مشاركة

20

last update تاريخ النشر: 2026-06-27 01:11:25

كان المركز هادئًا هذا الصباح، الاستقبال مضاء بنور ناعم،

والممرات خالية تقريبًا، كأنّ الصباح نفسه قرر أن يتنفس ببطء… ليمنحها فرصة للتقدّم.

دخلت إيزابيلا ممسكة بذراع ميخائيل، خطوتها الأولى كانت بطيئة، لا من الخوف، بل لأنها أرادت أن تشعر الأرض تحتها.

هو لم يتكلم، لم يدلها، لم يوجّهها…

فقط كان يمشي إلى جانبها، يده تمسك بكفّها، وأصابعه تُرسل نبضًا هادئًا تحت جلدها:

"أنا هنا… أنا لن أترككِ."

في غرفة العلاج، جلست على المقعد المخصص، ظهرها مستقيم، وجسدها مشدود بتوتر خفيف.

أخصائية العلاج، شابة في منتصف الثلاثينات، تحدثت بهدوء وهي تضع ملفًا صغيرًا على الطاولة:

"اليوم، سنبدأ بتحفيز الإدراك الحسي من خلال الحركة البطيئة في البيئة. الهدف هو أن تعتمدي على السمع واللمس لتخطيط المساحة."

أومأت إيزابيلا برأسها.

صوتها لم يخرج، لكنها أمسكت بيد ميخائيل لحظة، ثم همست:

"ابقَ… ولا تقل شيئًا، فقط… كن هنا."

نظر إليها، ورغم أنه لم يتعوّد على هذا الدور، على الجلوس صامتًا بينما من يُحب يتألم أمامه دون أن يتدخل، لكنه فقط أومأ… ثم جلس على الكرسي المقابل، يداه مشبوكتان، ووجهه… مشدود الصمت.

بدأ التمرين.

وضعت الأخصائية في يدها شيئًا صغيرًا، مجسمًا خشبيًا بيضاويًا، وطلبت منها أن تصفه.

أغمضت إيزابيلا عينيها… لا فرق، لكنها فعلت كأنها تُغلق الضجيج الداخلي أيضًا.

مرّرت أصابعها على الشكل، ببطء، ثم قالت:

"ناعم ...ثقيل قليلاً… منحني الأطراف… صامت."

ابتسمت الأخصائية، وقالت:

"جيد. الآن تحركي نحو الحائط الأيمن… ثلاث خطوات فقط. ثم توقفي."

ميخائيل جلس هناك، يراقب.

جبهته معقودة، كأن كل عضلة فيه تتحرك بدلاً عنها.

إيزابيلا وقفت.

وخطت… خطوة… خطوة… ثم الثالثة… وتوقفت.

قالت، والعرق على جبهتها:

"أنا لا أرى… لكني أسمع قلبي."

ردّت الأخصائية:

"جميل. الآن… استمعي لنفسكِ، واستمعي لصوته."

قالت إيزابيلا، بصوت خافت:

"هو لا يتكلم."

فقالت الأخصائية، وهي تنظر إلى ميخائيل:

"حتى لو صمت… أنفاسه تناديكِ."

ميخائيل لم يتحرك، لكن كفّه تمسّك بحافة المقعد بقوة، كأن قلبه يريد النهوض… ويده تمنعه.

إيزابيلا استدارت ببطء، ثم قالت:

"هو هناك… على بعد ثلاثة أمتار. أشعر به كما لو أن الهواء يحفظ مكانه."

قالت الأخصائية:

"اقتربي، إن شعرتِ بذلك."

خطت خطوة، ثم ثانية، وفي الثالثة… لم تُكمل.

قالت، وهي تقف في مكانها:

"كفى… أشعر به الآن. هو لا يحتاج لخطواتي ليكون هنا."

رفعت رأسها نحو الظلام الذي تعرفه، وهمست:

"أشعر بك… كأنك لا تفارقني."

ميخائيل… نهض ببطء، ثم اقترب منها. وهمس بصوته الأجشّ:

"لأنني لم أفعل."

أمسك يدها، ووضع جبينها على صدره. لم تكن جلسة علاج بعد الآن. كانت جلسة حضور.

خرجت إيزابيلا من بوابة المركز بخطوات واثقة، يدها اليمنى تمسك بكف ميخائيل، ويده الأخرى تطوّق خصرها برفقٍ ثابت، كأن كل حجر على الرصيف قد أقسم ألا يؤذيها طالما هو بجانبها.

الهواء بالخارج دافئ، ورائحة المدينة مختلفة قليلًا عن الريف الروسي، لكنها… مألوفة بما يكفي لتجعلها تشعر أنها لا تزال هنا، لا تزال قادرة على الحياة.

قالت بصوت خافت وهي تسير بجانبه:

"هذا المكان… يعلّمني كيف أتعامل مع العالم، لكنك… أنت من يعلّمني كيف أواجه نفسي."

فقط شدّ ذراعها قليلًا ليعدل اتجاهها، ثم همس قرب أذنها، بصوته العميق:

"وأنا… أتعلم منكِ أن أكون إنسانًا، لا آلة قتل."

ابتسمت. ثم توقفت لحظة، كأنها شعرت بشيء… أمالت وجهها نحوه، وسألته:

"هل تنظر إليّ الآن؟"

أجاب دون تردد:

"كأنني أراكِ لأول مرة، كل يوم."

قالت، وهي تضغط على كفه:

"هل تغير شيء… في نظرتك لي؟"

اقترب منها أكثر، حتى أصبحت شفتيه قريبتين من جبينها،

وهمس:

"كل شيء تغير… عدا شيء واحد: رغبتي أن تكوني لي."

استنشقت أنفاسها ببطء، وقالت:

"وماذا عني؟ ألا يُسمح لي أن أكون لي وحدي… أولاً؟"

ردّ، بصوتٍ لم يخترع العناد:

"كوني لكِ، ثم عودي لي بعدها… إن شئتِ."

سكتا للحظة، خطواتهما تُحدث صوتًا خافتًا على الرصيف،

وصوت المدينة يغيب شيئًا فشيئًا خلف الجدران الزجاجية للسيارة التي توقفت أمامهما.

فتح لها الباب، وأدخلها أولًا، ثم جلس بجانبها، وأغلق الباب.

داخل السيارة، لم يكن هناك سوى صمت… لكن ليس ذلك الصمت الذي يُزعج، بل الذي يشبه حضنًا آخر، لا يُرى.

وضعت رأسها على كتفه، وقالت، ببطء شديد:

"لو كنتُ أراك الآن، لقلتُ لك إنك تبدو أقل وحشية."

أجاب، وهو يقبّل قمة رأسها بخفة:

"بل أصبحت أكثر احتياجًا."

في الخارج، مدريد كانت تمضي، والناس يعبرون شوارعها،

لكن في المقعد الخلفي لتلك السيارة، كان رجل وامرأة

قد وجدا لحظة سلام مؤقت… تكفي لتجعل العالم أكثر احتمالًا.

حين وصلا إلى القصر، كان الجو في الداخل هادئًا كما لو أنه يتنفس على رؤوس أصابعه.

ماريسا لم تكن في الأرجاء، وباقي أفراد العائلة التزموا بالمسافة التي يعرفون أنها ضرورية الآن… فالغرفة هناك، في الطابق العلوي، كانت تنتظر ساكنيها.

صعدا معًا، وإيزابيلا تمسك بذراعه، خطوة بعد خطوة، كأن كل درجة على الدرج تُذكّرها بأنها ما زالت قادرة على الصعود… طالما هو بجانبها.

حين دخلا الغرفة، كانت لا تزال كما تركتها صباحًا:

السرير مرتب، النافذة نصف مفتوحة، والهواء محمّل بعطرٍ خفيف يشبه رائحتها هي.

أغلق ميخائيل الباب خلفهما،

ثم لم يتحرك فورًا.

وقف هناك لحظة، ينظر إليها… إلى كل تفصيلة فيها:

طريقة وقوفها، ميل رأسها حين تنصت، وبصمتها… الذي لم يعُد ضعيفًا، بل محصّنًا.

هي أدارت رأسها نحوه، وقالت بهدوء:

"هل أنت هناك؟"

اقترب منها، أخذ يدها، ثم رفعها إلى فمه… وقبّل ظاهر كفها ببطء.

همس:

"هنا. دائمًا."

قالت، وابتسامة صغيرة في صوتها:

"أنت تُجيد هذا الجزء… الوجود حين أتعب."

ردّ، وهو يسحبها برفق معه إلى السرير:

"لأني لا أطيق رؤيتكِ وحدكِ فيه."

جلس أولًا، ثم أجلسها إلى جواره، ذراعه حول كتفيها، وكأن كل شيء في هذا العالم يجب أن يُنسى الآن… إلا هذه اللحظة.

همست، بعد دقيقة من الصمت:

"ميخائيل… حين كنت هناك في المشفى… كنت أرى كل شيء في الظلام. لكن الآن، حتى وأنا هنا… أشعر أنني بدأت أرى من جديد، بطريقة لا تعتمد على الضوء."

شدّ عليها بذراعه، وقال بصوت منخفض:

"لأننا لا نُبصر بمن نحبهم… نُبصر بهم."

أراحت رأسها على صدره، ثم قالت:

"هل شعرت بالخوف؟ حين كنتَ لا تعرف إن كنت سأستيقظ؟"

سكت. لكن قلبه أجاب، نبضه صار أعلى تحت أذنها.

قال بعدها:

"كنتُ أعدّ الساعات… لا للوقت، بل لأُبقي نفسي واقفًا."

سحبت يدها نحو خده، ولمسته بإصبعها بخفة:

"أريد أن ألمسك، وأصدق أنك عدت… أنك لست مجرد خيال من حنيني."

أمسك بيدها، ووضعها على قلبه، وهمس:

"أنا هنا… وإن كان الظلام قد أخذ عينيكِ، فلن أسمح له بأخذكِ أنتِ."

همست، والدمعة في صوتها:

"أنا مرهقة، ميخائيل… لكنني لم أعد أريد أن أهرب."

قال، وهو يضمها إليه أكثر:

"إذن، نامي هنا… بين ذراعي، حيث لا تحتاجين أن ترين لتصدقي."

وساد الصمت… لكنه كان صمتًا مشبعًا بالحب، بالصدق، وبقربٍ لا يُطلب… بل يُعاش.

كان المساء قد أسدل ستاره، وضوء المصباح الصغير بجانب السرير يُنير نصف وجه إيزابيلا، بينما الظل يغلف الباقي… كأن الضوء يعرف تمامًا كم يكفيها.

كانت تجلس على السرير، مسندة ظهرها على الوسائد، وشعرها مفرود فوق كتفيها، والبياض الناعم لثوبها يضفي على بشرتها لمسة هدوء حالم.

في الزاوية المقابلة من الغرفة، كان ميخائيل يجلس على الكرسي الوثير، عاري الصدر، يرتدي فقط بنطالًا رماديًا قطنيًا، كأنه لم يأتِ ليحارب، بل ليستقر.

ذراعه على مسند الكرسي، ووجهه ساكن… لكن عينيه لا تتركها.

دقّ الباب بخفة… ثم فُتح.

ماريسا دخلت، تحمل صينية عليها حساء دافئ، وخبز محمص، وابتسامة… لكن من النوع الذي يُخفي وراءه مائة جملة لم تُقال.

تقدمت بخطى هادئة، وضعت الصينية على الطاولة القريبة من السرير، ثم قالت وهي تنظر نحو ميخائيل دون أن تلتفت له حقًا:

"أحضرتُ لها طعامًا دافئًا… ظننتُ أنك منشغل بجلوسك في الظلال."

رفع ميخائيل حاجبًا، لم يُعلّق، فقط نظر إليها بنظرة ثابتة، كأنها ريح تهبّ على تمثال… ولا تؤثر.

ابتسمت إيزابيلا، ابتسامة صغيرة، كأنها تُدرك أن الإعصار قادم.

قالت بلطافة:

"ماريسا… اجلسي، لا تحتاجين أن تتشاحني معه. لقد أصبح يحب الشتم الصامت."

ماريسا تنفست بحدة، ثم جلست على حافة السرير، وأخذت الملعقة، وقالت بحزم:

"افتحي فمكِ، وإلا سأتركه يُطعمكِ، وربما يُسمّمكِ بحضنه الروسي العنيف."

ضحكت إيزابيلا، ضحكة خفيفة… لكنها كانت حقيقية.

ميخائيل لم يتحرك، لكنه قال من مكانه، بنبرة هادئة مستفزة:

"لن أسممها… لكنني بالتأكيد سأطعمها بأفضل من طريقتكِ."

التفتت ماريسا إليه، نظرت إليه نظرة حادة، ثم ارتبكت للحظة، حين وقعت عيناها على صدره العاري.

ارتبكت فعلاً… لكنها خبأت ذلك بسرعة، وقالت بنبرة غيظ:

"هل تظن أنك في نزل خاص؟ البشر الطبيعيون يرتدون قمصانًا عندما يكونون في غرفة مريضة."

رفع ميخائيل كتفيه بخفة، وقال بجفاف:

"إنها زوجتي… وقد رأت أكثر من هذا."

احمرّ وجه ماريسا، بينما إيزابيلا كانت قد فقدت السيطرة على ابتسامتها.

وضعت يدها على فمها، وقالت:

"أوه، بحق السماء… كفاكما. سأضحك وأختنق بالحساء، وتموت إيزابيلا ضاحكة لأن زوجها وخالتها تشاجرا على صدرٍ مكشوف."

قالت ماريسا، وهي تغرف لها ملعقة جديدة:

"سأطعمه هو الحساء المغلي في وجهه قريبًا، لكن أولًا… عليكِ أن تأكلي."

مدّت الملعقة لإيزابيلا، التي فتحت فمها أخيرًا، وابتسمت، ثم همست:

"إن كنتِ ستخنقينه… فدعيني أراكِ أولًا."

ميخائيل قال بهدوء:

"أنها تفهم. أكثر من كل من حولها."

في الغرفة، امتلأ الجو بلحظة دافئة، غريبة… جميلة، مليئة بصراع غير معلن بين امرأتين، ورجلٍ لم يعد يرغب إلا بشيء واحد: أن تبقى هذه اللحظة… أن يراها تضحك، ولو لم تره.

بعد أن أنهت ماريسا إطعام إيزابيلا بعناية وحرص، وضعت الملعقة جانبًا، ثم نهضت، تمسح يديها بمنديل معطّر، وقالت، بنبرة عملية لا تحتمل النقاش:

"والآن، إلى الحمّام."

رفعت إيزابيلا حاجبيها، وقالت بنعومة:

"كنتُ أعتقد أنني سأُترك لأرتاح قليلاً."

ردّت ماريسا وهي تفتح خزانة صغيرة تُخرج منها منشفة:

"الراحة تأتي بعد الدفء، والدفء يأتي بعد تنظيف هذا الجسد الجميل، الذي رقد كثيرًا بلا حق."

كانت الكلمات لا تزال تتطاير في الهواء، حين ارتفع صوت ميخائيل من الزاوية، هادئًا في نبرته… لكن فيه ذاك البرود المتفجر:

"لن تفعلي."

تجمّدت ماريسا في مكانها، ثم استدارت ببطء، المنشفة في يدها كراية بيضاء… لكن عينيها لا تعرف السلام.

قالت بنبرة جافة:

"عفوًا؟"

نهض ميخائيل من كرسيه، اقترب خطوة، ثم أخرى، حتى صار بين السرير والباب، وقال بصوته العميق:

"أنا من سيفعل. أنا زوجها."

شهقت ماريسا بضحك قصير، متوتر:

"نعم، نعلم، أنت زوجها، وأنت سيد العرش القرمزي، وأنت الرجل الذي… لا يعرف كيف يُبلل منشفة دون أن يخنق أحدًا بها."

قال، واقترب أكثر:

"لا أحتاج منشفة. أحتاج فقط أن تكون يدي عليها… وأن تكون آمنة."

إيزابيلا، التي كانت قد بدأت تستشعر تصاعد الحرارة في الغرفة، رفعت يدها وقالت بحذر:

"أنا هنا، هل من داعٍ لهذه الحرب الصغيرة؟"

ماريسا التفتت إليها فورًا:

"نعم، هناك داعٍ! لأني أعرفكِ منذ كنتِ تركضين حافية القدمين في شرفة بيتنا، ولأني من غسلتُ شعرَكِ أول مرة بعد بكاء عاصف، ولأني الوحيدة التي أعرف كيف أرتب لكِ الطوق على شعركِ دون أن أؤلمكِ."

لكن ميخائيل كان قد اقترب من السرير، مدّ يده نحو إيزابيلا، ولمس خدّها بخفة…ثم همس:

"وأنا من حملتها إلى الفراش كل ليلة حين كانت تنام وهي تبكي في صدري. أنا من شهد قتالها… وانكسارها، ولن أترك أحدًا يدخل بينها وبين ما تحتاجه الآن، حتى لو كانت ماريسا نفسها."

ماريسا احمرّ وجهها، قالت بغيظٍ مكتوم:

"هل من المنطقي أن تقف نصف عارٍ وتتحدث عن الاحتشام؟!"

ابتسم ميخائيل بهدوء مفاجئ، وقال:

"هي لا تراني،لكني أراها…ولن أتركها."

هنا، انفجرت إيزابيلا في ضحكة خافتة، ضحكة من النوع الذي يخرج رغم الإنهاك.

قالت، وهي تمسح دمعة من طرف عينها:

"أحبكما… لكن أرجوكما، هل يمكنني فقط أن أستحمّ؟وليقم بذلك من يفوز في هذه المبارزة اللغوية."

سكت الاثنان للحظة، تبادلا نظرات لا تخلو من التهديدات القديمة، ثم قالت ماريسا، وهي تدير ظهرها:

"حسنًا… لكن إن لم تُخرجها بنفس جمالها الذي دخلت به،

سأُقشر جلدك بملعقة طعام."

ضحكت إيزابيلا أكثر، بينما اقترب ميخائيل منها، رفعها برفق من السرير، وقال قرب أذنها:

"سيكون الحمّام الأهدأ… في تاريخكِ."

غادرا الغرفة نحو الحمّام، ومع كل خطوة، كانت إيزابيلا تشعر أنها بين ذراعيه ليست فقط كزوجة، بل كشيء لا يقبل التفاوض… كحياته.

دخلوا معًا إلى الحمام.

الرائحة التي تملأ المكان كانت خليطًا من اللافندر والماء النقي، الضوء الخافت الذي يدخل من النوافذ الصغيرة يرقص على الجدران البيضاء، مُلقى عليها ظلّهما معًا، كما لو أن العالم اختار أن يتنفس في تلك الغرفة فقط.

وقف ميخائيل لحظة، يشاهد إيزابيلا كما لو كانت صورة غير مكتملة في قلبه، ينتظرها أن تتحرك أولًا، أن تختار، كما فعلت دائمًا، لكن هذه المرة كان هو من سيحملها في هذه اللمسة.

أمسك بيدها برفق، نظراته تتنقل بين عينيها وجسدها، لكن عينيه كانت كلها معلقة على تلك اليد، التي لم يعد يفصلها عن يديه سوى لحظة واحدة.

قال، بصوتٍ عميق، مشبع بالحب والتردد:

"هل تحتاجين إليَّ؟ أم أترككِ لحظة في هدوءكِ؟"

أجابت، وهمست في صمت:

"أحتاجك أنت، أكثر من كل شيء."

ثم، كما لو أنه كان ينتظر هذا الاعتراف، اقترب منها بحذر، وأغلق الباب خلفه بهدوء، كما لو أنه يغلق بينهما كل شيء آخر.

ميخائيل وضع يديه على كتفيها، وقرب شفتيه من جبينها، قبل أن يهمس، ويداه تتحركان ببطء، كأنها المرة الأولى التي يلمسها فيها:

"هل أنتِ جاهزة؟ هل تسمحين لي أن أكون الماء الذي يشفيكِ؟"

أغمضت عينيها، شعرت به يقترب أكثر، ثم فاجأها بشفتيه الناعمتين التي لامست جبينها، ثم وجنتها برقة.

دون أن تنتبه، خطى ميخائيل خطوة صغيرة نحوها، ثم مسح وجهها برفق، كما لو أنه كان يحممها بروحه قبل جسدها.

وضع يديه على جسدها برفق، ثم قال بصوت منخفض:

"سأغسلكِ… كما تغسلي الأشياء التي تعني لكِ أكثر."

دعاها أن تغلق عينيها، وأمسك رأسها بين يديه ليغسل وجهها بالماء الفاتر. أصابعه كانت تلامس بشرتها الناعمة بلطف، كما لو كان يلمس لحظات لا تُقاس إلا بالأنفاس.

عندما رفع رأسها، كانت عينيها مغلقتين، لكن شفتاها ارتجفتا قليلًا، كأنها تبحث عن شيء فيه، تريد أن تشعر به في مكان أبعد من اللمسة.

ثم، بابتسامة صغيرة، قال ميخائيل:

"لن أترككِ، سنيجكا. سأبقى هنا، حتى وإن كان الضوء غائبًا."

قبل أن يكمل غسل جسدها، مرر يديه على كتفيها، ثم إلى ذراعيها، ثم على خصريها، كأنها لا تحتاج إلى كلمات بعد الآن، فقط لمسات تثبت لهما أن العالم يمكن أن يستمر بين همساتهم، وأنفاسهم.

عندما بدأ يهمس في أذنها برفق:

"أنا هنا، لن تبتعدي، لن تذهبي وحدك."

هزّت رأسها قليلاً، وأغمضت عينيها، كما لو أنها تودّ أن تبتلع كل لحظة، كل تفاصيله، كل لمسة كانت تقترب منها.

ثم، بلطف، مرر ميخائيل يديه على شعرها، ثم على رقبتها، متحسسًا ببطء.

اقترب منها أكثر حتى أصبحت أنفاسه على شفتيها، همس:

"أنتِ ملكي، كما كنتِ دائمًا."

همست إيزابيلا، ويدها تمتد حوله:

"أنا لا أحتاج أن أكون ملكة، فقط أريد أن أكون هنا."

ثم، دون سابق إنذار، قبلها، قبلة مليئة بالشوق والراحة.

في تلك اللحظة، عندما غسّلها، لم تكن مجرد يديه التي أغسلتها، بل كان قلبه، كان روحٌ قادت جسدها إلى هذا الغمر.

ــ الضوء الخافت كان يتسلل من المصباح بجانب السرير، يلامس أطراف الوسادة التي تنام عليها إيزابيلا،

وشعرها المبلل مفرود على جانب وجهها كأن الماء لم يُغادرها، بل ترك على خديها أثرًا من نعومة أخرى.

كانت نائمة... هدوء أنفاسها يُشبه التراتيل، ووجهها مسترخي بطريقة لم يرها فيها منذ زمن طويل.

وفي الزاوية، بجسده الضخم الجالس بصمتٍ تام، كان ميخائيل يُراقب.

جلس على الكرسي العريض، صدره عارٍ، كتفاه منحنيان قليلًا إلى الأمام، ومرفقاه على فخذيه، وكفاه مشتبكتان أمامه، ينظر إليها كمن يراقب أغلى ما يملك، دون أن يجرؤ على لمسه مجددًا… حتى لا يُفسده.

لم يتحرك.

لم يصدر صوتًا. حتى أنفاسه، بدا وكأنه يتحكم بها، حتى لا تعكر نومها.

عيناه لم تتركا وجهها… لا رمشة، لا شرود.

كان يراها… ويرى كل شيء.

يرى كل ما مرّت به. يرى يدها التي نزفت. جبينها الذي خُدش. دموعها التي لم تجفّ… حتى وهي تبتسم.

يرى روحه .... معلقة بين أهدابها المغلقة.

وفجأة، شعر بوخزة في صدره.

ذلك الألم الغريب، الذي لم يُصِبه من قبل.

ليس كالسكاكين التي اعتادها، ولا الرصاص… بل ألمٌ أكثر بطئًا… اسمه: خوف.

خاف أن لا تعود كما كانت. أن تبقى بصرها غائبًا إلى الأبد.

أن يراها تنطفئ قطعة قطعة… وهو لا يقدر أن يُعيد لها النور.

همس لنفسه، بصوت لا يكاد يُسمع:

"لو أخذتني الحياة… خذيني بدلًا عنها."

ثم أسند ظهره للخلف ببطء، عيناه لا تزالان عليها، لكن ملامحه هدأت قليلًا.

كأن جزءًا منه استقر لمجرد أنها تنام دون ألم.

رفع كفه، ومرر إصبعه على جبهته… ثم على شفتيه، ثم أرسلها في الهواء نحوها، قبلة صامتة لا تراها، لكن روحه تقول إنها ستشعر بها.

كان بإمكانه أن ينهض، أن يصعد إلى السرير، أن يضمها إليه كما اعتاد… لكنه لم يفعل.

لأن هذه اللحظة،

ليست له.

بل لها.

هي لحظة سلامها، ونومها، وجسدها الذي غُسل من كل شيء… حتى من الخوف.

فقط جلس، وانتظر، وسيبقى... حتى تنام أكثر. حتى تحلم به.

حتى تستيقظ، فتجد عينيه هناك… لم تتحرك منذ رحلت إلى النوم.

الساعة تقترب من منتصف الليل. الهواء في الغرفة راكد، كأن حتى الرياح رفضت أن تعبر من النافذة… خشية أن تُوقظ من نَذَر نفسه لصمتها.

في الزاوية، لا يزال ميخائيل في مكانه، لم يتحرك سوى قليلاً، جسده الضخم بدا ساكنًا… لكن في داخله، عاصفة لا تهدأ.

أنفاسه أبطأت، عيناه لم ترمشا منذ دقائق طويلة، كأنه يحاول تثبيت اللحظة… أن يحفظ هذا المشهد بكل تفاصيله: وجهها الهادئ، ويدها المسترخية على الغطاء، وشفتيها المغلقتين بهدوء من تعب طويل.

رفع يده إلى وجهه، مررها على لحيته القصيرة، ثم على عنقه، شعر بشيء ثقيل فيه… شيء لم يشعر به منذ جنازة بوريس.

لا يعرف إن كان ندمًا، أو وجعًا،  أو ببساطة… خوفًا، لكنه يعلم أن هذه المرأة، الممددة أمامه، ليست مجرد زوجة.

بل هي... النبض الذي لم يعرف أنه يملكه حتى بدأ يخاف فقدانه.

همس في نفسه:

"كنتُ أُحسن القتل… لكني الآن أتعلم كيف أعيش. ولعنةً على كل من يعلّمني الحياة… بهذه الطريقة المؤلمة."

نظر نحو السرير، تنفس ببطء، ثم وقف.

صوت جسده حين نهض كان خافتًا، لكنه بدا كأن الأرض تحركت.

اقترب منها. وقف بجانب السرير.

ركع على إحدى ركبتيه… ببطء.

ثم مدّ يده، ووضعها فوق يدها، بلطفٍ مفرط لا يشبهه.

لم تتحرك.

لكنه شعر بحرارة خفيفة من راحتها، كأن روحها، رغم الغياب، أحسّت بلمسته.

قال بصوت لا يسمعه سواها، كأنه يخاطب روحًا لا جسدًا:

"نامي… أنا هنا، ولن أترككِ، ولو احترق العالم."

ثم… أسند رأسه على حافة السرير، ويده لا تزال تمسك بيدها، كأنه يريد أن ينام على حافتها، لا بجانبها… ليحرسها، لا ليرتاح.

وهكذا، سقط الليل في غفوةٍ خفيفة، بينما رجلٌ لم يعرف الراحة… بدأ يتعلّمها، على يد امرأة… تغيب بعينيها، لكنها حاضرة في كل ما فيه.

*.            *.             *.             *.             *.   

كان الصباح قد بدأ يمدّ ضوءه فوق المدينة، شرفات الحجر الإسباني العتيق تنعكس بألوان ذهبية ناعمة، وصوت العصافير يعلو فوق الأشجار، لكن في إحدى غرف الفندق المرتفع، كانت داريا تُحدّق في دفترٍ جلدي صغير، صفحاتُه بيضاء… إلا من اسمٍ واحد: إيزابيلا.

جلست على الأرض، ظهرها مسند إلى الحائط، قدماها ممدودتان أمامها، وعيناها متصلبتان على الورقة، كأنها تحاول أن تمزّق الاسم فقط بنظرتها.

قالت لنفسها بصوت خافت:

"جعلته مركز الكون… وها هو يركض خلفها ككلب جريح."

مرّ شريط من الصور أمام ذهنها:

ضحكة إيزابيلا، يد ميخائيل على ظهرها، نظراته الهادئة نحوها… وذلك الحنين الصامت الذي كان من حقها هي.

نهضت ببطء.

اقتربت من المكتب، أخرجت هاتفًا قديمًا من الدرج، ثم بطاقتين مختلفتين للهاتف. أدارت أحد الأرقام.

قالت بصوت بارد:

"مرحبًا. أحتاج بعض الخدمات… في مدريد."

لحظة صمت، ثم أكملت:

"تتبع. لا قتل. لا شيء واضح. فقط اقتراب… يثير الشك."

وقفت عند النافذة، نظرت إلى الشارع أسفلها، وكانت سيارة صغيرة تخرج من الموقف تحت المركز.

عرفت لونها. رقمها. والشخص الذي فيها.

همست بابتسامة مائلة:

"اليوم... سنبدأ بالظل، وغدًا… سأكون الواجهة."

عادت إلى الطاولة. كتبت في دفترها:

خطوة ١: المراقبة. لا اقتراب مباشر. استنزاف نفسي تدريجي. إشارات مبهمة. لا تُثبت شيئًا. تجعلها تشك في سلامتها… وفيه.

وضعت القلم. ثم نظرت في المرآة أمامها.

وجهها شاحب، لكن عينيها… مشبعتان بيقين واحد:

"لا أحد يأخذ مني ميخائيل."

*.              *.              *.             *.             *.   

الشمس لم ترتفع كثيرًا بعد.

نسيم خفيف يمرّ بين الأشجار التي تحيط بمركز التأهيل،

وهدير مدينة مدريد يُسمع من بعيد،

كما لو أنه يحترم الصباح هنا… أكثر من أي مكان.

كانت إيزابيلا تمشي ببطء، ذراعها في ذراع ميخائيل، تخطو بثقة أكبر من اليوم السابق، ابتسامة صغيرة في زوايا شفتيها، ورأسها مائل قليلًا نحوه، كأنها تتنفسه.

قالت بصوت ناعم:

"اليوم… أشعر أنني لستُ مجرد مريضة."

أجابها، يضغط على كفها:

"أنتِ لستِ كذلك. أنتِ محاربة."

ضحكت، همسة قصيرة:

"محاربة لا ترى، وزوجها يجلس أمام باب الحمّام ككلب حراسة."

ضحك هو الآخر، بصوت منخفض، وقال:

"الكلب الوحيد الذي يعض من يقترب منكِ دون إذن."

اقتربا من باب المركز، وحين همّ ميخائيل بفتحه، استدار لحظة ليراقب الشارع خلفهما، نظرة عابرة… عادية تمامًا.

لكن… في تلك اللحظة تحديدًا، مرّت سيارة سوداء صغيرة، بسرعة لا تبدو مريبة، لكنها كانت بطيئة كفاية ليلاحظ رقمها.

لا شيء غريب.

لا وجه مألوف. لكن حدس ميخائيل… لم يكن صامتًا.

شعر بشيء يشبه الانقباض، كأن الهواء صار أثقل… ليس خوفًا، بل انتباهًا.

أمسك بيدها مجددًا، وساعدها على الصعود للدرج. لكن عينيه بقيتا لحظة أطول على الطريق.

في مكان بعيد داخل السيارة، كانت العدسة تعمل. تسجّل، وتلتقط.

وفي المقهى المقابل، يجلس رجل بقبعة، يلعب بهاتفه… ويُرسل الرسائل:

"مراقبة كاملة. دخلت المركز الساعة 9:42. لا تصرّف مشبوه… حتى الآن."

وفي إحدى الغرف في فندق قديم، رنّ هاتف صغير. فتحته داريا. قرأت. ثم ابتسمت.

"بداية… جيدة."

أما في الداخل، فكانت إيزابيلا قد جلست على مقعدها، وفتحت يدها على الطاولة.

ميخائيل جلس إلى جانبها، لكن عينيه لا تزالان تبحثان… عن شيء لم يأتِ بعد، لكنه يعرف أنه قادم.

داخل قاعة العلاج الحسي، كانت إيزابيلا واقفة وسط دائرة من الوسائد الموضوعة بعناية على الأرض.

عيناها مغلقتان كعادتها، لكنها لم تكن تحاول أن "تتخيل"، بل كانت تحسّ.

قالت الأخصائية بصوت هادئ:

"حسنًا، اليوم سنجرّب السير دون توجيه. ميخائيل، ستبقى قريبًا منها… لكن دون لمس. دعنا نرى كيف تثق في المسافة."

أومأ ميخائيل دون رد، وتراجع خطوة واحدة، لكن عينيه بقِيَت مثبتة عليها، كأن جسده على مسافة، لكن روحه تسير معها تمامًا.

إيزابيلا رفعت ذقنها قليلًا. استنشقت.

ثم خطت خطوة… ثم أخرى… ببطء يشبه الرقص.

همست:

"أشعر بك."

ردت الأخصائية:

"به؟"

هزت رأسها:

"لا… أشعر بالمسافة. كأن الهواء يعرفه… ويوصلني إليه."

خطت نحو اليمين، ثم توقفت، ثم إلى الأمام، وفجأة… كادت قدمها تلامس وسادة خارجية.

لكن قبل أن يحدث ذلك، كان صوت ميخائيل قد اخترق السكون:

"للوراء… خطوتان."

لم تسأل لماذا. لم تتردد. خطت خطوتين للوراء، ثم استقرت.

الأخصائية ابتسمت:

"جميل… هذه ثقة كاملة."

إيزابيلا فتحت عينيها المغلقتين، قالت بهدوء:

"لم أعد بحاجة للضوء حين يكون صوت ميخائيل… الضوء نفسه."

في الزاوية، جلسا بعدها لأخذ قسط من الراحة. وضعت يدها على فخذها، وقالت:

"بدأت أشعر أنني أستعيد جزءًا من نفسي."

قال ميخائيل وهو يمد يده بلطف يمسح على راحة كفها:

"أنتِ لم تفقديها يومًا، أنتِ فقط أغمضتِ عينيكِ عنها."

ضحكت بخفة:

"وكأنك طبيب نفسي الآن؟"

ردّ، وعيناه تحدقان في ملامحها:

"بل رجل يحب امرأة… ويحاول أن يتعلّم معها من جديد."

ساد بينهما صمت ناعم، صمت ليس من التوتر، بل من الاكتفاء.

لكن رغم هذا السكون… كان شيء خافت في أعماق ميخائيل ينبض بتحذير.

ظل تلك السيارة.

نظرة أحد الرجال في الاستقبال التي لم تعجبه.

المكان… الهدوء الزائد عن الحد.

قال فجأة، وهو يضغط على يدها:

"اليوم… حين ننتهي، سأقود بنفسي."

سألت ببطء:

"لماذا؟"

أجاب بعد لحظة:

"لأن لدي شعور… أن أحدًا ما ينظر."

في نهاية الجلسة، كانت إيزابيلا جالسة على المقعد الوثري قرب النافذة،

كفّها لا يزال في يد ميخائيل، والأخصائية ترتّب بعض الأوراق وتُسجّل ملاحظاتها بخط رشيق داخل الملف الطبي.

رفع ميخائيل عينيه نحوها، صوته خرج منخفضًا… لكنه حاسم:

"ما آخر التطورات؟ أريد أن أفهم الصورة كاملة."

توقفت الأخصائية عن الكتابة، ثم نظرت إليه بهدوء، وقالت:

"بصراحة، نحن راضون جدًا عن استجابتها."

نظرت إلى إيزابيلا، ثم عادت له:

"الجلسات الحالية تركز على إعادة تأهيلها العصبي،

تقوية إدراكها المكاني، وتحفيز الدماغ على استخدام الحواس الأخرى لتعويض غياب الرؤية."

سأل ميخائيل، حاجباه مقطّبان:

"وماذا عن البصر؟ هل هناك احتمال حقيقي أن يعود؟"

أومأت الأخصائية، وقالت بثقة محسوبة:

"نعم. لكن وفقًا للتقارير والفحوصات، الإصابة التي لحقت بمؤخرة رأسها أثّرت على الفص القذالي الجزء المسؤول عن معالجة المعلومات البصرية. لم يكن تلفًا كاملاً، بل نوع من الضغط الناتج عن النزيف الموضعي."

سكتت لحظة، ثم أضافت:

"الضغط أُزيل خلال التدخل الجراحي الأول، لكن شبكة الأعصاب المسؤولة عن الإشارة البصرية تحتاج إلى تنشيط دقيق، وهذا ما نفعله الآن. وبعد انتهاء مرحلة إعادة التأهيل، سيكون هناك تدخل جراحي بسيط."

إيزابيلا سألت بهدوء:

"عملية…؟ ماذا يعني هذا؟"

أجابت الأخصائية بابتسامة مطمئنة:

"ليست خطيرة. إجراء تحفيزي، نسميه أحيانًا: Visual Evoked Potential Mapping ويليه تثبيت محفّز عصبي دقيق، أشبه بجهاز صغير، يُزرع تحت الجلد، خلف الأذن، يُساعد على نقل الإشارات البصرية من الشبكة العصبية إلى الدماغ بشكل أفضل."

ميخائيل شدّ على يد إيزابيلا، وقال بصوت ثابت:

"وما نسبة النجاح؟"

ردّت الأخصائية:

"حوالي 80 إلى 85%. وخاصة لأن حالتها لم تكن فقدًا دائمًا، بل تعتيم عصبي مؤقت بسبب الصدمة."

صمتوا للحظات… إيزابيلا كانت تُفكر، كأنها تُعيد رسم العالم في ذهنها مع خيار جديد... أن تُبصره من جديد.

ثم قالت بصوت هامس:

"وسأراكم… بعد العملية؟ بوضوح؟"

ردّت الطبيبة بلطف:

"ربما ليس مباشرة. لكن بالتدريج، نعم."

نظر ميخائيل إليها، عيناه مشعتان بوميض من راحة مؤجلة، وهمس، كأنه يقطف وعدًا صغيرًا من قلبها:

"سنبدأ العدّ العكسي… للضوء."

ابتسمت إيزابيلا. لكن هذه المرة… الابتسامة لم تكن للراحة، بل للحلم.

عند بوابة المركز، كانت سيارة سوداء فاخرة تنتظر.

أمسك ميخائيل بيد إيزابيلا بلطف، ساعدها على النزول درجة فدرجة، ثم فتح باب المقعد الأمامي بنفسه، كأن لا شيء في العالم يستحق أن يفعله سواه.

قال وهو يربط لها الحزام، صوته هادئ، لكنه مشدود بخيطٍ غير مرئي:

"أنا من سيقود اليوم. السائق غادر."

سألت بخفة، تحاول المزاح:

"هل سأعيش لأخبر ماريسا أنكَ صرت رجلًا من الطبقة العملية؟"

ابتسم بخفة وهو يضم الحزام حولها، ثم قال قرب أذنها:

"بل اخبريها أني لا أترك زوجتي لأي أحد… حتى المقود."

أغلق الباب بهدوء، ثم دار حول السيارة بخطوات رتيبة،

ركب، شغّل المحرك… وانطلق.

الطريق كان سلسًا، الضوء الذهبي المتكسر عبر الأشجار

ينعكس على زجاج النوافذ، وداخل السيارة، كان الصمت هادئًا، ليس من قلق… بل من ارتخاء لحظة عميقة.

إيزابيلا مدت يدها، تلمست يده على مقبض ناقل السرعة، قالت:

"أحب هذا… أن يكون كل شيء هادئًا، والعالم لا يطلب منّا شيئًا."

أجابها، دون أن ينظر:

"العالم لا يتوقف… نحن فقط نُغلق أبوابه لحظة."

لكن عينيه… لم تكونا على الطريق فقط.

مرآة الرؤية الخلفية عكست صورة سيارة صغيرة، كانت خلفهم منذ أول منعطف، تحافظ على المسافة، لا تقترب كثيرًا، لكنها لا تختفي أيضًا.

نظر إليها مرة، ثم عاد ببصره إلى الطريق.

لكن قلبه... بدأ يُبطئ دقاته، ليمنح عقله المساحة للتفكير.

ثلاث إشارات مرور… ثلاث شوارع فرعية… السيارة لا تزال خلفه.

فتح النافذة قليلاً، استنشق الهواء، ثم همس بصوت منخفض… كأنه يُلقي الكلام إلى الطريق:

"هل تشعرين بشيء غريب، سنيجكا؟"

أجابت، بنعاس خفيف في صوتها:

"غريب؟ لا. فقط أشعر بك، وهذا يكفيني."

أدار بعينيه سريعًا نحو المرآة مرة أخرى، ثم ضغط على المكابح برفق، اختبر كيف تُبقي السيارة الأخرى المسافة ذاتها… ثم زاد السرعة فجأة في أحد الشوارع الجانبية.

السيارة تبعت.

الآن، عرف.

لم تكن مصادفة. ولا عابر طريق.

همس في نفسه:

"من؟ ولماذا الآن؟"

نظر إلى إيزابيلا، كانت تغمض عينيها، رأسها مستند على المقعد، شفتيها مرتاحتين… وكأن العالم لا يزال يدور بشكل جميل.

وللحظة، كره أن يُفسد عليها هذا.

فهمس:

"ابقِ نائمة قليلاً يا صغيرة. فالذئاب تُطل من المرآة… وأنا بحاجة ليديّ فارغتين كي أواجهها."

اتجه نحو المخرج القادم، انعطف فجأة إلى طريق فرعي، كان فارغًا نسبيًا… ثم مرّ بجانب موقف سيارات تجاري صغير، دخل فيه دون أن يبطئ كثيرًا.

أوقف السيارة مؤقتًا، أطفأ الأضواء، وخفض جسده نحو المقود، عيناه تتابعان عبر المرآة الخلفية.

لحظة.

ثم… السيارة مرت من الشارع الرئيسي ببطء، ثم تتباطأ. لكنها لا تدخل.

مرت.

ميخائيل لم يتحرك. أخذ نفسًا عميقًا. ثم همس لنفسه:

"أذكياء بما يكفي… كي لا يقتربوا. لكن ليسوا أذكى مني."

بعد دقيقتين، أدار المحرك مجددًا. تحرك ببطء من الموقف، لكن هذه المرة… اختار طريقًا آخر. أطول، وأقل وضوحًا، مليء بالمنعطفات.

إيزابيلا بدأت تتحرك بجانبه، أنفاسها تغيّرت قليلًا، ثم همست وهي تُحاول رفع رأسها:

"هل وصلنا؟"

مدّ يده فورًا، ثبت يدها فوق فخذها بلطف، وقال:

"ليس بعد، نامي قليلاً بعد، أنا هنا."

أغلقت عينيها من جديد، كأن صوتَهُ وحده يكفي ليعيدها إلى الأمان.

لكن عقل ميخائيل، لم ينم.

ولن ينام.

هو الآن يعرف:

هناك من يراقبهم. وأنه ليس أمرًا عشوائيًا. ولم يكن يحتاج إلى دليل أكثر، ليعرف أن ذلك الظل… ليس سوى بداية.

فتح باب القصر بهدوء، ضوء المساء الخافت ينسكب على الأرض الرخامية، والصمت يملأ الردهات، كأن كل شيء نائم… عدا قلب ميخائيل.

أطفأ المحرك، ثم خرج من السيارة، دار نحو الباب الآخر،

فتحه، وانحنى ببطء نحو إيزابيلا.

كانت نائمة، رأسها مائل على كتفها، ويدها نصف مفتوحة في حجرها، كأنها كانت تحلم بسلام، أو ربما… تهرب منه.

مد ذراعيه، رفعها بحذر، ذراعه اليسرى أسفل ظهرها،

والأخرى تحت فخذيها، كأنها شيء لا يجوز لمسه إلا بأصابع الصمت.

سار داخل القصر، خطواته ثابتة، كل خطوة كانت تحمل وزنين: وزنها… ووزن ما يشعر به لأجلها.

دخل غرفتهما، أسند كتفه إلى الباب ليفتحه بهدوء، ثم تقدم نحو السرير. خفض جسده، وأسندها بلطف على المرتبة الناعمة.

لم تفتح عينيها، لكن شفتيها تحركتا ببطء:

"هل نحن… في البيت؟"

همس، وهو يمرر أصابعه على شعرها:

"نعم، سنيجكا… نحن في أمان."

نزَع حذاءها بهدوء، ثم سحب الغطاء فوق جسدها، واكتفى بلحظة ينظر إليها… وجهها النائم كلوحة لم تُكملها الحياة.

ثم وقف. لم يغلق الباب تمامًا. خرج نحو الشرفة.

الهواء المسائي بارد، لكن رأسه أكثر سخونة من أي وقت مضى.

أخرج هاتفه، اتصل.

ردّ صوت ديمتري من الطرف الآخر، صوته عميق كعادته،

لكن فيه شيء متردد.

قال ميخائيل فورًا:

"أريدك أن تجد لي سيارة بيضاء، لوحاتها تنتهي بـ 7K9.

ظلت تتبعني اليوم من المركز حتى نصف الطريق. أريد كل شيء عنها، من سجل المالك إلى أين تنام في الليل."

لكن ديمتري لم يرد فورًا. صمت قصير. ثم قال:

"كنتُ على وشك الاتصال بك."

ميخائيل انكمشت عينيه:

"لماذا؟"

قال ديمتري بهدوء، لكن بحذر واضح:

"لأن داريا… هنا. وصلت إلى مدريد منذ أيام. اليوم بالتحديد؟ كان في نفس تاريخ وصول إيزابيلا."

اللحظة التي تلت… كانت فارغة من الصوت، لكنها ممتلئة بصوت داخلي انفجر في عقل ميخائيل.

"نفس اليوم. نفس التوقيت. ونفس المدينة."

أمسك طرف الشرفة بيده، أصابعه شدّت على الحديد البارد،

حتى برزت عروقه كمن يقبض على فكرة... لا يريد أن يصدقها.

قال بصوت منخفض… حاد:

"هل كانت تراقبها؟"

أجاب ديمتري بعد تردد:

"لا أعرف بعد، لكنها لم تكن هنا في إجازة، ولا أتت برحلة معلنة."

أغلق ميخائيل عينيه، كأن صورة السيارة في المرآة… قد اكتملت الآن.

همس، كمن يكلم ظلًا يعرفه:

"داريا..."

ثم رفع الهاتف مجددًا إلى أذنه، وقال بصوت قاتم:

"راقب تحركاتها. كل اتصال، كل مكان تذهب إليه."

أغلق المكالمة، بقي في مكانه، ينظر إلى النجوم، لكن لم يرَ شيئًا.

كل ما رآه… هو إيزابيلا، نائمة وحدها، لا تدري أن الذئبة…

قد عبرت حدود القارة، وأن الحرب بدأت، من حيث لا ترى.

*.          *.         *.           *.           *.     

في الطابق الأخير من الفندق الكلاسيكي الذي اختارته بنفسها، فتحت داريا النوافذ لتسمح للهواء المسائي أن يندفع داخلاً، لكنها لم تكن بحاجة للهواء، بل للإحساس بشيء يتحرك… خارجه.

كانت ترتدي ثوبًا بسيطًا، أسود بلا أكمام، تجلس أمام طاولة صغيرة، عليها دفتر جلدي مفتوح، وثلاث صور موضوعة بترتيب مقصود:

1. صورة لإيزابيلا وهي تمسك بيد ميخائيل عند بوابة المركز.

2. صورة لميخائيل يضع يدًا على كتفها، في أحد المقاهي داخل المركز.

3. صورة بعيدة، لإيزابيلا تجلس على مقعد في الحديقة، عيناها مغمضتان، بينما يجلس هو بقربها يتحدث.

لم تكن تنظر للصور… بل كانت تتأمل التباعد بينهما، طريقة وقوفه، الطريقة التي تميل بها إيزابيلا نحوه دون أن ترى.

همست:

"حتى في الظلام… تعرف أين هو."

رفعت بصرها نحو الهاتف.

كان هناك تطبيق مفتوح، واجهة تتابع موقع السيارة التي استخدمتها إيزابيلا منذ وصولها، نقطة زرقاء تتحرك في خارطة مدريد.

ثم التفتت إلى الجهاز اللوحي بجانبها، وفتحت ملفًا خاصًا باسم: "الرنين العاطفي".

صفحة كاملة مكتوبة بعنوان:

"ضرب الثقة، لا القلب."

تحتها:

الخطوة 1: خلق صدع صغير في الأمان الطريقة:

رسالة صوتية. قديمة، مبهمة.

المصدر: رقم غير معروف، بلهجة نسائية.

ضحكت بخفة، أخرجت هاتفًا آخر – burner phone – فتحت مسجل الصوت، وضغطت زر التسجيل، ثم غيرت صوتها بخفوتٍ أنثويّ أكثر رقة، وقالت:

"هل تعتقدين أنكِ فزتِ به؟ هل تظنين أنه نسي؟ لا تنخدعي، يا إيزابيلا… الجليد لا يذوب من نظرة واحدة."

توقفت.

ابتسمت، أعادت سماع التسجيل.

كان مُبهمًا، لا يُظهر اسمًا، ولا تحديدًا.

مجرد رسالة من الماضي… صوتٌ يعيد زرع الشكّ في قلب امرأة لا ترى.

ثم أرسلت الرسالة إلى رقم إيزابيلا، من رقم محليّ لا يحمل اسمًا.

ثم حذفت التطبيق، وأوقفت الهاتف، وكسرته إلى نصفين… وألقته في صندوق النفايات.

سارت نحو النافذة، نظرت إلى أضواء مدريد، وقالت همسًا:

"لن أقتلكِ… بل سأجعل قلبكِ يختنق في كل مرة يقول فيها: أنا هنا."

وابتسمت.

لأن الحرب الحقيقية… ليست أن تأخذ ما تُحب، بل أن تزرع داخله… نقطةً سوداء لا تموت.

*.             *.            *.            *.           *.    

كان المساء قد تمدّد بهدوئه داخل أرجاء المنزل في مدريد،

وماريسا جالسة على حافة الأريكة في الصالة، فنجان من الشاي الأخضر بين يديها، وشعرها مشدود إلى الخلف بإحكام… علامة على أن المساء لن يمرّ بسلام.

أما ميخائيل، فقد خرج لتوه من جناح إيزابيلا بعد أن تأكد أنها نائمة، دخل الصالة بخطوات ثابتة، بصدره العاري وجواربه السوداء، كأن المكان منزلُهُ، لا منزل عائلتها.

رفعت ماريسا حاجبها، وقالت وهي ترتشف رشفة صغيرة:

"هل تظن أنني لا أراك؟ كل ليلة، تتسلل إلى سريرها كأنك… ظلٌّ يُجيد التوقيت."

أجاب دون أن يلتفت:

"كل ما أفعله… برضاها. والأهم، برغبتها."

وضعت الفنجان على الطاولة، ثم نهضت واقتربت، خطوة بخطوة، كأنها تدخل ساحة معركة.

قالت بنبرة مشبعة بالاستفزاز:

"رغبتها؟ أنت تتحدث عن امرأة فقدت بصرها، عن قلبٍ هشّ، وعن عقلٍ مُنهك من الألم. وما تفعله… هو أنك تلتصق بها كل ليلة وكأنك تصنع شيئًا بطوليًّا."

اقترب منها، صوته هادئ، لكنه كالصقيع:

"أنا لا أصنع بطولات. أنا فقط لا أهرب."

ضحكت ماريسا، ضحكة قصيرة، مشبعة بالمرارة:

"لا تهرب؟ لكنك تفعل. تهرب من مسؤوليتك عن سقوطها، تهرب من مواجهتها بالحقيقة، وتهرب من فكرة… أنها ربما لم تعد قادرة على تحمّلك."

توقف أمامها، عينيه غائرتان كهاوية، قال ببطء:

"لن أتركها… حتى لو أرادت هي ذلك."

همست ماريسا، وهي ترفع نظرها إليه:

"أتعلم، أحيانًا لا يكون الحب أن تبقى… بل أن ترحل لتمنحها ما لا تستطيع أنت تقديمه."

ردّ دون تردد:

"وأحيانًا، الرحيل هو خيانة مغلّفة بأخلاقٍ واهية. لا تطلبي مني أن أبدو جيدًا وأنا أنسحب… فأنا لم أكن رجلًا جيدًا يومًا، لكنني… لست خائنًا."

صمتت.

تبادلا النظرات لثوانٍ.

ماريسا كانت كمن توشك على صفعه، لكنه كان واقفًا هناك… كأنه يعرف تمامًا أنها عاجزة عن كسره.

ثم قالت أخيرًا، بصوت منخفض:

"فقط… لا تُرهقها أكثر مما أرهقتها الحياة، يا ميخائيل."

أدار ظهره، توجه إلى المطبخ، وأجاب بهدوء قاتل:

"الحياة أرهقتها. أنا؟ أنا فقط أحاول أن أكون المكان الذي تستريح فيه… ولو للحظة واحدة."

كانت إضاءة الغرفة خافتة، شمس المغيب تتسلل بخجل من وراء الستائر، وصوت الملاعق الخفيف يملأ المكان بسلامٍ مزيّف.

ماريسا كانت تجلس على حافة السرير، تحمل وعاء الطعام بين يديها، وتطعم إيزابيلا بنعومة شبه أمومية، لكن عينها كانت تراقب… الباب.

وما إن دلف ميخائيل، حتى تغير الهواء في الغرفة.

وقف عند العتبة، لا يتحدث، لكن حضوره… يثقل الجو.

قالت ماريسا فورًا، دون أن ترفع نظرها:

"هل عدت من التنفس؟ أم من التلصص في الظلام؟"

رد، وهو يسير بهدوء نحوها:

"عدت من مراقبة ما لا ترينه."

ضحكت ماريسا، ساخرة:

"آه صحيح. أنتَ العين التي لا تنام، والملاك الحارس الذي لا يسمح لأحد أن يقترب من أميرته."

هنا، ابتسمت إيزابيلا بخفة:

"كفى، أنتما مثل طفلين يتشاجران على لعبة واحدة."

قالت ماريسا دون أن تلتفت:

"اللعبة هي قلبكِ، يا حبيبتي. وهو لا يلعب، بل يحتكره."

اقترب ميخائيل أكثر، جلس على الكرسي الجانبي، ونظر إلى إيزابيلا، ثم إلى ماريسا، وقال:

"أتركيها تأكل… بصمت، قبل أن تختنق بشجاراتكِ."

لكن قبل أن ترد ماريسا، صدر صوت من الهاتف على الطاولة.

رسالة.

تحسس ميخائيل الهاتف، التقطه، شاشة الرسائل أظهرت رقمًا غير معروف، لا اسم، لا تعريف.

فقط… صوت أنثوي ناعم بدأ يتردد في الغرفة:

ـ "هل تعتقدين أنكِ فزتِ به؟ هل تظنين أنه نسي؟ لا تنخدعي، يا إيزابيلا… الجليد لا يذوب من نظرة واحدة."

عمّ الصمت.

لم يُكمل أحد مضغته، ولا أحد تحرك.

ماريسا حدّقت في الهاتف، ثم في وجه ميخائيل. إيزابيلا بدت مرتبكة، تحاول تفسير ما سمعت.

لكن الصوت الذي خرج من فم إيزابيلا وفم ميخائيل، في ذات اللحظة، كان واحدًا:

"داريا."

قالت إيزابيلا ببطء:

"ما هذا؟ أهي… رسالة تهديد؟ لكنها لا تقول شيئًا محددًا… فقط كلمات فارغة."

لكن ميخائيل لم يكن ينظر إليها، كان يُحدّق في الفراغ،

ملامحه لم تهتز، لكن عينيه… اشتعل فيهما شيء بلا صوت.

همس، كأنه يكلم شبحًا لا تراه هي:

"إنها لا تهدد… إنها تشكك."

قالت ماريسا، وقد فهمت ما يقصده:

"تريدها أن تسأل. أن ترتبك. أن تفكر… ما الذي نسيه؟ من التي قبلي؟ هل بقي فيها أثر؟"

إيزابيلا صمتت… لكن قلبها، لم يكن هادئًا كما بدا.

قالت بصوت منخفض:

"ولكن… لماذا الآن؟"

أجاب ميخائيل، وهو يغلق الرسالة ويضع الهاتف جانبًا:

"لأن الظلال لا تهاجم حين يكون النور مشتعلاً… بل حين يبدأ في الخفوت."

ثم وقف. نظرة واحدة إلى ماريسا كانت كافية لتوقف أي تعليق آخر، توجه إلى الشرفة.

وإيزابيلا، بقيت بين أنفاسها… تحاول أن تفهم:

هل الجليد فعلاً لا يذوب من نظرة واحدة؟

وهل تلك النظرة… كانت هي؟

أم… داريا؟

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • تحت جناح الجزار    23- النهاية

    استيقظت إيزابيلا متأخرةً، إن جاز تسميته استيقاظًا، فهي لم تنم، بل انتقلت من حالة وجع صامتة إلى أخرى.جلست على السرير، لم تطلب شيئًا، لم تتحدث، رفضت الاستحمام، ورفضت الفطور.ماريسا دخلت إليها بكوب شاي وبعض الخبز، جلست أمامها، وقالت بلطف:"عليكِ أن تأكلي شيئًا، إيزابيلا… جسدك بحاجة للطاقة."لكنها لم تجب.كانت تنظر إلى الفراغ بعينين لا ترى، لكن في داخلهما ألف سؤال، ألف مشهد، ألف دمعة مجمدة.وضعت ماريسا اللقمة الأولى على فمها، ولولا الضغط الخفيف على فكها لما فتحت فمها.أكلت ثلاث لقيمات، ثم أدارت رأسها بعيدًا… كأنها تقول:"كفى، هذا أكثر مما أحتمل."اليوم الثالث.لم تعد تجيب على أي مكالمة.حتى حين اتصل بها ديمتري، أجابت ماريسا، وأعطتها الهاتف.قال ديمتري، صوته حازم لكن خافت:"هو لا يزال يقاتل، إيزابيلا. ميخائيل عنيد، تعرفينه… لن يرحل قبل أن يعود إليكِ."لكنها لم ترد.حتى لم تهز رأسها.فقط كانت تمسك الهاتف بين أصابعها ثم أعادته إلى ماريسا دون كلمة.قالت ماريسا حينها:"صوته وحده… كان يكفيكِ سابقًا لتبتسمي، ما الذي تغير؟"قالت إيزابيلا، بصوت هامس:"أنه لم يعد هنا."اليوم الخامس.رفضت الذهاب إل

  • تحت جناح الجزار    22

    كانت الساعة تجاوزت منتصف الليل، والبيت ساكن كما لم يكن من قبل.بوابة القصر فُتحت دون أن يصدر عنها صرير، والسيارة السوداء دخلت الحديقة ببطء، كأنّها لا تريد إيقاظ الأشجار.في الداخل، خرج ميخائيل من السيارة دون أن يتحدث، وجهه كان مظللًا… الأنوار الخافتة انعكست على زر سترته، لكنه بدا كأنّه عاد من دفنٍ، لا من استجواب.في عينيه… لم يبقَ حوار. كل شيء داخله أصبح قرارًا.صعد السلالم بخطوات صامتة، وقف عند باب الجناح، لم يدخل فورًا.مد يده، فتح الباب بهدوء، ليجد ماريسا قد نامت على الكنبة، وإيزابيلا لا تزال مستلقية، كأنها تنتظر، كأن قلبها لم يسمح لها أن تنام إلا على صوته.اقترب، دون أن يصدر صوتًا، جلس على طرف السرير، ثم تنهد بصمت… ووضع يده على معصمها، بلطف.فتحت إيزابيلا عينيها. رغم الظلام، شعرت به.همست:"أنت عدت."لم يجب.لكن كفّه انتقل إلى شعرها، مرّ عليه ببطء…وهو لا يزال لا يقول شيئًا.ثم نطق، كلماته خرجت مثل طلقة:"رافائيل… كان مجرد أداة."شهقت أنفاسها، لكنها لم تتكلم.تابع، صوته هادئ… لكنه مثقل بثقل الحديد:"التي حملت السكين إلى يده… كانت داريا."أغمضت إيزابيلا عينيها، كأن كل شيء سقط في مكا

  • تحت جناح الجزار    21

    فتح باب الشرفة بهدوء، ودخل الهواء البارد إلى صدره كطعنة طويلة، لكنه لم يزفر.وقف مكانه، محدقًا في اللاشيء، والمدينة تمتد تحت قدميه… صاخبة، لكن لا أحد يسمع ما يحدث في صدره.مدّ يده ببطء إلى الجدار، أسند كفه، ثم جبينه.أنفاسه خرجت من أنفه ببطء… كأن قلبه يئن… دون أن يشتكي.لم يكن غاضبًا بالصراخ.ميخائيل لا يعرف الصراخ.هو لا يصيح… بل ينفجر من الداخل، لكن بصمت قاتل.في رأسه، كانت داريا تتحرك كصوت قديم يعرفه جيدًا… لكن لا يعرف كيف يُسكته."رسالة واحدة، صوت واحد، يكفي ليزرع الحذر في قلب إيزابيلا."هي لا ترى، لكنها تشعر. وكل شعور… داريا تعرف كيف تُسممه.أغمض عينيه، ورأى المشهد:إيزابيلا، على السرير، تتلقى كلمات لا تعرف لها وجهًا، لكنه… يعرفه جيدًا.داريا لم تذهب إلى مدريد فقط لتراقب، هي جاءت لتفعل ما لم تستطع فعله في روسيا.أن تخترق من يحب… دون أن تمسّه.تراجع خطوة، ثم أخرج هاتفه.ضغط الرقم، اتصال مباشر:"ديمتري."جاء صوت أخيه من الطرف الآخر، متأهبًا:"هل تريدني أرسل رجالًا لها؟"ردّ ميخائيل بصوت خافت، لكن كل كلمة كانت مشبعة بالغضب المكبوت:"لا. داريا ليست في خطر. داريا هي الخطر."ثم تابع:"

  • تحت جناح الجزار    20

    كان المركز هادئًا هذا الصباح، الاستقبال مضاء بنور ناعم،والممرات خالية تقريبًا، كأنّ الصباح نفسه قرر أن يتنفس ببطء… ليمنحها فرصة للتقدّم.دخلت إيزابيلا ممسكة بذراع ميخائيل، خطوتها الأولى كانت بطيئة، لا من الخوف، بل لأنها أرادت أن تشعر الأرض تحتها.هو لم يتكلم، لم يدلها، لم يوجّهها…فقط كان يمشي إلى جانبها، يده تمسك بكفّها، وأصابعه تُرسل نبضًا هادئًا تحت جلدها:"أنا هنا… أنا لن أترككِ."في غرفة العلاج، جلست على المقعد المخصص، ظهرها مستقيم، وجسدها مشدود بتوتر خفيف.أخصائية العلاج، شابة في منتصف الثلاثينات، تحدثت بهدوء وهي تضع ملفًا صغيرًا على الطاولة:"اليوم، سنبدأ بتحفيز الإدراك الحسي من خلال الحركة البطيئة في البيئة. الهدف هو أن تعتمدي على السمع واللمس لتخطيط المساحة."أومأت إيزابيلا برأسها.صوتها لم يخرج، لكنها أمسكت بيد ميخائيل لحظة، ثم همست:"ابقَ… ولا تقل شيئًا، فقط… كن هنا."نظر إليها، ورغم أنه لم يتعوّد على هذا الدور، على الجلوس صامتًا بينما من يُحب يتألم أمامه دون أن يتدخل، لكنه فقط أومأ… ثم جلس على الكرسي المقابل، يداه مشبوكتان، ووجهه… مشدود الصمت.بدأ التمرين.وضعت الأخصائية

  • تحت جناح الجزار    19

    السماء في مدريد كانت رمادية، لكن لا تمطر.الهواء معتدل، وحفيف الأشجار في الطريق الطويل المؤدي إلى القصركان يُحدث صوتًا متقطعًا يشبه الهمس... كأن الطبيعة تُرحّب بحذر.تحركت سيارات آل روستوف داخل البوابة الرئيسية للقصر،بوابة من الحديد الأسود، تتوسطها الحروف الأولى من اسم العائلة محفورة بزخارف فخمة.في السيارة الأمامية، جلس أليخاندرو إلى جوار ابنته إيزابيلا، التي كانت تضع يدها على النافذة المغلقة، كأنها تتحسس الأصوات من الزجاج.قال بهدوء، وهو يُراقب الطريق داخل القصر:"اقتربنا... خمس دقائق فقط، وستكونين في غرفتك."لم تُجب.لكن أصابعها انزلقت ببطء على الزجاج، ثم سحبت يدها إلى حضنها.جلس خلفها فرانسيسكو، يُحدق بظهر مقعدها، وكأن شقيقته... أصبحت امرأة لا يعرفها تمامًا.هادئة جدًا، ساكنة جدًا، لكن داخله يعرف:البركان لا يهدأ... بل ينتظر.وصلت السيارة إلى البهو الخارجي، أمام القصر المبني من الحجر الكريمي اللون، والنوافذ الواسعة ذات الشرفات الحديدية.الواجهة ذاتها، التي اعتادت إيزابيلا أن تركض نحوها في طفولتها... اليوم لا ترى منها شيئًا، لكنها سمعت الصدى... وتذكرت.توقفت السيارة. فتح السائق ا

  • تحت جناح الجزار    18

    في صباح اليوم التالي، كان الضوء الشتوي يتسلل إلى أروقة المشفى من خلف النوافذ الزجاجية الكبيرة، لكنه لم يصل إلى الغرفة رقم (٤).هناك… النور لم يعد يعني شيئًا.داخل الغرفة، كانت إيزابيلا ممددة بهدوء تحت البطانية البيضاء.وجهها شاحب، وأنفاسها بطيئة لكن منتظمة.الأجهزة من حولها لا تزال تومض وتنبض، لكنها لم تكن مستيقظة تمامًا… ولا نائمة تمامًا.كانت تُبقي عينيها مغمضتين أغلب الوقت، لكن بين الحين والآخر، تفتح جفنيها المرتبكين… ولا ترى شيئًا.في كل مرة تستيقظ، تبدأ التنهيدة، ثم يتبعها ارتباك، ثم نبض متسارع، ثم همسة حائرة:"لماذا… لماذا لا أرى؟"وحين يبدأ نبضها في الارتفاع، ويتغير تنفسها، يتدخل الطبيب أو الممرضة… يُحقن في وريدها القليل من المهدئ،فتغرق مجددًا في سُبات مرّ، ليس فيه أحلام… فقط صمت يشبه الفقد.ميخائيل لم يُغادر. بقي على كرسيه ذاته، ثابتًا كأنه جزء من الحائط. لم يكن يتكلم، لكنه كان يُراقب كل شيء.كل مرة تفتح عينيها، يقف على قدميه، يتقدم خطوة، لكنها لا تراه.تُدير وجهها ناحية صوته حين يناديها… لكن عينيها تبقيان ساكنتين في السواد.في أحد المساءات، همست بصوت منهك:"هل سأبقى… هكذا؟"

  • تحت جناح الجزار    9

    بعد أن رحل ميخائيل بهدوء من الجناح، بقي عبق اللحظة في الهواء، يلامس أنفاسها كما لو أن حضوره لم يغادر بعد. كانت الشمس قد ارتفعت قليلًا، تبعثر خيوطها الذهبية على أرضية الغرفة الهادئة، بينما ظلت إيزابيلا جالسة على طرف الفراش، عيناها تائهتان في نقطة بعيدة على الجدار المقابل، لا تنظر إليه حقًا... بل تعو

  • تحت جناح الجزار    8

    تقدّما بخطى ثابتة داخل القاعة الواسعة. كانت الإضاءة خافتة وأنيقة، تنعكس على الأرضية السوداء اللامعة، وتُضفي على الجو رهبة متعمدة. رائحة السيجار الراقي امتزجت بعطرٍ ثقيل قادم من المقاعد الأمامية، حيث كان يجلس عدد من الرجال ذوي الوجوه الجامدة والعيون المتفحصة.كان الجو داخل القاعة مختلفًا عمّا توقّعت

  • تحت جناح الجزار    7

    الليل في القصر كان أكثر صمتًا من المعتاد. الثلج بدأ يتساقط بخفة، ناثرًا بياضه على النوافذ الزجاجية الواسعة. لكن جناح ميخائيل لم يكن ساكنًا كعادته… كان أشبه بعش دخان يعج بأفكار سوداء لا تهدأ.جلس على المقعد الجلدي الداكن في مكتبه، وحده، كأس نصف ممتلئ بوسكا بين يديه. لم يشربه. فقط راح يُديره بين أصاب

  • تحت جناح الجزار    6

    في الحديقة الخلفية للقصر، كان النسيم البارد يلامس وجنتيها بخفة، وعبق الأرض الروسية يختلط بعبير الزهور المزروعة بعناية على طول الممرات. جلست إيزابيلا على مقعد خشبي مطل على بركة ماء ساكنة، وقد وضعت دفتر رسم على ركبتيها، وأمسكت قلم الفحم بين أصابعها النحيلة.كانت صامتة، تحدق في صفحة بيضاء لم ترسم فيها

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status