مشاركة

23- النهاية

last update تاريخ النشر: 2026-06-28 20:59:40

استيقظت إيزابيلا متأخرةً، إن جاز تسميته استيقاظًا، فهي لم تنم، بل انتقلت من حالة وجع صامتة إلى أخرى.

جلست على السرير، لم تطلب شيئًا، لم تتحدث، رفضت الاستحمام، ورفضت الفطور.

ماريسا دخلت إليها بكوب شاي وبعض الخبز، جلست أمامها، وقالت بلطف:

"عليكِ أن تأكلي شيئًا، إيزابيلا… جسدك بحاجة للطاقة."

لكنها لم تجب.

كانت تنظر إلى الفراغ بعينين لا ترى، لكن في داخلهما ألف سؤال، ألف مشهد، ألف دمعة مجمدة.

وضعت ماريسا اللقمة الأولى على فمها، ولولا الضغط الخفيف على فكها لما فتحت فمها.

أكلت ثلاث لقيمات، ثم أدارت رأسها بعيدًا… كأنها تقول:

"كفى، هذا أكثر مما أحتمل."

اليوم الثالث.

لم تعد تجيب على أي مكالمة.

حتى حين اتصل بها ديمتري، أجابت ماريسا، وأعطتها الهاتف.

قال ديمتري، صوته حازم لكن خافت:

"هو لا يزال يقاتل، إيزابيلا. ميخائيل عنيد، تعرفينه… لن يرحل قبل أن يعود إليكِ."

لكنها لم ترد.

حتى لم تهز رأسها.

فقط كانت تمسك الهاتف بين أصابعها ثم أعادته إلى ماريسا دون كلمة.

قالت ماريسا حينها:

"صوته وحده… كان يكفيكِ سابقًا لتبتسمي، ما الذي تغير؟"

قالت إيزابيلا، بصوت هامس:

"أنه لم يعد هنا."

اليوم الخامس.

رفضت الذهاب إلى المركز.

ارتدت ملابسها بصمت، لكن حين أمسك فرانسيسكو بيدها ليقودها نحو السيارة، قالت:

"لن أذهب."

قالت ماريسا بحزم:

"لكن جلساتك قاربت على الانتهاء، وعدنا الطبيب أنكِ قادرة على الإبصار مجددًا بعد العملية!"

همست:

"ولماذا أبصر… إن لم أره أولًا؟"

صمتوا بعدها… والجلسة أُلغيت.

مرة أخرى.

اليوم السابع.

في الليل، جلست ماريسا عند طرف السرير، تراقبها وهي تحت الغطاء، تحدّق بالسقف، نفس الطريقة التي كانت عليها قبل أسبوع.

قالت:

"أنا آسفة… لأني لا أستطيع أن أكونه."

لم ترد إيزابيلا.

لكن دمعة واحدة تسللت على خدّها، وبقيت هناك… لم تمسحها.

لم تمنعها.

تركتها، كأنها اعتراف متأخر… أنها لم تعد قادرة على القتال.

وكان الجميع… في انتظار أن يُصدر قلب ميخائيل… أول إشارة.

لم يكن الصباح مختلفًا. لم تعد تعرف إن كان هذا اليوم هو الاثنين… أو الخميس… كل الأيام تتشابه في الظلام.

استيقظت إيزابيلا في سريرها، أو ربما لم تكن نائمة أصلًا.

مجرد إغلاق عينيها… لا يعني راحة.

بل محاولة للهروب من ذاتها… ولم تنجح.

جلست في مكانها، نفس الوضعية منذ ساعات، شعرها مفرود على كتفيها، بشرتها باهتة، وأنفاسها ثقيلة.

دخلت ماريسا ومعها صينية الفطور.

وضعتها على الطاولة قرب السرير، ثم اقتربت منها ببطء:

"صباح الخير يا صغيرة… اليوم أفضل؟"

لم ترد.

لم تهزّ رأسها. حتى جفناها لم يتحركا.

جلست ماريسا على طرف السرير، تنهدت، ثم قالت:

"لم تأكلي شيئًا البارحة. ولا أول أمس… إن لم تأكلي، جسدك سينهار قبل روحك."

همست إيزابيلا، بصوت جاف:

"ليته ينهار…"

تجمدت ماريسا.

نظرت إليها، وعيناها تتسعان. قالت بخوف:

"إيزابيلا… لا تقولي ذلك، أرجوكِ."

لكنها تابعت، بنفس الصوت الميت:

"أشعر أنني لا أتنفس. أنني ثقيلة… حتى أنني لا أريد الوقوف. لا أريد التحدث. لا أريد شيئًا…"

ثم التفتت برأسها بصعوبة نحو ماريسا، وقالت بنبرة أخافتها:

"أظنني… أختفي."

أمسكتها ماريسا بسرعة، ضمّتها إلى صدرها بقوة، كأنها تحاول أن تمنعها من التلاشي فعلًا.

قالت وهي تكاد تبكي:

"لا، لا، لا… أنتِ هنا، أنا أسمعك، أتنفسك… أنتِ ما زلتِ هنا، إيزابيلا."

لكن إيزابيلا، بصوتٍ هامس كأنفاسها الأخيرة:

"هو ليس هنا."

تنهّدت ماريسا، وهمست لها وهي تربت على شعرها:

"إن رحلتِ الآن… سيضيع كل شيء. سيعود، ويبحث عنكِ، ولن يجدكِ."

ظلت إيزابيلا صامتة، لكن دمعة هادئة انسابت من عينها… تسللت على خدها، وسقطت على يد ماريسا.

قالت ماريسا بعدها بلحظة:

"إن لم تكوني قوية لأجلك… فكوني قوية لأجله. لأنه حارب من أجل حياتكِ، فحاربي لأجل حياته."

ظلّت هكذا، في أحضان خالتها، لا ترد، لكن أنفاسها بدأت تهدأ… وفي الداخل، كان شيء صغير جدًا… كأنّه أمل باهت، ينبض للمرة الأولى، بعد سبعة أيام من موت الشعور.

*.              *.               *.             *.      

في الطابق الأخير من المشفى الروسي، في غرفة زجاجية عازلة للصوت، تتراقص خطوط الحياة على شاشة فوق السرير.

كانت الساعة تشير إلى الخامسة صباحًا.

الثلج يتساقط في الخارج، صامتًا، باردًا… كما هو دومًا في مدينةٍ اعتادت على الموت مثل العادة.

ميخائيل يرقد على سريره، قناع الأوكسجين لا يزال على وجهه، الضمادات ملفوفة حول صدره وجانبه، أنابيب مصل تتفرع من ذراعه، والأجهزة تراقب… كل شيء فيه… إلا ما يجول داخله.

بدا كالميت... حتى ارتعشت أصابع يده اليمنى فجأة.

لا أحد لاحظ.

الممرضة كانت خلف الشاشة تدوّن الملاحظات.

ثم... تحرك جفنه.

أول إشارة منذ سبعة أيام. ثم ثانية.

شهقة صغيرة خرجت من صدره، كأن الهواء نفسه لم يصدق أنه عاد ليستنشقه.

أخذت الممرضة نفسًا حادًا، قفزت نحو الجهاز، ضغطت الزر الأحمر.

"استيقاظ! غرفة 302، المريض استعاد الوعي!"

فُتح الباب على عجل، دخل طبيبان وممرضة أخرى،

وأعينهم تتسع وهم يرونه… يفتح عينيه ببطء، عينيه الذهبيتين، الصلبتين، لكن مشوشتين... كأنهما لا تعرفان هذا العالم بعد.

همس أحد الأطباء:

"ميخائيل؟ سيد مالكوف؟ هل تسمعني؟ إذا كنت تستطيع أن تسمع، ارمش مرة واحدة."

رمش.

دقيقة كاملة من الصمت.

ثم، ببطء شديد، حرّك شفتيه… كأن أول ما أراده ليس صوت أحدهم، بل اسمها.

قال بصوت مبحوح، بالكاد يُسمع:

"سنيجكا..."

عند هذه اللحظة، تبادل الأطباء النظرات. نعم… هذا الرجل لم يفقد ذاكرته.

لم يفقد إحساسه. هو فقط تأخر… لكنه عاد.

أطفأ الطبيب الأضواء القوية، وخفض صوت الأجهزة. اقترب منه وقال:

"أنت في المشفى، في موسكو. لقد نجوت. لكننا بحاجة لبعض الوقت لتقييم وضعك."

لم يجب ميخائيل.

كان ينظر إلى السقف، لكنه لم ير شيئًا.

فهو كان لا يرى إلا عينيها، ودموعها، وصرختها… قبل أن يسقط.

تمتم الطبيب وهو يدون شيئًا:

"استجابة أولية ممتازة. لكننا نحتاج المراقبة الدقيقة فالرصاصة قرب القلب سببت بعض الضرر العصبي المؤقت."

ميخائيل لم يهتم… لم يسأل عن قلبه، ولا صدره… فقد كان قلبه في مكان آخر، في مدينة أخرى، مع عيون لا تبصر… لكنها تراه.

الساعة تقترب من السابعة صباحًا.

الثلج لم يتوقف عن السقوط. ورائحة المعقمات تعبق في الهواء الرمادي البارد.

في غرفة 302، فتح ميخائيل عينيه مجددًا، يرمش بتعب، لكنه حاضر… حاضر تمامًا.

الباب فُتح بهدوء.

دخل ديمتري، يحمل ملفات وتقارير، لكن ما إن وقعت عيناه على أخيه الجالس، حتى تجمد.

اقترب منه، وضع الملفات على الطاولة، وقال بصوت نازل من القلب:

"لعنة الله عليك… هل أنت طبيعي؟"

ابتسم ميخائيل، ابتسامة باهتة… لكنها حقيقية. همس بصوته الأجش:

"أنتَ من ترك لي البلد… وعدت لأجمع الرصاصات وحدي؟"

ضحك ديمتري رغمًا عنه، هز رأسه واقترب أكثر، جلس على الكرسي:

"كان من المفترض أن تُبقي على حياة واحدة على الأقل في القصر، لا أن تنقل الحرب إلى إسبانيا."

لم يجب ميخائيل.

كان ينظر إلى يديه الملفوفتين، ثم قال بعد صمت:

"كيف حالها؟"

سكت ديمتري لحظة. ثم أجاب:

"صامتة. تأكل بصعوبة. ترفض جلسات العلاج. لكنها… تتنفس، ميخائيل."

أغلق عينيه لثانية. ثم قال بصوت أشبه بزئير منه بضعف:

"أكره هذا الضعف… أن أكون هنا، وهي هناك… تبكي وحدها… وتحمل وزري."

قال ديمتري بهدوء، وهو يفتح الملف:

"لن تبكي طويلًا. سوف تعود إليها. لكنك تحتاج أسبوعين على الأقل قبل أن تقف… واثنين آخرين قبل أن تطير."

نظر إليه ميخائيل، عيناه… لا تزالان مشتعلتين:

"ليس لدي شهر. جهّزوا لها جلسات علاجها هنا. فريق كامل، كما وعدت. واستعدوا لعودتها."

ديمتري رفع حاجبه:

"وماريسا؟"

أجاب ميخائيل بلا تردد:

"تأتي معهم. لن أتركها وحدها. ليست بعد ما فعلته داريا…"

ساد صمت ثقيل. ثم قال ديمتري، ببطء:

"راودني سؤال… لو عدت للوراء… كنت ستقتلها؟"

حدّق فيه ميخائيل طويلاً، ثم قال بنبرة غليظة:

"كنت سأقتلها مرتين."

لم يُجب ديمتري.

فقط أومأ، ونهض، وقال قبل أن يخرج:

"سأبلغهم بخطة العودة. هي لن تتحمل أكثر من هذا."

بقي ميخائيل وحده… لكن عينيه كانتا هناك… معها، يريانها… حتى وهي لا تراه.

*.            *.              *.             *.    

في قصر آل روستوف في مدريد، استيقظت إيزابيلا في سريرها ببطء، ليس لأن جسدها ارتاح، بل لأن الليل تعب من الانتظار.

فتحت عينيها على الظلام ذاته، ظلامٌ دائم، لا يفرق فيه بين شتاء وصيف، ولا بين شروق وغروب.

ماريسا كانت جالسة على الكرسي القريب، تقرأ، أو تتظاهر بالقراءة، عينها عليها طوال الوقت.

همست إيزابيلا، بصوت خافت:

"كم الساعة؟"

قالت ماريسا، وهي تغلق الكتاب فورًا:

"قريبة من التاسعة… صباحًا. هل تريدين شيئًا؟"

هزّت رأسها ببطء:

"لا شيء… فقط أردت أن أعرف إن كان هذا كابوسًا…

أم أنه يوم آخر."

اقتربت ماريسا، جلست بجوارها على حافة السرير، وأمسكت بيدها:

"إنه يوم جديد… لكنه أفضل من أمس، لأنكِ ما زلتِ هنا."

ابتسمت إيزابيلا بسخرية، ابتسامة بالكاد ارتفعت فوق شفتها:

"وهل هذا جيد؟ أن أظل هنا… وهو لا يزال هناك، لا أسمع عنه شيئًا؟ كل ليلة أحلم بصوته… أمد يدي إليه فلا أجد إلا الفراغ."

قالت ماريسا بهدوء، تحاول إمساك أعصابها:

"الصبر، إيزابيلا. كل يوم يمضي هو خطوة نحو الشفاء. ولعله… يستيقظ غدًا."

لم تجب، بل أدارت وجهها قليلًا نحو النافذة التي لا تراها، وقالت بهمس شبه مخنوق:

"أو ربما… استراح. وغادر دون أن يودّعني. كأنه لم يكن."

وضعت ماريسا يدها على خدها، أجبرتها أن تلتفت نحوها، وقالت بنبرة لا تقبل الجدال:

"ميخائيل لا يموت… قبل أن ينهي معركته. وأنتِ معركته الآن. لن يترككِ… صدقيني."

سكنت إيزابيلا للحظة، ثم همست:

"أتمنى فقط… أن يعلم أنني انتظرته. حتى لو لم أره أبدًا."

كان الصباح صامتًا في القصر، كما اعتاد منذ رحيله.

لا ضحك، لا حديث، لا موسيقى خافتة… فقط خطوات مارة، وأبواب تُفتح وتُغلق بهدوء جنائزي.

في غرفة إيزابيلا، كانت جالسة على كرسي بجانب الشرفة الزجاجية، بثوبها الصوفي، ووشاحها الرمادي يحيط بعنقها، لا تتحرك… لا تسأل… فقط تنصت إلى لا شيء.

ماريسا كانت تعد الشاي على الطاولة القريبة، حين دُقّ الباب بخفة، ثم انفتح بهدوء ودخل أليخاندرو روستوف.

كان وجهه متعبًا، لكن في عينيه… شيءٌ غريب، كأن شيئًا عاد للحياة فيه بعد سبات.

قالت ماريسا فورًا، وهي تحدّق به:

"ما الأمر؟"

لم يجبها، اقترب من ابنته، وانخفض إلى مستواها، جلس على ركبتيه أمام كرسيها… ووضع يديه على يديها الباردتين.

قال بصوتٍ منخفض، لكن عميق:

"إيزا… حبيبتي، أحتاجكِ أن تستمعي لي جيدًا…"

رفعت وجهها فورًا، كأنها التقطت نغمة غير معتادة في صوته، وجفناها ارتجفا.

تمتمت:

"ماذا هناك؟"

ابتسم ابتسامة صغيرة، مرتعشة، ثم قال… بكلمة واحدة:

"استيقظ."

لم تفهم. بل كانت ترفض أن تفهم بسرعة.

قالت ببطء، كأنها تتذوق الحروف:

"من… استيقظ؟"

قال أليخاندرو، وهو يضغط على يديها:

"ميخائيل. ابنتي… استيقظ."

في لحظة… توقف الهواء في الغرفة. تجمد الزمن.

إيزابيلا لم تتحرك. ثم فجأة، شهقت. شهقة عنيفة، خرجت من الأعماق، كأنها طردت الحزن كله من صدرها.

قالت، وهي تبدأ بالبكاء:

"أبي… هل أنت متأكد؟ هل هو حقًا…؟"

هزّ رأسه بإيجاب، عيناه تدمعان:

"ديمتري أخبرني قبل دقائق.هو مستيقظ… مدرك، يتحدث، يطلب رؤيتكِ."

بكت.

انهارت.

لكنها لم تبكِ كالأمس… كانت دموع ناعمة، حارة، أقرب للنجاة منها للانكسار.

ماريسا كانت خلفها، تضع يدها على كتفها، همست لها:

"أرأيتِ؟ ألم أقل لكِ… أنه سيعود؟"

لكن إيزابيلا لم تجب، فقط همست لنفسها، شفتاها ترتجفان:

"كان يسمعني… حتى وأنا لا أتكلم. كان يسمعني."

ـ كانت تجلس في فراشها، كأنها لم تعرف بعد كيف تتنفس هواءً يحمل اسم "النجاة".

ماريسا كانت تضع وسادة خلف ظهرها، وفرانسيسكو قرب الباب، يبتسم بصمت.

رنّ الهاتف.

صوت الرنين بدا مختلفًا، كأنه جاء من قلبها لا من الجهاز.

أخذته ماريسا بسرعة، نظرت إلى الشاشة، ثم نظرت نحو إيزابيلا:

"إنه هو…"

في البداية، لم تتحرك.

جسدها ارتجف، أنفاسها تسارعت… ثم، ببطء، مدت يدها المرتجفة، أخذت الهاتف، ووضعت سماعته قرب أذنها.

في البداية… لا صوت.

ثم جاء… صوتٌ أجش، متعب، لكن عميق... مألوف حدّ الانهيار.

قال بخفوت:

"سنيجكا…"

انفجرت الدموع من عينيها… لم تجب. فقط غطّت فمها بكفها، وانسابت شهقاتها صامتة، حارقة، محمّلة بكل ما لم يُقال.

قال مجددًا، بصوته الذي كاد يُكسر:

"أنا هنا… أنا بخير… لم أرحل."

شهقت أنفاسها، ثم همست بصوت لا يكاد يُسمع:

"كنت أموت كل يوم… دونك."

تنهد من الطرف الآخر، صوته اقترب، كأنه بجوارها:

"وأنا عدت… لأجمعكِ من الموت، قطعة قطعة."

أغلقت عينيها بقوة، الدموع تنهار بحرارة، كأن قلبها أُعيد تنشيطه فقط بصوته.

قالت بعد لحظة، بصوت متقطع:

"أنا آسفة… كنت السبب… لو لم أكن، لو تركتك، لما…"

قاطعها برفق:

"كفى… أنتِ كنتِ السبب الوحيد لأنجو. كنتِ الصوت الذي سحبني من تحت الماء. كل يوم… كنتِ هناك."

سكتت. ثم تمتمت:

"كنت خائفة… خائفة ألا أسمعك مجددًا."

فقال بصوت أخفض، أقرب لرجفة حب:

"وها أنا أُسمعك… هل تصدقين الآن أنني لن أترككِ أبدًا؟"

أجفلت دموعها مرة أخرى، لكن هذه المرة لم تكن دموع ذنب، بل دموع عودة.

بقي صوته يتسلل عبر الهاتف، هادئًا، مطمئنًا، يهمس أحيانًا باسمها فقط… وكأن العالم كله يُعاد خلقه من تلك الحروف.

صوته كان لا يزال في أذنها، دافئًا، مشقوقًا من التعب، لكنه حاضر… يربت على قلبها دون أن يلمسها.

قال بصوت منخفض:

"أحتاجكِ بجانبي، سنيجكا…"

سكتت لوهلة، ثم قالت، بهدوء أقرب للثبات منه للتردد:

"لن آتي الآن."

الصمت اشتعل على الخط. ثم أجاب، بصوت بدا فيه الوخز:

"ماذا؟"

تنهدت إيزابيلا، وقالت بصوت واضح، مكسوّ بالعزم:

"لن آتي الآن يا ميخائيل. لن أقطع طريقي في العلاج. لن أدخل عليك كما تركتني… كسيرة، فاقدة للبصر."

صوته كان أثقل حين قال:

"لكنني أحتاجك. كل شيء هنا بلا لون… بلا طعم… دونك."

تمسكت هي بالهاتف كأنها تمسك قلبها، وقالت:

"وأنا أموت شوقًا، كل ثانية. لكن… سأبقى. سأنهي جلساتي، سأجري العملية. سأراك بعينيّ، لا بخيالي."

تمتم هو، صوته فيه نبرة غضب محبوس:

"هذا لا يرضيني، إيزابيلا. لا أريد وقتًا إضافيًا بعيدًا عنك."

أجابت بهدوء، لكنها لم تتزحزح:

"وأنا لا أريد أن أراك من خلف حجاب الألم. سأراك… واقفة، أنظر في عينيك، وأقول لك شكراً لأنك عدت."

لم يجب للحظة، ثم قال بصوت منخفض:

"عنيدة …"

ابتسمت، دمعة على خدها:

"تعلمت منك."

قال بعدها، بصوت أبطأ، أكثر دفئًا:

"إذن، أنهي علاجكِ سريعًا… لأنني لن أحتمل أن أبقى هنا طويلًا دونك."

همست:

"وعد، قريبًا… سأكون في موسكو. لكن هذه المرة… سأدخل عليك واقفة، بخطوات ثابتة… وسأجدك في انتظاري."

قال بهدوء:

"وسأكون هناك. لا تقلقي… لن أرحل عن الحياة دونكِ، سنيجكا."

*.              *.                *.                *.     

مرت الأيام التالية بسرعة غريبة، كأن العالم بدأ يركض بعد أن ظلّ واقفًا لأسابيع.

كل صباح، تستيقظ إيزابيلا على صوت ماريسا، تحمل لها الملابس، وتساعدها على ارتدائها، لكن هذه المرة… لم تكن يد إيزابيلا راخية كما في السابق، بل ثابتة، تقبض على ثوبها بقوة.

في المركز العلاجي، كانت تجلس مستقيمة، تسمع صوت الطبيبة وهي تقول:

"تحسن ملحوظ… الجلسة المقبلة قد تكون الأخيرة قبل التقييم الجراحي."

ابتسمت لأول مرة منذ أيام. لم ترَ الابتسامة، لكن ماريسا رآتها، وربتت على يدها قائلة:

"هكذا… هكذا نعود، إيزابيلتي."

الجلسة الرابعة. .

وضعت الطبيبة يدها على كتفها بعد الانتهاء، وقالت بصوت متفائل:

"العصب البصري استجاب بشكل جيد… العملية ستكون بسيطة نسبيًا، ومع نسبة شفاء مرتفعة جدًا."

قالت إيزابيلا، وهي تمسك بيديها فوق حضنها:

"كم من الوقت بعدها… حتى أراه؟"

أجابت الطبيبة بابتسامة:

"يومان راحة، بعدها سترين العالم من جديد."

في المساء، جلست مع ماريسا في شرفة الغرفة، قالت بهدوء:

"هل تتخيلين؟ بعد يومين… قد أرى وجهه. وجهي في المرآة… لون ثيابي… العالم."

ماريسا، بعينين دامعتين، تمتمت:

"لكن الأهم… أنكِ ستريه هو."

هزّت إيزابيلا رأسها بخفة، ثم همست:

"أعلم… ولهذا، لن أسمح للعتمة بالبقاء في عيني بعد الآن."

اليوم السابع – ما قبل العملية

جاء الطبيب، راجع التقارير، أخبرها بأن العملية ستُجرى في الصباح التالي.

قال بجدية:

"نسبة النجاح عالية جدًا، لكننا نحتاج لقلب قوي، وإيمان أقوى."

قالت إيزابيلا بهدوء، دون تردد:

"أمتلك الإثنين."

ثم تمتمت بصوت خافت:

"قلبي في موسكو… وإيماني يعود إليّ كلما سمعت صوته."

ــ الرواق الأبيض في الطابق الثالث من المركز الطبي الخاص في مدريد، أضاءه الصباح الرمادي، لكن لم يكن في قلوب الواقفين أي نور.

جلست ماريسا على مقعد أمام غرفة العمليات، بجانبها أليخاندرو الذي بدا أكثر تعبًا من العادة، وأمامه وقف فرانسيسكو صامتًا، فيما وقف راؤول عند النافذة، وزوجته إلى جواره، تهمس له بقلق.

كان المكان مشبعًا بالتوتر، لكن أحدًا لم يتحرك، فقط القلوب… كانت تهتز داخل صدورها.

وفجأة… رنّ الهاتف المحمول في يد ماريسا للمرة السادسة.

أجابت وهي تتمالك نفسها:

"نعم، ميخائيل… لا، لم تخرج بعد… نعم، سأخبرك فورًا."

أغلقت الخط ببطء، ثم رمت الهاتف على المقعد بجانبها، تمتمت بغيظ:

"أقسم إن اتصل مرة أخرى سأرمي الهاتف من النافذة!"

ضحك راؤول بخفّة رغم التوتر:

"اتركيه… هذا طبيعي، يحبها."

قالت ماريسا وهي تشبك ذراعيها:

"نحبها نحن أيضًا، لكن ليس بهذا الشكل! كل خمس دقائق؟ ما هذا، رجل أم جهاز إنذار؟"

رنّ الهاتف مجددًا. نظر الجميع نحو الشاشة.

اسم "ميخائيل" يضيء.

رفعت ماريسا حاجبيها، ثم أجابت دون أن ترفع الهاتف لأذنها:

"أتعلم ما رأيي يا سيادة الجزار؟ ابقَ معي على الخط حتى تنتهي العملية بدلًا من هذا الجنون. سأضعك على مكبر الصوت، اجلس معنا مثل بقيتنا!"

ثم ضغطت زر مكبر الصوت، وانتشر صوت ميخائيل في الردهة:

"هل خرج الطبيب؟"

أجاب أليخاندرو أخيرًا، بصوته الهادئ:

"ليس بعد… لكنها في يد أمينة."

قال ميخائيل، صوته خافت لكنه عميق:

"ليست يدًا أمينة حتى أراها بين ذراعي."

سادت لحظة صمت… ثم همست زوجة راؤول:

"إنه لا يستطيع البعد عنها، أليس كذلك؟"

تمتمت ماريسا، وهي تنظر إلى الباب المغلق أمامها:

"لا أحد يستطيع، لكننا اليوم… لا نملك إلا الانتظار."

استقرت العيون كلها على ذلك الباب، كأن العالم كله خلفه، كأن من خلفه ليست مجرد فتاة… بل قلب الجميع.

وميكروفون الهاتف لا يزال مفتوحًا، وصوت ميخائيل لا يزال يتردد فيه… يتنفس بثقل، كأنه لا يعيش… إلا عبر سماعهم هم يتنفسون.

كانت ماريسا لا تزال تمسك الهاتف، وصوت ميخائيل يتنفس على الطرف الآخر بصمت ثقيل.

كل من في الردهة ساكن، حتى أصوات العصافير في الخارج بدت باهتة... كأن العالم كله ينتظر ذلك الباب… فقط.

ست ساعات.

هذا هو الزمن الذي مضى منذ دخول إيزابيلا غرفة العمليات.

لكن كل دقيقة كانت بطول عام.

رنّت خطوات خلف الباب….أصوات تحرّك معدات… ثم ..... صوت المقابض يُفتح.

نهض الجميع دفعة واحدة، ماريسا تمسكت بمقبض الكرسي، وأليخاندرو تقدم خطوتين إلى الأمام، وفرانسيسكو وضع يده على قلبه، وراؤول شدّ يد زوجته لا إراديًا.

خرج الطبيب الرئيسي، وجهه منهك… لكن في عينيه ضوء لا يُخفى.

نظر إليهم جميعًا، ثم إلى ماريسا، وقال:

"العملية نجحت."

انفجرت ماريسا بالبكاء فورًا.

شهقة واحدة، ثم انهارت على الكرسي وهي تضع يدها على وجهها.

أليخاندرو أغمض عينيه، وتمتم بصوتٍ مبحوح:

"الحمد لله… الحمد لله."

فرانسيسكو ضغط بقبضته على صدره، كأنه يعيد قلبه إلى مكانه.

أما راؤول، فضم زوجته بقوة دون أن ينبس بكلمة.

قال الطبيب:

"نحتاج ليوم واحد فقط للتأكد من الاستجابة الكاملة… لكننا واثقون أنها سترى النور مجددًا. هي الآن تحت المراقبة… ستستفيق خلال ساعات."

ماريسا، بصوت مختنق وهي تمسح دموعها:

"هل نستطيع… هل نستطيع رؤيتها؟"

أجاب الطبيب:

"واحد فقط، لمدة دقيقة. ثم تحتاج إلى راحة كاملة."

قالت ماريسا وهي تنظر إلى الهاتف في يدها، الذي لا يزال في وضع المكالمة:

"سيد مالكوف… هل تسمعني؟"

جاء صوت ميخائيل… أضعف من أي مرة، لكنه لا يزال يحمل القوة ذاتها:

"أنا هنا."

قالت ماريسا:

"العملية نجحت… إيزابيلا بخير."

لم يجب.

فقط سمعوا أنفاسًا متقطعة، ثم صمتًا طويلًا.

قال أليخاندرو وهو يمسك الهاتف من ماريسا:

"ميخائيل… لقد أوفت بوعدها."

أغلق الهاتف بعد كلمات قصيرة، ثم التفت الطبيب إليهم:

"من منكم سيزورها؟"

تقدمت ماريسا، قالت بصوت واثق:

"أنا."

نظر الجميع إليها باحترام، ثم تابعوها وهي تمشي نحو الغرفة التي لا تزال فيها الفتاة التي قررت أن تعود للحياة… لأجله.

ــ الساعة تقترب من الرابعة عصرًا، الصمت يخيّم على الغرفة البيضاء، والمحاليل المعلقة تسكب قطراتها على مهل، كأن الزمن يُقاس بقطرات مصل… لا بالثواني.

ماريسا جلست بجانب سريرها، تتأمل ملامح إيزابيلا النائمة، الهدوء أخيرًا استقر على وجهها، وشفتاها لا ترتجفان كما كانت من قبل.

مرت دقائق… ثم بدأ رمشُها الأيسر يرتجف.

ماريسا رفعت رأسها فورًا، اقتربت أكثر، وضعت يدها بخفة على كفّها، وقالت بهمسة بالكاد تُسمع:

"إيزا…؟"

عيناها ارتجفتا أكثر… ثم انفتحتا.

ببطء.

ترددت جفونها، كأنها تخشى الضوء.

وماريسا لم تتحرك. لم تقل شيئًا… فقط انتظرت، ويدها لا تزال على يدها.

ثوانٍ… ثم فتحت إيزابيلا عينيها بالكامل.

الضوء… ضربها بلطافة، لا بقسوة.

كان خافتًا، ناعمًا، لكنه أضاء كل شيء في داخلها.

ظلت تنظر لثوانٍ، ثم بدأت تبكي بصمت.

لم تكن تعرف كيف تنطق، فقط كانت تنظر إلى السقف… ثم ببطء، أدارت وجهها جهة ماريسا، ورأتها.

تنهّدت ماريسا بدمعة، وابتسمت تلك الابتسامة التي تأتي بعد طول مقاومة:

"أهلاً بعينيكِ، صغيرتي."

قالت إيزابيلا، بصوت متقطع:

"أراكِ… أنا أراكِ…"

ثم انفجرت باكية، بكاء لا يشبه الانهيار، بل يشبه النجاة.

ضمّتها ماريسا فورًا إلى صدرها، همست لها وهي تغلق عينيها:

"وسترينه قريبًا… إنه ينتظركِ هناك."

همست إيزابيلا، بين شهقاتها:

"سأذهب إليه… هذه المرة… سأكون أنا من يذهب."

في تلك اللحظة، لم تكن فتاة خرجت من غرفة عمليات، بل امرأة خرجت من الحرب… بوجه نقي، وعينين تتوقان لرؤية العالم من جديد.

*.             *.              *.             *.    

في الطابق العلوي من قصر آل مالكوف بموسكو، جلس ميخائيل على الأريكة الجلدية العميقة في جناحه الخاص، جسده لا يزال يحمل آثار الرصاص، لكن الضمادات لم تعد تضغط عليه بقدر ما يضغط الانتظار على قلبه.

الغرفة كانت هادئة، مدفأة مشتعلة تنثر الدفء الخفيف، والثلج يهبط خلف الزجاج بصمت أنيق، كأن العالم قرر أن يتوقف… في لحظة انتظار.

كان ديمتري قد زاره في الصباح، أحضره الأطباء تقاريرهم، الجميع يقول له: "أنت تتعافى."

لكن لا أحد منهم يعرف… أن ما يحتاجه ميخائيل ليس تعافي الجسد.

جلس وحيدًا، الستائر مفتوحة، والنور الرمادي يتسلل إلى الغرفة بهدوء، يحمل معه طيفًا من اسم… "إيزابيلا."

فتح هاتفه، نظر إليه للحظة، كأن روحه تنتظر رنينًا، إشعارًا، شيئًا… لكنه ظلّ صامتًا.

همس لنفسه:

"يومان… كانت بحاجة فقط ليومين."

ثم مرّر يده على صدره ببطء، تلمّس موضع الرصاصة التي كادت تسرقه منها، وهمس:

"إذا لم تعد…فما فائدة أنني عدت؟"

وقبل أن يتمادى في وحدته، رنّ الهاتف.

لم يكن صوت ماريسا، ولا أليخاندرو .... بل فرانسيسكو.

أجابه ميخائيل على الفور، صوته ثابت:

"نعم؟"

قال فرانسيسكو… بصوته الرجولي الصارم الذي لم يعرفه ميخائيل إلا اليوم:

"هل تجلس؟"

ميخائيل قطب حاجبيه:

"قل، فرانسيسكو…"

ثم جاء الجواب:

"لقد فتحت عينيها… ورأت."

مرت ثوانٍ… لكن الزمن فيها كان كافيًا ليسقط الجليد من على كتفيه.

قال بصوت أجش، لم يعد يسيطر عليه:

"ورأت…؟"

أجاب فرانسيسكو بابتسامة كانت تُسمع عبر الخط:

"رأت ماريسا… ورأت الغرفة… وبكت. لكن أول ما قالت بعد ذلك: أريد أن أذهب إليه."

ميخائيل أغلق عينيه، كأنما تَنفّس لأول مرة منذ أسابيع.

لم يعلّق، فقط جلس هناك… تاركًا الصمت يتكلم نيابة عنه.

ثم همس أخيرًا، والثلج يهبط بالخارج:

"جهّزوا لها الطائرة… لتعد."

 

*.             *.              *.             *.    

الطائرة الخاصة حلّقت في السماء الرمادية، تحمل معها شيئًا أثمن من الذهب، تحمل قلب إيزابيلا… وهو ينبض بقوة لأول مرة منذ أسابيع.

كانت جالسة قرب النافذة، ترتدي معطفًا رماديًا طويلًا، وشعرها مُسدَل بحرية، وعيناها لا تتركان النافذة، رغم أن الغيوم لم تسمح برؤية شيء واضح.

في المقعد المقابل، جلست ماريسا، تراقبها دون أن تقاطع أفكارها، كانت تعلم… أن هذه ليست مجرد رحلة سفر، بل عودة.

التفتت ماريسا إليها، وهمست:

"هل أنتِ بخير؟ الطبيب أوصى بالراحة ليومين على الأقل."

هزّت إيزابيلا رأسها بخفة، وقالت، وعيناها لا تزالان على النافذة:

"لم أعد أحتمل راحة بلا مَن أستريح بقربه."

قالت ماريسا بنصف ابتسامة:

"إذًا، مفاجأة؟"

أجابت إيزابيلا بصوت ناعم، لكنه يحمل رجفة:

"أجل… لا يعرف أنني قادمة اليوم. ولا أريد أن يعرف."

قالت ماريسا بعتب مشاكس:

"حتى أنا بالكاد أقنعت نفسي أن أتركك تسافرين بعد أقل من ٤٨ ساعة من الجراحة."

نظرت إيزابيلا إليها، عينان تلمعان بالضوء الجديد… والشوق المتراكم:

"حين أراه… سأكون بخير."

سادت لحظة صمت، ثم مدّت ماريسا يدها فوق يد إيزابيلا، قالت:

"ستكونين بخير… وهو أيضاً."

مرت ساعة، ثم أخرى، والطائرة تقترب من موسكو. الثلج الأبيض بدأ يلوّح من تحت السحب، والمدرج يظهر في الأفق.

أغمضت إيزابيلا عينيها للحظة، تنفست بعمق، ثم همست:

"سأدخل عليه… بعينين ترى، وقلب لا يريد سوى أن يُرى."

*.              *.              *.              *.       

هدوء خافت في جناح ميخائيل داخل القصر.

المدفأة تهمس بنيران هادئة، والضوء الطبيعي يتسلل من النوافذ المُغطاة بستائر ثقيلة بلون الفحم.

جلس على الأريكة الجلدية، يرتدي قميصًا داكنًا وسروالًا رسميًا، ظهره مستقيم، وعيناه مركزتان على أوراق ينتقل بينها بعناية.

لكن من يراه جيدًا… يعلم أن تركيزه ليس هنا.

كان ديمتري واقفًا أمام الطاولة، يراجع معه بعض الملفات العالقة منذ أسابيع:

"هذه العقود كانت تنتظر توقيعك… أما هذا التقرير الأمنية الأخيرة من أوكرانيا…"

توقف للحظة، ثم نظر إليه بخفة:

"لم أظنك ستراجعها اليوم."

رفع ميخائيل نظره نحوه، نبرة صوته هادئة لكنها تحمل نبرة نفاد صبر خفي:

"أحتاج أن أفعل شيئًا… البقاء دون فعل أصعب من الرصاص."

أومأ ديمتري برأسه، ثم عاد إلى طاولة الأوراق.

قال ميخائيل فجأة:

"هل اتصلوا؟ هل هناك أي جديد منها؟"

قال ديمتري، دون أن يرفع نظره:

"لا شيء رسمي بعد."

ثم أضاف بخفوت:

"لكنني واثق أنك ستسمع خبرًا قريبًا."

هز ميخائيل رأسه بخفة، عاد ينظر إلى الورقة أمامه… لكن عينيه لم تقرآ شيئًا.

في داخله، كانت هناك مساحة لا تزال صامتة، كأنها تنتظر… شيئًا.

نظرة، رسالة، مكالمة… أو فقط… أن تُفتح أبواب الجناح وتدخل.

لكنها لن تتصل.

ولن ترسل.

ولن تُخبره… لأنها اختارت أن تكون المفاجأة، لا البريد.

أما ديمتري، فقد أخفض عينيه إلى ساعته، ثم قال بصوتٍ هادئ:

"هل ترغب بكوب قهوة؟ قد تحتاجه بعد قليل."

نظر ميخائيل نحوه باستغراب:

"قهوة؟ في هذا الوقت؟"

أجاب ديمتري، وابتسامة خفيفة تلمع في عينيه:

"ثق بي… ستحتاجه."

ثم غادر الغرفة ببطء، يتجه نحو الطابق السفلي… حيث كان صوت الأبواب الأمامية يُفتح.

وحذاء نسائي ناعم يخطو بثقة فوق الأرض الرخامية.

توقفت السيارة السوداء أمام بوابة قصر "آل مالكوف" في موسكو، المكان نفسه… لكن في قلب إيزابيلا، كل شيء كان مختلفًا.

كانت السماء تمطر ثلجًا ناعمًا، لا يصطدم بالأرض بقسوة، بل يهبط بخفة، كأن العالم يتنفس بحذر.

فتحت ماريسا باب السيارة أولًا، نزلت بهدوء، التفتت نحو الداخل، ومدّت يدها بابتسامة مشجعة:

"هيا… لا تتركيه ينتظر أكثر مما فعل."

وضعت إيزابيلا يدها في يد خالتها، وترجّلت من السيارة، أقدامها غرقت قليلاً في الثلج الأبيض، لكنها لم تتوقف.

رفعت بصرها نحو القصر، رأت النوافذ، الأبواب، والأعمدة المهيبة، لكنها لم ترَ شيئًا منها فعليًا.

ما رأته… كان فقط النافذة العلوية في الجناح الشرقي، حيث تعلم تمامًا أنه هناك.

قالت ماريسا، بصوت هامس وهي تضع يدها على ظهرها:

"هل أنتِ مستعدة؟"

أجابت إيزابيلا، بنظرة ممتنة وبصوت ناعم:

"أكثر من أي وقت مضى."

تحركتا معًا على مهل، خطوة تلو خطوة، الصقيع تحت أقدامهما يئن بصوت خافت، والحارس عند الباب انحنى باحترام فور رؤيتهما، ثم فتح الباب الكبير، بصمت يشبه التهليل.

مرت إيزابيلا من تحت القوس الحجري، وهي تشعر أن الأرض تنبض تحتها.

أن الجدران تتنفس… كأن القصر نفسه يعرف أنها عادت.

في الداخل، استقبلهما الخدم بصمت، أحدهم أسرع لإخبار ديمتري، والآخر توجه لجلب قهوة السيد مالكوف… كما طلب قبل دقائق.

قالت ماريسا، وهي تفك وشاحها:

"هل تريدين الصعود وحدك؟"

هزّت إيزابيلا رأسها بالإيجاب، ثم ابتسمت بتوتر، وقالت:

"لكن لا تبتعدي… فقط في حال انهارت شجاعتي."

ضحكت ماريسا بخفّة، ثم مسحت على شعرها، وقالت:

"من وصلت إلى هنا… لن تنهار."

وبخطى ثابتة، صعدت إيزابيلا الدرج.

يديها تلامسان الدرابزين البارد، وقلبها ينبض كما لو كان يعدّ الخطوات.

عندما وصلت إلى باب جناحه… توقفت لحظة، ثم رفعت يدها… وطرقت.

مرة. ثم ثانية.

في الداخل… كان ميخائيل لا يزال على الأريكة، رفع رأسه فجأة، ثم حدّق نحو الباب، صوته لم يخرج بعد.

ولم يكن يعلم… أن كل ما انتظره يقف خلف ذلك الباب.

كان ميخائيل جالسًا على الأريكة الجلدية الداكنة، أمام الشرفة المفتوحة على بياض موسكو، في يده اليمنى ملف مفتوح، وفي اليسرى كأس زجاجي يحتوي شيئًا من الشراب الدافئ، يرتشف منه بلا اهتمام، عيناه تتابعان السطور… لكن لا يقرأ شيئًا.

حين سمع طرق الباب، قال بصوته العميق المعتاد، دون أن يلتفت:

"ضع القهوة على الطاولة، ديمتري."

لم يسمع جوابًا… لكنه اعتاد على صمت ديمتري. أعاد نظره للملف، ثم قال بخفة:

"أنت سريع هذه المرة، هل أحضرتها من المطبخ أم من الجحيم نفسه؟"

ورغم نبرة المزاح الجاف، ظلّ جسده ساكنًا، إلى أن شعر… بشيء يقترب.

نفس خفيف خلفه، خطوة ناعمة، وعطر… لا يمكن أن يُخطئه.

قبل أن يدير رأسه… امتدّ وجه ناعم من خلف كتفه، وشفتان دافئتان طبعَتا قبلة خاطفة على خده.

تجمّد.

حرفيًا.

ابتعد بسرعة، التف بجسده كمن صُدم بتيار كهربائي، ظنّ للحظة أن هناك خطبًا ما… حتى رآها.

إيزابيلا.

واقفة أمامه، ترتدي معطفًا أنيقًا، وشعرها مفرود على كتفيها، وعيناها… عيناها عليه.

نظرت إليه بابتسامة صغيرة، فيها قليل من العبث، وقليل من الشوق، وكثير من… "أنا هنا."

لم يتكلم.

هو، الذي لا يصمت أبدًا في وجه العدو، لم يجد حرفًا.

همست هي، بنفس الصوت الذي افتقده في نومه:

"لم أعد أحتمل الانتظار…"

اقتربت منه أكثر، وجلست بجانبه على الأريكة، ثم قالت وهي تمسك يده:

"كان يجب أن أراك… بعينيّ، لا بذاكرتي."

تنفس أخيرًا، وكأن صدره كان مختنقًا لأسابيع… ثم قال، صوته مبحوح:

"هل… هل هذه أنتِ حقًا؟"

هزّت رأسها بخفة، ابتسمت، ومررت يدها على وجنته حيث قبّلت:

"تبدو متفاجئًا أكثر مما تخيلت."

ضحك، لكن ضحكته كانت مجروحة، كأن شيئًا في داخله لا يزال لا يصدق، ثم قال:

"ظننتك… تحتاجين أيامًا أخرى، أنكِ ستعودين حين تكونين أقوى."

قالت، بصوت ثابت:

"أنا قوية الآن. قوية بما يكفي… لأكون هنا، ولأحبك كما ينبغي."

سكت، فقط نظر إلى عينيها، يتفقدهما كما لو كان يتأكد أنهما لا يزالان حقيقيتين، ثم سحبها فجأة إلى صدره، ضمّها بقوة… لا بكلمات، وهمس في شعرها:

"أنا من كنت أحتاجك… أنا."

ولأول مرة منذ أسابيع، أغمض ميخائيل مالكوف عينيه… وابتسم.

كان الدفء في الغرفة لا يأتي من المدفأة، بل من جسدين التقيا من جديد، واحتويا كل لحظات الفقد، في لحظة واحدة… ممتدة، صامتة، مشبعة بالمعنى.

جلست إيزابيلا إلى جانبه، ويده لا تزال ممسكة بكفها، أصابعه تتلمس خطوط يدها، كأنه يحاول أن يقرأها من جديد، أو ربما… فقط يتأكد أنها هنا.

لم يكن بحاجة للحديث، لكنها قالت بصوت خافت، وكأنها تهمس للذكرى:

"كنت أغمض عينيّ كل ليلة في مدريد، وأتخيلك في هذه اللحظة… تنتظرني هنا."

قال، وهو يميل نحوها أكثر، يضمها إليه:

"لم أكن فقط أنتظركِ… كنت أعيش على هذا الاحتمال."

أسندت رأسها على صدره، فسمعت دقات قلبه، ذلك النبض الثقيل، العميق، الذي لم يتغير. قالت بخفوت:

"هل اشتقت إليّ؟"

ضحك بخفة، ثم قال بصوته الأجشّ:

"سنيجكا… لقد اشتقت إليكِ حتى وأنا أنزف."

رفعت وجهها إليه، التقيا بالنظرات، ثم تقاربَت شفاههما… قبلة ناعمة، لا تُشبِه الأولى بعد البعد، بل تُشبه عناقًا طويلًا غُزل في نُقطة صغيرة.

لم يكن بينهما استعجال.

لم يكن رغبة جامحة، ولا شهقة نار. كان هناك حنين.

أنفاس، أيدٍ تلمس بحنان، وهمسات لا تُقال بصوت، لكن تُنقل عبر الجلود المرتجفة.

فتح قميصه، ولم ترفع عيناها عن صدره، رأت آثار الندوب، فلمستها بأطراف أصابعها، وقالت:

"كل هذا… من أجلي؟"

أجابها وهو يرفع يدها إلى فمه:

"بل كل ما تبقى مني… لكِ."

وحين سقط المعطف عن كتفيها، وحين تقارب الجسدان أكثر… لم يكن ذلك مجرّد رغبة، بل استرداد لما فُقِد.

همست قرب أذنه:

"أنا عدت، وأنت حيّ… فلا شيء في العالم يخيفني بعد الآن."

أجابها، صوته غائر في صدرها:

"ابقَي هنا… لا تعودي إلى أي مكان.فأنتِ… مكاني."

وابتلعت الغرفة أنفاسهما، كما تبتلع الحياة الخوف… حين ينتصر الحب.

الضوء كان خافتًا، والستائر لا تزال نصف مغلقة، والهواء مشبع بدفء لم تصنعه المدفأة، بل أنفاسهما المتشابكة، وأصابعهما التي لم تكن تريد أن تُفلت بعضها.

كانت إيزابيلا مستلقية تحت الغطاء، وشعرها منثور على الوسادة كما لو أنه قطعة من الحرير، أما ميخائيل، فكان مائلًا فوقها، يمرر أنامله ببطء على طول رقبتها، كأنه يكتشفها من جديد، لا بعين رجل، بل بقلب نجى من فقدها.

همست بصوتٍ مبحوح:

"كأنني أتنفس بك."

ابتسم، ومرر أنفه على خدّها، وقال وهو يطوّقها بذراعيه:

"وأنا… كنت أختنق من دونك."

تقاربت شفاههما من جديد، قبلة ثالثة، أعمق من الأولى، وأكثر اطمئنانًا من الثانية.

ثم… طَرقَ الباب.

طرقٌ خفيف أولًا، ثم نداء خافت من الخارج:

"ميخائيل؟ هل أنت وحدك؟ أحضرت لكما…"

جاء صوت ديمتري.

يليه صوت نسائي صارم، مألوف جدًا:

"وأنا أحضرت الدواء. افتح، لا وقت للتأجيل."

ماريسا.

في لحظة، انتفض الاثنان كمن صُبّ عليه ماء مثلج.

همست إيزابيلا وهي تسحب الغطاء بيد وتبحث عن معطفها بالأخرى:

"لا، لا، ليس الآن! أوه، اللعنة…"

أما ميخائيل، فكان أسرع… قفز عن السرير، أمسك قميصه، ثم ركله بقدمه حين تعثّر بأطرافه، ارتدى بنطاله بيد، والسترة بأخرى، وهو يتمتم بغضب ناعم:

"قَسَمٌ أن أغير أقفال هذا الباب اليوم!"

وبينما كانت إيزابيلا تسحب قميصًا على عجل، وترتب شعرها بأصابع مرتعشة، ارتفع صوت ديمتري من الخارج:

"هل… هل أخطأت التوقيت؟"

ثم سُمِع صدى ضحكة ماريسا:

"أوه، لا، أعتقد أننا جئنا في أكثر لحظة…خصوصية."

فتح ميخائيل الباب بنصف جسده، وجهه صارم، لكنه خداه يحملان أثر حرارة لم تنطفئ بعد.

قال بصوت جاف:

"في المرة القادمة… راسلوا أولًا."

ديمتري ناوله القهوة وهو يتمالك ضحكته:

"لاحظت أنه… لم تكن بحاجة للكافيين بعد الآن."

أما ماريسا، فدفعت الباب ودخلت دون إذن كعادتها، ورفعت حاجبها حين رأت إيزابيلا على السرير، شعرها مبعثر، وجهها متوهج، وغطاءها غير مُحكم.

قالت وهي تضع علبة الدواء على الطاولة:

"دواؤكِ… حبيبتي."

ثم نظرت إلى ميخائيل، وقالت بنبرة مشاكسة:

"لا تقلق، سنغادر فورًا. فقط… احتفظا ببعض الهواء للتنفس."

رد ميخائيل وهو يسحبها من كتفها نحو الباب:

"خارجًا، ماريسا. الآن."

ضحك ديمتري، لوّح بيده، ثم انسحب هو الآخر قائلاً:

"سأعود لاحقًا لمناقشة الملفات، أو… لا، لن أعود."

أُغلق الباب أخيرًا.

تبادل إيزابيلا وميخائيل نظرة طويلة، ثم انفجرا ضاحكين.

قالت وهي تضع يدها على صدرها:

"كنا نعيش مشهدًا سينمائيًا… حتى جاءا وأفسداه بالكامل."

اقترب منها، مدّ يده ليلامس خدها، ثم همس:

"سيأتي الليل، وسأُكمله لكِ… بدون أي مقاطعة."

ابتسمت وهي تميل نحوه، وقالت:

"وسأكون جاهزة… تمامًا، كما لو أن العالم كله اختفى."

*.           *.            *.           *.   

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • تحت جناح الجزار    23- النهاية

    استيقظت إيزابيلا متأخرةً، إن جاز تسميته استيقاظًا، فهي لم تنم، بل انتقلت من حالة وجع صامتة إلى أخرى.جلست على السرير، لم تطلب شيئًا، لم تتحدث، رفضت الاستحمام، ورفضت الفطور.ماريسا دخلت إليها بكوب شاي وبعض الخبز، جلست أمامها، وقالت بلطف:"عليكِ أن تأكلي شيئًا، إيزابيلا… جسدك بحاجة للطاقة."لكنها لم تجب.كانت تنظر إلى الفراغ بعينين لا ترى، لكن في داخلهما ألف سؤال، ألف مشهد، ألف دمعة مجمدة.وضعت ماريسا اللقمة الأولى على فمها، ولولا الضغط الخفيف على فكها لما فتحت فمها.أكلت ثلاث لقيمات، ثم أدارت رأسها بعيدًا… كأنها تقول:"كفى، هذا أكثر مما أحتمل."اليوم الثالث.لم تعد تجيب على أي مكالمة.حتى حين اتصل بها ديمتري، أجابت ماريسا، وأعطتها الهاتف.قال ديمتري، صوته حازم لكن خافت:"هو لا يزال يقاتل، إيزابيلا. ميخائيل عنيد، تعرفينه… لن يرحل قبل أن يعود إليكِ."لكنها لم ترد.حتى لم تهز رأسها.فقط كانت تمسك الهاتف بين أصابعها ثم أعادته إلى ماريسا دون كلمة.قالت ماريسا حينها:"صوته وحده… كان يكفيكِ سابقًا لتبتسمي، ما الذي تغير؟"قالت إيزابيلا، بصوت هامس:"أنه لم يعد هنا."اليوم الخامس.رفضت الذهاب إل

  • تحت جناح الجزار    22

    كانت الساعة تجاوزت منتصف الليل، والبيت ساكن كما لم يكن من قبل.بوابة القصر فُتحت دون أن يصدر عنها صرير، والسيارة السوداء دخلت الحديقة ببطء، كأنّها لا تريد إيقاظ الأشجار.في الداخل، خرج ميخائيل من السيارة دون أن يتحدث، وجهه كان مظللًا… الأنوار الخافتة انعكست على زر سترته، لكنه بدا كأنّه عاد من دفنٍ، لا من استجواب.في عينيه… لم يبقَ حوار. كل شيء داخله أصبح قرارًا.صعد السلالم بخطوات صامتة، وقف عند باب الجناح، لم يدخل فورًا.مد يده، فتح الباب بهدوء، ليجد ماريسا قد نامت على الكنبة، وإيزابيلا لا تزال مستلقية، كأنها تنتظر، كأن قلبها لم يسمح لها أن تنام إلا على صوته.اقترب، دون أن يصدر صوتًا، جلس على طرف السرير، ثم تنهد بصمت… ووضع يده على معصمها، بلطف.فتحت إيزابيلا عينيها. رغم الظلام، شعرت به.همست:"أنت عدت."لم يجب.لكن كفّه انتقل إلى شعرها، مرّ عليه ببطء…وهو لا يزال لا يقول شيئًا.ثم نطق، كلماته خرجت مثل طلقة:"رافائيل… كان مجرد أداة."شهقت أنفاسها، لكنها لم تتكلم.تابع، صوته هادئ… لكنه مثقل بثقل الحديد:"التي حملت السكين إلى يده… كانت داريا."أغمضت إيزابيلا عينيها، كأن كل شيء سقط في مكا

  • تحت جناح الجزار    21

    فتح باب الشرفة بهدوء، ودخل الهواء البارد إلى صدره كطعنة طويلة، لكنه لم يزفر.وقف مكانه، محدقًا في اللاشيء، والمدينة تمتد تحت قدميه… صاخبة، لكن لا أحد يسمع ما يحدث في صدره.مدّ يده ببطء إلى الجدار، أسند كفه، ثم جبينه.أنفاسه خرجت من أنفه ببطء… كأن قلبه يئن… دون أن يشتكي.لم يكن غاضبًا بالصراخ.ميخائيل لا يعرف الصراخ.هو لا يصيح… بل ينفجر من الداخل، لكن بصمت قاتل.في رأسه، كانت داريا تتحرك كصوت قديم يعرفه جيدًا… لكن لا يعرف كيف يُسكته."رسالة واحدة، صوت واحد، يكفي ليزرع الحذر في قلب إيزابيلا."هي لا ترى، لكنها تشعر. وكل شعور… داريا تعرف كيف تُسممه.أغمض عينيه، ورأى المشهد:إيزابيلا، على السرير، تتلقى كلمات لا تعرف لها وجهًا، لكنه… يعرفه جيدًا.داريا لم تذهب إلى مدريد فقط لتراقب، هي جاءت لتفعل ما لم تستطع فعله في روسيا.أن تخترق من يحب… دون أن تمسّه.تراجع خطوة، ثم أخرج هاتفه.ضغط الرقم، اتصال مباشر:"ديمتري."جاء صوت أخيه من الطرف الآخر، متأهبًا:"هل تريدني أرسل رجالًا لها؟"ردّ ميخائيل بصوت خافت، لكن كل كلمة كانت مشبعة بالغضب المكبوت:"لا. داريا ليست في خطر. داريا هي الخطر."ثم تابع:"

  • تحت جناح الجزار    20

    كان المركز هادئًا هذا الصباح، الاستقبال مضاء بنور ناعم،والممرات خالية تقريبًا، كأنّ الصباح نفسه قرر أن يتنفس ببطء… ليمنحها فرصة للتقدّم.دخلت إيزابيلا ممسكة بذراع ميخائيل، خطوتها الأولى كانت بطيئة، لا من الخوف، بل لأنها أرادت أن تشعر الأرض تحتها.هو لم يتكلم، لم يدلها، لم يوجّهها…فقط كان يمشي إلى جانبها، يده تمسك بكفّها، وأصابعه تُرسل نبضًا هادئًا تحت جلدها:"أنا هنا… أنا لن أترككِ."في غرفة العلاج، جلست على المقعد المخصص، ظهرها مستقيم، وجسدها مشدود بتوتر خفيف.أخصائية العلاج، شابة في منتصف الثلاثينات، تحدثت بهدوء وهي تضع ملفًا صغيرًا على الطاولة:"اليوم، سنبدأ بتحفيز الإدراك الحسي من خلال الحركة البطيئة في البيئة. الهدف هو أن تعتمدي على السمع واللمس لتخطيط المساحة."أومأت إيزابيلا برأسها.صوتها لم يخرج، لكنها أمسكت بيد ميخائيل لحظة، ثم همست:"ابقَ… ولا تقل شيئًا، فقط… كن هنا."نظر إليها، ورغم أنه لم يتعوّد على هذا الدور، على الجلوس صامتًا بينما من يُحب يتألم أمامه دون أن يتدخل، لكنه فقط أومأ… ثم جلس على الكرسي المقابل، يداه مشبوكتان، ووجهه… مشدود الصمت.بدأ التمرين.وضعت الأخصائية

  • تحت جناح الجزار    19

    السماء في مدريد كانت رمادية، لكن لا تمطر.الهواء معتدل، وحفيف الأشجار في الطريق الطويل المؤدي إلى القصركان يُحدث صوتًا متقطعًا يشبه الهمس... كأن الطبيعة تُرحّب بحذر.تحركت سيارات آل روستوف داخل البوابة الرئيسية للقصر،بوابة من الحديد الأسود، تتوسطها الحروف الأولى من اسم العائلة محفورة بزخارف فخمة.في السيارة الأمامية، جلس أليخاندرو إلى جوار ابنته إيزابيلا، التي كانت تضع يدها على النافذة المغلقة، كأنها تتحسس الأصوات من الزجاج.قال بهدوء، وهو يُراقب الطريق داخل القصر:"اقتربنا... خمس دقائق فقط، وستكونين في غرفتك."لم تُجب.لكن أصابعها انزلقت ببطء على الزجاج، ثم سحبت يدها إلى حضنها.جلس خلفها فرانسيسكو، يُحدق بظهر مقعدها، وكأن شقيقته... أصبحت امرأة لا يعرفها تمامًا.هادئة جدًا، ساكنة جدًا، لكن داخله يعرف:البركان لا يهدأ... بل ينتظر.وصلت السيارة إلى البهو الخارجي، أمام القصر المبني من الحجر الكريمي اللون، والنوافذ الواسعة ذات الشرفات الحديدية.الواجهة ذاتها، التي اعتادت إيزابيلا أن تركض نحوها في طفولتها... اليوم لا ترى منها شيئًا، لكنها سمعت الصدى... وتذكرت.توقفت السيارة. فتح السائق ا

  • تحت جناح الجزار    18

    في صباح اليوم التالي، كان الضوء الشتوي يتسلل إلى أروقة المشفى من خلف النوافذ الزجاجية الكبيرة، لكنه لم يصل إلى الغرفة رقم (٤).هناك… النور لم يعد يعني شيئًا.داخل الغرفة، كانت إيزابيلا ممددة بهدوء تحت البطانية البيضاء.وجهها شاحب، وأنفاسها بطيئة لكن منتظمة.الأجهزة من حولها لا تزال تومض وتنبض، لكنها لم تكن مستيقظة تمامًا… ولا نائمة تمامًا.كانت تُبقي عينيها مغمضتين أغلب الوقت، لكن بين الحين والآخر، تفتح جفنيها المرتبكين… ولا ترى شيئًا.في كل مرة تستيقظ، تبدأ التنهيدة، ثم يتبعها ارتباك، ثم نبض متسارع، ثم همسة حائرة:"لماذا… لماذا لا أرى؟"وحين يبدأ نبضها في الارتفاع، ويتغير تنفسها، يتدخل الطبيب أو الممرضة… يُحقن في وريدها القليل من المهدئ،فتغرق مجددًا في سُبات مرّ، ليس فيه أحلام… فقط صمت يشبه الفقد.ميخائيل لم يُغادر. بقي على كرسيه ذاته، ثابتًا كأنه جزء من الحائط. لم يكن يتكلم، لكنه كان يُراقب كل شيء.كل مرة تفتح عينيها، يقف على قدميه، يتقدم خطوة، لكنها لا تراه.تُدير وجهها ناحية صوته حين يناديها… لكن عينيها تبقيان ساكنتين في السواد.في أحد المساءات، همست بصوت منهك:"هل سأبقى… هكذا؟"

  • تحت جناح الجزار    9

    بعد أن رحل ميخائيل بهدوء من الجناح، بقي عبق اللحظة في الهواء، يلامس أنفاسها كما لو أن حضوره لم يغادر بعد. كانت الشمس قد ارتفعت قليلًا، تبعثر خيوطها الذهبية على أرضية الغرفة الهادئة، بينما ظلت إيزابيلا جالسة على طرف الفراش، عيناها تائهتان في نقطة بعيدة على الجدار المقابل، لا تنظر إليه حقًا... بل تعو

  • تحت جناح الجزار    8

    تقدّما بخطى ثابتة داخل القاعة الواسعة. كانت الإضاءة خافتة وأنيقة، تنعكس على الأرضية السوداء اللامعة، وتُضفي على الجو رهبة متعمدة. رائحة السيجار الراقي امتزجت بعطرٍ ثقيل قادم من المقاعد الأمامية، حيث كان يجلس عدد من الرجال ذوي الوجوه الجامدة والعيون المتفحصة.كان الجو داخل القاعة مختلفًا عمّا توقّعت

  • تحت جناح الجزار    7

    الليل في القصر كان أكثر صمتًا من المعتاد. الثلج بدأ يتساقط بخفة، ناثرًا بياضه على النوافذ الزجاجية الواسعة. لكن جناح ميخائيل لم يكن ساكنًا كعادته… كان أشبه بعش دخان يعج بأفكار سوداء لا تهدأ.جلس على المقعد الجلدي الداكن في مكتبه، وحده، كأس نصف ممتلئ بوسكا بين يديه. لم يشربه. فقط راح يُديره بين أصاب

  • تحت جناح الجزار    6

    في الحديقة الخلفية للقصر، كان النسيم البارد يلامس وجنتيها بخفة، وعبق الأرض الروسية يختلط بعبير الزهور المزروعة بعناية على طول الممرات. جلست إيزابيلا على مقعد خشبي مطل على بركة ماء ساكنة، وقد وضعت دفتر رسم على ركبتيها، وأمسكت قلم الفحم بين أصابعها النحيلة.كانت صامتة، تحدق في صفحة بيضاء لم ترسم فيها

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status