LOGIN
لم تكن تعرف أن بعض البدايات لا تأتي في اللحظة التي نختارها، وأن الطريق الذي نظنه مجرد خطوة صغيرة قد يأخذنا إلى أماكن لم نتخيل يومًا أننا سنصل إليها.
في اليوم الذي دخلت فيه ليان بوابة الجامعة، كانت تظن أنها تدخل كلية الطب فقط. كانت تحمل حقيبتها، ودفترًا جديدًا، وأحلامًا أكبر من عمرها بقليل. كانت تظن أن أصعب ما ينتظرها هو الدراسة، وأن الامتحانات ستكون أكبر مخاوفها، وأن النجاح يعني فقط أن تحصل على درجات جيدة وتصل في النهاية إلى اليوم الذي ترتدي فيه معطف الطبيب بفخر.
لكن الجامعة لم تكن كتبًا ومحاضرات فقط.
كانت عالمًا كاملًا.
عالمًا ستتعرف فيه على أشخاص سيصبح بعضهم أقرب إليها من أهلها، وأشخاص آخرين ستتمنى لو أنها لم تلتقِ بهم أبدًا. ستعرف معنى الصداقة حين تكون في أشد لحظات ضعفها، ومعنى الغيرة حين يتحول النجاح إلى منافسة، ومعنى الخذلان عندما يأتي من الشخص الذي وثقت به أكثر من غيره.
وهناك، بين المدرجات والمعامل وممرات المستشفى، ستكبر ليان بطريقة لم تكن مستعدة لها.
ستضحك كثيرًا، وستبكي أكثر مما تتوقع. ستعيش أول صداقة حقيقية، وأول خلاف يجعلها تشك في نفسها، وأول مرة تشعر فيها أن قلبها لم يعد ملكًا لعقلها وحده.
أما آدم، فلم يدخل الجامعة لأنه كان متأكدًا من أنه يريد الطب. دخلها وهو يحمل حلمًا لم يعرف إن كان حلمه هو أم حلمًا ورثه عن عائلته. كان واثقًا من نفسه، متفوقًا، وعنيدًا، ويكره أن يظهر ضعفه أمام أي شخص. لم يكن يعرف أن أكثر شخص سيستفزه يومًا سيكون أيضًا الشخص الذي سيجبره على مواجهة نفسه.
لم تكن البداية بينهما جميلة.
لم يكن هناك حب من النظرة الأولى، ولا لحظة سحرية تغير كل شيء.
كان هناك اختلاف، وعنادة، ومواقف صغيرة، وكلمات قيلت دون تفكير، ونظرات لم يفهم أي منهما معناها.
ثم جاءت المستشفى.
المكان الذي لا يسمح لأحد أن يتظاهر طويلًا بأنه قوي.
هناك، سيكتشف الطلاب أن المريض ليس مجرد حالة في كتاب، وأن الموت ليس كلمة في محاضرة، وأن الطبيب قد يضطر أحيانًا إلى اتخاذ قرارات في ثوانٍ بينما قلبه يرتجف من الداخل.
هناك أيضًا، ستتغير علاقاتهم.
بعضهم سيقترب، وبعضهم سيبتعد، وبعضهم سيكتشف أن الشخص الذي كان يكرهه هو أكثر شخص يستطيع فهمه.
وفي وسط كل ذلك، سيكبر شعور لم يكن أحد مستعدًا للاعتراف به.
حب هادئ في البداية، لا يشبه الحكايات المثالية، ولا يأتي في الوقت المناسب، ولا يجعل الحياة أسهل.
حب يتسلل بين المحاضرات والامتحانات والمناوبات، بين الضحك والخوف والغيرة، وبين لحظات النجاح ولحظات الانهيار.
لكن الحب وحده لن يكون كافيًا.
فالحياة الجامعية لا تمنح أحدًا نهاية سهلة.
هناك أسرار ستظهر، وأخطاء ستدفع شخصيات ثمنها، وأحلام ستتغير، وأشخاص سيخسرون بعضهم رغم أنهم كانوا يظنون أنهم لن يفترقوا أبدًا.
هذه ليست حكاية عن الطب فقط.
وليست حكاية حب فقط.
إنها حكاية مجموعة من الشباب دخلوا الجامعة وهم يظنون أنهم يعرفون أنفسهم، ثم خرجوا منها وهم أشخاص آخرون تمامًا.
حكاية عن العمر الذي نقف فيه بين الطفولة والنضج، حين نريد أن نكون كبارًا لكننا ما زلنا نخاف من أشياء صغيرة، وحين نكتشف أن بعض القرارات التي نتخذها في لحظة قد تترك أثرًا لسنوات.
وفي النهاية، ربما لا يكون أصعب ما في الطب أن تتعلم كيف تنقذ قلبًا يتوقف عن النبض.
ربما الأصعب أن تتعلم كيف تحافظ على قلبك أنت... عندما يصبح هو المريض.
والامتحان هيخلص." ثم أضاف: "لكن صحتك لو أهملتيها ممكن تدفعك تمن أكبر." خرجت ليان وهي تفكر. كان الطب أحيانًا لا يتعلق بإنقاذ شخص من الموت. أحيانًا يتعلق بمنع شخص من الوصول إلى مرحلة خطيرة. في الجامعة، كان يوسف يواجه مشكلة مختلفة. كان لديه عرض مهم، لكن أحد أعضاء الفريق لم يكن يقوم بدوره. قال يوسف: "أنا مش هعمل شغله." قالت نور: "طب هتعمل إيه؟" "هسيبه." "والعرض؟" "يتصرف." قالت: "يبقى أنت هتعاقب نفسك معاه." سكت. "طب أعمل إيه؟" "كلمه." ذهب يوسف إلى زميله. قال: "إنت مش عامل الجزء بتاعك." "عارف." "طب ليه؟" "عندي مشكلة في البيت." سكت يوسف. لم يتوقع ذلك. "كان ممكن تقول." "مش بحب أقول." "طيب خلينا نحلها." جلسا معًا، وقسما المهمة. عاد يوسف إلى المجموعة. قالت نور: "إيه اللي حصل؟" "حليناها." "من غير خناقة؟" "من غير." ابتسمت. "كبرت." "مش قوي." ضحكت. أما مريم، فكانت تدرس موضوعًا جديدًا في البحث. بدأت تهتم بالصحة النفسية لطلاب الطب. كانت ترى كيف يتحدث الجميع عن المذاكرة والدرجات، بينما نادرًا ما يتحدث أحد عن الضغط النفسي. عرضت فكرتها على الدكتور عمر. استمع إليها. ثم قال: "مهمة." "بس؟" "مهمة وصعبة." "ل
قال بهدوء: "أنا كمان خايف." كانت أول مرة يعترف فيها بذلك. لم تقل شيئًا. لكن المكالمة استمرت طويلًا. في نهاية الشهر، بدأ آدم يستعد للعودة. كان قد تعلم الكثير. وأصبح أكثر ثقة في نفسه. لكن قبل عودته بيوم، حدث شيء لم يكن في حسابه. طلب منه الطبيب المسؤول أن يحضر اجتماعًا صغيرًا. جلس أمامه. قال الطبيب: "إنت عندك قدرة كويسة." "شكرًا." "وعايز أعرض عليك فرصة." رفع آدم عينيه. "إيه؟" "ممكن تكمل معنا فترة أطول." توقف. كان العرض مغريًا. تدريب إضافي. خبرة أكبر. وعلاقات مهنية قد تفيده في المستقبل. لكن ذلك يعني تأجيل عودته. قال: "قد إيه؟" "شهرين إضافيين." سكت. ثم قال: "محتاج أفكر." "فكر." خرج آدم من المكتب. أول شخص فكر فيه كان ليان. اتصل بها. "فاضية؟" "آه." "عندي حاجة." "خير؟" حكى لها. سكتت. قال: "قولي رأيك." "إنت عايز إيه؟" "مش عارف." "لأ. إنت عارف." تنهد. "نفسي أكمل." "يبقى كمل." "بس..." "مفيش بس." "إنتِ مش هتزعلي؟" "هزعل." صمت. ثم قالت: "بس مش هطلب منك تسيب فرصة عشان أنا." أغمض عينيه. "أنا بحبك." سكتت. كانت الجملة هذه المرة مختلفة. لم تكن تلميحًا. ولا مزحة. ولا اعترافًا نصف واضح. كانت مباشرة. قالت
عندما تبدلت الأدوار لم تستطع ليان أن تمنع نفسها من الضحك وهي تنظر إلى آدم. قالت: "يعني أنا رجعت عشان ألاقيك مسافر؟" ابتسم: "تقريبًا." "طب ماشي." "زعلانة؟" "لأ." "كدابة." "أنا؟ مستحيل." ضحك يوسف من خلفهما. "إحنا ممكن نمشي ونسيبكم تتخانقوا براحتكم." التفتت ليان إليه. "محدش طلب منك تتكلم." قال يوسف: "أنا مجرد شاهد." قالت نور: "شاهد على إيه؟" "على إن الاتنين دول محتاجين يتعلموا إن التوقيت مش دايمًا بيكون في صالحهم." ضحك الجميع، بينما اكتفت ليان بالنظر إلى آدم. كانت سعيدة من أجله، لكنها لم تستطع تجاهل ذلك الشعور الغريب الذي تسلل إليها. بعد أسابيع من البعد، كانت تتمنى أن تستعيد الأيام التي كانا يلتقيان فيها كل يوم، والآن سيبدأ هو رحلة جديدة في المكان الذي عاشت فيه هي أصعب وأهم أسابيع تدريبها. قالت: "إمتى مسافر؟" "بعد ثلاثة أيام." "هتفضل هناك قد إيه؟" "شهر." تنفست ببطء. "شهر واحد." "آه." "كويس." "مش باين." ضحكت. "أنا بس لسه راجعة." في تلك الليلة، عادت ليان إلى منزلها وهي تحمل حقيبتها الصغيرة. كانت والدتها تنتظرها في غرفة المعيشة. "تعالي هنا." احتضنتها طويلًا. "وحشتيني." "وإنتِ كمان." جلست ل
كتبت له: "إنت مشغول؟" تأخر في الرد. بعد ساعتين كتب: "آسف، اليوم كان طويل." "ولا يهمك." "إنتِ كويسة؟" "آه." لم تكتب أكثر. كانت تريد أن تقول له إنها تفتقده. لكنه لم يسأل. وفي الجهة الأخرى، كان رامي يجلس وحده بعد يوم طويل. فتح محادثتها. كتب: "أنا مش عارف أتكلم زي الأول." ثم مسح الرسالة. لم يكن يعرف هل السبب المسافة أم الضغط أم خوفه من أن يبدأ علاقة لا يعرف كيف يحافظ عليها. في منتصف تدريب ليان، حدث موقف جعلها تتذكر لماذا اختارت الطب. دخلت طفلة صغيرة إلى القسم مع والدها. كانت خائفة جدًا من المستشفى. اقتربت منها ليان. "اسمك إيه؟" اختبأت خلف والدها. قال الأب: "اسمها ملك." "ملك؟ اسم جميل." نظرت إليها الطفلة. أخرجت ليان قلمًا صغيرًا من جيبها. "تحبي نرسم؟" ترددت. ثم أخذت القلم. بدأت ترسم. بعد دقائق، هدأت. قال الأب: "أنا مش عارف أشكرك إزاي." قالت ليان: "هي بس كانت محتاجة حد يطمنها." في نهاية اليوم، قال لها الطبيب: "إنتِ عندك حاجة مهمة." "إيه؟" "بتعرفي تخلي المريض يحس إنه إنسان مش رقم." ابتسمت. "دي حاجة كويسة؟" "دي من أهم الحاجات." تلك الليلة، اتصلت بوالدتها. حكت لها عن يومها. ثم اتصلت بآدم. قالت
الفصل الثلاثون: المسافة التي كشفت أشياء كثيرة لم تكن ليان تعرف أن بعض القرارات لا تخيفنا بسبب القرار نفسه، وإنما بسبب الأشياء التي قد تتغير بعده. منذ أن وافقت على التدريب خارج الجامعة، وهي تتحرك بين الحماس والقلق. كانت تتخيل المستشفى الجديد، الأطباء الذين ستتعلم منهم، الحالات المختلفة، والمهارات التي يمكن أن تكتسبها، ثم فجأة تتذكر أنها ستبتعد شهرين كاملين عن كل شيء اعتادت عليه. عن الجامعة. عن أصدقائها. وعن آدم. في صباح السفر، وقفت أمام المرآة ترتب حقيبتها للمرة الأخيرة. دخلت والدتها الغرفة وقالت: "خلصتي؟" "تقريبًا." نظرت الأم إلى الحقيبة. "إنتِ واخدة نص البيت معاكي؟" ضحكت ليان. "شهرين يا ماما." "شهرين مش سنة." "أنا بحب أكون مستعدة." ابتسمت والدتها. "أهم حاجة تكوني مستعدة نفسيًا." سكتت ليان. كانت هذه تحديدًا المشكلة. في نفس الوقت، كان آدم يجلس أمام والده. قال والده: "فكرّت في كلامي؟" "أيوه." "والنتيجة؟" "هكمل طب." تنهد والده. "إنت مصمم؟" "آه." "حتى لو الطريق طويل؟" "حتى لو." سكت والده طويلًا. ثم قال: "أنا مش ضدك." نظر آدم إليه. "أمال؟" "أنا خايف عليك." كانت الجملة أبسط مما توقع. "من إي
مع إحدى الحالات التدريبية. قال يوسف: "لازم نتحرك أسرع." ردت ليان: "بس ناقصنا معلومات." "هنضيع وقت." "ولو استعجلنا هنغلط." تدخل آدم: "خلونا نقسمها." نظر إليه يوسف. "إزاي؟" "إنت تجمع المعلومات، ليان تراجع الحالة، وأنا أرتب الخطوات." قالت نور: "وأنا هكتب." هدأ الخلاف. بعد انتهاء التدريب، قال يوسف لليان: "أنا آسف." نظرت إليه. "على إيه؟" "كنت متوتر." ابتسمت. "وأنا كمان." قال: "بس إنتِ عندك حق." "وإنت عندك حق في نقطة السرعة." ابتسم. "يبقى اتعلمنا." في تلك الليلة، وصل اتصال إلى مريم من رامي. ترددت قبل أن تجيب. "ألو؟" "إزيك؟" "كويسة." "أنا رجعت المدينة يومين." اتسعت عيناها. "رجعت؟" "أيوه." "ليه ما قلتش؟" ضحك. "كنت عايز أفاجئكم." "إنت مجنون." "عارف." "هتقابلنا؟" "أكيد." في اليوم التالي، دخل رامي الجامعة فجأة. كان يوسف أول من رآه. صرخ: "رامي!" التفت الجميع. ركض يوسف نحوه واحتضنه. "إيه يا عم؟" "وحشتوني." قالت نور: "اختفيت." "أسبوعين بس." قالت: "بالنسبة لنا كتير." أما مريم، فكانت واقفة بعيدًا. اقترب منها. "إزيك؟" "كويسة." "بس؟" "بس." ابتسم. "وحشتيني." خفضت عينيها. "إنت كمان." لم يحتج أي منهما إلى






