أبدأ بصيغة أقرب للحديث اليومي: كلما ناقشت موضوعًا علميًا أو نقاشًا دينيًا، تتردد في ذهني جملة 'فوق كل ذي علم عليم' كجرس تذكير أن الخلاف والاختلاف في الرأي طبيعيان لأن المعرفة درجات. لقد رأيتها تعمل مرارًا في مناقشات مطولة حين يتبين أن المتخصص في جزئية ما لا يملك الصورة الكاملة التي يملكها باحث آخر.
في البعد الشرعي والفقهي، تساعد العبارة على فهم مراتب الاجتهاد؛ فهي تبيّن أن وجود عالمٍ معتبر لا يلغي إمكانية وجود عالمٍ أعمق فهمًا أو اطلاعًا. لا تُمكننا من الحكم المطلق على كل رأي، وتُعلمنا احترام اختلاف الآراء ضمن نطاق العلم. أيضًا تُذكر أن الاعتماد النهائي يجب أن يكون على الحكمة الإلهية عندما تتعذر الحسم.
أثناء عملي في بيئة تتطلب تقييم معلومات معقدة، أستخدم هذه الجملة لأعيد ترتيب أولوياتي: تقبل الخطأ، التفريق بين اليقين والظن، والبحث عن المصادر الأكثر موثوقية. في النهاية، العبارة تُريحني لأنها تُنهي حاجة التهوّل؛ يمكن أن أكون ملمًا بشيء لكن ليس كاملًا، وهذا طبيعي ومفتاح للتواضع والتعاون.
أحب أن أبدأ بقصة قصيرة في ذهني قبل أن أشرح العبارة: حين سمعت عبارة 'فوق كل ذي علم عليم' شعرت بلحظة ارتياح وغموض معًا، كأنها تهمس بأن هناك من يملك رؤية أوسع مما أملكه. بالنسبة لي، هذه العبارة تعمل كمرآة تواضع وكمصباح يضيء حدود معرفتي.
لغويًا، تعني العبارة ببساطة أن فوق كل شخص يملك علمًا يوجد من هو أعلم؛ والكلمة 'فوق' هنا تدل على التفاوت في الدرجات، لا على موقع مادي. القرآن يستخدمها لتذكيرنا أن المعرفة نسبية بين الناس، لكنها في المقام الأعلى تشير إلى علم الله الكامل الذي لا يضاهى. تفسيرها في كتب التفسير يعزز الفكرة أن مهما بلغ الإنسان من علم، فإن ثمة علمًا أعمق أو أوسع، وأخيرًا علم الله مطلق.
من زاوية عملية، أقرأها كدعوة لثلاثة أمور: أولًا التواضع؛ لأن التفاخر بالعلم يصبح ضعيفًا أمام هذا الحقيقة. ثانيًا الاستمرار في التعلم؛ لأن وجود من هو أعلم يعني أن الطريق مفتوح دائمًا للتطور. ثالثًا الاطمئنان بأن هناك حكمة إلهية حتى في أمور لا نفهمها، فذلك يخفف القلق أمام المجهول. أختم أن هذه العبارة بالنسبة لي ليست مجرد نص، بل موقف حياتي: أعلم أنّي لا أعرف كل شيء، وهذا يجعل كل اكتشاف جديد ممتعًا ومُحِيِّيًا.
أشعر أن العبارة 'فوق كل ذي علم عليم' تضيف لي بعدًا روحيًا بسيطًا: هي تذكير أن العلم البشري محدود وأن ثمة حكمة أوسع تسبق وتعلو كل فهمنا. أحيانًا أقرأها كما لو أنها دعوة للتوكل؛ عندما أواجه أمورًا معقدة أو قرارات أصعب، تريحني فكرة أن هناك علمًا أعلى يحيط بالمسألة.
من منظور عملي، تساعدني على ضبط توقعاتي تجاه نفسي والآخرين؛ لا أطلب من نفسي معرفة كل شيء، ولا أُدين الذين يخطئون في مسألة علمية. كما تشجعني على طلب العلم بجدية ولكن دون تكبر. خلاصةٌ صغيرة: تثير فيّ شعورًا بالاختلاف بين التواضع والإحباط—تدفعني لأن أتعلم أكثر دون أن أفقد ثقتي في الحكمة التي تفوقني.
2026-02-02 18:34:14
13
View All Answers
Scan code to download App
Related Books
كُلنا مجانين
كاتبة الليل
0
199
يقولون إن الطبيب النفسي هو الشخص الذي يملك الإجابات... لكن ماذا يحدث عندما يكون الطبيب نفسه هو السؤال الذي لا يستطيع الإجابة عنه؟
آدم طبيب نفسي ناجح، يقضي أيامه في الاستماع إلى اعترافات الآخرين، يفكك مخاوفهم، ويبحث عن الأسباب الخفية خلف آلامهم. بالنسبة لمرضاه، هو الرجل الهادئ الذي يعرف كيف يعيد ترتيب الفوضى داخل عقولهم.
لكن خلف باب عيادته المغلق، هناك جانب آخر لا يراه أحد...
رجل يحمل صدمات قديمة، كوابيس لا يفهمها، وجرحاً من الماضي ظن أنه دفنه منذ سنوات.
عندما يبدأ آدم جلسات علاج مع طبيب نفسي آخر، يكتشف أن أصعب عقل يمكنه تحليله ليس عقل مرضاه... بل عقله هو.
بين أسرار المرضى، الأسئلة الفلسفية عن الألم والحقيقة، والصراعات التي يخفيها الإنسان عن نفسه، يبدأ آدم رحلة لاكتشاف شيء أخطر من المرض...
أن أكثر شخص يحتاج إلى الإنقاذ قد يكون الشخص الذي يقضي حياته في إنقاذ الآخرين.
**ففي النهاية... من يحدد من هو المجنون؟**
في عالم يتجاوز حدود الزمان والمكان، يبدأ كل شيء بسؤال بسيط، لكنه يقود إلى رحلة لا تشبه أي رحلة أخرى.
يجد الوريث نفسه في مواجهة سلسلة من الأسرار الكونية والطبقات الوجودية التي تكشف له أن الواقع الذي يعرفه ليس سوى جزء ضئيل من حقيقة أكبر بكثير. وبين كيانات غامضة مثل المراقب، والأصل، والعين الأولى، وما قبل السؤال، ينطلق في رحلة تتحدى العقل والمنطق، رحلة تكشف أن الوجود نفسه قد يكون مجرد محاولة لفهم شيء أعمق من الفهم.
ومع كل اكتشاف جديد، تتلاشى الحدود بين الحقيقة والوهم، وبين المراقِب والمراقَب، وبين السؤال والإجابة. لتتحول المغامرة من صراع بين قوى متنافسة إلى بحث فلسفي عميق عن معنى الإدراك والوعي والحرية.
في مائة وعشرين فصلاً متصاعداً، تنتقل الرواية من عالم تحكمه القوانين والأنظمة إلى فضاءات تتفكك فيها اللغة والهوية والزمن نفسه، حتى تصل إلى مواجهة نهائية مع السؤال الأكبر:
هل يحتاج الوجود إلى تفسير كي يكون حقيقياً؟
"ما وراء السؤال" رواية فانتازيا فلسفية وميتافيزيقية تستكشف حدود العقل الإنساني، وتدعو القارئ إلى رحلة فكرية استثنائية حيث لا تكون الإجابات هي الغاية، بل اكتشاف طبيعة السؤال ذاته.
رواية: ثمن الفضول
بقلم: علاء عادل
"هناك أبوابٌ أُغلقت لسببٍ ما.. وإذا أغراكَ المجهولُ لفتحها، فلن تدفع الثمن من مالك، بل ستدفعه من عمرك.. ومن دماء ناسك."
شلة أصحاب.. ضحك.. هِزار.. وشغف طفولي قادهم لتجربة مغامرة مجنونة لاستكشاف "مغارة شكير" الملعونة. لم يكن أحد منهم يتخيل أن خطوة واحدة داخل بطن الأرض كفيلة بأن تمحو وجودهم من الدنيا لعشرين سنة كاملة! عشرون عاماً قضوها كجثث متحركة في سرداب بلا زمن، بينما في الخارج، كان الآباء والأمهات يموتون حَسرةً وقهراً على اختفاء فلذات أكبادهم.
وعندما انكسر رتم المخطوطة القديمة، وعاد من عاد.. لم تكن العودة نجاة، بل كانت بداية الجحيم الأكبر!
خالد: الذي فتح الرمز أول مرة، وعقله الآن يتأكل داخل جدران المصحة بفعل فحيح الجن الذي يخبره أن أهله بانتظاره في بطن الأرض.
كريم: الذي عاد ليجد نفسه وحيداً، شبه ميت وسط تراب شقته، محاصراً بين ذنب عائلته التي رحلت، ووهم حب طفولته الذي ذبحه من الوريد للوريد.
مريم: التي أفاقت من أنانيتها متأخرة، لتبدأ رحلة غفران مكسورة، مستعدة فيها أن تكون جارية تحت قدمي كريم لتداوي جروحاً صنعتها بيديها.
بين المخطوطة الملعونة التي تصرخ حين تحترق، والكيانات التي تطالب بإغلاق الدائرة، يجد كريم ومريم أنفسهما في مواجهة الموت والندم.
بعد سنوات طويلة من الفوضى والحروب، ارتفع اسم ليا في عالم لم يكن يتوقع أبدًا أن تنجو فتاة مثلها أو تصبح حاكمة. بدأت وهي طفلة لا تملك شيئًا، ثم بنت نفوذها ببطء في عالم قاسٍ، خطوة خطوة، حتى أصبحت إمبراطوريتها قوة يخشاها الجميع.
لكن خلف هذا الصعود كان هناك رجل.
رجل غامض دخل حياتها منذ طفولتها، فتح لها الأبواب، وعلّمها كيف تنجو، وكيف تتحكم بالناس، وكيف تجعل العالم ينحني لها دون أن يشعر. لم يطلب منها شيئًا في البداية.
كان يراقبها بصمت وهي تكبر، ومن الظلال كان يزيل كل من يقف في طريقها، ويمنحها القوة التي تحتاجها للوصول إلى القمة. ثم عندما بلغت ليا الخامسة عشرة، اختفى فجأة وتركها تكمل الطريق وحدها.
لسنوات، اعتقدت ليا أنها أصبحت حرة أخيرًا، وأن الرجل الذي شكّل نصف حياتها قد اختفى للأبد. لكن عندما بلغت سن الرشد وأصبحت الحاكمة الكاملة لإمبراطوريتها، عاد من جديد.
ليس كمعلم هذه المرة، بل كرجل يريدها لنفسه.
طلب ماكس يدها رسميًا وكأن الجواب محسوم مسبقًا، وكأن كل السنوات التي قضاها في تشكيلها كانت مجرد إعداد لهذه اللحظة.
وفي تلك الليلة الأولى بينهما، داخل غرفة فاخرة تفوح منها رائحة الحلوى، همس لها بصوت عميق كانت تحبه دائمًا:
“يا صغيرتي… ما زلتِ لا تدركين كم أنتِ ملكي.
لقد رأيتك تكبرين بين يديّ سنة بعد سنة، لذلك لا تتوقعي مني أن أقف بهدوء وأرى رجلًا آخر يقف بجانبك.
أنتِ لي يا ليا، وهذه الحقيقة لن تتغير أبدًا، مهما حاول العالم إنكارها.”
سؤال جميل، هذا النوع من الرمزية اللي تخلي الواحد يتوقف ويتأمل فعلاً. بالنسبة لي، مقولة 'اختيار البحر' في الرواية مش مجرد اختيار حرفي لمكان أو وجهة، لكنها استعارة عن القرارات المصيرية اللي تغير كل شيء. صديقي وأنا كنا نتناقش فيها أمس، وقلت له إنه البحر هنا يمثل المجهول، الشيء اللي مافيه ضمانات، لكنه مليان بالحرية والإمكانيات. في رواية مثلاً زي 'طريق البحر' لخالد الحاج، البطل لما اختار البحر، كان بيكسر كل القيود الاجتماعية والروتين اليومي الممل. هو اختار المخاطرة بدل الأمان الزائف اللي تقدمه الحياة على اليابسة. تخيل هالشيء في حياتنا اليومية، أحياناً الوضع يكون كأنك واقف على شاطئ وتقرر تسبح في مياه عميقة بدون ما تعرف وين راح توصل. هالخيار يجي لحظة تحول حقيقي، زي البطلة في 'نون والقلم' لما تركت كل شي وراحت ورا حلمها الأدبي، كان البحر بالنسبالها يعني الكتابة والحرية. أنا شخصياً أعتقد أن هالرمزية هي اللي تخلي الرواية مؤثرة، لأن كل واحد منا عنده لحظة 'بحر' خاصة فيه، يعني قرار نعرف أنه راح يغير مسار حياتنا للأبد.
لما أقرأ عن 'اختيار البحر' في الروايات، كمان أحس أن الكاتب يقصد العزلة الإيجابية أحياناً. البحر مكان واسع لكنه لحالي، يعطيك مساحة للتفكير والتصالح مع نفسك. مرة صديقتي قالت إنها لما كانت تقرأ جزء 'بين ضفتين'، حسّت أن البحر كان رمز للخلاص من الازدواجية اللي عايشها البطل. اختيار البحر معناه اختيار البساطة بعد تعقيد الحياة، ولا تنسى أن البحر غدار أحياناً، فهالخيار يجي معاه استعداد للمعاناة والتضحية، وهالشي يخلي الرواية أعمق وأكثر تشويقاً.
كنت أتأمل هذا اللفظ منذ سنوات، وأجد في صبغته درسًا متجدّدًا لكل من يعشق العلم ويحاول أن يثبّت قدمه على طريق الفهم.
أكثر المفسرين التقليديين قرأوا عبارة 'فوق كل ذي علم عليم' بطريقتين متقاربتين: الأولى تفهمها كتأكيد على سمو علم الله وأنه «أعلم من كل ذي علم»، أي إنّ لكل عالم محدودٍ هناك من أعلم منه، وهذا تفسير واضح ورد عند من نقل عنهم في 'تفسير الطبري' وشرحه لاحقًا ابن كثير في 'تفسير ابن كثير'. القراءة الثانية تُشبّه «الفوق» بمقام المشاهدة والرقابة: أي أن علم الله فوق علمهم بمعنى أنه يشمل ما في صدورهم وأسرارهم، فلا يخفى عليه شيء مما يقولونه أو يعملونه.
من هذا الباب أستخلص دائماً حالتين عمليتين: الأولى تواضع العالم والطالب، لأن العبارة تكسر افتراض المطلقية في العلم البشري؛ والثانية إحساس بالمسؤولية، لأن العلم عند البشر مراقب من عليم لا يغفل. أجد في هذه الآية توازنًا رائعًا بين تأكيد قدرة الله ومعالجة غُرور الإنسان، وكأن المفسر يُذكرنا بأن العلم ملكُ الله، وأن السعي مطلوب لكن اليقين المطلق لله وحده.
أحدُ الآيات التي علّقت في ذهني هي تلك العبارة الجميلة التي تذكّرني بعظمة العلم الإلهي: العبارة وردت في سورة 'يوسف'.
أتذكر حين قرأت قصة يوسف وكيف أنّ كل حدث صغير فيها يحمل معانٍ عميقة، وقوله «فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ» يضع حدودًا للتواضع البشري؛ أي أن الإنسان مهما بلغ من علم فثمة دائمًا علم أعلى يحيط بالأشياء ويعلم ما لا ندركه. في سياق السورة، تأتي هذه العبارة كنوع من التذكير بأن الحكمة الإلهية تتخطى فهمنا، وأن الأحداث التي نمر بها قد تحمل حكمة لا نرى كاملها في حينها.
أستمتع بالتأمل في كلمات القرآن كهذه لأنها تمنحني شعورًا بالاطمئنان: العلم البشري مفيد وضروري، لكن الاعتماد الأعمق يجب أن يكون على العلم الكامل. كذلك أحب أن أقرأ تفاسير العلماء حول هذه الآية لأرى كيف فسّروا العلاقة بين إرادة الله وعلم الناس، وكيف تُستخدم العبارة لتثبيت فكرة التوكل والتواضع. النهاية الطبيعية لهذه الفكرة تجعلني أعود لأدرك أن طلب العلم مستمر، ومعه يقترن الاعتراف بحدود فهمي أمام علمٍ أوسع وأكثر كمالاً.
أجد عبارة 'فوق كل ذي علم عليم' من العبارات التي تفتح أمامي أبوابًا كثيرة من التأمل اللغوي والتفسيري، ولا أملُّ من البحث في مراداتها.
من ناحية اللغة، أقرأها هكذا: 'فوق' هنا تحمل معنى العلو أو التفوّق، و'كل ذي علم' تشير إلى أي إنسان أو كيان يمتلك علمًا، بينما 'عليم' صفة تفخيمٍ وتأكيد تُرفع إلى صاحب العلم الكامل. كثير من المفسرين الكلاسيكيين ذهبوا إلى أن المقصود هو بيان صفة الله تعالى، أي أنه ثمة عَلِم مطلق يفوق كل علم محدود، وأن هذا المعنى يخدم سياق الآيات التي تبرز محدودية المعرفة البشرية أمام حكمته تعالى.
لكنني أيضًا أستمتع بقراءة الطبقات المتعددة للآية؛ فبجانب التأكيد الإلهي توجد قراءة تطبيقية أخلاقية يذكرها المفسرون: وهي تربية للتواضع والسعي المستمر، إذ تذكّر العلماء والناس أن ما لديهم من علم محدود وأن ثمة دائمًا معرفة أشمل. في بعض الشروحات الصوفية يُستخدم هذا التعبير لتسليط الضوء على الفرق بين العلم النظري واليقين الداخلي، وعلى أن الوصول إلى معرفة الله ليس مماثلًا للمعرفة العقلية البحتة.
خلاصة عمليّتي مع النص: أراه عبارة قصيرة لكنها عميقة، تجمع بين بيان صفات ربانية وبين درس أخلاقي لكل طالب علم؛ أن ندرك حدودنا ونستعين بالله، ونستمر في البحث بلا غطرسة وانفتاح على ما هو أعظم.
أحب أن أعلق هذه العبارة على سبورة أفكاري عندما أدخل الصف؛ تكون بمثابة مرساة أخلاقية وعلمية لي ولطلابي. أستشهد بعبارة 'فوق كل ذي علم عليم' لأذكرهم أن المعرفة ليست ملكًا لأحد بعينه، وأن هناك دائماً مستويات أعمق وأكثر احترافًا مما نراه من سطح الأمور. أكتبها أحيانًا على البداية الشرائح كمقدمة لموضوع جديد، وأشرح بعدها أن التواضع المعرفي لا يقلل من قيمة جهودنا بل يجعلنا نبحث ونستقصي أفضل.
أستخدمها أيضًا كإطار لمناقشات النقد العلمي: حين يطرح طالب حجة قوية أقرّ بها ثم أشجعه على البحث عن refutations أو آراء مضادة، موضحًا أن القبول المؤقت بوجود معرفة لا يعني غياب مناقشة أعمق. وفي رسائل التقييم أذكر أنها تذكير لكل منا بالمسؤولية — من المعلم إلى الطالب — لأن السعي لا ينتهي، والتعلم هو عملية تراكمية تتطلب تواضعًا وصبرًا.
أحب أن أبدأ بملاحظة صغيرة عن كيف تنتقل العبارات بين الجِيل والجيل، وهذه العبارة 'فوق كل ذي علم عليم' عندي تبدو أكثر من مجرد حكمة — هي تعبير متجذر في اللغة الدينية والأدبية، وغالبًا ما تُستخدم للتذكير بتواضع الباحث أمام علم الله أو أمام مرتبة أعلى من العلم. أجدها تتردد كثيرًا في مؤلفات المفسِّرين والوعّاظ، حيث تُستدعى لتأكيد أن العلم البشري محدود وأن هناك علماً متعالياً. لذا عندما أتصفح 'القرآن الكريم' أو شروح المفسّرين ألاحظ أن الفكرة نفسها موجودة في سياق تذكير الإنسان بأن المعرفة الكونية عند خالق أكبر.
كمحب للتراث أرى أن كثيرًا من الأعلام الكلاسيكيين نقلوا هذه العبارة أو أشكالًا منها في كتبهم كأمثلة بلاغية أو كاستدلالات أخلاقية؛ من أمثال ما نجده في شروح معروف مثل 'تفسير الطبري' و'تفسير ابن كثير'، وصولًا إلى مؤلفات أهل التصوف والأدب الأخلاقي مثل 'إحياء علوم الدين' التي تستخدم لغة قريبة لتذكير القارئ بالتواضع. هذه الاستعارات تجعل العبارة تسرق الأنظار في الخطب والكتب وتتحول إلى مثل يتداول في المحافل العلمية والدينية.
لا أخفي أنني أستمتع برؤية كيف تتحوّل عبارة دينية أو نصية إلى مثل شائع في الأدب والخواطر، وكيف يستشهد بها الشعراء والكتاب المعاصرون في افتتاحيات كتبهم أو في مقالات عن التقصير البشري أمام حقيقة أكبر. في النهاية، العبارة تظل جسرًا بين النص الديني والذوق الأدبي، وتبقى فعّالة في إثارة التأمل دون أن تفقد بساطتها.
الجملة 'لن نخون' صارت كمرآة تعكس كل ما سبق في الرواية، وصدمني كم كانت محملة بالمعاني المتراكمة.
أرى أولًا أنها وعد جماعي بين الشخصيات: ليس مجرد تعهد بعدم خيانة الحبيب أو الصديق، بل تعهد بعدم الخيانة للذاكرة المشتركة وللمعنى الذي بنوه معًا عبر الأحداث. عندما تُستخدم صيغة الجمع 'نحن' فالكاتب يوسع الدائرة ليشمل مجتمعًا كاملًا أو فكرة أو مشروعًا، وهذا يعطي العبارة وزنًا سياسيًا أو أخلاقيًا يتجاوز العلاقة الشخصية.
ثانيًا، قد تكون العبارة سلاحًا سرديًا؛ فهي تخلق توترًا أخيرًا بين القارئ وما قد يحدث بعد ذلك. هل سيُثبت النص صدق هذا الوعد أم سيتحوّل إلى سخرية مريرة إن خان أحدهم؟ هذه الغموضية تمنح النهاية عمقًا وتبقي القارئ يتساءل بعد إقفال الكتاب.
أخيرًا، شعرت أنها رسالة من الكاتب نفسه: التزام بالأمانة الأدبية، أو نداء للبقاء مخلصين للأفكار والمبادئ التي دفعت القصة إلى الوجود. خرجت من الرواية وأنا أحمل العبارة كقضية صغيرة أثق بها أو أتشكك فيها بحسب ما أقنعني السرد طوال الصفحات.
خلال استماعي للنسخة الصوتية لاحظتُ العبارة التي تذكرها وتساءلت على نحو شخصي عن مصدرها، لأن الصوت أحيانًا يحوّل نصًا مكتوبًا إلى شيء مختلف تمامًا في الذهن. في العادة العبارة التي تسمعها في كتاب صوتي تعود إلى أحد المصادر التالية: نص المؤلف الأصلي، ترجمة المحرّر أو المترجم، تعديل كتبه محرّر النسخة الصوتية أو كُتّاب السيناريو المخصّص للقراءة، أو حتى لمُعلّق/الراوي نفسه إذا سمح له فريق الإنتاج ببعض التلقائية.
من تجربتي مع عدة كتب صوتية، أول ما أفحصه هو قائمة الاعتمادات في بداية أو نهاية التسجيل؛ هناك غالبًا سطر مكتوب يذكر: 'تأليف' للمؤلف الأصلي، 'ترجمة' للمترجم، و'تحويل إلى نص صوتي' أو 'نص النسخة الصوتية' لمن تولّى تعديل النص ليناسب الأداء. إن لم يكن واضحًا، أتحقق من وصف العمل في المنصّة (مثل آيتونز أو Audible أو موقع الناشر)، لأن الناشر عادةً يذكر من كتب نص النسخة الصوتية أو من أعدّ النسخة المُكيفة للصوت.
هناك احتمال آخر لا ينبغي تجاهله: الخطأ السمعي أو ما يسميه البعض 'مونديغرين'—قد تكون العبارة التي سمعتها نتيجة لهجة الراوي أو طريقة النطق فبدت عبارة مختلفة تمامًا. لذا أنصح بالتحقق من النص المطبوعة أو الملف الإلكتروني للنص الأصلي؛ إن وُجدت العبارة هناك فالمؤلف أو المترجم هم المصدر، وإن غابت فالأرجح أن تعديل الإنتاج أو الراوي هو المسؤول. شخصيًا أرى أن فرق الإنتاج الصوتي تفخر بتقديم لمسات خاصة في النص، وهذا يفسّر لماذا نسمع أحيانًا عبارات لم نقرأها في الطبعة الورقية.