ANMELDENفي صباح اليوم التالي، كان الضوء الشتوي يتسلل إلى أروقة المشفى من خلف النوافذ الزجاجية الكبيرة، لكنه لم يصل إلى الغرفة رقم (٤).
هناك… النور لم يعد يعني شيئًا. داخل الغرفة، كانت إيزابيلا ممددة بهدوء تحت البطانية البيضاء. وجهها شاحب، وأنفاسها بطيئة لكن منتظمة. الأجهزة من حولها لا تزال تومض وتنبض، لكنها لم تكن مستيقظة تمامًا… ولا نائمة تمامًا. كانت تُبقي عينيها مغمضتين أغلب الوقت، لكن بين الحين والآخر، تفتح جفنيها المرتبكين… ولا ترى شيئًا. في كل مرة تستيقظ، تبدأ التنهيدة، ثم يتبعها ارتباك، ثم نبض متسارع، ثم همسة حائرة: "لماذا… لماذا لا أرى؟" وحين يبدأ نبضها في الارتفاع، ويتغير تنفسها، يتدخل الطبيب أو الممرضة… يُحقن في وريدها القليل من المهدئ، فتغرق مجددًا في سُبات مرّ، ليس فيه أحلام… فقط صمت يشبه الفقد. ميخائيل لم يُغادر. بقي على كرسيه ذاته، ثابتًا كأنه جزء من الحائط. لم يكن يتكلم، لكنه كان يُراقب كل شيء. كل مرة تفتح عينيها، يقف على قدميه، يتقدم خطوة، لكنها لا تراه. تُدير وجهها ناحية صوته حين يناديها… لكن عينيها تبقيان ساكنتين في السواد. في أحد المساءات، همست بصوت منهك: "هل سأبقى… هكذا؟" لم يُجِبها. ولم تسأله مرة أخرى. في اليوم التالي، اليوم الثاني، استفاقت مرة أخرى عند الظهيرة، صوتها كان أوضح، لكن هش: "هل أنت هنا؟" قال بهدوء: "أنا هنا." ردّت، بعد لحظة صمت: "هل… خرجت الشمس اليوم؟" صمت ميخائيل. لم يعرف ماذا يقول. ثم أجاب: "نعم… لكنها لا تشبهكِ." ابتسمت… ابتسامة صغيرة، حزينة، لا يراها أحد. بدأت تتحدث أقل. وإن فعلت، كانت كلماتها بطيئة، محملة بما هو أكثر من الحزن. المهدئات أصبحت أقل تركيزًا. لكن الطبيب حذر: "إن ضغطنا عليها بسرعة… سينهار جهازها العصبي." فأوصى بمسكنات خفيفة، وعدم فتح الحديث عن البصر… إلا حين تكون مستعدة. ميخائيل جلس معها أغلب تلك الساعات. لم يكن يجيد المواساة… لكنه كان يُجيد الحضور. وفي صمته، كانت إيزابيلا تعرف أنه لم يرحل عنها. حتى وإن لم تستطع رؤيته. وفي نهاية اليوم الثاني، وقبل أن تغفو تحت تأثير المهدئ مجددًا، همست: "أنا لا أرى… لكني أعرف أنك هنا." لم يرد. مد يده فقط، ومرر أصابعه على كفها برفق، كأن هذا اللمس هو ما تبقى له ليقول: "أنا لن أذهب… حتى لو رحل النور من عينيكِ." دخل الضوء الفاتر إلى الغرفة من النوافذ العالية، لكنه لم يكن كافيًا ليبدد ظلال اليومين الماضيين… ولا ليمنح إيزابيلا شعورًا بيقين الصباح، فكل ما حولها بقي كما هو: عالم لا يُرى، لكنه يُحس. فتحت عينيها على مهل، لم يكن هناك ألم في الرأس كما في السابق، ولا ذلك الدوار الذي يُلقي بها إلى عمق الفراغ، لكن الظلام بقي… ساكنًا خلف الجفون المفتوحة، كأن الليل استقر في عينيها… بلا قمر. ومع ذلك، حين تنفست ببطء، لم يكن النفس مجروحًا. بل مستقرًا… وكأن شيئًا في قلبها قرر أخيرًا أن لا يقاوم، بل أن يتأقلم. كان هناك صوت خافت في الخلفية، أنفاس منتظمة، وهمسات متقطعة. ثم خطوات تقترب بهدوء من السرير. قالت، بصوتٍ خشن لكنه متماسك: "من هناك؟" ظهر وجه أليخاندرو أولاً، وجهه المرهق الذي ظلّ يبيت في مقعده بجانبها دون أن يغمض له جفن، والعينان المكروبتان اللتان لم تعرفا البكاء، لكن الدموع بلّلت جفنيهما ليلتين كاملتين بصمت. اقترب، ثم قال بصوته الأعمق، بصوت الأب الذي كبر أكثر مما توقّع: "أنا هنا، إيزي… بابا معك." فابتسمت، لم تُبكِ، لم تهتزّ، بل قالت بصوت أقرب إلى الطمأنينة: "كنت أعرف… كنت أشعر بك." ثم، بخفة، وضعت يدها على صدرها: "قلبي لا يخطئكم." خلفه، اقترب فرانسيسكو، الذي بدا أقل صمتًا من والده، لكن أكثر حذرًا في إظهار مشاعره. جلس على طرف السرير، أمسك بيدها الأخرى، وقال بنبرة ناعمة، نادراً ما يستخدمها: "أختي القوية… كُنا نراهن أنكِ ستفتحين عينيك وتُحطمين هذا الألم بضحكة. لكن حتى من دون الرؤية… ما زلتِ تشرقين." ضحكت، ضحكة قصيرة… لكنها حقيقية. ثم همست: "لا أعدكم بالضحك بعد، لكنني أعدكم أن أبدأ من جديد." وما إن أنهت كلماتها، حتى دخلت ماريسا، خالتها، التي وصلت فجرًا من مدريد، عيناها محمرتان، والكحل الذي وُضع على عجل كان قد اختلط ببقايا دموعها. حين رأتها مستلقية، مربوطة بالأجهزة، وعيناها مفتوحتان دون أن تُدير نظراتها لأي شيء، انكسر ما بقي من تماسكها. ركضت إليها، ثم جلست بجانبها، وأمسكت وجهها بكلتا يديها، وقالت من بين شهقاتها: "إيزابيلا… قلبي… صغيرتي… كنت سأفقد عقلي حين علمت… لماذا لم تأخذيني معكِ؟" إيزابيلا ابتسمت، رفعت يدها بصعوبة، ولمست خد خالتها: "لأنني لم أكن أعرف أنني سأُسقط." بكت ماريسا، وهي تضمها من جانب السرير، كأنها تُعوض سنوات من الحنان في لمسة واحدة. ساد الغرفة صمت ناعم، ليس ثقيلاً كالسابق، بل صمتٌ يُشبه لحظة صلاة في كنيسة خاوية، حيث لا يُقال شيء… لكن كل القلوب تُصلّي. في الزاوية، وقف الطبيب، يُراقب العلامات الحيوية على الشاشة، ثم تمتم لنفسه: "إنها تتقدم… وبقوة نادرة." ثم استدار ليتركهم، وهم لا يزالون محيطين بها، يدفئون عالمها الذي لا ترى، لكنها تبدأ، للمرة الأولى، في التعايش معه… لا مقاومته. قالت بهدوء، وهي تستقر على الوسادة: "لا أرى الضوء… لكنني أشعر بكم. وذلك يكفيني… حتى أتعلم العيش من جديد." في رواق المستشفى الصامت، خارج غرفة العناية، وقف ميخائيل يُحدّق في اللافتة البيضاء المعلقة على باب الغرفة، كأنه يبحث فيها عن معنى لا يُكتب، أو مخرج لا يُرسم. بعد لحظات، انضم إليه أليخاندرو، وقف بجانبه بصمت، لا شيء قيل بينهما، لكن كلاهما كان يُفكّر في نفس المرأة، وفي نفس السؤال: "هل سترى من جديد؟" ثم ظهر الطبيب، ملامحه هادئة، ملفٌ صغير بين يديه، وملابسه ما تزال تحمل رائحة غرفة العمليات، وكأن الليل الطويل لم يُغادره بعد. نظر إلى الرجلين، ثم أومأ بخفة: "لنتحدث هنا، على انفراد." دخلوا إلى غرفة صغيرة مجاورة، ذات إضاءة دافئة، وطاولة مستطيلة في المنتصف. جلس الطبيب أولاً، وفتح الملف. رفع نظره إليهما، ثم قال، بصوته المعتدل: "أعلم أنكما تنتظران إجابة واحدة فقط… هل ستستعيد بصرها؟" صمت قصير مرّ كالسيف، ثم أكمل: "الجواب الصادق هو: نعم… هناك احتمال كبير. لكن…" رفع إصبعه: "ليس الآن، ولا بسرعة." تحرك أليخاندرو في مقعده، وهمس: "ما الذي حدث تحديدًا؟ أريد أن أفهم." أومأ الطبيب بفهم، ثم قال بتأنٍ: "عندما سقطت، ارتطم مؤخر رأسها بحافة الدرَج، مما سبب نزيفًا دماغيًا موضعيًا في الجزء الخلفي من الدماغ، وتحديدًا في منطقة تُعرف باسم الفص القذالي، وهي مسؤولة عن تفسير الإشارات البصرية التي تصل من العينين إلى الدماغ." أغمض ميخائيل عينيه للحظة، كأنه يترجم الكلمات إلى صورة جسدها ممددًا على السلالم. أكمل الطبيب: "العينان سليمتان تشريحيًا، لكن الدماغ لا يُفسر الصورة. كأنك ترى… لكن دون أن 'تفهم' أنك ترى. الضوء لا يصل كمعلومة مفهومة." سأل ميخائيل، بصوت منخفض لكنه حاد: "هل يمكن أن يتغير ذلك؟" أومأ الطبيب: "في معظم الحالات، نعم. مع الراحة الكاملة، وجلسات تأهيل عصبي تُركّز على إعادة تنشيط المسارات البصرية، قد تبدأ الاستجابة في الظهور تدريجيًا. أحيانًا تبدأ ببقع ضوء… أحيانًا بتمييز حركة… وفي أفضل السيناريوهات، يعود البصر كليًا." سأل أليخاندرو، وصوته لا يخفي رجاء الأب: "كم من الوقت؟" رد الطبيب بعد تفكير: "قد تستغرق أسابيع… وربما شهور. الأمر يتوقف على استجابتها، وعوامل فردية كثيرة. لكن ما أراه حتى الآن مطمئن." ثم تنهد، وأردف: "إيزابيلا قوية. وقدرتها على الإدراك، والحديث، والتفاعل، تعني أن أجزاء الدماغ الجوهرية ما تزال سليمة. وذلك… يجعلنا نؤمن بالاستعادة، لا الاستسلام." ساد صمت عميق بعد كلماته. لكن الصمت هذه المرة… لم يكن خوفًا، بل ارتباك أمل. أليخاندرو أومأ، ثم قال بهدوء: "شكرًا، دكتور." أما ميخائيل، فلم يقل شيئًا. لكنه وقف. اقترب من النافذة، ووضع يده على الزجاج البارد. ونظر إلى السماء الرمادية، وهمس لنفسه دون أن يسمعه أحد: "أسبوع… شهر… سنة… سأنتظر، سنيجكا. سأنتظر حتى تعودي إليّ بعينيكِ… أو أتعلم كيف أريك العالم دون أن تريه." خرج ميخائيل من غرفة الطبيب أولًا، وجهه جامد كلوحة من الفولاذ، لكنه بدا كما لو كان يُقاتل شيئًا ثقيلًا في داخله… لا غضبًا هذه المرة، بل خوفًا خافتًا، لا يريد الاعتراف به. تبعه أليخاندرو، بخطوات أقل اندفاعًا، لكن بعينين تحملان قرارًا اتُّخذ منذ اللحظة التي سمع فيها جملة: "قد تستغرق شهورًا." حين وصلا إلى الممر الطويل، وقف الأب، ونادى ميخائيل بصوت منخفض لكنه حازم: "علينا أن نتحدث، وحدنا." استدار ميخائيل نحوه ببطء، لم يكن في ملامحه امتعاض، بل شيء آخر… شيء يشبه الحذر. قال أليخاندرو، وهو يتوقف تحت ضوءٍ أبيض ساطع: "سوف آخذ ابنتي. سنعود إلى مدريد، وسأُشرف بنفسي على علاجها." ميخائيل لم يتفاجأ. لكنه لم يتراجع أيضًا. أجاب، بصوت خالٍ من الانفعال، لكنه مشدود: "لا ..... ثم أنت تعرف أنها لن توافق." هزّ أليخاندرو رأسه ببطء، وتقدم خطوة: "لقد بقيت… لأنك طلبت منها ذلك. لأنها كانت تحاول أن تُثبت شيئًا لنفسها. لكنك فشلت في حمايتها، ميخائيل." أغمض ميخائيل عينيه للحظة، كأن الكلمات ضربت موضعًا لم يلتئم. قال بصوت أبطأ: "ما حدث كان خيانة من الداخل… لم أتوقعها." اقترب أليخاندرو أكثر، وقال بنبرة أشد: "هذا لا يُغير شيئًا. النتيجة واحدة: هي ترقد الآن في فراش أبيض، بعينين مفتوحتين… لا تريان. ولو بقيت هنا أكثر، ربما لن يُشفى شيء فيها." توتر الممر. الهواء صار ثقيلاً، والعيون القليلة التي مرّت به، بدأت تُبطئ خطواتها… كأنهم يشهدون شيئًا لا يجب أن يُقال علنًا. رفع ميخائيل حاجبه، وقال ببطء: "سأفعل ما بوسعي لأستعيدها، لكن ليس بأن أدفعها بعيدًا. أنت تُخفيها لأنك خائف، وأنا أفهم ذلك، لكن لا تستخدم خوفك لتفصلها عن حياتها الجديدة." وهنا… ارتفع صوت أليخاندرو لأول مرة: "حياتها الجديدة؟ أي حياة؟ في بيت تُدفع فيه من أعلى السلالم؟ في قصر تُغلق فيه الحقيقة وتُفتح الجراح؟" قبل أن يرد ميخائيل، جاءت ناديا. وقفت بينهما فجأة، وجهها هادئ كعادتها، لكن عينيها مليئتان بالشجن. قالت بنبرة لا تحتمل النقاش: "يكفي. هذا ممر مشفى، لا ساحة معركة." ثم التفتت إلى ميخائيل، وأمسكت بذراعه بلطف، وسحبته بهدوء بعيدًا عن نظرات الجميع، إلى زاوية جانبية قرب نافذة. هناك، وقفت مقابله، ورفعت عينيها نحوه: "ميخائيل، حبيبي…" صوته خرج خافتًا: "لا تأخذوا مني إيزابيلا، ناديا." قالت بهدوء، وحنان أمومة يقطر من صوتها: "نحن لا نأخذها منك… نحن فقط نحاول أن نُبقي ما تبقى منها على قيد الحياة." سكت، لكنه لم يُبعد عينيه. تابعت: "داريا فعلت ما فعلت. وهذا وحده جريمة… لكنك تعلم، كما أعلم، أن بقاؤها هنا الآن… بين الجدران التي شهدت سقوطها، قد يُبقي جسدها… ويقتل روحها." همست بعدها، أقرب من أذنه: "أحيانًا، حماية من نحبّ… تعني أن نتركهم يبتعدون." تجمد شيء في ملامح ميخائيل. حلقه ضاق. صدره ارتفع بانفعال مكبوت، لكنه لم يتكلم. ناديا ربتت على ذراعه، وقالت: "أليخاندرو ليس عدوك، ميخائيل. هو أب… وأنت تعرف معنى ذلك أكثر من أي أحد." ثم ابتعدت عنه بخفة، وكأنها سلمته القرار، وتركت أمامه فقط خيارين: أن يُمسك بها… أو يُمسك بألمها. وكان عليه أن يختار. كانت الغرفة مغمورة بصمتٍ دافئ، الضوء خافت، رائحة الكحول الطبي متداخلة مع عبق اللافندر الذي وضعته ماريسا في وعاء صغير قرب النافذة، علّه يُخفف عن إيزابيلا وطأة الألم الذي لا يُلمس. ماريسا جلست إلى جانب السرير، تمسك يد إيزابيلا وتقرأ لها بصوت ناعم من كتاب صغير أحضرته من أسبانيا، صفحة بعد صفحة، تحاول أن تُبقي عقل ابنة أختها بعيدًا عن فكرة الظلام الذي لا يُبدد. إيزابيلا كانت تستمع… لكن عقلها لم يكن تمامًا هنا، كان مكانًا آخر، لا اسم له، مكانًا بين الرفض والقبول. ثم… انفتح الباب بهدوء. دون أن تُخطئ خطواته، عرفته. توقف القراءة، واستدارت ماريسا، وابتسمت بامتنانٍ عميق دون أن تقول شيئًا. أومأ لها، ونظر إلى إيزابيلا التي لم تلتفت، لكن ظهر في وجهها ذلك التوتر الخفيف… الذي لا يُخطئه. قال بهدوء، صوته أجشّ: "ماريسا، هل يمكن أن تتركينا قليلًا؟" نظرت إلى إيزابيلا، ثم أومأت الأخيرة بخفة، دون كلمات. ابتعدت ماريسا، خطواتها صامتة كصلاتها، ثم أغلق الباب. وقف ميخائيل للحظة دون أن يتحرك. عيناه على السرير، على جسدها المُنهك، وعلى الضمادة الملفوفة حول رأسها كتاج مكسور. ثم بدأ يتحرك. خلع جاكيت البذلة أولًا، وطواه ببطء ووضعه على الكرسي القريب، ثم فكّ الزرّ الأول من قميصه… ثم الثاني، وكأن جلده يضيق به، ثم جلس على طرف السرير، وأخذ في خلع حذائه ببطء ……صوت الجلد وهو يُسحب من قدمه بدا صاخبًا في الصمت. شعرت إيزابيلا به، بصوت ثيابه، بحركته، بأنفاسه التي تعرفها دون أن تراها. لم تسأل… لكن حين تحرك ببطء ليصعد إلى جوارها، تحسّست مكانه، وابتعدت قليلًا، لتفسح له مجالًا. صعد ميخائيل، بجسده الثقيل، بصدره المتعب، واستلقى على ظهره أولًا، ثم لفّ ذراعه حولها، وسحبها إليه… بلا كلمة. رأسها استقر على صدره، وصدره استقر على تنهيدة طويلة، كأن كل شيءٍ فيه قد كان ينتظر هذا… أن يلمسها. أن يتأكد أنها موجودة. أنها ما زالت تنبض. لم تتكلم، ولم يتكلم. يدها بقيت ساكنة على صدره، وأذنه تسمع نبضات قلبها… متعثرة… لكنها هناك. أغمض عينيه، وشهق بهدوء، كأنّه أخيرًا استطاع أن يتنفس دون ألم. وفي الظلام الذي يلفّها، همست هي، بعد وقتٍ طويل: "أستطيع أن أشعر بك، حتى إن لم أرك." لم يرد، لكنه ضمّها إليه أكثر، وكأن الجواب الوحيد الممكن كان: "وأنا… لا أحتاج نور عينيك، لأعرف أنكِ ما زلتِ قلبي." كانت الغرفة هادئة، والجسد في حضنه لا يزال خفيفًا، لكن ثقله العاطفي يزداد كل دقيقة، كأن حضنها أصبح المسؤول عن طمأنينته… لا العكس. ظلّا على حالهما دقائق، هو يمسح على شعرها بلطف، وهي تستمع لصوته الداخلي ينبض في صدره. ثم، همست… بصوت ناعم كأنها لا تريد أن تكسر لحظة الراحة: "ميخائيل؟" ردّ بخفوت، وهو ينزل رأسه قليلًا نحوها: "أنا هنا." سكتت لوهلة، ثم قالت، والبطء في كلامها لم يكن ترددًا، بل حذرًا من الإجابة التي تعرف أنها لن تكون خفيفة: "لم أسمع صوت داريا… منذ يومين. هل… هي بخير؟" شعر ميخائيل بانقباضٍ مفاجئ في صدره، كأن السؤال جاء ليختبره من حيث لا يحتسب، لم يكن يريد أن يبدأ من هنا… لكنها سألته. وهي من حقها أن تعرف. لم يُجِب فورًا. بل أخذ شهيقًا بطيئًا، ثم شدّ ذراعه حولها قليلًا، كأنه أراد أن يشعرها بالأمان قبل أن يفتح الجرح. قال، بصوتٍ خافت، خالٍ من الانفعال: "داريا… لم تعد هنا." رفّت أهداب إيزابيلا. لم تكن الصدمة في الصوت، بل في عمق الجملة. همست: "لم تعد… كيف؟" أجاب وهو يُحدّق بالسقف، كما لو أن السقف يحمل شيئًا لن يبوح به: "أبعدتُها… بنفسي." ارتفعت أنفاسها قليلًا، لكنها لم تتحرك. ببساطة الطفلة التي تريد الحقيقة لا الشفقة: " كانت هي… من دفعتني؟" هذه المرة، لم يتكلم. لكن الذراع التي حولها، شدّت بقوة أكبر، وكأن اعترافه لم يخرج بالكلام… بل بالحماية. قال بصوت أقرب إلى الهمس: "كانت تراكِ تهديدًا… منذ البداية." ثم أضاف، بعد وقفة ثقيلة: "أنا من كان أعمى… لا أنتِ." وضعت إيزابيلا يدها على صدره، كأنها تهدئه هو هذه المرة، ولم تتكلم لثوانٍ، ثم قالت ببطء: "هل… فعلتَ بها شيئًا؟" قال دون تردد، لكن بصراحة لا تتنكر: "كنتُ على وشك. ثم تذكرت… أنها أمانة رجل مات، وأنا لا أُكمل الخيانة… بخيانة أخرى." ابتسمت… لكنها لم تكن ابتسامة فرح، بل تلك الابتسامة المرّة التي لا تحمل سوى: "ما عدتُ أندهش من الألم." ثم همست، بصوت أقرب للداخل من الخارج: "أنا لا أكرهها، لكنني… لا أسامحها بعد." قال، وهو يشدّها إليه مجددًا: "لا أحد يطلب منكِ ذلك. لكن فقط… لا تسمحي لها أن تأخذ منكِ أكثر مما أخذت." سكتا. لم يكن هناك ما يُقال بعدها. هو احتضنها. وهي، رغم الظلام في عينيها… شعرت أنها ترى أكثر مما ترى العيون. استقرت إيزابيلا بين ذراعيه، لكنها لم تنم. كان جسدها ساكنًا، بينما عقلها يتقلب في الظلام الذي لم يعد فقط في عينيها، بل بدأ يتسلل إلى أفكارها. شعرت بتغير طفيف في وتيرة تنفسه، كأن شيئًا ما يُثقل صدره، كلمات تريد أن تخرج… لكنها تتردد، فتساءلت، بصوت خافت: "هناك شيء تخفيه، ميخائيل." صمت… لم يُجِب. همست من جديد، وهي تُميل وجهها قليلاً باتجاهه: "قل لي… لا أحب أن أسمع الحقيقة من الآخرين." أخذ نفسًا عميقًا، وأبعد ذراعه ببطء ليفسح لها المجال كي تجلس، ففعلت، ببطء، استندت إلى الوسادة، وجهها لا يزال بلا بوصلة، لكنها كانت تواجهه. قال بصوت منخفض: "والدك… يريد أن يأخذك معه. إلى إسبانيا." رفّت أهدابها، لكن لم تظهر ملامح صدمة، بل تساؤل، بسيط… لكنه ثقيل: "وأنت؟ هل… تريد ذلك؟ هل تريد أن تُبعدني؟" كأنها طعنت قلبه بالسؤال، لكن ملامحه لم تتغير. اقترب منها قليلًا، ثم جلس على حافة السرير، أمامها مباشرة، وقال بهدوء، وعيناه على يديها: "ليس الأمر أنني أريد أن أُبعدك… لكنني أريد أن تتلقي العناية التي تستحقينها." همست: "وهل لن أجدها هنا؟ معك؟" أجاب بصوت أكثر ثباتًا: "هنا… أنتِ وحدكِ. عائلتكِ هناك. ماريسا، فرانسيسكو، والدك… كلهم يمكن أن يحيطوكِ بكل ما فقدته الآن من إحساس." سكتت. لحظة ثقيلة مرّت. ثم قالت بنبرة لم تُخفِ جرحها: "أتظن أنني لا أشعر بالوحدة هنا؟ لكنها لم تكن قاسية… ما دمتَ بجانبي." مدّ يده، أمسك بكفها، وهمس: "أنا لا أريد أن أترككِ… لكنني إن أبقيتكِ، قد أكون أنانيًّا." تحسست وجهه بيدها، بحثت عن عينيه في العتمة… ثم قالت بنبرة مكسورة لكنها قوية: "أريد أن أكون حيث أشعر أنني لم أُهمل… وحيث أعرف أنني لست عبئًا… إن كنت ترى أنني عبء، فأعدني." أمسك يدها بقوة أكبر، وهمس، نبرة صوته تغيّرت: "عبء؟ سنيجكا… لقد حملتُ جثثًا لا تحصى. دمًا كثيرًا، ثقلًا من الذكريات. لكنّكِ… الوحيدة التي، حين أضمها، أشعر أنني خفيف." جفناها ارتجفا، لم تبكِ… لكنها خفضت رأسها. ثم، بصوت متردد: "هل سترحل معي؟" صمت. ثم، بعد وقت بدا أطول من اللازم، قال: "لا أعلم." تنهيدة انطلقت من صدرها، لم تكن غضبًا… بل استسلامًا مؤلمًا. همست: "لا ترحل عني… حتى لو لم ترحل معي." لم يجد ما يقول. فقط، ضمّ كفها إلى فمه، وطبع قبلة طويلة… كأنها وعد مؤجل، أو اعتذار لم يُصَغ بعد. ـ كان الصباح هادئًا. ضوء رمادي ناعم دخل من النافذة الكبيرة، يمرّ عبر الستائر البيضاء الشفافة، وينتشر على أرضية الغرفة كضباب ناعم، لكنه لا يصل إلى عينيها… لا يُبدد ظلامها. إيزابيلا فتحت عينيها ببطء، لا بسبب الألم، بل لأنها لم تعد تتوقع شيئًا من العالم حين تنظر إليه. الظلام ذاته… لكن داخليًا، كانت أكثر ثباتًا من صباح الأمس. تحركت يدها بخفة تبحث عن شيء، عن دفء بجوارها. وحين لم تجده، استقرّت على الوسادة الباردة بجانبها، وشهقت نفسًا صغيرًا… كأنها خسرت شيئًا، قبل أن تبدأ اليوم. لكن الباب فُتح بعد لحظات. دلف ميخائيل، بخطاه الثقيلة كعادته، يحمل بين يديه كوبًا من الشاي، وورقة صغيرة مطوية بعناية. اقترب منها، وضع الكوب على الطاولة، ثم جلس إلى جانبها على الكرسي الخشبي المعتاد. قال بهدوء: "استيقظتِ مبكرًا." ابتسمت برقة، ثم قالت: "أنا لا أرى الوقت… لكني أشعر أن الشمس خجولة اليوم." مدّت يدها نحوه، فأمسكها دون تردد. ثم جلس صامتًا لثوانٍ، قبل أن يقول: "فرانسيسكو وماريسا… يستعدان. الطائرة ستكون جاهزة بعد الظهر." توقفت أنفاسها لوهلة، ثم أومأت بخفة. همست: "وأنت؟" لم يُجب مباشرة. ثم، أخيرًا، قال: "سأكون هناك… في المطار." نبرة صوته لم تكن حاسمة، لكنها لم تكن هاربة أيضًا. همست: "هل هذا وداع؟" قال: "هذا… اختيار." بقيت يده في يدها. لم يتركها. وكأنه يقول لها: "إن ابتعد جسدي، فروحي ستبقى عالقة بكِ." ثم، مدّ الورقة الصغيرة ووضعها في راحة يدها. قال: "رسالة .... لأنني لم أجد الكلمات." أمسكتها، تحسست الورق، وقربتها من صدرها… دون أن تفتحها. همست: "إن كانت منك… فأنا أعرف ما فيها، حتى وإن لم أقرأ." نظر إليها طويلًا، وفي عينيه ظلّ ارتجاف، ثم وقف. قال، قبل أن يغادر: "سآتي لاحقًا… أساعدك في الاستعداد." هزّت رأسها، وصمتت. وحين خرج… عادت تضع يدها على الوسادة الباردة بجانبها، وتركت الرسالة على صدرها، كأنها تحفظ آخر ما بقي له فيها. كان الضوء قد ازداد دفئًا في الغرفة، ومع اقتراب موعد الظهيرة، بدأت أصوات الحياة تتسلل من ممرات المستشفى: عربات تمر، أبواب تُفتح وتُغلق، وخطوات طبية هادئة في الخلفية. لكن داخل غرفة إيزابيلا، كان الزمن يمشي ببطء… وكأن كل ما فيها يُصر على ألا يرحل. جلست إيزابيلا على حافة السرير، ساعدت نفسها على الجلوس ببطء، يدها تتحسس الحافة، وعيناها مفتوحتان على ذلك الفراغ الثابت… الفراغ الذي لا يتغير. سمعت صوت الباب يُفتح. ماريسا دخلت، بملامح هادئة… وإن كانت عيناها لم تنجُ تمامًا من الاحمرار. كانت تحمل صندوقًا صغيرًا بين يديها، مزيّن بالزهور… يبدو كعلبة مجوهرات، أو مستحضرات عناية. قالت وهي تقترب: "هل أنتِ مستعدة، صغيرتي؟" ابتسمت إيزابيلا برقة: "إن كان الشكل يهم في السفر… فأنا أحتاجكِ." ضحكت ماريسا، جلست إلى جانبها، وفتحت العلبة، وهمست: "الشكل لا يهم… لكن الشعور بأننا لا زلنا نحن؟ ذلك يهم أكثر." أخذت تمشط شعرها برقة، كل خصلة تمشي عليها كأنها تستعيد ذاكرة الطفولة، وأثناء تمرير المشط، كانت تتحدث بصوت ناعم: "كنتِ تكرهين أن أصفف شعركِ في طفولتكِ. كل مرة كنتِ تصرخين وتقولين: خالتي، هذا تعذيب." ضحكت إيزابيلا، ضحكة خافتة… لكنها حقيقية: "ولا زلتُ أرى ذلك… لكن الآن، لا أرى المشط." توقفت ماريسا للحظة، ثم قبلت رأسها برقة. بعد دقائق، كانت تُعد لها فستانًا أنيقًا من الحرير الكريمي الناعم، تساعدها في ارتدائه، وتعدّل الياقة والكمّ بثقة أمّ تهتم بتفاصيل العناية. حين انتهت، رفعت ماريسا شعرها وضمّته بدبوس بسيط مزيّن بحجر عقيق صغير. قالت بهدوء: "جميلة… بطريقتك، دائمًا." ثم… دُق الباب بخفة. لم يكن طارقًا، بل حضورًا معروفًا. دخل ميخائيل، يداه في جيبه البنطال، ونظر إلى الاثنتين بنظرة فيها شيء من الغرور المحبب. قال بصوته العميق: "هل تحتاجان مساعدة؟" ماريسا رفعت حاجبها، ثم ابتسمت بخفة… نظرت إليه كما تنظر خالة إلى شاب يظن نفسه مستعدًا لمهام لا يجيدها. اقتربت منه، وضمّت ذراعيها، وقالت بسخرية لاذعة ولطيفة: "هل تعرف كيف يُثبّت دبوس شعر، ميخائيل؟ أو كيف يُربط سحاب دون أن يُعلّق في القماش؟" رفع حاجبه بهدوء: "أتعلم كل شيء… إن كان من أجلها." ماريسا ضحكت، ثم نظرت إلى إيزابيلا، وقالت: "إنه عنيد… مثلنا." استأذنت بعد لحظة: "سأترككما قليلاً. سأجهز الأوراق مع والدك." خرجت، والباب أُغلق من خلفها بهدوء، ليترك لهما لحظة هادئة… قبل أن تبدأ الرحلة القادمة. اقترب ميخائيل ببطء، جلس أمامها على الركبة، ثم أمسك يدها بين راحتيه، وهمس: "هل أنتِ جاهزة؟" أجابت، بصوت أقوى من أمس، وإن كان حزينًا: "لست جاهزة… لكنني لا أريد أن أبقى عالقة." فردّ، وهو يُقبل يدها: "لن تكوني وحدكِ. حتى من بعيد… سأكون خلفكِ." كانت كرسي المستشفى تتحرك ببطء بين ردهات المطار الخاص، أصوات العجلات الناعمة تحتها تتناغم مع خطوات ميخائيل وماريسا وفرانسيسكو والطاقم الطبي المرافق. إيزابيلا كانت تجلس على الكرسي المتحرك، رأسها مرفوع، ملامحها هادئة… لكن عينيها، رغم انفتاحهما، كانتا خاليتين من الضوء. تستمع… لا تنظر. تشعر… لا ترى. خلفها كان والدها أليخاندرو ينتظر عند السلم الصغير الموصل للطائرة، وجهه أكثر صلابة مما كان في الأيام الماضية، لكن ذراعه المرتخية خلف ظهره كانت تهتز قليلًا… كأنها تحمل ما لا تستطيع أن تحكيه الشفاه. وقفت العربة. اقترب منها ميخائيل بهدوء. ثم انحنى قليلًا أمامها، وقال بصوته العميق: "الرحلة قصيرة." ردّت بابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى شفتيها: "لكن الغياب… طويل." أراد أن يقول شيئًا، أن يُقنعها بالبقاء، أو يعدها باللحاق…ولكنه لم يفعل. كل ما فعله، أنه أخذ يدها، ووضعها على صدره. قال بهدوء: "هذا المكان… سيبقى لكِ، حتى لو نسيتِ الطريق." سكنت يده في يدها، وللحظة، شعرت بنبضه، كأنه يُودّعها بخفقاته لا بكلماته. جاء أحد المساعدين، وبدأ برفع الكرسي المتحرك على منصة الصعود. قبل أن تصعد، قالت بصوت ثابت: "لا تكره داريا… حتى إن كرهتها عينيّ." لم يرد. لكنها شعرت بأنفاسه تتقطع للحظة، ثم تنفّس ببطء… كأنها سامحته على صمته. صعدت. وكانت ماريسا خلفها، تمسك بحقيبة صغيرة، وفرانسيسكو يسبقهم، وأليخاندرو عند قمة السلم، ينظر نحو ميخائيل نظرة طويلة… ثم أومأ له بخفة. لا شكر، لا لوم. مجرد إقرار: "أنت لم تكن سيئًا، لكنك لم تقدر على الاحتفاظ بها." ظلّ ميخائيل واقفًا، حتى أُغلق باب الطائرة. لم يرمش. لم يتحرك. وحين بدأت الطائرة في التقدم على المدرج، مدّ يده إلى معصمه، حيث كانت سوارها القديم – قطعة جلد صغيرة، أعطته إياها ذات مساء، وقال: هذا تافه. فقالت: لكنه يربطنا. شدّ عليه بقوة، ثم همس: "إيزابيلا… عودي حين تعرفين أنكِ لم تذهبي من قلبك." وفي السماء، كان جناح الطائرة يشق الهواء… وفي الأرض، كان قلبه ينهار ببطء… لكن في صمتٍ لا يُسمع. *. *. *. *. *. المدينة كانت غارقة في المطر. من نافذة الطابق العلوي لمبنى قديم في قلب موسكو، كانت داريا تقف بثبات، تُحدّق عبر الزجاج المغبّش بالمطر… لكن نظراتها لا تبحث عن شيء في الخارج. كانت فقط تراقب نفسها منعكسة على الزجاج، كأنها تحاول أن ترى ما بقي منها. شعرها مبلل، من دون تصفيف، ووجهها بلا مساحيق. لكن عينيها… عينيها ما زالتا كما هما: شعلتين لا تنطفئان. فوق الطاولة، كانت هناك مجلات قديمة، صورة لميخائيل ممزقة من مقابلة صحفية، ورسم كروكي لخريطة أحد الممرات في قصر العائلة. بجانبها، هاتف محمول جديد، وخريطة ورقية لموقع عيادة في مدريد… عليها دائرة خفيفة بالحبر الأحمر. جلست ببطء على المقعد الخشبي، وسحبت معطفها من على الأريكة القديمة، ثم فتحت دفترًا صغيرًا من الجلد الأسود. صفحة بيضاء، لكنها بدأت تكتب بقلم حبرٍ دقيق: ــ "إيزابيلا... لقد أخذوكِ بعيدًا. وها أنتِ بين أهلك، ضعيفة، بين أذرع تُحبك وتُعميك أكثر… بينما هنا، أنا أستعيد نفسي. كل شيء ضاع، وأنا من يدفع الثمن…؟ لا. ستدفعينه أنتِ. لأن الحب الذي سُلب مني… لن يكون سلامك." أغلقت الدفتر، ووقفت ببطء، ثم ارتدت معطفها الثقيل. مرّت يدها فوق جيبٍ داخلي حيث كانت تخفي صورة قديمة تجمعها بميخائيل، حين كانت في الخامسة عشرة. هو لم يكن ينظر إليها في الصورة… لكنها كانت تنظر إليه وكأن العالم كلّه كان يتجمع في ملامحه. همست: "أقسمتُ لك، بابا… أنني لن أتوه. لكن أحدهم… سرق طريقي." ثم التفتت نحو الحقيبة السوداء الملقاة قرب الباب، وفتحتها. داخلها أوراق، جواز سفر، وبعض المال… وبطاقة طيران… إلى مدريد نظرت إليها بصمت، ثم ابتسمت. ابتسامة… ليست حزنًا، ولا فرحًا… بل وعدًا. "لقد أخذوها بعيدًا… لكنهم وضعوها في متناول يدي." أغلقت الحقيبة، ثم أطفأت الأنوار، وغادرت الشقة… والمطر خلفها، كان يُغطي آثار خطواتها… لكن لا أحد سيقدر على أن يُوقف أثر نيتها.في صباح اليوم التالي، كان الضوء الشتوي يتسلل إلى أروقة المشفى من خلف النوافذ الزجاجية الكبيرة، لكنه لم يصل إلى الغرفة رقم (٤).هناك… النور لم يعد يعني شيئًا.داخل الغرفة، كانت إيزابيلا ممددة بهدوء تحت البطانية البيضاء.وجهها شاحب، وأنفاسها بطيئة لكن منتظمة.الأجهزة من حولها لا تزال تومض وتنبض، لكنها لم تكن مستيقظة تمامًا… ولا نائمة تمامًا.كانت تُبقي عينيها مغمضتين أغلب الوقت، لكن بين الحين والآخر، تفتح جفنيها المرتبكين… ولا ترى شيئًا.في كل مرة تستيقظ، تبدأ التنهيدة، ثم يتبعها ارتباك، ثم نبض متسارع، ثم همسة حائرة:"لماذا… لماذا لا أرى؟"وحين يبدأ نبضها في الارتفاع، ويتغير تنفسها، يتدخل الطبيب أو الممرضة… يُحقن في وريدها القليل من المهدئ،فتغرق مجددًا في سُبات مرّ، ليس فيه أحلام… فقط صمت يشبه الفقد.ميخائيل لم يُغادر. بقي على كرسيه ذاته، ثابتًا كأنه جزء من الحائط. لم يكن يتكلم، لكنه كان يُراقب كل شيء.كل مرة تفتح عينيها، يقف على قدميه، يتقدم خطوة، لكنها لا تراه.تُدير وجهها ناحية صوته حين يناديها… لكن عينيها تبقيان ساكنتين في السواد.في أحد المساءات، همست بصوت منهك:"هل سأبقى… هكذا؟"
مرّت أكثر من ساعتين منذ دخولها غرفة العمليات، ولم ينطق أحد بكلمة طوال ذلك الوقت.حتى داريا، التي كانت دائمًا الأسرع إلى الحديث، بقيت حبيسة مقعدها، لا تتحرك، لا ترفع وجهها، ولا تُجيب على نظرات صوفيا التي لم تعد تدري أين تضع قلقها.ميخائيل، بعيد عن الجميع، جلس ساكنًا.جسده أماميًا، راحته على ذقنه، لكنه لم يرَ شيئًا.كأنه ينتظر خروج الطبيب لا ليستمع… بل ليقرر إن كانت الحياة ستمنحه فرصة ثانية، أم ستسلبه إياها… قبل أن يعرف ما تعني تمامًا.ثم فُتح الباب.خرج الطبيب، في معطفه الأبيض المُلطخ ببقع معقّمات وماء، وجهه مرهق… لكن هادئ، كمن يُجيد التحدث عند حافة الموت.نهض ميخائيل فورًا، وتقدمت ناديا خلفه، أما داريا فظلت في مكانها، تجمدت.قال الطبيب، بصوت هادئ لكنه مُحمّل بثقل:"الإصابة كانت على مستوى مؤخرة الرأس. الارتطام أحدث نزيفًا دماغيًا متوسّطًا في الفص القذالي الأيسر… وهو قريب من المنطقة المسؤولة عن المعالجة البصرية والتخزين الحسي المرتبط بالذاكرة."سكت الطبيب لثوانٍ، ثم أردف بنبرة جادة:"تمكّنا من وقف النزيف جراحيًا، لكن لا يمكننا تقييم مدى الضرر حتى تستيقظ. الورم الطفيف الذي أحدثه النزيف ق
كان ضوء الفجر الرمادي يتسلل عبر الستائر الثقيلة، ينتشر بخجل فوق الجدران الحجرية، ويغمر أطراف السرير الضخم بدفء خافت.إيزابيلا استيقظت أولاً.كانت على جانبها، ظهرها إلى صدر ميخائيل، وذراعه ملتفة حول خصرها، ثقيلة… لكنها لا تُقيدها. بل تُطمئن.تنفست ببطء.أغمضت عينيها مجددًا للحظة، ثم فتحتها بهدوء.تحركت قليلاً، ليس لتبتعد، بل لتُعيد جسدها إلى موضع أكثر قربًا منه… كأنها تبحث عن توازن دقيق داخل حضنه.لم تقل شيئًا. ولم توقظه.فقط استمتعت بثقل ذراعه، ورائحة جلده، ونبضه المنتظم خلف ظهرها.ثم، دون أن تخطط، مدّت يدها وغطّت بها يده المستقرة عند بطنها.أصابعها مرّت فوق أصابعه، ببطء، كأنها تُعيد ترتيب شكل العلاقة… كما ينبغي.بعد لحظات، تحرك هو أيضًا.صوته كان أجشًّا، خافتًا، نائمًا:"أنتِ مستيقظة؟"أجابت دون أن تلتفت:"منذ قليل."قالتها بهدوء، لكنها كانت أقرب إلى اعتراف داخلي:"ولم أنوِ الرحيل."سكت.ثم تمتم:"إذن… صباح الخير، سنيجكا."ابتسمت.ابتسامة صغيرة. حقيقية. ثم أغلقت عينيها، وتركته يحتضنها في هدوء.لا شيء يُلحّ.لا موعد مستعجل.لا صراع.فقط… لحظة من الصباح، بين رجل بدأ يتغير، وامرأة بدأت
صباح اليوم التالي كان رماديًا كالمعتاد، لكن القصر بدا أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.كأن الجميع يمشي على أطراف أصابعه، بينما الفراغ الذي تركه بوريس لم يُملأ بعد.في جناحها، كانت داريا قد استيقظت مبكرًا.ارتدت فستانًا بسيطًا بلون كحلي داكن، وشعرها مُسرّح بدقة غير معتادة،عيناها مرآة راكدة لا تظهر ما خلفها.جلست أمام مرآتها.وضعت القليل من العطر… الذي كانت ترتديه دومًا في طفولتها حين تريد لميخائيل أن "ينتبه" أنها كبرت.أخذت نفسًا عميقًا.ثم خرجت من جناحها. خطواتها على الرخام كانت محسوبة.هدوء في ملامحها. نعومة في الحركة.لكن في الداخل… سُمّ بارد يُعيد ترتيب الأوردة.لم تنزل إلى الطابق السفلي. بل… صعدت.الطابق العلوي حيث جناح ميخائيل.طوال السنوات الماضية، لم تجرؤ أن تطرقه في هذا التوقيت.لكن الآن، هو "بيتهم"، جناح "الزوجين" الجديد.إيزابيلا نائمة فيه. في سريره. اقتربت من بابه.لم تطرقه.وقفت فقط أمامه… تأملت المقبض.ثم ابتسمت لنفسها، ابتسامة شبحية… كأنها ترى ما سيأتي، لا ما يحدث.ثم استدارت. ولم تطرق الباب.بل اتجهت إلى غرفة جانبية، حيث تجلس ناديا، خالة ميخائيل، تحتسي قهوتها بصمت.داريا دخل
السماء فوق المقبرة كانت رمادية، بلا شمس، بلا زرقة،كأنها هي الأخرى دخلت في حدادٍ صامت.هواء الصباح بارد، يحمل في طياته رائحة تراب رطب وذكرياتٍ مثقلة بالألم.الثلج لم يسقط، لكن الأرض كانت ما تزال تئنّ تحت وطأة الأمس.في وسط المقبرة، حيث الاصطفاف المعتاد، وقف عدد من رجال العائلة، الحرس، والكهنة الأرثوذكس.نعش بوريس مالكوف وُضع على منصّة خشبية بسيطة، تُهيّأ للنزول.الصلوات تُتلى. الوجوه منحنية. العائلة في الصف الأول.داريا كانت شبه منهارة.فستانها الأسود لم ينجح في تغليف انكسارها.ركبتاها بالكاد تحملانها، ودموعها لم تتوقف منذ دخلت البوابة الحديدية.كانت تهمس لنفسها:"أبي… أبي… لماذا؟"صوتها بالكاد يُسمع، لكنها كانت تُكررها، كأنها تناديه من حفرةٍ لم يخرج منها.صوفيا، زوجته، كانت واقفة بجانبها، تمسك بيدها، تحاول أن تتمالك نفسها، لكن الذقن المرتعش، والنظرة الزجاجية في عينيها… كانت تقول كل شيء.كل شيء تحطم.وفي الخلف… خلف الجموع، خلف البكاء، خلف الكلمات الدينية .... كانت تقف إيزابيلا.صامتة.مستقيمة.تلف حول جسدها معطفًا داكنًا، وشالًا رماديًا.وشعرها مربوط بنعومة عند مؤخرة العنق.لم تكن قري
هدير المحركات كان مكتومًا، كأن الطائرة صُممت خصيصًا لاحترام الصمت.جلست إيزابيلا إلى جانب النافذة، تسند رأسها بخفة إلى الزجاج البارد، وتُراقب الغيوم الكثيفة التي تمتد أسفلها كبحر ساكن. الشمس تتسلل من بين طبقات السحب، ترسم خطوطًا ذهبية باهتة على وجهها الشاحب. لم تكن نائمة، لكنها لم تكن مستيقظة تمامًا.كانت تُفكر.في الليلة السابقة.وفي كلماته.وفي القبلة التي لم تُشبه شيئًا مما اختبرته من قبل.الطائرة تشق طريقها بثبات فوق سُحب رمادية، والضوء الناعم من النوافذ ينعكس على المقاعد الجلدية اللامعة. في هذا الصباح الصامت، بدت الأجواء وكأنها تتهيّأ لشيء لا يُقال.إيزابيلا جلست إلى جانب النافذة، ترتدي معطفًا رماديًا من الكشمير، وشالًا من الحرير الأزرق، يلتفّ حول عنقها بحنوّ... كأنها تحاول أن تُدفئ نفسها مما سيأتي، لا مما مضى.ميخائيل كان يجلس مقابلها، يقرأ بصمت، لكن يده لم تفارق فنجان القهوة الأسود الذي تبخّرت منه رائحة داكنة، كقلبه.مرت لحظة طويلة دون أن يتحدث أحد.ثم قالت إيزابيلا، بصوتٍ خافت لكنها حازمة: "لن تكون العودة سهلة."رفع عينيه نحوها ببطء، تأمّل وجهها للحظة، قبل أن يرد:"لم تكن يوم
فتح الباب ببطء، صوت مفصلاته انساب كهمس ثقيل في القاعة المهيبة، رفعت إيزابيلا رأسها بثبات، كتفاها مستقيمان، ونظرتها متجهة إلى الأمام مباشرة، لا تهتز.ضوء القاعة انعكس على فستانها الحريري، وكأنها تسير داخل ضوءها الخاص.وهناك... في نهاية الممر، وقف.ميخائيل مالكوف.بذلته السوداء تكاد تعانق جسده القوي
كان اليوم التالي مشرقًا بشكل يبعث على الاستفزاز، وإيزابيلا تقف أمام المتجر البراق والفاخر في إحدى زوايا مدريد، تنظر للافتة المزينة بزهور وردية ودانتيل أبيض وكأنها أمام ساحة إعدام."لن أدخل." قالتها بصرامة، ويدها معقودة فوق صدرها.لكن ماريسا كانت قد عبرت الباب بالفعل دون أن تلتفت.أما أنطونيا، فربتت
سادت لحظة صمت طويلة بينهما، لم تُقاطعها خطوات الخدم ولا أصوات الحرس. كأن كل شيء انكمش في الخلفية، ليبقى فقط هذا الثنائي، الغريب والمتشابه في آنٍ معًا، واقفًا وجهًا لوجه.أشار والدها بإيماءة صغيرة، ففتح أحدهم باب الجناح الشرقي، المخصص عادة لكبار الزوار. دون كلمة، التفتت إيزابيلا واتجهت بخطى هادئة نح
المقابر كانت هادئة بشكلٍ يثير الريبة، كأن الأرض نفسها تتهيأ لابتلاع المزيد من الأسرار.وقفت إيزابيلا روستوف بجانب شقيقها فرانسيسكو أمام القبر الرخامي الأسود.عليه اسم واحد فقط:أوسكار روستوف1996- 2024ابنٌ أضاع كل شيء.كانت الريح تداعب خصلات شعرها البني الفاتح، فيما عيناها ثابتتان على الحروف المنح







