مشاركة

22

last update تاريخ النشر: 2026-06-28 20:57:51

كانت الساعة تجاوزت منتصف الليل، والبيت ساكن كما لم يكن من قبل.

بوابة القصر فُتحت دون أن يصدر عنها صرير، والسيارة السوداء دخلت الحديقة ببطء، كأنّها لا تريد إيقاظ الأشجار.

في الداخل، خرج ميخائيل من السيارة دون أن يتحدث، وجهه كان مظللًا… الأنوار الخافتة انعكست على زر سترته، لكنه بدا كأنّه عاد من دفنٍ، لا من استجواب.

في عينيه… لم يبقَ حوار. كل شيء داخله أصبح قرارًا.

صعد السلالم بخطوات صامتة، وقف عند باب الجناح، لم يدخل فورًا.

مد يده، فتح الباب بهدوء، ليجد ماريسا قد نامت على الكنبة، وإيزابيلا لا تزال مستلقية، كأنها تنتظر، كأن قلبها لم يسمح لها أن تنام إلا على صوته.

اقترب، دون أن يصدر صوتًا، جلس على طرف السرير، ثم تنهد بصمت… ووضع يده على معصمها، بلطف.

فتحت إيزابيلا عينيها. رغم الظلام، شعرت به.

همست:

"أنت عدت."

لم يجب.

لكن كفّه انتقل إلى شعرها، مرّ عليه ببطء…وهو لا يزال لا يقول شيئًا.

ثم نطق، كلماته خرجت مثل طلقة:

"رافائيل… كان مجرد أداة."

شهقت أنفاسها، لكنها لم تتكلم.

تابع، صوته هادئ… لكنه مثقل بثقل الحديد:

"التي حملت السكين إلى يده… كانت داريا."

أغمضت إيزابيلا عينيها، كأن كل شيء سقط في مكانه فجأة.

الشك… ثم الرسالة… ثم الصوت المتودد في الهاتف… داريا.

قالت، بصوت شبه مكسور:

"لن تتوقف، أليس كذلك؟"

أجاب، دون تردد:

"ستتوقف. لأننا… سنغادر غدًا."

رفعت رأسها ببطء، دهشة:

"غدًا؟"

أومأ بثقل:

"إلى روسيا. لن نبقى هنا يومًا إضافيًا. سنكمل جلسات العلاج في القصر. جلبت فريقًا طبيًا سيصل بعدنا. وسيأتون معك… كل من أثق بهم فقط."

صمت.

ثم أضاف:

"خالتك... ستأتي أيضًا."

شهقت ماريسا الصغيرة من على الكنبة وهي تستيقظ،

وقالت بنبرة ناعسة:

"ها؟ أنا من؟ ماذا؟"

ضحكت إيزابيلا، رغم كل شيء، ضحكة خفيفة، من داخل الغيوم، وقالت:

"أظنّ أنني… سأعود إلى برد القصر."

قال ميخائيل، بصوت ناعم هذه المرة:

"القصر لا يدفأ… إلا بكِ."

أما في الداخل…

فقد عادت ملامحه الهادئة.

لكن القرار قد حُسم.

وغدًا… حين تُفتح بوابة القصر الروسي، لن تكون داريا هناك… لكن كل شيء حول إيزابيلا، سيكون سلاحًا من أجله.

حين أعلن ميخائيل قراره، لم يُناقش. لم يُطلب منه توضيح.

ماريسا فقط وقفت، رفعت حاجبيها بشيء من التهكم، وقالت:

"إن لم يكن لك مكان بين العائلة… اصنع عائلة جديدة."

ثم أضافت بنبرة ساخرة خفيفة، وهي تلتقط حقيبتها اليدوية:

"سأجمع أغراضي. لكن ضع في بالك، أنا لا أتنازل عن نوع الشاي… ولا عن وسادتي."

ابتسمت إيزابيلا بخفة، توقفت نظرتها في الفراغ، لكن قلبها اتبع صوت خطوات خالتها وهي تبتعد عن الغرفة.

حين أُغلق الباب… عاد الصمت.

لكن هذه المرة، لم يكن ثقيلًا. بل مريح، كأن شيئًا كان معلقًا في الهواء… وهبط أخيرًا.

وقف ميخائيل أمام الخزانة، بدأ يفك أزرار قميصه ببطء، قطعة بعد قطعة… اللون الأسود ينساب من جسده، كأن الليل يتركه تدريجيًا.

قالت إيزابيلا، وهي تستند إلى الوسادة خلفها:

"هل عدت بالكامل؟"

لم يجب. لكن وقع ملابسه على الكرسي أجابها. ثم صوت خطاه نحو الحمام.

سمعت الماء، ثم صوت سقوط سترته على الأرض، ثم هدوءه.

كانت تتخيله، الماء ينزلق على كتفيه، والصمت يلتف حول عنقه كما يفعل دائمًا حين يهدأ… بعد الغضب.

مدّت يدها، تلمست الغطاء… ثم تنهدت.

قالت، لنفسها، أو ربما له:

"غدًا… لن أرى الشمس، لكن سأراها فيك."

خرج بعد قليل، وشعره لا يزال مبتلًا.

القطرات تسير على رقبته، وهو يرتدي قميصًا رماديًا بسيطًا، وسروال نوم داكن، لكن ملامحه ظلت قاتمة… متحفّظة.

اقترب من السرير، نظر إليها للحظة، ثم جلس بجانبها.

لم يتكلم.

مدّت يدها، تبحث عن يده، حتى لمست أصابعه. أمسكت بها، همست:

"لا تذهب مجدداً دون أن تأخذني معك."

ضغط على كفّها، ثم أجاب أخيرًا، بصوت خافت:

"لن أترككِ مرة أخرى. أبدًا."

الليل تمدد على الغرفة كما تتمدد خيوط الدخان فوق فنجان مهجور.

هدوءٌ ثقيل لا يقطعه سوى صوت أنفاس ثابتة… لكنها ليست هادئة.

استلقت إيزابيلا على جانبها، وجهها نحو حيث تشعر به… لكنها لم تقطع الصمت.

كانت تعرف.

حين يغضب ميخائيل، لا يصرخ. لا يتحدث. فقط… يصمت.

كان مستلقيًا بجانبها، لكن جسده لم يرتخِ كعادته، بل كان كمن لا يزال يرتدي درعه… رغم أن المعركة انتهت.

قالت همسًا، دون أن تتوقع إجابة:

"لست غاضبًا مني… أعلم."

صوته لم يأتِ، لكن ذراعه امتدت ببطء، واحتواها.

سحبها نحوه… حتى التصقت به، رأسها إلى صدره، وأنفاسه تلامس شعرها.

كان يشدّها كما يشدّ أحدهم الغطاء في ليلةٍ باردة، ليس لأنها ستسقط… بل لأنه يخشى أن يفقدها، رغم أنها في حضنه.

همست هي مجددًا، دون أن ترفع رأسها:

"أنت غاضب… لأنك اضطررت لتكون ذلك الرجل مجددًا."

لم يجب.

لكن قلبه، تحت أذنها، كان ينبض بقوة لا تخفى.

تمتمت:

"لا أحد يعرف كم تدفع… لتبقى من تُحب بخير."

في العتمة، تحرّكت أصابعه ببطء فوق ظهرها، لم تكن لمسة حانية، بل تأكيد. أنه هنا. وأنها هنا.

وأن أحدًا لن يمسّها… بعد الآن.

بعد لحظة، قال بصوت منخفض، غائر:

"كنت على وشك… أن أُسقط اسمًا كاملًا من شجرة عائلة،

من أجلها."

صمت الليل الذي لا يشبه الراحة، بل صمت رجلٍ غاضبٌ من نفسه، لا من العالم. غاضب لأنه اضطر لأن يعود لوحشيته، لأن اسمه كاد يُلطّخ بذكرى رجلٍ تافه، لأن داريا، تلك الطفلة المدللة التي ظنها مسؤولية، أجبرته على أن يخطو خطوة كان يأمل أنه تجاوزها.

إيزابيلا، لا ترى ملامحه، لكنها تعرف صمته، تعرف متى يصمت لأنه بارد… ومتى يصمت لأنه يحترق.

ردّت، وهمسها كريح تتسلل من شق نافذة:

"وأنا… كنت على وشك أن أفقد نفسي من غيرك."

عانقها أكثر، جذبها إلى صدره بقوة صامتة. كأنّه يقول:

“لن يحدث شيء من هذا… ليس وأنتِ بين يديّ.”

وفي تلك الليلة، نام الجزار… ولم يكن سلاحه بجانبه، بل امرأةٌ لا ترى، لكنها تبصر قلبه… حين يصمت.

الضوء الرمادي للصباح تسرّب عبر أطراف الستائر، هادئ، بارد، كأن الشمس تختبئ عن لحظة لا تودّ أن تشهدها.

داخل الغرفة، كانت الحركة خافتة، لكنها منتظمة… حقيبة تُغلق، سحّاب يُسحب، همهمة خفيفة تخرج من بين شفتي ماريسا، كأنها تغني بلا لحن… فقط لتهرب من الصمت.

ماريسا كانت ترتدي فستانًا بسيطًا بلون الكراميل، شعرها مربوط للخلف بإحكام، ووجهها… لا يخلو من التعب.

لكن في عينيها إصرار أمٍّ تبني جدارًا أمام كل ما ينهار.

ركعت بجوار حقيبة إيزابيلا، طوت سترتها الصوفية، وضعتها بلطف، ثم التفتت لترتّب زجاجات الدواء.

على السرير، كانت إيزابيلا نائمة… أو ربما تحتمي بالنوم،

لأن قلبها يعرف أن اللحظة حين تبدأ… لن تُوقف.

فتحت عينيها ببطء، مقلتاها تتحركان في الفراغ، ثم همست:

"ماريسا؟"

التفتت خالتها فورًا، ابتسمت، اقتربت منها، ولمست جبينها بلطف:

"صباحكِ طيّب، يا ضوء عيوني."

تنفست إيزابيلا ببطء، ثم قالت، بنبرة ناعسة:

"كم الساعة؟"

ردت ماريسا وهي تعدّل غطاء السرير:

"تجاوزنا السابعة قليلًا. كل شيء جاهز تقريبًا… وهو واقف في الشرفة منذ ساعة، يتحدث بلغة الرجال حين يقررون خوض الحروب."

ابتسمت إيزابيلا، رغم كل شيء، ثم رفعت يدها لتلمس موضع الوسادة بجانبها:

"ترك السرير دون أن أشعر… كعادته."

قالت ماريسا، بابتسامة صغيرة:

"الجزار يزحف في الظلام، لا يوقظ النساء."

ضحكت إيزابيلا، ضحكة ناعمة، مرهقة، ثم سألت، وهي تتحسّس طريقها للجلوس:

"كيف هو؟"

ماريسا تأملت وجهها للحظة، ثم قالت:

"جامد. مركز. لا يقول كثيرًا، لكنه أمر ديمتري بجلب الفريق الطبي الخاص، وأوصى أن يُغلق القصر لغير الموثوق بهم. العودة هذه المرة… ليست مجرد سفر."

في الخارج، كان ميخائيل واقفًا في الشرفة، يرتدي قميصًا داكنًا، وهاتفه قرب أذنه.

نبرة صوته منخفضة، لكنها حادة، تدلّ على تحريك أشياء أكبر من مجرد حقائب.

قال لديمتري:

"تأكد أن الجناح الجديد مجهّز بالكامل. كل الأجهزة، كل الترتيبات. ماريسا ستبقى بجانبها، ولا أحد يدخل دون إذني."

ثم أنهى المكالمة، ووضع الهاتف على الطاولة الحجرية الصغيرة، وتنهد.

أدار رأسه، نظره اخترق الزجاج… رآها تتحسس طريقها للجلوس، وماريسا تضع الوسادة خلف ظهرها.

في تلك اللحظة، عرف ميخائيل أنه لم يعد يملك رفاهية التراخي. العدو ليس في الخارج فقط… بل في الداخل أيضًا.

تنهد، ثم فتح باب الشرفة، ودخل.

نظرت إيزابيلا نحو صوته، ابتسمت دون أن تراه، وقالت بهدوء:

"أصبحتُ جاهزة… أينما ذهبتَ، خذني معك."

اقترب، أخذ يدها بين كفيه، ثم همس:

"أنتِ ذاهبة إلى حيث لا يمكن لأحد أن يمسككِ… إلا أنا."

في الزاوية، وقفت ماريسا، تشد سحاب الحقيبة الأخيرة، وتركت خلفها… نظرة تحمل كل شيء.

الغرفة تفوح منها رائحة عطر خفيف بالياسمين، ولمسة ماريسا الخاصة التي اعتادت أن ترش بها الملابس بعد أن تُعدّها.

قميص قطني ناعم، سروال منسدل مريح، وشالٌ رمادي خفيف، كل شيء بسيط… لكن مُعدّ بعناية.

كانت ماريسا تركع أمام إيزابيلا، تُعدّل طرف سروالها بدقة، ثم وقفت، ورفعت يدها لتسرّح شعرها بأصابعها:

"لا أعرف كيف يفترض بي أن أُعِدّكِ للذهاب إلى قصر مافيا روسي، لكن على الأقل… تبدين جميلة بما يكفي لكسر جبروتهم."

ضحكت إيزابيلا بخفوت، تمتمت:

"لن يراني أحد على أية حال…"

ردّت ماريسا، وهي تمسك بيدها:

"وهل يحتاج الجمال إلى أعين؟ يكفي أنه يراه."

في الطرف الآخر من الغرفة،زوقف ميخائيل، مرتديًا بذلة داكنة، زرّيها العلويين مفتوحين، وساعته العسكرية على معصمه، عيناه لا تفارقانها، كأنها كل ما عليه أن يحميه… في هذا العالم.

كان لا يتكلم، لكنه يتابع كل شيء:

كيف تُسرّح ماريسا شعرها، كيف تمسك يدها حين تمشي نحو الحقيبة، كيف تتحسس طريقها بثقة رغم الظلام.

صوت هادئ أتى من الخارج، ديمتري أرسل رجاله:

"السيد أليخاندرو ونجله فرانسيسكو جاهزين السيارات جاهزة."

أومأ ميخائيل، ثم اقترب بهدوء.

مدّ يده إلى إيزابيلا، وقالت هي بابتسامة صغيرة، حين شعرت بحرارة كفه:

"مستعدون؟"

رد بهدوء:

"إلى آخر الطريق."

خرجوا من الغرفة.

ماريسا على الجانب، وإيزابيلا تمسك ذراع ميخائيل، وخطواتهم تشقّ الممر كأنها تودّع كل ذكرى بقيت عالقة بالجدران.

في بهو القصر، وقف أليخاندرو روستوف، رجل لا تهزه المافيا، لكن عينيه هذه المرة مليئتان بشيء لم يعتده… العجز.

اقترب من ابنته، أمسك يديها، ثم قبّلهما، قال بصوت متهدّج، يكاد لا يظهر:

"أعدكِ… أن ما حدث لن يُغفر."

همست إيزابيلا:

"أنا بخير، بابا. حقًا."

تقدّم فرانسيسكو، أخذها بحضن قصير، ثم همس:

"لو احتجتِ أي شيء… أي شيء، فقط قولي الاسم."

في الخارج، وقف الحرس بجانب السيارات، الحقائب رُتبت، والموكب يستعد للانطلاق.

قال ماريسا، وهي تغلق حقيبتها الصغيرة:

"أحمدوا الله أنني أخذت الشاي الخاص بي… لن أعيش مع دب قطبي بلا نعناع."

ضحكت إيزابيلا، ضحكة قصيرة، مرتجفة.

ثم استدارت ببطء نحو الصوت الذي تعرفه.

ميخائيل، كان خلفها مباشرة.

أخذ يدها، ثم قال:

"الطائرة تنتظر. وهناك… لا أحد سيقترب. لا داريا، لا ماضي، لا ظل."

ثم تقدّم بها، وبخطى ثابتة، خرجا من القصر… إلى حيث يبدأ الفصل الجديد.

*.             *.               *.            *.     

المدرج خالٍ إلا من الضوء الخافت الذي ينساب من أعمدة الإنارة العالية.

صوت الطائرة الخاصة يهدُر في الخلفية… هادئ… لكنه يُذكّر بأن الرحيل صار وشيكًا.

في الجهة المظلمة من المدرج، خلف إحدى الحاويات المعدنية، كانت داريا تقف.

ظهرها مستقيم، وجسدها مائل قليلًا للأمام… كأنها نمر يُراقب فريسته قبل القفز.

داريا، الفتاة التي رباها ميخائيل بيده، علّمها أن تطلق، أن تُهاجم، أن تُسيطر… لكن نسي أن يعلمها أين تنتهي حدودها.

حيث تختبئ الحماقة تحت قناع الذكاء، ويتماهى الحنين المريض بالهوس القاتل.

اليوم، في ظلال الطائرة الخاصة، لم تعد تتصرف كفتاة فقدت والدها، أو تحب رجلاً... بل ككائن جريح يريد أن يقتطع قطعة من العالم… أو يحترق معها.

ترتدي معطفًا داكنًا طويلًا، شعرها مربوط بإحكام، وفي يدها اليمنى… مسدس أسود صغير، لامع في الظلام، كأنه يتنفس معها.

لم تكن وحدها، وراءها رجالها، موزعون بعناية حول نقاط الرؤية.

كل شيء مخطط. كل زاوية محسوبة. كل حركة متوقعة.

لقد أخبرتها أمها بالأمس، عن عودة ميخائيل و إيزابيلا للقصر اليوم. وحينها عرفت أنها فرصتها الأخيرة للخلاص من العاهرة الإسبانية الصغيرة.

قال أحدهم بهمس:

"إنهم يقتربون."

أومأت داريا، دون أن تلتفت، نظرتها تظل مشدودة إلى نقطة واحدة فقط: بوابة الطائرة.

ابتسمت ببطء… ابتسامة باردة، مُلتوية، مليئة بالحقد القديم.

تمتمت، وكأنها تحدث المسدس في يدها:

"أهديتني هذا يا ميشا… والآن، سأجعله يختم قصتها."

مرت يدها على المسدس كما لو كانت تمسح على كتف صديق قديم.

همست:

"أتذكر حين قلت لي (احملي هذا فقط عندما تضيق بك الحياة)…؟ الآن فقط… فهمت ما كنتَ تعنيه."

ثم نظرت إلى الأرض، ركلت حصاة صغيرة بطرف حذائها. تمتمت بسخرية مرة:

"رافائيل؟ كان أداة، وأحمق. أرسلته ليسقط، لكن لم أتوقع أن يسقط بهذه السرعة."

أحد الرجال سألها بهمس:

"إذا لم تأمرينا الآن، لن نستطيع التحرك. الحرس سيطوق المكان فور وصولهم."

أجابت بصوت منخفض، ثابت كالفولاذ:

"لا تطلق قبل أن تلامس قدمها الأرض."

رفعت المسدس، وضغطت عليه بخفة، كأنها تطمئن إلى صلابته. ثم همست:

"حين أراها… سأطلق أولاً، أنتم تكملون الباقي."

ثم رفعت نظرتها نحو السلم المعدني الموصِل للطائرة، وكأنها ترى المشهد قبل حدوثه.

إيزابيلا… بثوب السفر، تخطو نحو الطائرة، يد تمسك ميخائيل، والأخرى تمسك قلبه.

نظرة داريا اختنقت.

في عينيها… صراع بين الطفلة التي كانت تبكي حين يتركها ميخائيل، والمرأة التي أقسمت أن لا تتركه لغيرها.

قالت أخيرًا، همسًا كمن يُصلّي:

"أنتِ أخذتِه مني، وأنا… سأستعيده. بطلقة واحدة."

في الهواء… كان كل شيء ساكنًا.

كأن العالم يحبس أنفاسه بانتظار أول خطأ… أو أول دم.

*.             *.             *.              *.      

وصلت السيارة السوداء إلى ممر الطائرات، ببطء، كأنها تعرف أن الطريق ليس آمنًا.

فتح ميخائيل الباب أولًا، نزل بخطوات ثابتة، لكن نظرته كانت تفتّش المدرج بدقة.

وجهه ساكن، لكن كل حاسة فيه كانت سيفًا مرفوعًا.

ثم فتح الباب الخلفي، وأمسك بيد إيزابيلا بلطف.

ساعدها على النزول، بينما استقرت يدها الأخرى على ذراعه بثقة.

خلفهم، نزلت ماريسا وهي ترتب معطفها، ثم أليخاندرو بخطى ثقيلة، وعيناه لا تفارقان ابنته، يخاف أن يغمض عينيه فتختفي مجددًا.

فرانسيسكو كان آخرهم، نزل من السيارة الثانية، وعيناه تبحثان في محيط المكان… كأن شيئًا داخله كان يهمس بالخطر.

تحرك الحرس، خمسة، عشرة، خمسة عشر رجلًا… ينتشرون بهدوء، بخطوات مُدروسة.

وفي قلب هذا المشهد، كانت إيزابيلا، محاطة بذراع ميخائيل، كأن العالم من حولها يتحول إلى درع حيّ.

همست بخفوت:

"كل شيء هادئ جدًا…"

أجابها ميخائيل دون أن يلتفت:

"هدوء يسبق… شيء لا أحبّه."

ثم حدثت.

الرصاصة.

صوتها شقّ السماء كصرخة مفقودة.

في اللحظة نفسها، سحب ميخائيل جسدها نحوه، تراجع بها للخلف بقوة، دافعًا إياها نحو ماريسا وأليخاندرو.

صرخة ماريسا علت مع صوت الطلقة.

أليخاندرو مدّ ذراعيه ليسحب ابنته بسرعة، بينما بدأ الحرس يتحرك في كل الاتجاهات.

ميخائيل وقف أمامها، عينيه تبحثان عن مصدر الطلقة، قلبه لا ينبض… بل يزأر.

قال لها بصوت منخفض، ثابت:

"هل أنتِ بخير؟ هل لمستكِ الرصاصة؟"

هزّت رأسها، رغم ارتعاش جسدها:

"لا… أنا… أنا بخير."

قال بنبرة صارمة:

"لا تتحركي. ماريسا… أليخاندرو، خذوها الآن. ابقوا خلف السيارة."

ماريسا أمسكت بذراع إيزابيلا، وسحبتها بحدة وهي تهمس:

"لا نناقشه حين يتحدث بهذه الطريقة."

بينما أليخاندرو أمسك من الجانب الآخر، وعيناه تتفحص ابنته كأنها ستُصاب في أي لحظة.

فرانسيسكو، الذي كان قد بدأ في الانتباه للحركة، سحب سلاحه من سترته، وانضم إلى جانب ميخائيل فورًا.

قال بهمس:

"اتجاه الطلقة من هناك… اليسار، قرب الحاويات."

ميخائيل لم يرد. كانت عيناه تشتعلان.

عرف. عرف من هناك… عرف أن الظل وراء الرصاصة… ليس سوى داريا.

قال بصوت مبحوح، لا لأحد… بل للحرب القادمة:

"هذه نهايتكِ يا داريا."

ثم انطلق… وفرانسيسكو بجانبه، والحرس من خلفهم، بينما الصوت الوحيد الذي يملأ الهواء الآن:

صوت الرصاص… وصوت الحب، وهو يحاول أن ينجو.

كانت مختبئة خلف السيارة، ذراعا ماريسا وأليخاندرو تحيطان بها من الجانبين، لكن كل دفء الأذرع… لم ينجح في إخماد الارتجاف الذي بدأ في صدرها.

الرصاص يتوالى.

طلقات متتابعة، سريعة، عنيفة، كأن الموت نفسه قرر أن يحتفل هذه الليلة.

إيزابيلا لا ترى… لكن كل طلقة تخترق الهواء وتخترقها.

كل صوت تحسّه في ضلوعها، كأن جسدها صار مستقبلًا لذبذبات الغياب المحتمل.

همست، لأول مرة بصوتٍ مرتجف:

"ماريسا… هل هو بخير؟ أخبريني فقط… هل هو بخير؟"

ماريسا كانت تهمس:

"سيعود، سيعود، فقط لا تفكري بشيء."

لكن إيزابيلا لم تكن بحاجة للإجابات. في هذه اللحظة، كانت تعرف.

عرفت ما لم تفهمه أبدًا عن الحب.

عرفت لماذا كانت النساء في القصص القديمة تبكي حين يذهب الرجال للحرب.

عرفت لماذا كان الحُب يُشبّه بالحرب أصلًا.

لطالما تساءلت كيف يمكن لشخص أن يحب شخص آخر، حتى يريد أن يعطيه حياته.

تساءلت دائما، ما هو إحساس الحب أصلا؟!

لكنها إلا كانت تمتلك الإجابة على كل أسئلتها.

الآن، فقط الآن، كانت مستعدة أن تمنحه عينيها… قلبها… عمرها. لا يهم.

كل ما تريده… أن يعود. أن يعود فقط.

وفجأة… صمتت الطلقات.

عمّ الهدوء. لكنها لم تطمئن.

لأن الهدوء الذي يأتي بعد الرصاص… هو الأشد رعبًا.

ثم جاء الصوت.

ضحكة.

ضحكة أنثى. مجنونة، حادة، مشقوقة من الداخل.

ضحكة من يعرف أنه خسر… لكنه سيحرق الجميع قبل أن يرحل.

ضحكة داريا.

كانت تضحك، تضحك كما لو أنها طفلة حُرمت من لعبتها. ثم بدأت الكلمات تخرج، متهالكة، مهووسة:

"يحبك؟! هو لا يحبكِ… هو يَشفق عليكِ! لو لم تكوني عمياء، لما نظر إليكِ يومًا!"

صرخت مجددًا، بصوتٍ انكسر من الداخل:

"ميشا لي! كان دائمًا لي! وحين لم يكن… فضّلت أن يموت،

على أن أراكِ بين ذراعيه!"

ثم… ثلاث رصاصات.

واحدة ....

واحدة… في الهذيان.

واحدة… للصمت الأبدي.

هدأ كل شيء.

أغمضت إيزابيلا عينيها، رغم أنها لا ترى، لكنها شعرت أن العالم أُغلق.

همست:

"ميخائيل…"

ولم تجبها السماء.

كانت الرصاصة الثالثة قد أنهت كل شيء.

داريا لم تعد تهدد، لم تعد تضحك، ولم يعد العالم يهمها.

لكن الرعب الحقيقي… بدأ الآن.

تحرك رجال ميخائيل، اندفعوا من الظلال، وصوت أحدهم يصيح:

"سِيدي، أصيب! أصيب!"

اقتربت ماريسا أولًا، ثم شهقت شهقة لم تصدر منها يومًا، شهقة أمٍّ ترى أولادها يُذبحون في المنام.

قالت بصوت مرتجف، كأنها تحاول ألا تخبر الحقيقة:

"إيزابيلا… لا تتحركي، لا تتحركي، ميخائيل… مصاب."

لكنها لم تكن بحاجة أن تقولها. إيزابيلا عرفت.

شعرت به وهو يعود، خطاه أثقل، أنفاسه أقصر، لكنه ظلّ يقترب… حتى حين كانت الدماء تُخط طريقها على معطفه.

اقترب… ووقف أمامها.

فتح ذراعيه، ضمّها إليه، قلبه ينبض في صدره مثل طبول حرب خاسرة.

همست، صوتها مشقوق بالذعر:

"ميخائيل؟"

لم يجب.

فقط شدّها أكثر إلى صدره، حتى كادت تشعر أن روحه تحاول الدخول في جسدها… كي تعيش به.

ثم… بدأت تحس. رائحة الحديد.

رائحة دافئة… كأنها تعرفها من قبل، لكنها أنكرتها.

قالت ماريسا، وهذه المرة بلا تمهيد:

"إنه ينزف! رصاصتين! في الصدر والجانب!"

إيزابيلا شهقت، ثم وضعت يدها ببطء على صدره، فشعرت بلزوجة خفيفة… دافئة ومرعبة.

همست بانكسار:

"لا… لا… لا، ميخائيل… لا تتركني."

هو لم يرد.

لكن جسده بدأ يفقد التوازن، وساعده فرانسيسكو الذي وصل راكضًا، وحمله مع رجال الحرس باتجاه السيارة الطبية التي استدعيت فورًا.

إيزابيلا كانت تحاول الوقوف، يديها تتحسس الأرض، لكنها لا ترى، لا ترى أين هو، ولا ترى كم الدم خرج، فقط كانت ترى كل شيء داخلها… يتحطم.

صرخت بصوت مخنوق:

"خذوني إليه! أريد أن أكون معه! لا تبعدوني عنه!"

لكن ساقيها خانتاها.

اهتز العالم من حولها، صارت أنفاسها متقطعة، ثم… سقطت.

سقطت بين ذراعي فرانسيسكو، وهمست، قبل أن تغيب:

" ميخائيل …"

ثم أظلم كل شيء.

في اللحظة نفسها، كان ديمتري على متن الطائرة الخاصة، لقد أخبره رئيس الحرس.

أخبرهم أن يُعد فريقًا طبيًا روسيًا، ويصدر الأوامر بتحويل القصر في روسيا إلى جناحٍ طبي مغلق.

سوف يعود به إلى روسيا، بعد أن يتأكد من إخراج هذه الطلقات.

أما السماء فوق المطار، فلم تكن تبكي.

بل كانت صامتة، تحبس المطر، كأنها تنتظر… أن تعرف: من سينجو، ومن سينهار.

*.            *.            *.            *.   

كان الممر الطويل في المشفى الخاص بمدريد هادئًا…

هادئًا لدرجة مرعبة.

لا أصوات عويل، لا صراخ، فقط همسات أطباء تمرّ من وقت لآخر، وحذاء ممرضة يُصدر صوتًا خافتًا على البلاط النظيف.

أمام باب غرفة العمليات، وقف أليخاندرو روستوف بجانب ابنه فرانسيسكو، وصدر الرجلين يتنفس بثقل، كأن الهواء نفسه معلّق على خبرٍ لم يأتِ بعد.

كان أليخاندرو يرتدي بذلة داكنة، وجهه متعب، لكن عينيه… كانتا عينَي أسد يحاول ألا يسقط.

أما فرانسيسكو، فقد كان ينهض ويجلس كل عدة دقائق،

يقف ثم يعود، كأن جسده لا يستطيع التحمّل… ولا الجلوس.

وقف بجوارهما رئيس الحرس،زرجل روسي هادئ الملامح يُدعى فيكتور، يتابع هاتفه، ينتظر مكالمة من ديمتري الذي كان على وشك الوصول بطائرة طبية.

تمتم أليخاندرو، صوته جاف:

"قال الطبيب شيئًا؟"

رد فيكتور، بعد تردد:

"الرصاصة الأولى دخلت في الجانب، لكنها لم تلمس الأعضاء الحيوية… أما الثانية… فهي قرب القلب. العملية معقّدة، لكن الأطباء… يبذلون أقصى ما يمكن."

انكمشت ملامح فرانسيسكو، ورفع رأسه نحو السقف، كأنّه يحاول أن يبتلع غصته.

قال أخيرًا، بنبرة جافة:

"لو مات… لن تسامح نفسها."

هز أليخاندرو رأسه، نظر إلى الباب المغلق، ثم قال بصوتٍ خافت، كأنه يناجي أحدًا لا يُرى:

"ابنتي فقدت بصرها في قصره… والآن قد تفقد قلبها فيه."

في تلك اللحظة، رنّ هاتف فيكتور. رد بسرعة:

"نعم؟"

"نحن ننتظر في الممر."

....

"حسنًا، أخبر ديمتري أن الأمور لا تزال حرجة."

أغلق الهاتف، نظر إليهم:

"الطائرة وصلت. ديمتري سيكون هنا خلال دقائق."

سكن الصمت مرة أخرى.

كأنّ كل الموجودين يشاركون نفس الرئة، ولا أحد يجرؤ على أن يتنفس وحده.

في منزل روستوف، كانت ماريسا تجلس على طرف السرير، تراقب إيزابيلا النائمة، التي لا تزال فاقدة الوعي، وأنبوب مصل يتدلّى بجانبها.

كانت الطبيبة تتابع العلامات الحيوية بصمت، لكن ماريسا… كانت تنظر إلى وجه إيزابيلا، وتهمس:

"هيا حبيبتي… أستيقظي … لقد فعلها، لقد عاد إليكِ… فقط أستيقظي"

ولم تكن تدري، أن قلبًا آخر… لا يزال يصارع الموت في الطرف الآخر من المدينة.

ـ انفتح باب المشفى الزجاجي بانزلاقٍ بارد، ودخل منه رجلٌ طويل، معطفه الجلدي يتأرجح خلفه، ونظراته تُعلن الهيمنة قبل أن يتكلم.

ديمتري مالكوف،  شقيق ميخائيل، وقائد حرس البراتفا، وذراعه اليمني.

وقف للحظة، عيناه مسحتا المكان… الممر، الحرس المنتشرين، الباب المغلق… ثم استقرت على فيكتور، رئيس الحرس.

تقدم بخطى ثابتة، كل خطوة تصنع صدىً صغيرًا في الردهة الهادئة.

قال، بصوته العميق الصارم:

"التقرير."

وقف فيكتور باستقامة، كأنه أمام محكمة عسكرية:

"داريا كانت مختبئة قرب مدرج الطائرة، أطلقت رصاصتين… واحدة في الجانب، والثانية في الصدر.

السيد ميخائيل نقل السيدة إيزابيلا إلى مكان أمن… ثم أطلق النار. الرصاصة أصابت داريا في منتصف الرأس."

لم تتغيّر ملامح ديمتري، لكن شيء في عينيه تصلّب أكثر. قال ببرود:

"جيد."

ثم أخرج هاتفًا صغيرًا، ضغط زرًّا واحدًا، وتحدث:

"فعّلوا المرحلة الثانية. كلّ الاتصالات، كل من اقترب من داريا في آخر أسبوع… أريد قوائم. ولا أحد يُغادر إسبانيا قبل أن أمر بذلك."

أغلق الهاتف، ثم استدار إلى أليخاندرو وفرانسيسكو، الذين وقفا للحظة حين اقترب.

انحنى قليلًا برأسه، باحترام نادر:

"أعتذر… لم يكن من المفترض أن تتورط ابنتكم في هذا."

رد أليخاندرو، بنبرة متماسكة رغم شحوب وجهه:

"هي ليست متورطة، ديمتري… هي أصبحت جزءًا من هذا… ومنه."

نظر فرانسيسكو إلى الباب المغلق، ثم سأل بخفوت:

"الطائرة جاهزة؟"

أومأ ديمتري:

"طائرة طبية كاملة التجهيز، فريق طبي روسي على متنها. حالما يخرج من العمليات… ننقله فورًا."

في تلك اللحظة… فتح الباب الجانبي، وخرج منه طبيب يرتدي الزي الأخضر، يخلع قفازاته المطاطية ببطء.

كل الرؤوس التفتت إليه. كل القلوب توقفت للحظة.

قال الطبيب بصوت هادئ، بلكنة إسبانية واضحة:

"الرصاصة قرب القلب سببت نزيفًا خطيرًا، لكننا أوقفناه… الحالة الآن مستقرة مبدئيًا. لكننا نوصي بنقله فورًا لاستكمال العناية في مركز أكثر تجهيزًا."

أغمض ديمتري عينيه، ثم تنفّس بصمت.

قال:

"استعدوا. ننقله خلال خمس عشرة دقيقة. وأريد الأمن مضاعفًا حتى الإقلاع."

وعلى الطرف الآخر من مدريد، في غرفة هادئة، كانت ماريسا تمسح جبين إيزابيلا، وتنتظر عودتها للحياة، بينما قلبها يخبرها أن رجلاً… لم يتكلم بعد.

فتح باب غرفة العمليات ببطء، خرجت منه نقالة طبية معدنية، تتدحرج بثبات فوق عجلات مطاطية صامتة، يحيط بها ثلاثة أطباء وممرضان.

كل خطوة… كانت تُحدث رجفة في صدر من ينتظر.

ميخائيل كان مستلقيًا، قناع الأوكسجين يغطي نصف وجهه، صدره يتحرك ببطء… كأن الحياة تتسلل إليه بتردد.

كيسا مصل معلقان على جانبي السرير، وأنبوب دم ينساب ببطء نحو وريده، ملفوفٌ حول صدره بضمادات سميكة، وبقعة دم واحدة لا تزال تشق طريقها عبرها.

عند الباب… وقف أليخاندرو وفرانسيسكو، كأن الزمن توقّف لحظة رؤيته.

رجل تعودا رؤيته واقفًا كالطوفان، محمولًا الآن على عجلات.

اقترب ديمتري، وقف إلى جانبهما، وقال بصوت هادئ، دون أن ينظر إلى النقالة:

"سيُعاد إلى روسيا الليلة. الطائرة جاهزة، والفريق الطبي بانتظاره."

أومأ أليخاندرو بصمت، ثم قال بخفوت:

"أخبرني فقط… هل سيعيش؟"

رد ديمتري، بنبرة صارمة، كأنها أكثر رجاءً من يقين:

"أنه ميخائيل… لقد واجه مواقف أصعب من هذه، أنه رجل ذهب للموت بقدميه عدة مرات، وعاد مرة أخرى، لن يموت هكذا."

ثم استدار ناحيتهما، تراجع خطوة، ورفع عينيه إلى فرانسيسكو، ثم أليخاندرو، وقال بوضوح:

"اعتنوا بها… إلى أن يعود. زوجها… سيأتي ليأخذها بنفسه، حين يصبح قادرًا على الوقوف مجددًا."

لم يُجِب أحد، لكن نظرة أليخاندرو كانت كافية، كأنها وعد… لا صوت له.

تحركت النقالة، توجهت نحو المصعد المخصص للطوارئ، وكل من في الممر تراجع بصمت.

صوت العجلات على الأرضية… كان الوداع الحقيقي.

لا كلمات، لا بكاء، فقط الصدى.

في الخارج، كان الجو رماديًا، وبوابة المشفى الخلفية مفتوحة على مدرج صغير مُعدّ خصيصًا للطائرة الطبية الخاصة.

ماريسا، في تلك اللحظة، كانت تجلس في غرفة إيزابيلا، تمسح جبينها، وهمست بصوت بالكاد يُسمع:

"ميخائيل سيعود… لكن عودي أنتِ أولًا، لتسمعيه وهو يقولها بنفسه."

*.           *.            *.            *.     

باب القصر فُتح بهدوء، ودخل أليخاندرو أولًا، تبعته خطوات فرانسيسكو، كلاهما لا ينطق.

في الداخل، كان كل شيء ساكنًا. كأن القصر نفسه يحترم الغائب، أو كأنّ الجدران تخاف من مواجهة نظرات إيزابيلا… حين تعرف.

ماريسا كانت لا تزال بجانب السرير، تحمل كوب ماء على المنضدة، ويدها الأخرى على كفّ إيزابيلا، تقرأ لها شيئًا من كتاب بصوت خافت.

رفعت ماريسا رأسها حين سمعت الخطى، نظرت إليهم، عيناها تسأل قبل لسانها.

دخل أليخاندرو بخطى بطيئة، وقف عند الباب للحظة.

ثم دخلت الحقيقة خلفه.

رفعت ماريسا رأسها فور رؤيته، وعيناها تبحثان عن أي شيء… أي أثر، أي بشرى، أي طمأنينة.

قالت بصوتٍ خافت، لكنه ممتلئ بالتوتر:

"هل…؟ هل انتهى الأمر؟"

أومأ أليخاندرو بصمت. ثم تنفس، كأن الكلمات ثقيلة في صدره:

"أقلعت الطائرة… منذ دقائق. ديمتري نقل ميخائيل إلى روسيا… الطاقم الطبي كامل، والمعدات شاملة."

سكنت ماريسا للحظة، ثم نظرت إلى إيزابيلا، وعادت تنظر إليه، وسألت بتردد:

"هل كان… واعيًا؟ هل قال شيئًا قبل الرحيل؟"

هزّ رأسه ببطء:

"لا… لم يكن واعيًا. الطلقات كانت قريبة من القلب، النزيف الداخلي عنيف… الأطباء قالوا إنها معجزة أنه ما زال حيًا."

وضعت ماريسا يدها على صدرها، وكأن قلبها هبط فجأة.

همست:

"يا الله… كيف سأقول لها؟"

رد فرانسيسكو، من باب الغرفة بصوت منخفض:

"لن تقولي لها الآن. دعينا ننتظر أن تستعيد وعيها أولًا… ثم نفهم إن كانت قادرة على تحمل الحقيقة."

نظر أليخاندرو إلى ابنته، ثم تمتم، بنبرة منكسرة:

"سيعود من أجلها، كما وعد ديمتري… لكن إلى أن يعود… نحن عالمها، نحن عيناها، وقلبها، وسندها."

ماريسا لم تجب.

فقط أمسكت بكف إيزابيلا بين يديها، وضغطت عليه بخفة.

كأنها توعدها… أن تبقى، أن تحرس، أن تنتظر.

*.             *.           *.     

صباح اليوم التالي، كان الصباح رماديًا في مدريد، والضوء ينساب من نافذة الغرفة بكسلٍ خفيف، يلامس الغطاء الأبيض، ويمرّ على وجهها الباهت… إيزابيلا حرّكت جفنها أولًا.

ثم ارتعشت أصابع يدها على الوسادة.

ثم… شهقت نفسًا صغيرًا، وكأنها تغرق وتخرج من الماء.

صوت الأجهزة خافت، صوت الريح عبر الستائر ناعم، لكن في داخلها… كان صوتًا واحدًا يصرخ:

"ميخائيل؟"

لم تنطقها، لكن كل شيء فيها صرخ بها.

فتحت فمها ببطء، همست:

"ماريسا؟"

اقتربت ماريسا على الفور، وجلست على طرف السرير، تمسك بيدها:

"أنا هنا، أنا هنا يا روح ماريسا."

أجفلت إيزابيلا، ثم همست، وجسدها يرتعش:

"أين… ميخائيل؟"

لم تُجب ماريسا. لكن صمتها كان أثقل من الكلمات.

اقترب فرانسيسكو، كان يقف في الزاوية، وجهه شاحب، وعيناه حذرتان. قال بصوتٍ خافت:

"إيزا… أنتِ كنتِ فاقدة للوعي، لأكثر من يوم ونصف… ميخائيل…"

شهقت، قطعت حديثه:

"لا، لا تقل لي… لا تقل شيئًا!"

بدأت أنفاسها تتسارع، وصوتها يتهشم:

"أين هو؟ لماذا لا أسمعه؟ لماذا لم يكن هنا؟!"

أمسكت ماريسا بوجهها، وضغطت جبينها على جبينها، قالت بانكسار:

"أُصيب… بطلق ناري. لكنهم أنقذوه، هو في روسيا الآن، يتلقى العلاج… تحت رعاية ديمتري  وأطباءه."

إيزابيلا سكتت للحظة… ثم فجأة انفجرت.

بدأت بالبكاء.

بكاء هادئ في البداية… ثم تصاعد.

تحوّل إلى ارتجاف، ثم شهقات عنيفة، لا تُشبه صوتها.

قالت وسط شهقاتها:

"كان أمامي… كان يحتضنني… كنت بين ذراعيه… ثم اختفى… لم يقل وداعًا، لم يقل شيئًا، تركني!"

حاول فرانسيسكو الاقتراب:

"إيزابيلا، أرجوكِ… هو لم يترككِ… لقد حماكِ."

لكنها كانت منهارة، ترتعش، تبكي، تضرب كفيها على الغطاء، كأنها تريد إخراج كل الألم من صدرها.

ماريسا ضمّتها إلى صدرها، كأنها تعود أمًا لها من جديد:

"ابكي يا صغيرتي… ابكي… هو حيّ… وسيعرف أنكِ انتظرته، كما أنقذكِ… ستنقذينه."

بينما في مكان بعيد، تحت ضوء رمادي آخر، كان رجل على سرير أبيض في روسيا، عيناه مغمضتان، لكن قلبه… لا يزال يبحث عن صوتها.

ظلّت إيزابيلا بين ذراعي ماريسا، تبكي حتى جفّ حلقها، حتى لم تعد تصدر صوتًا، فقط اهتزازات صغيرة، كأن جسدها ينتحب دون إذن.

بعد وقت… رفعت رأسها عن صدر خالتها، وجهها مبلل، شاحب، وعيناها حمراوان. لكنها لم تسأل عن شيء. كانت فقط… تتنفّس، بصعوبة، وكأن الهواء نفسه يرفض أن يملأ رئتيها.

ثم تمتمت، كأنها تحدث نفسها لا أحدًا:

"لو لم أكن… لو لم أدخل حياته…"

ماريسا لم تفهم في البداية، لكن حين رفعت إيزابيلا رأسها أكثر، وحركت يديها المرتجفتين على الغطاء، قالت بصوت خافت:

"كان بخير… قبل أن يراني. كان يحكم عالمه… يهابه الجميع، لا أحد يقترب منه."

ارتجف صوتها، وأكملت:

"ثم ظهرت أنا… وكل ما فعله، منذ تلك اللحظة، كان لأجلي. أدخلني قصره… واجه عائلته… خسر عمه… وانهار كل شيء بسبب امرأة لا ترى شيئًا… ساذجة… عنيدة…"

قالت ماريسا فورًا، تحاول أن توقف هذا الانهيار:

"كفى، لا تقولي هذا. ما حدث ليس ذنبكِ. هو رجل اختار أن يحميك، أن يحبك."

لكن إيزابيلا تابعت، كأنها لم تسمع:

"وها هو الآن… بين الحياة والموت. لأنه اختارني."

ثم همست، بصوت مكسور لا يسمعه سواها:

"لو أنني… رفضت الزواج به. لو أنني ابتعدت… لما كان الآن هناك، وحيدًا… بعيدًا… نازفًا."

وضعت راحة يدها على صدرها، ثم همست:

"أنا السبب، ماريسا. أنا السبب."

سكتت ماريسا، لم تكن الكلمات تكفي.

فقط ضمّتها من جديد، همست عند أذنها:

"إن كنتِ السبب في وجعه، فأنتِ أيضًا السبب في قوته… هو لن يموت، لأنه وعدك."

ووسط هذا الألم… كانت إيزابيلا تتمنّى فقط أن تنام،

وتستيقظ لتجد جسده بجانبها، حتى لو لم يعد يتكلم، حتى لو لم يعد يبتسم… فقط يكون موجودًا.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • تحت جناح الجزار    23- النهاية

    استيقظت إيزابيلا متأخرةً، إن جاز تسميته استيقاظًا، فهي لم تنم، بل انتقلت من حالة وجع صامتة إلى أخرى.جلست على السرير، لم تطلب شيئًا، لم تتحدث، رفضت الاستحمام، ورفضت الفطور.ماريسا دخلت إليها بكوب شاي وبعض الخبز، جلست أمامها، وقالت بلطف:"عليكِ أن تأكلي شيئًا، إيزابيلا… جسدك بحاجة للطاقة."لكنها لم تجب.كانت تنظر إلى الفراغ بعينين لا ترى، لكن في داخلهما ألف سؤال، ألف مشهد، ألف دمعة مجمدة.وضعت ماريسا اللقمة الأولى على فمها، ولولا الضغط الخفيف على فكها لما فتحت فمها.أكلت ثلاث لقيمات، ثم أدارت رأسها بعيدًا… كأنها تقول:"كفى، هذا أكثر مما أحتمل."اليوم الثالث.لم تعد تجيب على أي مكالمة.حتى حين اتصل بها ديمتري، أجابت ماريسا، وأعطتها الهاتف.قال ديمتري، صوته حازم لكن خافت:"هو لا يزال يقاتل، إيزابيلا. ميخائيل عنيد، تعرفينه… لن يرحل قبل أن يعود إليكِ."لكنها لم ترد.حتى لم تهز رأسها.فقط كانت تمسك الهاتف بين أصابعها ثم أعادته إلى ماريسا دون كلمة.قالت ماريسا حينها:"صوته وحده… كان يكفيكِ سابقًا لتبتسمي، ما الذي تغير؟"قالت إيزابيلا، بصوت هامس:"أنه لم يعد هنا."اليوم الخامس.رفضت الذهاب إل

  • تحت جناح الجزار    22

    كانت الساعة تجاوزت منتصف الليل، والبيت ساكن كما لم يكن من قبل.بوابة القصر فُتحت دون أن يصدر عنها صرير، والسيارة السوداء دخلت الحديقة ببطء، كأنّها لا تريد إيقاظ الأشجار.في الداخل، خرج ميخائيل من السيارة دون أن يتحدث، وجهه كان مظللًا… الأنوار الخافتة انعكست على زر سترته، لكنه بدا كأنّه عاد من دفنٍ، لا من استجواب.في عينيه… لم يبقَ حوار. كل شيء داخله أصبح قرارًا.صعد السلالم بخطوات صامتة، وقف عند باب الجناح، لم يدخل فورًا.مد يده، فتح الباب بهدوء، ليجد ماريسا قد نامت على الكنبة، وإيزابيلا لا تزال مستلقية، كأنها تنتظر، كأن قلبها لم يسمح لها أن تنام إلا على صوته.اقترب، دون أن يصدر صوتًا، جلس على طرف السرير، ثم تنهد بصمت… ووضع يده على معصمها، بلطف.فتحت إيزابيلا عينيها. رغم الظلام، شعرت به.همست:"أنت عدت."لم يجب.لكن كفّه انتقل إلى شعرها، مرّ عليه ببطء…وهو لا يزال لا يقول شيئًا.ثم نطق، كلماته خرجت مثل طلقة:"رافائيل… كان مجرد أداة."شهقت أنفاسها، لكنها لم تتكلم.تابع، صوته هادئ… لكنه مثقل بثقل الحديد:"التي حملت السكين إلى يده… كانت داريا."أغمضت إيزابيلا عينيها، كأن كل شيء سقط في مكا

  • تحت جناح الجزار    21

    فتح باب الشرفة بهدوء، ودخل الهواء البارد إلى صدره كطعنة طويلة، لكنه لم يزفر.وقف مكانه، محدقًا في اللاشيء، والمدينة تمتد تحت قدميه… صاخبة، لكن لا أحد يسمع ما يحدث في صدره.مدّ يده ببطء إلى الجدار، أسند كفه، ثم جبينه.أنفاسه خرجت من أنفه ببطء… كأن قلبه يئن… دون أن يشتكي.لم يكن غاضبًا بالصراخ.ميخائيل لا يعرف الصراخ.هو لا يصيح… بل ينفجر من الداخل، لكن بصمت قاتل.في رأسه، كانت داريا تتحرك كصوت قديم يعرفه جيدًا… لكن لا يعرف كيف يُسكته."رسالة واحدة، صوت واحد، يكفي ليزرع الحذر في قلب إيزابيلا."هي لا ترى، لكنها تشعر. وكل شعور… داريا تعرف كيف تُسممه.أغمض عينيه، ورأى المشهد:إيزابيلا، على السرير، تتلقى كلمات لا تعرف لها وجهًا، لكنه… يعرفه جيدًا.داريا لم تذهب إلى مدريد فقط لتراقب، هي جاءت لتفعل ما لم تستطع فعله في روسيا.أن تخترق من يحب… دون أن تمسّه.تراجع خطوة، ثم أخرج هاتفه.ضغط الرقم، اتصال مباشر:"ديمتري."جاء صوت أخيه من الطرف الآخر، متأهبًا:"هل تريدني أرسل رجالًا لها؟"ردّ ميخائيل بصوت خافت، لكن كل كلمة كانت مشبعة بالغضب المكبوت:"لا. داريا ليست في خطر. داريا هي الخطر."ثم تابع:"

  • تحت جناح الجزار    20

    كان المركز هادئًا هذا الصباح، الاستقبال مضاء بنور ناعم،والممرات خالية تقريبًا، كأنّ الصباح نفسه قرر أن يتنفس ببطء… ليمنحها فرصة للتقدّم.دخلت إيزابيلا ممسكة بذراع ميخائيل، خطوتها الأولى كانت بطيئة، لا من الخوف، بل لأنها أرادت أن تشعر الأرض تحتها.هو لم يتكلم، لم يدلها، لم يوجّهها…فقط كان يمشي إلى جانبها، يده تمسك بكفّها، وأصابعه تُرسل نبضًا هادئًا تحت جلدها:"أنا هنا… أنا لن أترككِ."في غرفة العلاج، جلست على المقعد المخصص، ظهرها مستقيم، وجسدها مشدود بتوتر خفيف.أخصائية العلاج، شابة في منتصف الثلاثينات، تحدثت بهدوء وهي تضع ملفًا صغيرًا على الطاولة:"اليوم، سنبدأ بتحفيز الإدراك الحسي من خلال الحركة البطيئة في البيئة. الهدف هو أن تعتمدي على السمع واللمس لتخطيط المساحة."أومأت إيزابيلا برأسها.صوتها لم يخرج، لكنها أمسكت بيد ميخائيل لحظة، ثم همست:"ابقَ… ولا تقل شيئًا، فقط… كن هنا."نظر إليها، ورغم أنه لم يتعوّد على هذا الدور، على الجلوس صامتًا بينما من يُحب يتألم أمامه دون أن يتدخل، لكنه فقط أومأ… ثم جلس على الكرسي المقابل، يداه مشبوكتان، ووجهه… مشدود الصمت.بدأ التمرين.وضعت الأخصائية

  • تحت جناح الجزار    19

    السماء في مدريد كانت رمادية، لكن لا تمطر.الهواء معتدل، وحفيف الأشجار في الطريق الطويل المؤدي إلى القصركان يُحدث صوتًا متقطعًا يشبه الهمس... كأن الطبيعة تُرحّب بحذر.تحركت سيارات آل روستوف داخل البوابة الرئيسية للقصر،بوابة من الحديد الأسود، تتوسطها الحروف الأولى من اسم العائلة محفورة بزخارف فخمة.في السيارة الأمامية، جلس أليخاندرو إلى جوار ابنته إيزابيلا، التي كانت تضع يدها على النافذة المغلقة، كأنها تتحسس الأصوات من الزجاج.قال بهدوء، وهو يُراقب الطريق داخل القصر:"اقتربنا... خمس دقائق فقط، وستكونين في غرفتك."لم تُجب.لكن أصابعها انزلقت ببطء على الزجاج، ثم سحبت يدها إلى حضنها.جلس خلفها فرانسيسكو، يُحدق بظهر مقعدها، وكأن شقيقته... أصبحت امرأة لا يعرفها تمامًا.هادئة جدًا، ساكنة جدًا، لكن داخله يعرف:البركان لا يهدأ... بل ينتظر.وصلت السيارة إلى البهو الخارجي، أمام القصر المبني من الحجر الكريمي اللون، والنوافذ الواسعة ذات الشرفات الحديدية.الواجهة ذاتها، التي اعتادت إيزابيلا أن تركض نحوها في طفولتها... اليوم لا ترى منها شيئًا، لكنها سمعت الصدى... وتذكرت.توقفت السيارة. فتح السائق ا

  • تحت جناح الجزار    18

    في صباح اليوم التالي، كان الضوء الشتوي يتسلل إلى أروقة المشفى من خلف النوافذ الزجاجية الكبيرة، لكنه لم يصل إلى الغرفة رقم (٤).هناك… النور لم يعد يعني شيئًا.داخل الغرفة، كانت إيزابيلا ممددة بهدوء تحت البطانية البيضاء.وجهها شاحب، وأنفاسها بطيئة لكن منتظمة.الأجهزة من حولها لا تزال تومض وتنبض، لكنها لم تكن مستيقظة تمامًا… ولا نائمة تمامًا.كانت تُبقي عينيها مغمضتين أغلب الوقت، لكن بين الحين والآخر، تفتح جفنيها المرتبكين… ولا ترى شيئًا.في كل مرة تستيقظ، تبدأ التنهيدة، ثم يتبعها ارتباك، ثم نبض متسارع، ثم همسة حائرة:"لماذا… لماذا لا أرى؟"وحين يبدأ نبضها في الارتفاع، ويتغير تنفسها، يتدخل الطبيب أو الممرضة… يُحقن في وريدها القليل من المهدئ،فتغرق مجددًا في سُبات مرّ، ليس فيه أحلام… فقط صمت يشبه الفقد.ميخائيل لم يُغادر. بقي على كرسيه ذاته، ثابتًا كأنه جزء من الحائط. لم يكن يتكلم، لكنه كان يُراقب كل شيء.كل مرة تفتح عينيها، يقف على قدميه، يتقدم خطوة، لكنها لا تراه.تُدير وجهها ناحية صوته حين يناديها… لكن عينيها تبقيان ساكنتين في السواد.في أحد المساءات، همست بصوت منهك:"هل سأبقى… هكذا؟"

  • تحت جناح الجزار    13

    هدير المحركات كان مكتومًا، كأن الطائرة صُممت خصيصًا لاحترام الصمت.جلست إيزابيلا إلى جانب النافذة، تسند رأسها بخفة إلى الزجاج البارد، وتُراقب الغيوم الكثيفة التي تمتد أسفلها كبحر ساكن. الشمس تتسلل من بين طبقات السحب، ترسم خطوطًا ذهبية باهتة على وجهها الشاحب. لم تكن نائمة، لكنها لم تكن مستيقظة تمامً

  • تحت جناح الجزار    12

    كان دخوله أشبه بانفجار صامت. خطواته بطيئة، ثقيلة، تنخر الأرض تحتها بثقة قاتلة. من بين الزحام والضجيج، انشق الحشد كأنه يشعر بوجود لا يرحم يقترب، حتى قبل أن يروه. ميخائيل كان واقفًا في الظل للحظات، يراقب. عينيه الزجاجيتين تتوهجان بجمود، لا انفعال يظهر على ملامحه سوى برد قارس يبعث الرهبة في العظام.

  • تحت جناح الجزار    11

    ضوء الصباح انسدل برقة عبر ستائر الغرفة الرمادية، خطوط ذهبية تسلّلت إلى الأرجاء الهادئة، تلامس السرير بكسل، وتنساب على وجنتي إيزابيلا التي بدأت تتحرك ببطء.رمشت عيناها مرتين… ثم فتحت إحداهما بتثاقل.شعور غريب غلف جسدها، دفء مألوف، لكن غير معتاد.ثم، ومع تنفسها العميق، أدركت أن شيئًا… أو أحدًا يشاركه

  • تحت جناح الجزار    10

    تناولا طعامهما بهدوء، ومع كل دقيقة تمر، بدا وكأن طبقات الجمود بينهما تتآكل ببطء، كما لو أن صمت الماضي وندوب الأرواح بدأت تفسح المجال لسكينة خجولة.كانت إيزابيلا ترفع عينيها نحوه بين الحين والآخر، تراقب تفاصيل وجهه وهو يأكل بصمت. قسماته كانت أقل قسوة الآن… أقل وحشية. ربما كانت أشعة الشمس تفعل ذلك، أ

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status