登入
في قلب بغداد، حيث تتشابك دروب سوق الورّاقين وتفوح رائحة الحبر والمسك، نبتت قصة سعد وليلى. كان سعد شاباً نحيلاً، أخذت مهنة نساخة الكتب من بريق عينيه الكثير، لكنها وهبته لساحة وبلاغة جعلت كلماته كالسحر. أما ليلى، فكانت ابنة تاجر الجواهر، فتاة يمتزج في مشيتها كبرياء بغداد ورقّتها.
كانت لقاءاتهما الأولى عبارة عن نظرات عابرة، تلتها رسائل تُخبأ في تضاعيف كتب المتنبي وأبي تمام، حتى أذن لهما القدر بلقاءات سرية عند ضفاف دجلة، حيث تستر الحديقة العباسية الغناء لوعتهما
في أوج الربيع، التقى سعد بليلى تحت شجرة نارنج ناضرة، وكان دجلة يجري هادئاً كأنه يستمع إليهما.
نظر سعد إلى عينيها وقال بصوت يرتجف من شدة العاطفة:
— "يا ليلى، كأن الله لم يخلق بغداد إلا لتكون مهدًا لعينيكِ. إنني في غيبتكِ أنسخ الكتب بيدي، وعقلي ينسخ صورتكِ على جدار قلبي. هل تصدقين أن الحبر جفّ من محبرتي أمس، فكتبتُ اسمكِ بدمع عيني؟"
ابتسمت ليلى حياءً، ونكست رأسها قبل أن ترفع طرفها إليه قائلة:
— "ويحك يا سعد! لا تقل هذا، فأنا أخاف على قلبك من فرط الهيام. والله إنني ما إن أدخل بيتي حتى أشعر بالغربة، فلا أنيس لي إلا طيفك. ولكن.. أخبرني يا سعد، هل يدوم لنا هذا الصَّفاء؟ إن أبي يتردد عليه كبار القوم، وأنا أخشى من غدٍ يسرقك مني."
أمسك سعد بطرف ردائها، وقال بيقين:
— "والذي فطر السماوات، لو طلبني الموت ما أجبته إلا بعد أن تملأ عيناي منكِ. سأجتهد في تجارتي ونسخي، وآتي أباكِ خاطباً، فلن يفرقنا إلا الثرى."
لكن القدر كان يخبئ خلف أسوار بغداد ما لم يكن في الحسبان. فقد وقعت عين الأمير مروان، ابن عم الخليفة وذو السطوة والجاه، على ليلى في موكب الأعياد. ولم يمضِ أسبوع حتى أُرسلت خيول الإمارة وصناديق الذهب إلى دار أبيها خاطبةً إياها.
طُلب من ليلى القبول، وهُددت بنفي أبيها وسجن عائلتها إن رفضت أمر الأمير العباسي. وفي ليلة وداع مظلمة، التقت بسعد للمرة الأخيرة عند النهر، لكن وجهها كان شاحباً كالرماد.
قال سعد، وهو يرى دموعها تبلل لثامها:
— "ما بكِ يا ليلى؟ كأنكِ تحملين هموم الخلافة كلها على كتفيكِ! أخبريني، هل أصابكِ مكروه؟"
سقطت ليلى على ركبتيها، وقالت بنبرة مخنوقة بالبكاء:
— "يا سعد.. ضاعت الأماني، وانقطع حبل الوصل."
أوجس سعد خيفة، وجثا أمامها قائلاً:
— "ماذا تقولين؟ تكلّمي، أقسمت عليكِ بربّ هذا النهر!"
نظرت إليه وعيناها تفيضان دماً:
— "الأمير مروان.. خطبني من أبي. لقد وُضعت الأغلال في عنقي يا سعد. إنها سيوف بني العباس ونفوذهم، ليس لأبي قبلٌ بها، وإن رفضتُ، هلكت عائلتي كلها."
انتفض سعد واشتعلت عيناه غضباً وعجزاً:
— "مروان؟! ذلك الأمير الذي يملك نصف قصور بغداد؟ أيبتاعكِ بذهبه وجاهه؟! لا يا ليلى، قولي لي إنكِ ستمتنعين، قولي إننا سنهرب إلى الكوفة أو دمشق!"
وضعت ليلى يدها المرتعشة على فمه، وقالت بغصة:
— "إلى أين المهرب وسلطانهم يملأ الأرض؟ يا سعد، لو هربنا لقتلوك، والله ما قبلتُ إلا لأفديك بروحى وحريتي. أريدك أن تعيش، حتى لو عشتُ أنا ميتة في قصور الذهب."
بكى سعد بكاءً مراً، واحتضن كفيه قائلًا:
— "كيف أعيش وجسدي هنا وروحي تُزف إلى قصر الأمير؟ ليتني كنتُ حبراً في كتابكِ، أو ليتني لم أولد في زمنٍ يُقاس فيه الحب بالدنانير!"
قالت ليلى وهي تبتعد ببطء، والدموع تحجب الرؤية عنها:
— "تذكرني يا سعد.. تذكرني كلما هبّ نسيم دجلة، واعلم أن ليلى لم تعشق سواك."
انطلق مسرور والجارية في دروب بغداد وعيونهما تترصد المارة، حتى بلغا القصر ودخلا من الباب السري المؤدي إلى جناح السيدة عاتكة. تلوت الجارية بصلوات شكر وهي ترى اللفافة الجلدية المستخرجة من غرفة سعد تقع أخيراً في يد الأميرة العجوز.تفحصت السيدة عاتكة الأوراق تحت ضوء الشموع، وقلّبت الرسائل المكتوبة بخط ابنها مروان وأختامه الرسمية، فارتجفت يداها غضباً وكبرياءً. التفتت إلى ليلى وقالت بنبرة حاسمة:— "الآن ملكنا زمام مروان.. اذهبي يا ليلى إلى مخدعكِ، واغسلي دموعكِ، والبسي أبهى ما عندكِ من حلي وديباج، واجلسي بجانبي كالملكة. الليلة نكسر هذا الصلف."مع حلول المساء، أرسلت السيدة عاتكة في طلب ابنها الأمير. دخل مروان الجناح يجر خطى السهر، متبختراً بكبريائه المعهود، لكنه فوجئ بوجود والدته تجلس بهيبة جلالها، وبجانبها ليلى كدرة مصونة لا تطالها يداه.مروان (بابتسامة متكلفة): "أهلاً بالوالدة السيدة.. شرف الغياب يملأ قصري. ما بال هذه الجلسة المهيبة؟ وكأننا في ديوان الخليفة؟"السيدة عاتكة (بصوت كالرعد): "بل هو ديوان الحساب يا مروان! اجلس كفّ عن الغرور."تنحنح مروان وجلس ببرود، فنظرت إليه أمه باحتقار وقا
لم تضع السيدة عاتكة وقتاً؛ فضغوط الوقت وحسابات السلطة لا تحتمل التأجيل. التفتت إلى خادمتها المقربة وصاحت بنبرة حازمة هزت ممرات الجناح:— "ادعي لي مسروراً فوراً!"كان مسرور هو رجل السيدة عاتكة الصارم، وحارس سرها الأمين منذ سنوات طويلة، رجلٌ ضخم الجثة، ذو عينين صقريتين، لا يعرف الخوف ولا يتردد في تنفيذ أمر سيدته.التفتت السيدة عاتكة إلى ليلى وقالت بلهجة لا تقبل النقاش:— "دعي جاريتكِ الوفية تقود مسروراً إلى ذلك الشخص الثقة الذي يحتفظ بالوثائق خارج القصر. فليأتيا بها سريعاً قبل أن يستفيق مروان من خمرته وتتبدل الأحوال."خرجت الجارية الوفية والذعر يأكل قلبها، ويمشي خلفها مسرور بخطوات واسعة يغطي وجهه بلثام غامق، وسيفه مخبأ تحت قبائه. كانت الجارية تعلم أن "الشخص الثقة" ليس سوى سعد، النساخ الفقير الذي يصارع الموت من أثر الحُمّى في الخان القديم، وأن الحارس طارق قد يكون هناك أيضاً.كانت تهمس لنفسها وهي تسرع خطى سيرها في أسواق الكرخ:"يا رب سترَك.. كيف سأشرح لمسرور وضع سعد؟ وماذا لو وجدنا طارق هناك وظن مسرور أننا نتآمر على القصر؟"وصلت الجارية ومسرور إلى باب الخان القديم، وكان المكان هادئاً
نظرت ليلى إلى والدة مروان بذهول، وتنازعتها المشاعر؛ فمن جهة أحست بالأمان لوجود هذه المرأة القوية بجانبها، ومن جهة أخرى تملكها الرعب، فالرسائل التي تدين مروان بالتآمر واختلاس الخراج باتت الآن مع سعد، وسعد مريض، والمؤامرة تكبر.حاولت ليلى استجماع شجاعتها، وهمست للسيدة عاتكة:— "يا سيدتي.. إن الأمر أكبر من مجرد مجون وغلمان في غرف مغلقة. إن الأمير مروان.. يتآمر على الخلافة نفسها، ويسرق أموال الخراج ليشتري بها ولاء جند الثغور."صُعقت السيدة عاتكة، وتغيرت ملامحها تماماً. ثبتت نظرتها في عيني ليلى وقالت بهمس حاد:— "التآمر والخيانة؟! أهذا صحيح يا ليلى؟ هل لديكِ دليل على ما تقولين؟ إن ثبت هذا، فإن عنقه ستُعلق على أبواب بغداد بأمر الخليفة نفسه!"ليلى (بارتباك وخوف): "نعم يا سيدتي، الدلائل والرسائل بخطه وختمه كانت في صندوقه السري، وقد خرجت من القصر وهي الآن في طريقها إلى القاضي العادل."السيدة عاتكة (بذكاء وحنكة): "من أخرجها؟ وكيف؟ إن كان هذا صحيحاً، فإن مروان سيبيد القصر بأكمله إن شعر باختفائها. يجب أن نتحرك بحذر يا ابنتي. إذا وصلت الرسائل للقاضي،تراجعت السيدة عاتكة خطوة إلى الوراء، وارتسمت
جثا طارق على ركبتيه ورفع ألواح الخشب ليستخرج لفافة الجلد التي تحتوي على الرسائل الخطيرة. نظر إليها، ثم نظر إلى سعد المريض، وتملكه رعب شديد.طارق (محدثاً نفسه بذهول): "كيف أذهب أنا؟ القاضي العادل يعرف سعداً بنزاهته وخطه، ويعرف أنه نساخ محترم. أما أنا.. فمجرد حارس بسيط في قصر الأمير، وإذا دخلت على القاضي بهذه الأوراق، فربما يظنني سارقاً أو متآمراً يسعى لابتزاز الأمراء، وقد يزج بي في السجن مجدداً قبل أن يقرأ سطراً واحداً! والأدهى من ذلك، أن غيابي عن القصر الآن سيثير الشبهات فوراً."التفت طارق إلى سعد وقال بنبرة مليئة بالخوف والمسؤولية:— "يا سعد، أنا لا يمكنني مقابلة القاضي بمفردي، هيبتي كحارس لا تكفي لتصديقي في مثل هذه المؤامرة الكبرى التي تهز أركان الخلافة. يجب أن تكون أنت معي لتشهد على دقة النسخ والخط."أخرج طارق صرة مال صغيرة، وهرع إلى الخارج ليحضر طبيباً يداوي سعداً على عجل، وهو يعلم أن ليلى في تلك الأثناء تجلس خلف قضبان القصر الذهبية، تظن أن الفرج قد حان، بينما القدر ينسج حولة قصتهم ثوباً جديداً من القلق والانتظار على حافة السكينبينما كان طارق يسابق الزمن في أزقة بغداد بحثاً عن
في تلك الأثناء، كان سعد في غرفته الصغيرة يخط بريشته بدقة متناهية. كانت الأوراق الأصلية المليئة بالخيانة ومجون الأمير مروان موضوعة أمامه، والنسخ الجديدة تجف ببطء.فجأة، سمع سعد أصوات جلبة بعيدة في الزقاق، وصوت وقع أقدام الحرس. أحس بقلبه ينقبض، وعلم بغريزته أن خطراً قد أصاب طارق.نظر سعد إلى الرسائل التي بين يديه، وقال في نفسه:"لو دخلوا عليّ الآن ووجدوا هذه الأوراق، لضاعت ليلى، ولأُعدم طارق، ولهلكتُ أنا. هذه الأوراق هي سلاحنا الوحيد، ويجب أن تصل إلى القاضي قبل أن ينطق طارق تحت التعذيب."جمع سعد الرسائل الأصلية والنسخ بسرعة، ولفها في قماش من الجلد الكتوم للماء، ثم خبأها في تجويف سري تحت ألواح الخشب التي يضع عليها صناديق الحرير والكتب. جلس مكانه، وأمسك بكتاب شعر عادي وبدأ يقرأ فيه تظاهراً بالهدوء، بينما كانت أنفاسه تتسارع مع كل خطوة تقترب من بابه.أصبحت اللعبة الآن على حافة الهاوية: طارق خلف القضبان يقاوم التحقيق، وسعد يملك الدليل القاطع الذي يشنق الأمير، وليلى تنتظر في القصر مصيرها المعلق بين النجاة والهلاك.أمضى طارق ليلة قاسية في دياجير "المُطبَق"، حيث واجه استجواباً شديداً من حر
التقطت ليلى خيوط الأمل، وتذكرت الجارية الوفية التي كانت صلتها بسعد. في غضون أيام، وبطرق ملتوية، تم نسج شبكة سرية مذهلة داخل بغداد:ريحان يسرق رسائل الأمير مروان السرية التي تثبت اختلاسه لأموال الدولة وتآمره مع المتمردين أثناء سهرات المجون.ليلى تستلم الوثائق وتخفيها في وسائد الحرير.الجارية تنقلها إلى طارق الحارس عند أسوار البستان ليلاً.طارق يسلمها لـسعد، الذي استغل مهارته الفائقة في النساخة لإعداد نسخ دقيقة منها، تمهيداً لإيصالها إلى ديوان الخلافة عبر قاضٍ عادل يُعرف بنزاهته وعدائه لمروان.بدأ الحصار يضيق حول الأمير مروان وهو لا يعلم، وأصبح سعد، الناهب الحزين، يقود معركة خفية من خلف الأوراق والحبر لاسترداد كرامته وحبيبتهاستمرت الخطة الخفية تسير بدقة كدقّات الساعة. كان ريحان يترصد الأمير مروان في سهراته، وما إن يسقط الأمير مغشياً عليه من أثر الشراب والمجون، حتى يتسلل ريحان إلى صندوق رسائله السري، ينسخ منها ما يشاء من وثائق المؤامرة واختلاس أموال الخراج، ثم يسلمها إلى ليلى.وفي ليلة غاب قمرها، تسلم طارق الحارس من الجارية الوفية حزمة جديدة من تلك الرسائل الخطيرة عند أطراف البستا







