من زاوية المشهد الثقافي المعاصر أراه كالشرارة التي تظهر في أماكن غير متوقعة: مقطع شعري يُعاد نشره، أو أداء موسيقي قديم يُستعاد، أو حلقة بودكاست تشرح قصة شاعر. لا أعتقد أن كثيرين يفتحون 'كتاب الأغاني' كل أسبوع، لكن تأثيره منتشر.
كمتابع ثقافي يستمتع بالمزج بين القديم والجديد، ألاحظ أن الجمهور الشاب يلتقي به عبر تنقيحات مختصرة أو عبر أعمال تعتمد على مادته. القراءة المنتظمة بالطريقة التقليدية ليست شائعة، لكن النص لا يموت؛ هو يحيا في الاقتباسات والتحويرات الصوتية والبصرية. هذه الديناميكية تمنحني تفاؤلًا بسيطًا بشأن استمراره في الذاكرة الثقافية.
الكتاب الذي يبعث على الدهشة مهما اختلف الزمن، دائماً يعود للتداول بين المهتمين: هذا ما ألاحظه عن 'كتاب الأغاني'. أقرأه كخزانة ضخمة من الذاكرة الموسيقية والأدبية للعالم العربي، لكن نادرًا ما أجد قارئًا معاصرًا يقرأه باستمرار من الغلاف إلى الغلاف.
في المجتمعات الأكاديمية والمهتمة بالأدب الكلاسيكي، يظل 'كتاب الأغاني' مرجعًا لا غنى عنه، والناس هناك يقرأون مقاطع أو أقساطًا بحسب الحاجة أو الاهتمام. أما القارئ العام فغالبًا ما يلتقي به عبر مقتطفات منتقاة، أعني القصائد المشهورة أو الحكايات المرتبطة بمقاطع فنية مرموقة.
أعتقد أن طول العمل وصياغته اللغوية التقليدية تشكل حاجزًا أمام القراءة المنتظمة لغير المتخصصين، لكن التحويلات الحديثة — مختارات، تسجيلات صوتية، مقالات تفسيرية قصيرة — أعادت له بعض الحضور. بالنسبة لي، قراءة 'كتاب الأغاني' تجربة متقطعة وممتدة: أعود إليه كلما أردت الغوص في نغمة تاريخية أو قصيدة نادرة، وهذا نوع من القراءة المنتظمة بطريقتي الخاصة.
أحتفظ بذكريات دراسية عن 'كتاب الأغاني' حيث كنت أستخدمه مصدرًا للجامعة وللبحوث الصغيرة. أقول بصراحة إنه نادرًا ما يجتمع لدي وقت لأقرأه بانتظام كما أقرأ روايةً معاصرة، لكني أعود إليه كلما احتجت إلى قصيدة أو قصة لأقحمها في محاضرة أو ورقة.
السبب في ذلك أنه عمل مرجعي بامتياز: قراءته متقطعة ومبنية على الاستحضار، أكثر من كونها عادة يومية أو شهرية ثابتة. أتصور أن معظم الطلاب والباحثين يتعاملون معه بنفس الطريقة — عودة متكررة ولكن غير منظمة.
أرى أن السؤال يعتمد على تعريفنا لـ'القراءة المنتظمة'. كقارئ شاب أحب النصوص الطويلة، أتابع من حين لآخر أجزاء من 'كتاب الأغاني' لكن لا أستطيع القول إنني أقرأه يوميًا أو حتى أسبوعيًا. ما يحدث أكثر هو أني أتعرض له عبر اقتباسات على مواقع التواصل أو من خلال حلقات بودكاست تشرح قصصه.
الكثير من أصدقائي الذين درسوا الأدب أو الموسيقى يهرعون إلى 'كتاب الأغاني' عندما يظهر فن قديم أو اسم مغنٍ قديم، لكن الجمهور العام يفضل مختارات مبسطة أو ترجمات معاصرة أكثر من القراءة المتواصلة للنص الأصلي. هذا لا يقلل من أهميته، لكنه يوضح أن القراءة المنتظمة بهذا الشكل الكلاسيكي ليست شائعة جدًا لدى معظم القراء المعاصرين.
في مناقشاتي النقدية مع زملاء مهتمين بالتراث، أؤكد دائمًا أن 'القراءة المنتظمة' لـ'كتاب الأغاني' شيء نادر. أتعامل مع 'القراءة' هنا كمصطلح مرن: هناك من يقرأه كرواية تاريخية غنية بالمقاطع والمرويات، وهناك من يستخدمه كموسوعة لاستحضار معلومات عن الشعر والغناء.
العمل ضخم وبناؤه سردي متقطع، مما يجعله أقل جذبًا للقراء الذين اعتادوا على سرعات سردية حديثة. من جهة أخرى، وجود نسخ محققة ومختارات وترجمات يسهل على جمهور أوسع الاقتراب منه، ولو كان ذلك عبر قراءة أجزاء أو مقاطع متفرقة. بالنسبة لي، أراه أكثر كتابًا يُستشار منه بانتظام منه كتابًا يُقرأ من البداية للنهاية على نحو روتيني.
2026-01-28 18:13:49
20
Tingnan ang Lahat ng Sagot
I-scan ang code upang i-download ang App
Kaugnay na Mga Aklat
محققتي الحسناء
سمر رجب
10
138
"لو عرف الناس حقيقتك... هل ستستطيع العيش بعدها؟"
سؤال واحد كان كافيًا ليدمر حياة أكثر من شخص.
ضحية تلو الأخرى تنهي حياتها تاركة خلفها أسرارًا لم يكن يجب أن يكتشفها أحد.
لا بصمات... لا أدلة... لا قاتل.
فقط رسائل مجهولة تعرف أدق التفاصيل، وتدفع أصحابها إلى الوقوف على حافة الهاوية.
وبينما يحاول الضابط قصي ومساعدته ديما كشف هوية صاحب تلك الرسائل، يكتشفان حقيقة أكثر رعبًا:
المجرم لا يقتل ضحاياه... بل يجعلهم يقتلون أنفسهم.
لكن السؤال الأخطر:
من سيكون الضحية التالية؟
أو لو عايزة حاجة أغمق وأفخم:
بعض الجرائم لا تحتاج إلى سكين.
يكفي أن يعرف أحدهم السر الخطأ.
في مدينة يختبئ أهلها خلف أقنعة من المثالية، يبدأ شخص مجهول بكشف أكثر الأسرار قذارة.
لا يبتز.
لا يطلب مالًا.
لا يسعى للانتقام.
كل ما يريده هو أن يواجه ضحاياه الحقيقة...
ثم يتركهم يقررون مصيرهم بأنفسهم.
ومع تزايد عدد المنتحرين، يجد قصي وديما نفسيهما في مواجهة خصم لا يشبه أي قاتل عرفاه من قبل.
خصم يؤمن أن الموت ليس جريمة...
بل حكم مستحق.
أحبك… رغم أنك تنساني كل يوم
ماذا لو وقعت في حب شخص…
ينساك كل ليلة؟
سيلين لم تكن تخطط للحب،
لكنها وجدت نفسها أمام أكثر تحدٍ جنوني في حياتها…
آدم.
رجل يستيقظ كل صباح دون أن يتذكر أي شيء عن اليوم الذي قبله.
لا يتذكر الوجوه، ولا اللحظات… ولا حتى الأشخاص الذين أحبهم.
باستثناء شيء واحد غريب:
قلبه… الذي ينجذب إلى سيلين كل مرة، وكأنه يختارها من جديد.
بدل أن تهرب،
تقرر سيلين أن تخوض اللعبة المستحيلة:
أن تجعله يقع في حبها… كل يوم.
كل صباح:
تعرّف نفسها من جديد
تقنعه أنها ليست غريبة
تحاول أن تزرع في قلبه شعورًا لا يمكن للذاكرة أن تمحوه
لكن الأمر ليس سهلًا…
لأن آدم لا يثق بسهولة،
وأحيانًا… يبتعد عنها بسبب أشياء كتبها لنفسه.
وسط مواقف مضحكة،
ولحظات محرجة،
ومشاعر تتكرر ثم تنكسر…
تبدأ سيلين في طرح السؤال الذي تخافه:
هل الحب كافٍ…
إذا كان الطرف الآخر لا يتذكرك؟
لكن الحقيقة أخطر مما تبدو…
لأن فقدان ذاكرة آدم ليس مجرد حالة عابرة،
وسيلين ليست مجرد فتاة صادفها في طريقه…
ملخص رواية: ترانيم الجدران الصامتة
النوع: رومانسي / غموض / تشويق
تتمحور أحداث الرواية حول "ليان"، المرممة الموهوبة التي تعشق بعث الحياة في اللوحات القديمة، و**"آدم"**، المهندس المعماري الصارم الذي لا يؤمن إلا بلغة الأرقام والواقع. يجمعهما "فخ" مجهول داخل قصر عريق يعود لعائلتيهما، ليجدا نفسيهما سجينين بين جدرانه في ليلة عاصفة.
بينما كانت ليان تحاول إنقاذ لوحة من الاندثار، تكتشف رسالة حب مخبأة منذ عام 1940، تقودهما إلى سرداب من الأسرار العائلية المظلمة. يكتشف الثنائي أن اجتماعهما لم يكن صدفة، بل كان وصية غامضة من أجدادهما لحماية مشروع تاريخي يهدد "منظمة" قوية لا ترحم.
وسط مطاردات في ممرات القصر المظلمة وخيانات تأتي من أقرب المقربين، تبدأ الجدران "الصامتة" بالبوح بترانيمها، لتهدم الحواجز بين قلب "ليان" الحالم وعقل "آدم" العملي. فهل ينجحان في ترميم قصة حب ولدت من رحم الخطر، أم أن أسرار الماضي ستدفنهما معها؟
"في هذا القصر، لم يكن البحث عن الكنز هو الغاية.. بل كان البحث عن القلب الذي ضاع بين زوايا التاريخ."
في عالمٍ يُعد فيه الصوت هو السحر، كانت 'أريا' تمتلك أجمل حنجرة، تُشفي به الأنفس وتُطهر الأرواح بألحان 'الفجر المفقود'. لكن، بين عشية وضحاها، سُرق صوتها، واستحالت حياتها صمتاً قاتلاً. بدا الأملُ مفقوداً حتى قادها قدرها إلى قلعةٍ نائية يحكمها 'إيدان'، أمير الصمت الذي يمتلك لعنةً وبركةً في آنٍ واحد؛ قدرته على سماع الأفكار والمشاعر دون نطق كلمة. هو الوحيد الذي يفهم صمتها، وهي الوحيدة التي يجد فيها السكينة. فهل يكسر حبهما النقي سحر اللعنات الخالدة، أم أن دراما الحياة الصادمة ستخطف الألحان من قلوبهما للأبد؟
في قصرٍ تحكمه التقاليد وتُقاس فيه المشاعر بالمكانة والنفوذ، يعيش "خالد" وريث إحدى أكثر العائلات ثراءً وسلطة. اعتاد أن يحصل على كل ما يريد، حتى التقى بـ"نور"؛ مساعدته الشخصية الهادئة التي تخفي خلف قوتها قلبًا مثقلًا بالأسرار.
ما بدأ بعلاقة عمل رسمية سرعان ما تحول إلى انجذاب لا يمكن إنكاره، حيث وجد عمران في ميرا اللحن الذي أعاد الحياة إلى قلبه، بينما رأت هي فيه رجلًا مختلفًا عن الصورة المتعجرفة التي رسمتها له في البداية. لكن الحب بينهما لم يكن سهلًا؛ ففارق الطبقات، وصراعات العائلة، وأسرار الماضي، جميعها تقف حائلًا أمام قصة كان القدر قد كتب أوتارها بعناية.
بين الكبرياء والخوف، وبين الواجب والرغبة، يجد كل منهما نفسه أمام اختبار حقيقي: هل ينتصران للحب، أم تخنقه القيود قبل أن يكتمل اللحن؟
"قلبي بين أوتارها" رواية رومانسية مشوقة عن حبٍ وُلد في أكثر الأماكن تعقيدًا، ليُثبت أن القلب حين يعزف لحنه، لا يكون له إلا الاستجابة.
قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون
عابر الفصول الثلاثة
9.5
52.4K
في العاشرة من عمرها، وبعد عامين من التشرّد والتنقّل، أُخذت مرام العدلي، اليتيمة من آل العدلي، إلى بيت آل السويفي، إحدى أعرق العائلات النافذة في مدينة الزهراء، وتغيّر وليّ أمرها ليصبح رائد السويفي، الابن الثاني للعائلة.
كان آنذاك قد أتمّ عامه الثامن عشر لتوّه، شابًا وسيماً دقيقَ الملامح، يفيض برودًا وتعاليًا يكاد يلامس الغرور.
تأمّل تلك المسكينة الصغيرة من علٍ، بعينين باردتين تنضحان بالازدراء.
كانت مرام تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تتمسّك بذلك الاستقرار الذي لم يأتِ بسهولة. بدت مطيعة مهذّبة منصاعة، ودموعها تلمع في عينيها، وهمست بصوتٍ خافت مرتجف: "… أخي؟"
سخر ضاحكًا، ويده الموضوعة على رأسها تربّت عليها كما يُربّت على جرو، "أتُنقِصين منزلتي؟"
لاحقًا،
في ليلة بلوغها الثامنة عشرة، كان المطر يهطل بغزارة خارج النافذة. تسلّقت مرام إلى سرير رائد، وأحاطت خصره القوي بذراعيها، ثم رفعت رأسها بعناد وعضّت شفتيه الرقيقتين، وتشابكت معه في قبلة.
شدّ الرجل خصرها بقوة، وأنفاسه ملتهبة، تتغلغل إلى أعماقها.
تتداول الأوساط أن رائد السويفي، ابن إحدى أرقى الأسر النافذة، رجلٌ بعيد المنال، متحفظ متعفف، لا يقترب من النساء.
وحدها مرام تعلم أنه عديم الوفاء وغد، ويلهو بلا حساب.
تعلّقت مرام به بعنادٍ لعامين، ومع ذلك لم تحرّك في قلبه ساكنًا، فقطعت علاقتها به قطعًا تامًا.
...
ولاحقًا، ظهرت مرام أمام رائد تمسك بذراع حبيبها بحميمية، وارتسمت ابتسامة في عينيها وهي تناديه: "عمي."
في تلك الليلة، داخل غرفة ضيّقة، كانت الغيرة تشتعل في عمق عينيه الداكنتين، فقبض بقوةٍ على خصرها النحيل ودفعها إلى زاوية الجدار: "عمي؟ ألستُ خطيبكِ؟"
...
"علاقة عمّ مزيفة، وصاية، ندم ومطاردة بعد الفراق، فارق عمر ثماني سنوات"
غيرة وهوس، تعلّق عنيد، محرَّم، انغماس حتى السقوط.
لا أخشى أعراف الناس، وسأحبك إلى الأبد.
أفتح هذا النقاش بعين شغوفة بالتفاصيل: عندما أفكر في 'كتاب الأغاني' أراه مرآة واسعة لعالم الشعر العربي التقليدي، لكنها مرآة ليست نقية بالكامل.
كمختبر صغير للذاكرة الأدبية، يجمع العمل كم هائل من القصائد والأخبار والشخصيات، ما يجعله مرجعًا لا غنى عنه لمن يريد فهم سياق النصوص والأنساق الاجتماعية والجمالية في العصور القديمة. ومع ذلك، لا أستطيع تجاهل أن مادة الجمعية تمر عبر شفاه ورواة ومصنف واحد كبير، مما يطرح قضايا بشأن النقل والتحريف والانتقاء.
أما عن النقاد فهم يتعاملون معه بمنهج مزدوج: من ناحية يقدرون قيمته التاريخية والأدبية والثقافية، ومن ناحية أخرى يحذرون من اعتباره نصًا موثوقًا حرفيًا دون تمحيص. يعيدون بناء الثنائيات بين ما يمكن التوثيق له وبين ما يظل محاطًا بالأسطورة والسرد المتأخر. في نهاية المطاف، أراه مرجعًا ثريًا ومخادعًا في آن واحد — أستخدمه بحب وحذر، وأحاول دائمًا موازنته بمصادر أخرى قبل أن أستخرج استنتاجًا نهائيًا.
هناك شيء يسحرني في كيف يجد 'الجريمة والعقاب' طرقه إلى خيال القراء العرب ويُعاد قراءته بعناوين معاصرة مختلفة، كأن كل جيل يعيد تفسيره بما يتناسب مع أسئلته وقلقه.
القراء العرب يقرؤون الرواية اليوم بفهم معاصر لكن بطبقات متنوعة: فئة ترى في 'الجريمة والعقاب' قصة أخلاقية نفسية خالصة عن الندم والعقاب، وفئة أخرى تقرأها كقصة عن الفقر والهيمنة الاجتماعية، وفئة ثالثة تقرأها من زاوية سياسية أو فلسفية تتصل بأفكار الثورة والعدالة. وجود هذه القراءات المتوازية يعني أن الفهم المعاصر ليس موحداً بل متعدّد؛ كثيرون يتعاملون مع الشخصية الأساسية وداخلياتها النفسية بوصفها انعكاساً لقضايا اليوم مثل الاحتراق النفسي، الضغوط الاقتصادية، وربما التساؤل عن شرعية العنف في مواجهة الظلم.
تجربة القراءة المعاصرة تتغذى أيضاً على وسائل العصر: نقاشات الكتب على منصات التواصل، البودكاستات، وكتب التقديم أو الشروحات العلمية البسيطة تجعل النص أكثر قرباً للقارئ غير المتخصص. الشباب اليوم، مثلاً، يمكن أن يتعرف على الفكرة العامة أو يربطها بمسلسلات/أفلام أو حتى بأحداث سياسية محلية عبر مقالات قصيرة أو منشورات مُصوّرة، ثم يعودون للرواية بنظرة نقدية أو تفاعلية. وفي المقابل، هناك قراء أكاديميون أو مطبوعات نقدية تقدم قراءات دقيقة تربط بين النص وسياقه التاريخي: روسيا القيصرية، التحولات الفكرية في القرن التاسع عشر، وغنى الخلفية الدينية والأخلاقية لدى دوستويفسكي.
لكن يجب أن نعترف بوجود عثرات: ترجمة النص وفقدان بعض النغمات اللغوية الأصلية قد يبعدان عن الفهم الدقيق، كما أن القراءات القصيرة أو المقتطفات المنتشرة عبر السوشال ميديا قد تشوّه أحياناً الفكرة وتقدّم استنتاجات سطحية. كذلك المدارس والمؤسسات التعليمية أحياناً تُقصر المنهج على تحليل مبسّط يركز على الأحداث دون توظيف الأدوات التاريخية والفلسفية التي تساعد القارئ المعاصر على التأني والفهم العميق. هذه العوائق لا تعني أن الفهم المعاصر غير ممكن؛ بل يعني أنه يحتاج إلى مصاحبة — ترجمة جيدة، مقدّمات تشرح الخلفية، وحوارات تعيد النص إلى نقاشات اليوم بدون إسقاطات جامدة.
أتذكر نقاشاً في نادي قراءة حيث فوجئت بمدى ارتباط أحد الأعضاء بقصة راسكولنيكوف من زاوية معاناة اقتصادية عائلية خفّضت عنه أي حكم سريع، بينما آخر قرأها كتحذير أخلاقي واضح ضد النزوع للتعالي على القانون. هذا التباين يعكس جمال النص: قدرته على احتواء قراءات معاصرة متعددة. وفي النهاية، أؤمن أن القراء العرب يقرأون 'الجريمة والعقاب' بفهم معاصر فعلاً، لكن هذا الفهم يتنوّع ويكتسب عمقَه أكثر عندما يُقترن بقراءة تاريخية ونقدية ومشاركة جماعية تجعل النص حياً في سياق أسئلتنا الراهنة.
أحب أن أبدأ بملاحظة بسيطة: 'كتاب الأغانى' يشبه خزنة قديمة مليئة بقطع متباينة — بعضها لامع، وبعضها صدئ — لكن لا يمكن تجاهل قيمتها.
كمصدر تاريخي، يستخدمه الباحثون لتجميع معطيات عن كلمات الأغاني، أسماء الملحنين والمغنين، وسياق الأداء الاجتماعي في العصور القديمة. كثير من المؤرخين ينقبون في نصوصه لاستخراج رواتب الأُسَر الموسيقية، علاقات الحجاج والمجالس الأدبية، وحتى أوصاف الآلات والطرق التي كان يُغنى بها.
مع ذلك، لا يعتمد الباحثون عليه وحده؛ فالنص في كثير من الأحيان مُحرَّف أو مُجمّع من مصادر شفوية متعددة، ومحرر 'كتاب الأغانى' اختار ما يناسب ذوق عصره. لذلك أراه ورقة قوية في يد الباحث، لكنه يحتاج إلى أدوات تقويم: مقارنة بالمخطوطات الأخرى، التسجيلات الشفهية إن وُجدت، والمصادر النقدية مثل المعالجات الموسيقية القديمة. في النهاية، يُستخدم كمرجع مهم لكن لا كحكم نهائي.
أجد أن علم موازين الشعر يشبه خريطة إيقاعية للأغنية التي أكتبها. أبدأ غالباً بتقسيم الجملة إلى مقاطع لفظية وأجرب كيف تتنفس كل كلمة داخل اللحن، لأن الوزن الكلاسيكي يعطيك قواعد واضحة عن مكان الضغط الصوتي والطول والسكون.
هذا الانضباط لا يقلل من الحرية بل يمنحني إطاراً إبداعياً: أستطيع أن أغشّي القافية أو أغيّر طول المقطع عن قصد لأنني أعرف ما القاعدة التي أخترقتها، وهذا أثره واضح في قدرة المستمع على تذكر العبارة أو الاستجابة لها إيقاعياً.
الشيء الآخر الذي أحبه هو القدرة على دمج تقنيات قديمة مع موسيقى معاصرة — مثل كسر المتر في نهاية سطر لخلق توقع يلتقطه المخرج أو المطرب. في النهاية، الموازين ليست قيوداً بل مخططاً يساعدني على الوصول إلى لحظات أغنية أكثر قوة وطبيعية، وأحب أن أنهي كل مسودة وأنا أعرف بالتحديد أين يتنفس السطر التالي.
أذكر بوضوح محاضرة قديمة قلبت نظرتي للنصوص الكلاسيكية: كانت المحاضرة عن 'كتاب الاغاني' وكيف يُدرّس في الجامعات. غالباً ما لا تُدرّس الجامعة الكتاب كاملاً لأن حجمه ضخم وموسوعي، لكن أقسام الأدب العربي والتاريخ الثقافي تستخدمه كمصدر أساسي لاستخراج القصائد والأحاديث الاجتماعية والمعلومات عن حياة الأغاني والمطربين. في كثير من المقررات يُطْلَب منا قراءة مقتطفات محققة أو مختارات موضوعية تركز على فترات زمنية معينة أو على موضوعات مثل الحب واللغة والموسيقى.
كمتعلّم كنت أُقدر وجود الشروح والتعليقات، لأن اللغة القديمة والقصص الطويلة تحتاج توضيحاً، والنسخ المحققة أو الطبعات المختصرة تساعد الطلبة في فهم السياق التاريخي والأدبي. بعض المواد الجامعية تدمج 'كتاب الاغاني' مع مناهج في علم الموسيقى العربية أو دراسات الأداء، بينما مواد أخرى تستعمله فقط كنص ثانوي لدعم دراسات عن الشعر أو الثقافة. في النهاية، إذا كان المقرر يتطلب قراءة دقيقة أو بحثاً متعمقاً، فغالباً ما يكون الاعتماد على مقتطفات من 'كتاب الاغاني' مع توجيه أكاديمي واضح.
أجد نفسي مشدودًا إلى فكرة أن عشّاق الموسيقى يجمعون طبعات كتب الأغاني النادرة، لأن هناك شيئًا رومانسيًا في البحث عن صفحة مطوية تحمل توقيعًا قديمًا أو هامشًا مكتوبًا بقلم رصاص من حفلة سابقة.
أمتلك مجموعة صغيرة من النوتات وكتيبات الأغاني القديمة، وأستمتع بقصص كل غلاف: من الطباعة المحدودة إلى رسومات الغلاف المتغيرة، وحتى الأخطاء الطباعية التي تجعل القطعة فريدة. بالنسبة لي، هذه الأشياء ليست مجرد ورق؛ هي توثيق لعصر، لطريقة استماع مختلفة، ولحظات شخصية. أحيانًا أجد لحنًا مكتوبًا بخط اليد أو ملاحظة تشير إلى تعديل في الأداء، وتصبح القطعة أكثر قيمة من مجرد طبعة نادرة.
أحب التبادل مع مجموعات أخرى عبر الإنترنت وحضور المزادات الصغيرة، لأن كل عملية اقتناء تمنحني شعورًا بالربط بالماضي وبجماعة من الناس الذين يقدّرون التفاصيل الصغيرة كما أفعل. في النهاية، جمع طبعات كتب الأغاني النادرة بالنسبة لي هو امتداد للشغف بالموسيقى نفسها، وسلوك احتفائي بالثقافة التي صنعت تلك الأغاني.