Home / المدينة / «نبضٌ لا يُرى» ❤️ / : بداية لا تشبه ما تخيلناه

Share

: بداية لا تشبه ما تخيلناه

last update publish date: 2026-08-27 03:34:22

الفصل الأول

في آخر ليلة من ليالي الثانوية، لم يكن أحد في البيت نائمًا فعلًا. حتى الذين أغلقوا أبواب غرفهم وأطفأوا الأنوار كانوا مستيقظين في الداخل، كل واحد منهم يواجه بطريقته نفس السؤال: ماذا سيحدث غدًا؟ كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرًا عندما أغلقت ليان كتابها للمرة الأخيرة، رغم أنها لم تكن تقرأ شيئًا منذ نصف ساعة. ظلت عيناها تتحركان فوق السطور بينما عقلها في مكان آخر تمامًا. لم يعد هناك امتحان لتذاكره، ولا فصل متأخر يجب أن تنهيه، ولا مدرس سيقول لها صباحًا: "راجعي الجزئية دي". انتهى كل شيء فجأة. طوال ثلاث سنوات كانت حياتها تسير وفق جدول محدد؛ مدرسة، دروس، مذاكرة، امتحانات، خوف من النتيجة، ثم حلم بعيد اسمه الجامعة. والآن، للمرة الأولى، لم يعد أمامها شيء واضح.

وضعت القلم فوق الكتاب ونظرت إلى النافذة. كانت المدينة هادئة بشكل غريب، والشارع الذي اعتادت رؤيته مزدحمًا في النهار بدا كأنه مكان آخر تمامًا. ابتسمت وهي تتذكر نفسها قبل سنوات، عندما كانت تكتب في كراسة صغيرة أسماء الكليات التي تتمنى دخولها. كانت قد كتبت الطب أولًا، ثم وضعت بجانبه نجمة كبيرة. لم تكن تعرف وقتها لماذا اختارت الطب تحديدًا. ربما لأنها كانت تحب فكرة أن يصبح لها تأثير حقيقي في حياة شخص آخر، وربما لأن والدها كان دائمًا يقول لها إن لديها عقلًا يصلح للطب، وربما لأنها منذ طفولتها كانت تشعر أن هناك شيئًا مميزًا في فكرة أن تمسك يد إنسان خائف وتخبره أن كل شيء سيكون بخير. لم تكن تعرف أن هذه الجملة ستكون أصعب شيء في حياتها يومًا ما.

رن هاتفها، فانتفضت من مكانها. كانت مريم.

"إنتِ لسه صاحية؟"

ضحكت ليان وقالت: "وإنتِ؟"

"أنا من ساعة ما خلصنا الامتحانات وأنا مش عارفة أنام. حاسة إني مستنية حكم محكمة."

"كلنا كده."

"طب قوليلي حاجة، لو دخلنا طب فعلًا، هنعيش؟"

ضحكت ليان بصوت منخفض حتى لا يسمعها أهلها.

"مش عارفة."

"دي إجابة مطمئنة جدًا."

"هنشوف."

ساد الصمت للحظات، ثم قالت مريم بصوت أكثر هدوءًا: "تخيلي إن بكرة آخر يوم لينا كطلبة ثانوي فعلًا."

نظرت ليان إلى الكتب الموجودة أمامها.

"أنا مش مصدقة."

"ولا أنا."

"حاسّة إننا هنصحى الصبح ونرجع المدرسة."

"نفسي."

"ليه؟"

"عشان هناك كنا عارفين كل حاجة. هنا مش عارفين أي حاجة."

ابتسمت ليان، لكنها لم ترد. كانت مريم محقة. المدرسة رغم ضغطها كانت عالمًا مألوفًا. يعرفون المدرسين، يعرفون الفصول، يعرفون من يحبهم ومن يكرههم، يعرفون متى تبدأ الحصة ومتى تنتهي. الجامعة كانت شيئًا مختلفًا تمامًا. مكانًا ستدخلانه لأول مرة وسط آلاف الوجوه التي لا تعرف عنهما شيئًا.

في صباح اليوم التالي، استيقظت ليان قبل أن يرن المنبه. مدت يدها إلى الهاتف، فتحته، ثم أغلقته بسرعة. لم تكن هناك نتيجة بعد. جلست على طرف السرير وأخذت نفسًا عميقًا. لم تكن خائفة من المجموع بقدر خوفها من أن يضيع الحلم الذي حملته سنوات. دخلت والدتها الغرفة ووجدتها جالسة في الظلام.

"لسه؟"

هزت ليان رأسها.

جلست والدتها بجوارها وقالت: "مهما كانت النتيجة، متفكريش إن حياتك هتتحدد في يوم واحد."

نظرت ليان إليها.

"بس أنا عايزة طب."

ابتسمت أمها.

"عارفة."

"نفسي فيه من زمان."

"وعشان كده لو ربنا كتبهولك، هتدخليه. ولو كتبلك طريق تاني، هتكتشفي بعدين ليه."

لم تجب ليان. كانت تعرف أن والدتها تحاول تهدئتها، لكنها لم تكن مستعدة لسماع أي احتمال آخر.

بعد ساعات طويلة من الانتظار، ظهرت النتيجة. لم تصرخ ليان، ولم تقفز، ولم تفعل شيئًا مما كانت تتخيله. ظلت تحدق في الشاشة حتى بدأت الدموع تنزل من عينيها. دخل والدها الغرفة بعدما سمع صوتها.

"ها؟"

رفعت الهاتف أمامه.

ابتسم.

لم يقل شيئًا. فقط احتضنها بقوة.

في تلك اللحظة، شعرت ليان أن كل ليالي التعب والسهر والخوف كانت تستحق.

بعد أيام قليلة، ظهرت نتيجة التنسيق، وحصلت ليان على رغبتها الأولى: كلية الطب في جامعة "الشرق الدولية"، في مدينة "ميرافا"، المدينة الجامعية الكبيرة التي كانت تبعد عن بيتها ساعات طويلة.

لم تكن تعرف المدينة جيدًا، ولم تكن تعرف الجامعة إلا من الصور الموجودة على موقعها. مبانٍ ضخمة، حدائق واسعة، مستشفى جامعي كبير، وطلاب يمشون في الممرات بملابس مختلفة تمامًا عن ملابس المدرسة.

أما مريم، فدخلت الجامعة نفسها.

وعندما اتصلت بها ليان لتخبرها، صرخت مريم في الهاتف: "إحنا مع بعض!"

ضحكت ليان.

"أيوه."

"يعني هنبقى في نفس الجامعة!"

"أيوه."

"أنا مش مصدقة."

"ولا أنا."

في مكان آخر من المدينة، كان آدم يقرأ نتيجة التنسيق بصمت. لم يشعر بنفس الحماس الذي توقعه. كان قد حصل على مجموع يؤهله لأكثر من كلية، لكن الطب كان الاختيار الذي حسمه والده منذ سنوات.

"هتبقى دكتور."

الجملة التي سمعها منذ كان طفلًا، حتى أصبحت تبدو كأنها قرار اتخذ بالنيابة عنه.

دخل والده الغرفة.

"النتيجة ظهرت؟"

"أيوه."

"طب؟"

"طب."

ابتسم والده بفخر.

"كنت عارف."

أما آدم فلم يبتسم إلا ابتسامة صغيرة.

لم يكن يكره الطب، لكنه لم يكن يعرف إن كان يحبه.

وهذه كانت المشكلة.

مر شهر تقريبًا، وجاء اليوم الذي سيغير حياة الجميع.

أمام بوابة جامعة الشرق الدولية، كانت ليان تقف ممسكة بحقيبتها، تنظر إلى المبنى الضخم أمامها. لم تعد تلك البنت التي كانت ترتدي الزي المدرسي وتحفظ الدروس خوفًا من الامتحان. الآن كانت ترتدي ملابس الجامعة، وتحمل بطاقة صغيرة معلقة حول رقبتها كتب عليها "الطالبة: ليان مراد ـ كلية الطب".

شعرت بشيء غريب في معدتها.

"إحنا وصلنا."

التفتت.

كانت مريم تقف بجانبها، تنظر إلى الجامعة بنفس الدهشة.

قالت مريم: "أنا حاسة إننا صغيرين أوي على المكان ده."

ضحكت ليان.

"وأنا."

دخلتا معًا.

كان المكان مزدحمًا. طلاب جدد في كل مكان، أهالٍ يحاولون معرفة أماكن المدرجات، موظفون يوجهون الطلاب، مجموعات تتشكل أمام لوحات الإعلانات. كان الجميع يتحدث في الوقت نفسه.

"أنتِ أولى؟"

"آه."

"طب تعرفي المدرج فين؟"

"لأ."

"طب نروح ندور سوا."

لم تمر عشر دقائق حتى بدأت أولى الصداقات.

جلست ليان ومريم في المدرج الكبير، واختارتا مقعدين في المنتصف. كانت ليان تفتح دفترها عندما جلست فتاة أمامهما والتفتت.

"ممكن أقعد معاكم؟"

قالت مريم: "طبعًا."

"أنا نور."

"مريم."

"ليان."

وبدون تخطيط، أصبح الثلاثة يتحدثن كأنهن يعرفن بعضهن منذ سنوات.

في الجهة الأخرى، دخل آدم المدرج برفقة صديقه يوسف. كان يوسف يتحدث بلا توقف بينما آدم ينظر حوله.

"شايف؟ أنا قلتلك الجامعة كبيرة."

"آه."

"آه بس؟"

"عايزني أقول إيه؟"

"قول إنك ندمت."

"لسه بدري."

جلسا خلف مجموعة من الطلاب. وبعد دقائق دخل أحد الأساتذة، وهدأ المدرج تدريجيًا.

وقف الدكتور أمامهم وقال: "أهلًا بيكم في أول يوم من حياتكم كطلاب طب. من النهارده محدش هيجري وراكم عشان تذاكروا، ومحدش هيقولكم هتذاكروا إيه وإمتى. أنتم اخترتم طريق صعب، والطريق ده مش هيسمحلكم تكونوا نفس الأشخاص اللي دخلتوا بيهم من بوابة الجامعة."

ساد الصمت.

كانت ليان تكتب كل كلمة.

أما آدم فكان ينظر إلى الدكتور باهتمام.

تابع الأستاذ: "هتدخلوا المستشفى قريب. وهتشوفوا حاجات أول مرة تشوفوها في حياتكم. هتخافوا، وهتغلطوا، وهتشكوا في نفسكم. بعضكم هيكتشف إنه مش عايز يكمل. وبعضكم هيكتشف لأول مرة إنه اختار المكان الصح."

توقفت يد ليان.

نظرت إلى مريم.

كانت مريم تنظر إليها أيضًا.

لم يكن أحد يعرف وقتها أي مجموعة سيكونون منها.

انتهت المحاضرة الأولى وبدأ الطلاب يخرجون. في الزحام، اصطدمت ليان بشخص خلفها وسقط دفترها.

انحنى الشخص والتقطه.

"آسف."

رفعت رأسها.

كان آدم.

مد لها الدفتر.

"اتفضلي."

أخذته منه.

"شكرًا."

تحرك ليبتعد، لكنه توقف عندما رأى اسمها مكتوبًا على غلاف الدفتر.

"ليان؟"

نظرت إليه.

"أيوه."

"إحنا في نفس المجموعة."

"واضح."

ابتسم ابتسامة قصيرة.

"يبقى هنشوف بعض كتير."

قالها وكأنه يتحدث عن شيء عادي، ثم ابتعد.

نظرت مريم إليه ثم إلى ليان.

"أنا مش مرتاحة له."

ضحكت ليان.

"إنتِ لسه عرفتيه."

"مش محتاجة."

"يا بنتي اهدى."

خرج الثلاثة إلى الساحة.

كان اليوم طويلًا، لكنه مر أسرع مما توقعوا. وقبل أن تعود ليان إلى البيت، فتحت هاتفها لتجد رسالة في مجموعة الدفعة.

"بكرة أول محاضرة عملية. الحضور إجباري."

وضعت الهاتف في حقيبتها.

لم تكن تعرف ماذا تعني كلمة "عملية" فعلًا.

ولم تكن تعرف أن الغد لن يشبه اليوم بأي شكل.

لأن أول درس حقيقي في الطب لم يكن موجودًا في كتاب.

وكان عليهم أن يتعلموه بأعينهم، وبأيديهم، وبقلوبهم.

وفي مكان ما داخل المستشفى الجامعي، كان هناك مريض ينتظر صباح اليوم التالي دون أن يعرف أن مجموعة من الطلاب الجدد ستدخل حياته للمرة الأولى.

وكان من بينهم ليان وآدم.

دون أن يعرف أي منهما أن ذلك اللقاء لن يكون مجرد بداية سنة دراسية.

بل بداية حكاية ستترك أثرًا في حياتهما أكثر مما كان يمكن لأي واحد منهما أن يتخيل.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • «نبضٌ لا يُرى» ❤️   39

    والامتحان هيخلص." ثم أضاف: "لكن صحتك لو أهملتيها ممكن تدفعك تمن أكبر." خرجت ليان وهي تفكر. كان الطب أحيانًا لا يتعلق بإنقاذ شخص من الموت. أحيانًا يتعلق بمنع شخص من الوصول إلى مرحلة خطيرة. في الجامعة، كان يوسف يواجه مشكلة مختلفة. كان لديه عرض مهم، لكن أحد أعضاء الفريق لم يكن يقوم بدوره. قال يوسف: "أنا مش هعمل شغله." قالت نور: "طب هتعمل إيه؟" "هسيبه." "والعرض؟" "يتصرف." قالت: "يبقى أنت هتعاقب نفسك معاه." سكت. "طب أعمل إيه؟" "كلمه." ذهب يوسف إلى زميله. قال: "إنت مش عامل الجزء بتاعك." "عارف." "طب ليه؟" "عندي مشكلة في البيت." سكت يوسف. لم يتوقع ذلك. "كان ممكن تقول." "مش بحب أقول." "طيب خلينا نحلها." جلسا معًا، وقسما المهمة. عاد يوسف إلى المجموعة. قالت نور: "إيه اللي حصل؟" "حليناها." "من غير خناقة؟" "من غير." ابتسمت. "كبرت." "مش قوي." ضحكت. أما مريم، فكانت تدرس موضوعًا جديدًا في البحث. بدأت تهتم بالصحة النفسية لطلاب الطب. كانت ترى كيف يتحدث الجميع عن المذاكرة والدرجات، بينما نادرًا ما يتحدث أحد عن الضغط النفسي. عرضت فكرتها على الدكتور عمر. استمع إليها. ثم قال: "مهمة." "بس؟" "مهمة وصعبة." "ل

  • «نبضٌ لا يُرى» ❤️   38

    قال بهدوء: "أنا كمان خايف." كانت أول مرة يعترف فيها بذلك. لم تقل شيئًا. لكن المكالمة استمرت طويلًا. في نهاية الشهر، بدأ آدم يستعد للعودة. كان قد تعلم الكثير. وأصبح أكثر ثقة في نفسه. لكن قبل عودته بيوم، حدث شيء لم يكن في حسابه. طلب منه الطبيب المسؤول أن يحضر اجتماعًا صغيرًا. جلس أمامه. قال الطبيب: "إنت عندك قدرة كويسة." "شكرًا." "وعايز أعرض عليك فرصة." رفع آدم عينيه. "إيه؟" "ممكن تكمل معنا فترة أطول." توقف. كان العرض مغريًا. تدريب إضافي. خبرة أكبر. وعلاقات مهنية قد تفيده في المستقبل. لكن ذلك يعني تأجيل عودته. قال: "قد إيه؟" "شهرين إضافيين." سكت. ثم قال: "محتاج أفكر." "فكر." خرج آدم من المكتب. أول شخص فكر فيه كان ليان. اتصل بها. "فاضية؟" "آه." "عندي حاجة." "خير؟" حكى لها. سكتت. قال: "قولي رأيك." "إنت عايز إيه؟" "مش عارف." "لأ. إنت عارف." تنهد. "نفسي أكمل." "يبقى كمل." "بس..." "مفيش بس." "إنتِ مش هتزعلي؟" "هزعل." صمت. ثم قالت: "بس مش هطلب منك تسيب فرصة عشان أنا." أغمض عينيه. "أنا بحبك." سكتت. كانت الجملة هذه المرة مختلفة. لم تكن تلميحًا. ولا مزحة. ولا اعترافًا نصف واضح. كانت مباشرة. قالت

  • «نبضٌ لا يُرى» ❤️   37

    عندما تبدلت الأدوار لم تستطع ليان أن تمنع نفسها من الضحك وهي تنظر إلى آدم. قالت: "يعني أنا رجعت عشان ألاقيك مسافر؟" ابتسم: "تقريبًا." "طب ماشي." "زعلانة؟" "لأ." "كدابة." "أنا؟ مستحيل." ضحك يوسف من خلفهما. "إحنا ممكن نمشي ونسيبكم تتخانقوا براحتكم." التفتت ليان إليه. "محدش طلب منك تتكلم." قال يوسف: "أنا مجرد شاهد." قالت نور: "شاهد على إيه؟" "على إن الاتنين دول محتاجين يتعلموا إن التوقيت مش دايمًا بيكون في صالحهم." ضحك الجميع، بينما اكتفت ليان بالنظر إلى آدم. كانت سعيدة من أجله، لكنها لم تستطع تجاهل ذلك الشعور الغريب الذي تسلل إليها. بعد أسابيع من البعد، كانت تتمنى أن تستعيد الأيام التي كانا يلتقيان فيها كل يوم، والآن سيبدأ هو رحلة جديدة في المكان الذي عاشت فيه هي أصعب وأهم أسابيع تدريبها. قالت: "إمتى مسافر؟" "بعد ثلاثة أيام." "هتفضل هناك قد إيه؟" "شهر." تنفست ببطء. "شهر واحد." "آه." "كويس." "مش باين." ضحكت. "أنا بس لسه راجعة." في تلك الليلة، عادت ليان إلى منزلها وهي تحمل حقيبتها الصغيرة. كانت والدتها تنتظرها في غرفة المعيشة. "تعالي هنا." احتضنتها طويلًا. "وحشتيني." "وإنتِ كمان." جلست ل

  • «نبضٌ لا يُرى» ❤️   36

    كتبت له: "إنت مشغول؟" تأخر في الرد. بعد ساعتين كتب: "آسف، اليوم كان طويل." "ولا يهمك." "إنتِ كويسة؟" "آه." لم تكتب أكثر. كانت تريد أن تقول له إنها تفتقده. لكنه لم يسأل. وفي الجهة الأخرى، كان رامي يجلس وحده بعد يوم طويل. فتح محادثتها. كتب: "أنا مش عارف أتكلم زي الأول." ثم مسح الرسالة. لم يكن يعرف هل السبب المسافة أم الضغط أم خوفه من أن يبدأ علاقة لا يعرف كيف يحافظ عليها. في منتصف تدريب ليان، حدث موقف جعلها تتذكر لماذا اختارت الطب. دخلت طفلة صغيرة إلى القسم مع والدها. كانت خائفة جدًا من المستشفى. اقتربت منها ليان. "اسمك إيه؟" اختبأت خلف والدها. قال الأب: "اسمها ملك." "ملك؟ اسم جميل." نظرت إليها الطفلة. أخرجت ليان قلمًا صغيرًا من جيبها. "تحبي نرسم؟" ترددت. ثم أخذت القلم. بدأت ترسم. بعد دقائق، هدأت. قال الأب: "أنا مش عارف أشكرك إزاي." قالت ليان: "هي بس كانت محتاجة حد يطمنها." في نهاية اليوم، قال لها الطبيب: "إنتِ عندك حاجة مهمة." "إيه؟" "بتعرفي تخلي المريض يحس إنه إنسان مش رقم." ابتسمت. "دي حاجة كويسة؟" "دي من أهم الحاجات." تلك الليلة، اتصلت بوالدتها. حكت لها عن يومها. ثم اتصلت بآدم. قالت

  • «نبضٌ لا يُرى» ❤️   35

    الفصل الثلاثون: المسافة التي كشفت أشياء كثيرة لم تكن ليان تعرف أن بعض القرارات لا تخيفنا بسبب القرار نفسه، وإنما بسبب الأشياء التي قد تتغير بعده. منذ أن وافقت على التدريب خارج الجامعة، وهي تتحرك بين الحماس والقلق. كانت تتخيل المستشفى الجديد، الأطباء الذين ستتعلم منهم، الحالات المختلفة، والمهارات التي يمكن أن تكتسبها، ثم فجأة تتذكر أنها ستبتعد شهرين كاملين عن كل شيء اعتادت عليه. عن الجامعة. عن أصدقائها. وعن آدم. في صباح السفر، وقفت أمام المرآة ترتب حقيبتها للمرة الأخيرة. دخلت والدتها الغرفة وقالت: "خلصتي؟" "تقريبًا." نظرت الأم إلى الحقيبة. "إنتِ واخدة نص البيت معاكي؟" ضحكت ليان. "شهرين يا ماما." "شهرين مش سنة." "أنا بحب أكون مستعدة." ابتسمت والدتها. "أهم حاجة تكوني مستعدة نفسيًا." سكتت ليان. كانت هذه تحديدًا المشكلة. في نفس الوقت، كان آدم يجلس أمام والده. قال والده: "فكرّت في كلامي؟" "أيوه." "والنتيجة؟" "هكمل طب." تنهد والده. "إنت مصمم؟" "آه." "حتى لو الطريق طويل؟" "حتى لو." سكت والده طويلًا. ثم قال: "أنا مش ضدك." نظر آدم إليه. "أمال؟" "أنا خايف عليك." كانت الجملة أبسط مما توقع. "من إي

  • «نبضٌ لا يُرى» ❤️   34

    مع إحدى الحالات التدريبية. قال يوسف: "لازم نتحرك أسرع." ردت ليان: "بس ناقصنا معلومات." "هنضيع وقت." "ولو استعجلنا هنغلط." تدخل آدم: "خلونا نقسمها." نظر إليه يوسف. "إزاي؟" "إنت تجمع المعلومات، ليان تراجع الحالة، وأنا أرتب الخطوات." قالت نور: "وأنا هكتب." هدأ الخلاف. بعد انتهاء التدريب، قال يوسف لليان: "أنا آسف." نظرت إليه. "على إيه؟" "كنت متوتر." ابتسمت. "وأنا كمان." قال: "بس إنتِ عندك حق." "وإنت عندك حق في نقطة السرعة." ابتسم. "يبقى اتعلمنا." في تلك الليلة، وصل اتصال إلى مريم من رامي. ترددت قبل أن تجيب. "ألو؟" "إزيك؟" "كويسة." "أنا رجعت المدينة يومين." اتسعت عيناها. "رجعت؟" "أيوه." "ليه ما قلتش؟" ضحك. "كنت عايز أفاجئكم." "إنت مجنون." "عارف." "هتقابلنا؟" "أكيد." في اليوم التالي، دخل رامي الجامعة فجأة. كان يوسف أول من رآه. صرخ: "رامي!" التفت الجميع. ركض يوسف نحوه واحتضنه. "إيه يا عم؟" "وحشتوني." قالت نور: "اختفيت." "أسبوعين بس." قالت: "بالنسبة لنا كتير." أما مريم، فكانت واقفة بعيدًا. اقترب منها. "إزيك؟" "كويسة." "بس؟" "بس." ابتسم. "وحشتيني." خفضت عينيها. "إنت كمان." لم يحتج أي منهما إلى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status