أحب القصص التي تبدو هادئة من الخارج ثم تتكشف كشبكة معقدة من الذكريات والأسرار، و'لوكاندة بير الوطاويط' بالضبط هكذا؛ إنها لوكاندة مهجورة نوعًا ما على طرف بلدة صغيرة، حيث تتجمّع الخفافيشِ على سقفها وتصبح رائحة الرطوبة والأوراق القديمة جزءًا من جوها اليومي.
حبكة الرواية تدور حول عودة بطلة القصة، سلمى، إلى بلدتها بعد غياب طويل بحثًا عن أثر
أخيها المفقود،
كريم. تُعرف اللوكاندة بأنها مكان يقصده الغرباء الباحثون عن مكان للاختفاء أو عن جواب لا يريدون أن يعترفوا به في وضح النهار. صاحب اللوكاندة، الملقب بـ'بير'، رجل هادئ ذا ماضٍ غامض، يجمع بين طيبة تبدو سطحية وذكاء يخفيه وراء نظراته. السرد يمزج بين ما هو واقعي وما هو خيالي: القرويون يروون حكايات عن خفافيش ترشد
المذنبين نحو اعترافاتهم، وسرديات متقطعة من دفاتر قديمة وذكريات متلاشية تظهر كلوحات أمام سلمى كلما قررت الحفر أعمق.
مع تقدّم الأحداث تتعرّف سلمى على مجموعة من الشخصيات الصغيرة والمؤثرة: امرأة عجوز تحفظ أسرار النفوس، شاب موسيقي يهرب من ماضي عنيف، وموظف البلدية الذي يبدو أنه أكثر اطلاعًا على اختفاء كريم مما يريد الاعتراف به. اللوكاندة تتحول إلى مسرح لتبدلات الذاكرة: زوار ليليون يتركون وراءهم أدلة مبهمة، صورًا، وأوراقًا مكتوبة بخط اليد، ما يجعل اللوكاندة مرآةً للمجتمع بأسره. الحبكة تبني توترًا تدريجيًا عبر ليالٍ من الحوارات، أحلام تُوقظ ذكريات مضيئة ومظلمة، واكتشاف لوجود بئرٍ مهجور تحت اللوكاندة — بئر يهمس عنه السكان باسم 'بئر الوطاويط' ويُنسَب له أن يأوي أسرار من اختفى.
ذروة القصة تكون في ليلة عاصفة، عندما تُجبر اللوكاندة على استقبال حشد من الناس بسبب عطل الطريق وصخب
العاصفة. الأجواء تتكاثف: الخفافيش تحلق بكثافة، مصابيح اللوكاندة تهتز، وصوت المطر كفاصل بين أقسام الذاكرة. في تلك الليلة تنفجر الحقائق؛ يواجهُ أهل البلدة بعضهم البعض، وسلمى تصل أخيرًا إلى غرفةٍ خلفية تحتوي على دفتر كريم ومجموعة من الرسائل التي تكشف عن شبكة من المصالح والخوف، وتورّطًا مباشرًا لشخصية نافذة في البلدة. الصراع يصل إلى حدّ العنف الكلامي والجسدي عندما يحاولُ ذلك النافذ إخفاء الأدلة — وهنا يتدخل 'بير' بصفته الحارس القديم للأسرار، وكأن الخفافيش نفسها اختارت أن تكون شاهدة.
الذروة ليست فقط كشف مادي لما حدث لكريم، بل اللحظة العاطفية التي تقرر فيها سلمى إن كانت ستفشي الحقيقة كاملةً فتُدمّر هويات وأرواحًا، أم أنها ستترك بعض الظلال تحمي من تبعات أكثر قسوة. في النهاية، تُستعاد بعض العدالة بصورٍ ناقصة؛ أسرار تنكشف،
جراح تُعرض للعلن، واللوكاندة تظلّ مقامًا للأرواح المعلقة. الخاتمة تبقى مرهفة: سلمى تودع المكان، واللوكاندة تستمر في استقبال العابرين والباحثين عن شيء ما، كما لو أن الخفافيش قد قررت أن تبقى حارسةً لذكريات البشر، واللوكاندة تهمس لمن يأتي بأنها مكان للتوبة أحيانًا، وللمواجهة في أحيان أخرى.