من أول ما قرأت عن السيدة نفيسة، جذبني كيف أن التاريخ الديني والاجتماعي في القاهرة يعكس علاقة عميقة بين الناس وشخصية تاريخية واحدة. السيدة نفيسة، التي عُرفت بقرابتها من أهل البيت ومكانتها العلمية والزهدية، وردت سيرتها وكراماتها في مصادر تاريخية وسير مشهورة منذ قرون، مما يمنحنا أدلة متعددة الطبقات عن كيف تُذكر وتُحجّ وتُروى مآثرها في الذاكرة الجماعية.
أهم أنواع الأدلة التاريخية تأتي من المصادر النصية القديمة: كتابات تراكمت عبر القرون من مؤرخين ومحدثين ورواة سير الأولياء. من بين هذه المصادر التي تذكر سيرتها وكرامات تُذكر على نطاق واسع كتب مثل '
kitab al-Tabaqat al-Kabir' لابن سعد الذي جمع تراجم لصحابة وأئمة وسادات، و' Hilyat al-Awliya' لأبي نُعيم الأصفهاني الذي خصص فصولاً لذكر كرامات الأولياء، وكذلك مراجع سِيَر ورجال كتبت لاحقاً كـ' Siyar A'lam al-Nubala'' للذهبي و' al-Khitat' للمقريزي التي تتناول تاريخ القاهرة ومواقعها وتذكر مرقدها ومظاهر التبرك به. هذه النصوص لا تكتفي بالإشارة العامة بل غالباً ما تنقل روايات تحمل سلاسل رواتٍ أو إشارات إلى شهود معاصرين أو نقل شائع، وهو ما يعطيها وزناً كمصادر تاريخية تُدرس نقدياً.
ثم هناك أدلة مادية ومؤسساتية: وجود مقام ومسجد السيدة نفيسة في القاهرة، ووجود كتابات ونقوش ووثائق أوقاف وحفريات تاريخية تدل على استمرارية العبادة والزيارة والتبرعات عند ضريحها عبر فترات متعددة (عصر الفاطميين، المماليك، العثمانيين وغيرها). وثائق الوقف والإصلاحات المعمارية التي ذكرها المؤرخون مثل المقريزي توضح أن التبجيل لم يكن أمراً عابراً وإنما مؤسساتيًّا، يُدعم بوثائق وموارد. كذلك هناك سجلات زيارات الحجاج والزوّار في
العصور الوسطى والحديثة التي تذكر روايات عن شفاء أو بركة نُسِبت إليها.
من ناحية نقدية، يجب التفريق بين نوعين من «الدليل»: الأول هو إسناد الروايات والإشهاد التاريخي بأن روايات الكرامات نُسبت إليها ونُروى عنها (وهذا مثبت بقوة عبر النصوص والوقائع المادية)، والثاني هو الإثبات التجريبي للكرامات كوقائع خارقة—وهذا يبقى مجالَ إيمان وتأويل أكثر منه حكمًا تاريخيًا صارمًا. لكن من زاوية المؤرخ، تعدّ تكرار الرواية عبر نصوص مستقلة، وجود سلاسل رواتٍ معتبرة عند بعض المحدثين، واستمرار طقس الزيارة والوقف دليلًا قوياً على أن المجتمع المصري والإسلامي المخاطب قبل قرون اعتبر هذه الظواهر حدثًا ذا مغزى. قراءة هذه المصادر والنقوش والوقفيات تُعطي صورة حية عن أثر السيدة نفيسة ودورها الاجتماعي والروحي، وهذا بحد ذاته دليل تاريخي مهم رغم أن طبيعة الكرامات تظل مسألة إيمانية وشخصية.
أحب أن أترك القارئ مع فكرة أن تتبع هذه المصادر بنفسك—الكتب القديمة، نقوش الأوقاف، وزيارات المقام—يكشف كثيرًا عن كيف تُبنى قداسة المكان والشخص عبر الزمن. في النهاية، التاريخ هنا لا يقدم حكما إقصائيًا بل سجلاً عن كيفية تعامل الناس مع القداسة وماذا تركت شخصية مثل السيدة نفيسة في ذاكرة المدينة والعبادة والتقليد الشعبي.