروّي أسطورة جاهزة، بل يعيد تشكيلها من بقايا الحكايات الشعبية والذكريات الجماعية. اللغة عنده تعمل كأنها طقس: تكرار اصطلاحي هنا، وصف صريح للصحراء أو المدينة هناك، ومقاطع سردية تشبه الطقوس التي تكرس حضور الأسطورة داخل اليومي.
ألاحظ أيضاً أنه يستمد عناصره من مصادر شفاهية —أغاني، أمثال، حكايات الجدات— لكنه يصفّيها عبر نقطة نظر معاصرة، فيعطي الأسطورة وظيفة جديدة. الشخصيات عنده تبدو متجذرة في نماذج أريخية: البطل المشؤوم، المرأة الحكيمة، الكائن الغامض، لكنهم يعيشون صراعات نفسية معاصرة تتعلق بالهوية والذاكرة. النهاية عنده لا تلغي الغموض، بل تترك أثرها الأسطوري في ذهن القارئ، كأنك خرجت من حكاية وقد بقيت معها صدى طويل.
في نصوصه، يميل الرافعي إلى تأسيس تواطؤ خاص بين الراوي والقارئ، ويستخدم ذلك التواطؤ لزرع عناصر الأسطورة تدريجياً داخل الحبكة. أتكلم هنا من زاوية قارئ شغوف بالتركيبات السردية، فأتابع كيف يعيد توزيع المعنى عبر تكرار صور معينة: الماء كمحو، الطريق كمحك، الليل كمكان كشف.
ثم يضيف بعداً آخر عبر الحلم والمونولوج الداخلي؛ مشاهد تبدو كأنها حلم واستدعاء للذاكرة الجماعية، فتتداخل الحقيقة بالرمز. شخصية صغيرة قد تقودك إلى خيط أسطوري كامل، وحوار وجيز يكفي لتنشيط خلفية أسطورية لدى القارئ. هذا الأسلوب يجعل القراءة تشبه فك شيفرة، وأنا أستمتع كل مرة بأني أكتشف طبقة جديدة من الدلالة، كأن كل نص لديه أسراره التي لا تنكشف دفعة واحدة.