LOGINالفصل السادس
"لو روحت، ممكن حياتنا كلها تتغير."
ظلت جملة آدم معلقة بينهما، وكأنها خرجت منه دون أن يفكر، لكنها كانت أثقل من أن تمر كأي جملة عابرة. نظرت إليه ليان طويلًا، ثم قالت بهدوء: "ولو ما روحتش؟"
لم يجب.
"آدم، بصلي."
رفع عينيه إليها.
"لو ما روحتش، هيفضل الشخص ده يهددك؟"
"مش عارف."
"وهتفضل عايش طول الوقت وأنت مستني تعرف مين وراه؟"
سكت.
اقتربت منه خطوة وقالت: "أنا مش هقولك روح، ومش هقولك متروحش. بس لو هتروح، متروحش لوحدك."
هز رأسه بسرعة. "لا."
"ليه؟"
"لأن لو الشخص ده فعلًا عايز ينتقم، وجودك معايا هيعرضك للخطر."
"وأنا من إمتى بسمع كلامك؟"
نظر إليها باستغراب، فضحكت رغم توترها. "وبعدين أنت بنفسك قلت إننا مش غرباء."
لم يستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور على وجهه، لكنها اختفت سريعًا.
"ليان، الموضوع مش لعبة."
"عارفة."
"ممكن يكون خطر."
"عارفة."
"ممكن يحصل حاجة."
"وأنا عارفة."
ظل ينظر إليها، ثم قال: "إنتِ عنيدة بشكل مستفز."
"وأنت متعود تاخد كل حاجة لوحدك."
صمت للحظة، ثم قال: "هروح."
"وأنا هاجي معاك."
"لا."
"يبقى مش هتروح."
نظر إليها بضيق. "إنتِ بتساوميني؟"
"آه."
"ليان!"
"آدم!"
ظل الاثنان ينظران إلى بعضهما، حتى ابتسمت ليان رغما عنها. لم يكن الموقف مضحكًا، لكنهما احتاجا إلى شيء يكسر الخوف الذي سيطر عليهما.
قال آدم أخيرًا: "هقولك المكان، لكن مش هتيجي."
"نشوف."
"ليان."
"قول المكان."
أخرج هاتفه، ونظر إلى الرسالة مرة أخرى. كان الموعد في العاشرة مساءً، في مبنى قديم على أطراف المدينة، مكان مهجور كان يستخدم منذ سنوات كمخزن تابع لإحدى الشركات. لم يكن المكان قريبًا من الجامعة، ولا من سكن الطلاب.
قالت ليان: "المكان ده لوحده يخوف."
"عشان كده مش هتيجي."
"أنت اللي هتروح هناك لوحدك."
"أيوه."
"وده مش خوف؟"
لم يجد جوابًا.
في تلك الليلة، عاد كل واحد منهما إلى غرفته، لكن أيا منهما لم يستطع النوم. ليان كانت تفكر في الرسالة، وفي الماضي الذي ظهر فجأة في حياة آدم، وفي نادين وكريم والحادثة التي لم تكن تعرف عنها شيئًا حتى وقت قريب. أما آدم فكان يجلس أمام النافذة، والهاتف بجواره، يعيد قراءة الرسالة نفسها.
"لو عايز تعرف الحقيقة، تعالى لوحدك الليلة."
كان يعرف أن الذهاب قد يكون فخًا، لكنه كان يعرف أيضًا أن تجاهل الأمر لن يجعله يختفي.
عند التاسعة والنصف، ارتدى آدم سترته وخرج من غرفته بهدوء. لم يخبر يوسف، ولم يخبر أي شخص. لكنه عندما وصل إلى أسفل المبنى، وجد ليان تقف بجوار البوابة.
توقف.
"إنتِ بتعملي إيه هنا؟"
رفعت حاجبها. "مش قولتلك؟"
"ليان، ارجعي."
"لا."
"أنا هكلمك بجد."
"وأنا كمان."
اقترب منها وقال بصوت منخفض: "أنا مش عايزك تيجي."
"وأنا مش عايزة أسيبك تروح."
"إنتِ مش فاهمة."
"فاهمة أكتر مما تتخيل."
نظر إليها للحظات، ثم أخرج هاتفه واتصل بيوسف.
"ألو؟"
جاء صوت يوسف النعسان: "آدم؟ إنت عارف الساعة كام؟"
"اسمعني كويس. أنا وليان خارجين لمكان، ومحتاجك تعمل حاجة."
استيقظ يوسف تمامًا. "إنت وليان؟ خارجين فين؟"
"مش مهم دلوقتي. هبعتلك اللوكيشن. لو مفيش أي اتصال مني خلال نص ساعة، بلغ الشرطة."
سكت يوسف للحظات.
"إنت بتتكلم جد؟"
"آه."
"آدم، إيه اللي بيحصل؟"
"هفهمك بعدين."
أغلق الهاتف.
نظرت إليه ليان وقالت: "كده أحسن."
"مش عارف."
"على الأقل لو حصل حاجة حد هيعرف إحنا فين."
ركبا سيارة أجرة، وظلا طوال الطريق صامتين. كانت المدينة هادئة بشكل غريب، والطرقات شبه خالية. كلما ابتعدا عن وسط المدينة، قل عدد السيارات والمباني، حتى أصبح الطريق مظلمًا إلا من أضواء متقطعة.
قال آدم: "لو طلبت منك ترجعي، ترجعي."
"حسب."
"حسب إيه؟"
"حسب الطلب."
ضحك رغمًا عنه.
قالت: "إيه؟"
"ولا حاجة. بس لأول مرة أحس إنك ممكن تكوني أخطر من اللي هنقابله."
"شكرًا."
وصلوا إلى المكان قبل العاشرة بدقائق. نزل آدم أولًا، ثم نظر حوله. كان المبنى قديمًا، بابه الحديدي نصف مفتوح، والشارع خاليًا تمامًا.
قال: "خليكي هنا."
"آدم."
"المرة دي بجد."
أمسكت بذراعه قبل أن يدخل. "خد بالك من نفسك."
نظر إلى يدها، ثم إلى عينيها.
"هحاول."
دخل المبنى.
كانت ليان واقفة بالخارج، تحاول أن تبدو هادئة، لكنها كانت تسمع دقات قلبها بوضوح. مرت خمس دقائق. ثم عشر.
أخرجت هاتفها.
لا توجد رسالة.
اتصلت به.
لم يرد.
اتصلت مرة أخرى.
ظل الهاتف يرن.
ثم انقطع الاتصال.
شعرت بالخوف.
أرسلت ليوسف: "آدم مش بيرد."
جاء الرد فورًا: "أنا بلغت، خليكِ في مكان آمن."
رفعت عينيها إلى المبنى.
لم تستطع البقاء.
دخلت.
كان المكان مظلمًا إلا من ضوء ضعيف يأتي من آخر الممر. مشت بحذر، وهي تنادي بصوت منخفض: "آدم؟"
لا جواب.
سمعت صوتًا في غرفة قريبة.
اقتربت.
كان الباب مفتوحًا قليلًا.
دفعت الباب.
وجدت آدم واقفًا أمام رجل لم تره من قبل.
لكن الرجل كان يبتسم.
وعندما رأى ليان، قال: "كنت متأكد إنها هتيجي."
استدار آدم بسرعة.
"ليان! اطلعي بره!"
تراجعت خطوة.
قال الرجل: "لا، خليها. هي أصلًا جزء من الموضوع دلوقتي."
نظرت ليان إلى آدم.
كان وجهه شاحبًا.
قال آدم للرجل: "إنت عايز إيه؟"
ضحك الرجل بهدوء.
"لسه بتسأل؟ بعد كل السنين دي؟"
"قول."
"عايزك تعترف."
"أعترف بإيه؟"
"بالحقيقة."
"أنا قلت كل اللي أعرفه."
"لأ."
اقترب الرجل منه.
"أنت قلت إن كريم كان سايق. قلت إنك كنت مجرد واحد من الموجودين. لكنك نسيت حاجة."
تجمد آدم.
"إيه؟"
"إن العربية قبل ما تتحرك كانت معاك."
نظرت ليان إلى آدم.
قالت: "إيه؟"
لم يجب.
الرجل ابتسم.
"قولها يا آدم."
قال آدم بصوت منخفض: "مش بالشكل ده."
"أمال إزاي؟"
"أنا أخدت العربية عشان أرجع حاجة."
"وبعدين؟"
"رجعتها."
"مين كان جواها؟"
صمت آدم.
قال الرجل: "سامر."
أغمض آدم عينيه.
شعرت ليان أن كل شيء ينهار حولها.
قالت: "آدم..."
رفع يده دون أن ينظر إليها.
"متتكلميش."
قال الرجل: "كنت آخر شخص شاف سامر قبل الحادث."
"أنا كنت بحاول أساعده."
"لكن حصلت الحادثة."
"أنا عارف."
"وكنت تقدر تنقذه."
رفع آدم عينيه إليه.
"كنت عندي سبع دقايق."
"سبع دقايق؟"
"أيوه."
"وكان ممكن تنقذه."
انخفض صوت آدم.
"أنا وصلت متأخر."
لم تعد ليان قادرة على الصمت.
"إيه اللي حصل؟"
نظر إليها آدم.
كانت عيناه ممتلئتين بشيء لم تره فيهما من قبل.
قال: "بعد الحادثة، العربية وقفت بعيد عن مكان الحادث. أنا رجعت للمكان لما سمعت صوت الخبطة. لقيت سامر مصاب. حاولت أطلعه، بس..."
توقف.
"بس إيه؟"
"مات قدامي."
ساد الصمت.
حتى الرجل لم يتكلم.
بعد لحظات قال آدم: "أنا مش قتله."
"لكن سكوتك خلّى كريم يهرب."
رفع آدم رأسه.
"كريم هرب لأنه خاف."
"وأنت سكت."
"أيوه."
"ليه؟"
لم يجب.
تقدم الرجل خطوة.
"عشان كنت خايف تخسر مستقبلك."
كانت الجملة كأنها صفعة.
خفض آدم عينيه.
قال الرجل: "وده هو ذنبك الحقيقي."
فجأة سمعوا صوت سيارات في الخارج.
رفع الرجل رأسه.
قال آدم: "مين دول؟"
ابتسم الرجل.
"مش الشرطة."
ثم أطفأ النور.
صرخت ليان.
أمسك آدم بيدها فورًا.
"تعالي."
بدأوا يتحركون في الظلام.
سمعت ليان أصوات أقدام تقترب من المبنى.
قال آدم: "هنطلع من الباب الخلفي."
"والراجل؟"
"سيبيه."
"آدم!"
"دلوقتي لازم نمشي."
ركضا في ممر ضيق، ثم وصلا إلى باب خلفي. فتحه آدم، وخرجا إلى مساحة خالية خلف المبنى.
كان هناك سور منخفض.
ساعدها على عبوره، ثم قفز خلفها.
بدأا يركضان دون أن يعرفا إلى أين.
بعد عدة دقائق توقفا خلف مبنى آخر.
كانت ليان تلهث بشدة.
قالت: "إحنا... هنموت من كتر الجري."
ضحك آدم رغم كل شيء.
"معلش."
نظرت إليه.
"إنت بتضحك؟"
"عشان لو فكرت في اللي حصل هتجنن."
قالت: "أنا أصلًا اتجننت."
جلسا على الأرض للحظات.
كانت السماء فوقهما مظلمة، والمدينة من حولهما بدأت تستعيد ضوضاءها تدريجيًا.
قالت ليان: "أنا عايزة أعرف كل حاجة."
نظر إليها.
"كل حاجة؟"
"آه."
"ممكن تكرهيني."
"مش هكرهك."
"إنتِ مش عارفة."
"يمكن. بس أنا عارفة إنك كنت طفل وقتها."
"كنت في آخر المدرسة."
"بالنسبة لي ده لسه صغير."
ابتسم بحزن.
ثم قال: "أنا سكت لأن الشرطة وقتها كانت بتسأل عن اللي حصل، وأنا خفت. خفت يقولوا إني السبب. خفت أهلي يعرفوا. خفت كل حاجة تضيع. فقلت لنفسي إن كريم هو اللي كان سايق، وده صحيح، وإن أنا ماليش ذنب. لكن الحقيقة إن كان عندي فرصة أقول إن العربية كان فيها عطل قبل الحادث، وأنا ما قلتش."
"ليه؟"
"لأن العطل كان بسبب حاجة أنا عملتها."
رفعت ليان رأسها.
"إيه؟"
"كنت بحاول أصلح جزء في العربية قبل ما نخرج. عملت حاجة غلط."
سكتت.
"يعني أنت تسببت في العطل؟"
هز رأسه.
"مش متأكد. بس ممكن."
كان الصمت طويلًا.
قالت ليان: "وده سبب إنك دخلت طب؟"
"يمكن عشان أفضل طول عمري أحاول أصلح حاجة."
نظرت إليه، ثم قالت: "بس مش كل حاجة ينفع تتصلح."
"عارف."
"وفي حاجات لازم نسامح نفسنا عليها."
نظر إليها.
"إنتِ مسامحاني؟"
سكتت.
"أنا معرفش إذا كنت محتاج أسامحك."
ابتسم بخفة.
"ليه؟"
"لأنك ما أذيتنيش."
ظل ينظر إليها.
قالت: "إنت أذيت نفسك كفاية."
لم يعرف ماذا يقول.
في تلك اللحظة وصلته رسالة.
فتح الهاتف.
كانت من رقم مجهول.
"مبروك. عرفت أول جزء."
ثم رسالة أخرى.
"لكن لسه ماعرفتش مين اللي قتل سامر."
تغير وجه آدم.
أعطى الهاتف إلى ليان.
قرأت الرسالة.
"هو مات بسبب الحادث، صح؟"
قال آدم: "أيوه."
"يبقى ليه بيقول قتل؟"
لم يجب.
ثم وصلته صورة.
فتحها.
كانت صورة لمكان الحادث القديم.
وفي زاوية الصورة، ظهر شخص يقف بعيدًا عن السيارة.
قال آدم: "الصورة دي مش موجودة في التحقيق."
اقتربت ليان من الهاتف.
"مين ده؟"
كبّر الصورة.
كان الوجه غير واضح، لكن الملابس كانت واضحة.
سترة سوداء.
وحقيبة رمادية.
قالت ليان: "ممكن يكون حد من الشرطة."
هز رأسه.
"لا."
"ليه؟"
"عشان أنا شفت الشخص ده."
"إمتى؟"
رفع عينيه إليها.
"يوم الحادث."
تجمدت ليان.
قالت: "مين هو؟"
نظر آدم إلى الصورة مرة أخرى.
ثم قال بصوت منخفض:
"والد كريم."
في اللحظة نفسها، توقفت سيارة سوداء على بعد أمتار منهما.
فتح بابها.
نزل رجل في منتصف الخمسينات.
نظر إليهما مباشرة.
لم يكن يحمل سلاحًا، ولم يقترب بسرعة، لكنه كان يعرفهما.
قال آدم: "هو."
وقفت ليان.
"ده والد كريم؟"
هز رأسه.
اقترب الرجل ببطء.
قال: "آدم."
تراجع آدم خطوة.
"إنت عايز إيه؟"
نظر الرجل إلى ليان.
ثم قال: "عايز الحقيقة."
"أي حقيقة؟"
"الحقيقة اللي ابني مخبيها عنك."
"كريم هو اللي كان سايق."
ابتسم الرجل.
"أنت لسه فاكر إن ابني هو اللي كان بيسوق العربية وقت الحادث؟"
صمت آدم.
قال الرجل:
"كريم كان في المستشفى قبل الحادث بساعات."
اتسعت عينا آدم.
"إيه؟"
"واللي كان سايق العربية يومها... ماكانش كريم."
شعرت ليان أن الأرض تحركت تحت قدميها.
أما آدم، فلم يستطع الكلام.
كان كل ما يعتقد أنه يعرفه عن تلك الليلة ينهار أمامه قطعة قطعة.
ثم قال الرجل جملة واحدة جعلت آدم يشعر بأن الماضي كله عاد ليطارده:
"الشخص اللي كان سايق العربية مات في الحادث... لكن كريم نجا."
سكت.
ثم أضاف:
"وإنت كنت أول واحد شاف الحقيقة، لكنك ماكنتش فاهمها."
في تلك اللحظة، فهم آدم أن السنوات الثلاث الماضية لم تكن مبنية على الحقيقة التي عاش بسببها، بل على كذبة كبيرة.
وأن الشخص الذي مات لم يكن الشخص الذي ظنه الجميع.
وأن سر الحادث الحقيقي لم يبدأ ليلة وقوعه.
بل بدأ قبلها بساعات.
في منتصف العرض، قاطعه أحد المشرفين بسؤال: «أنت ذكرت الاحتمال الأكثر ترجيحًا، لكن ما العلامة التي كانت ستجعلك تغيّر تقديرك؟»لم يندفع آدم إلى إجابة جاهزة. عاد إلى المعطيات التي عرضها، وحدد العلامات التي كانت ستستدعي إعادة التقييم، ثم أوضح أن القرار النهائي لا ينفصل عن الفحص المباشر ورأي الطبيب المسؤول.تابع المشرف بأسئلة أخرى، بعضها يتعلق بالتفاصيل الطبية، وبعضها يتعلق بترتيب الأولويات حين تتعدد المهام. شعر آدم بالضغط، لكنه لم يعد يحاول إخفاء كل تردد أو ملء كل صمت بكلمات إضافية. عندما لم يكن متأكدًا من نقطة، قال ذلك بوضوح، وشرح كيف سيتحقق منها.بعد انتهاء العرض، طلب منه أحد المشرفين البقاء لدقائق.قال له: «أداؤك اليوم أفضل من المحاولة السابقة. تنظيمك للمعلومات تحسن، وقدرتك على توضيح حدود ما تعرفه كانت نقطة إيجابية. لكن ما زال عندك مجال للتحسن في إدارة الوقت، خصوصًا عندما تواجه أكثر من مهمة في وقت واحد.»استمع آدم باهتمام، ثم سأله: «هل ده يؤثر على تقييمي النهائي؟»أجابه الطبيب: «التقييم النهائي يعتمد على أدائك خلال البرنامج كله، مش على عرض واحد. سنراجع تقدمك في الأسابيع القادمة، وبعدها
وصلت ليان إلى المستشفى قبل موعد اجتماعها بساعة كاملة، لا لأنها لم تستعد بما يكفي، بل لأنها أرادت أن تراجع المكان الذي ستعرض فيه خطتها، وتتأكد من أن كل تفصيلة ستحتاج إليها جاهزة. وضعت حاسوبها على الطاولة، وراجعت الملخص التنفيذي للمرة الأخيرة، ثم أغلقت الملف حين دخل الدكتور سامر.تأمل الأوراق أمامها وسألها: «جاهزة؟»أجابت: «جاهزة للعرض، لكن مش متأكدة إنهم هيوافقوا على كل التعديلات.»جلس قبالتها وقال: «مش مطلوب منك تدخلي الاجتماع وإنتِ ضامنة الموافقة. المطلوب تدخليه وإنتِ فاهمة إنتِ بتطلبي إيه، وليه، وإيه البديل لو الطلب اترفض.»هزت رأسها، ثم قالت: «أكتر حاجة شاغلاني إنهم يوافقوا على التوسع قبل ما تكون عندنا معلومات كفاية، لمجرد إن الفكرة شكلها ناجح على الورق.»«إذن لا تسمحي للحماس أن يتقدم على الدليل. وفي المقابل، لا تجعلي خوفك من المبالغة يمنعك من عرض ما أنجزتموه فعلًا.»كانت كلماته بسيطة، لكنها أعادت ترتيب أفكارها. لم يكن عليها أن تقلل من قيمة عمل الفريق كي تبدو حذرة، ولا أن تضخم النتائج كي تقنع الإدارة بأهمية المشروع.بدأ الاجتماع بحضور رؤساء الأقسام وممثل الإدارة العليا، الذي استمع
هدأت ملامحها. «عارفة يا آدم. وعلشان كده خلينا نرتب وقت نتكلم فيه بعد ما نخلص إحنا الاتنين، مهما كانت النتيجة. مش لازم نكون موجودين في كل لحظة عشان نفضل جزءًا من حياة بعض.»قال مبتسمًا: «إنتِ بتتكلمي كأنك بتكتبي توصيات لمشروع.»«لأنك لو سبت الموضوع من غير خطة هتفضل تبعت لي رسالة كل ساعتين تسألني إذا كنت زعلانة.»ضحك بصوت واضح هذه المرة. «مش كل ساعتين.»«كل ساعة ونص؟»«هنناقش النقطة دي بعد التقييم.»أنهيا المكالمة باتفاق بسيط: كل منهما يلتزم بموعده، ثم يتحدثان مساءً مهما تأخرت النتائج، من دون وعود بأن يكون اليوم سهلًا أو أن تسير الأمور كما يتمنيان.مرّت الأيام التالية بسرعة. راجعت ليان العرض مع الدكتور سامر، الذي أصر على أن تضع في بدايته جملة تحدد نطاق المشروع، لا في آخره حيث قد لا ينتبه إليها الحضور. كما طلب منها أن تجهز إجابة عن سؤال متوقع: هل يمكن تطبيق النموذج نفسه في الأقسام المختلفة من دون تعديل؟قال لها في مكتبه: «التوسع مش معناه إننا ننسخ نفس الخطوات في كل مكان. طبيعة المرضى، وعدد الزيارات، وقدرة الفريق، كلها عوامل ممكن تغيّر طريقة التنفيذ.»أجابته: «هعرض خطة أساسية مشتركة، لكن
لم تكن ليان تخشى الوقوف أمام مجموعة من الأطباء بقدر ما كانت تخشى أن تُفهم كلماتها على غير معناها، فالأرقام حين تُعرض في اجتماع رسمي قد تبدو أكثر حسمًا مما هي عليه في الواقع، والنتائج الأولية مهما بدت مشجعة لا تمنح أحدًا الحق في إعلان نجاح لم يكتمل بعد. لهذا بدأت إعداد عرضها قبل موعد الاجتماع بأسبوعين، وكتبت في أعلى الصفحة الأولى عبارة ظلت تعود إليها كلما شعرت برغبة في تزيين النتائج: «ما الذي نعرفه فعلًا، وما الذي ما زلنا بحاجة إلى معرفته؟»دخلت مريم غرفة الفريق تحمل كوبين من القهوة، ووضعت أحدهما أمامها وهي تتفحص الشاشة.«أنتِ لسه عند الشريحة الأولى؟»رفعت ليان عينيها إليها. «من ساعة تقريبًا.»«وإيه اللي محتاج ساعة في عنوان؟»أشارت ليان إلى الجملة المكتوبة. «لأن لو بدأنا العرض بنتائج مشجعة، الناس ممكن تخرج بانطباع إن النموذج أثبت فعاليته. إحنا أثبتنا إن تطبيقه ممكن في نطاق محدود، لكن لسه ما نقدرش نقول إنه حسّن الالتزام بالمواعيد أو غيّر نتائج المرضى.»جلست مريم إلى جوارها. «يبقى قولي ده بوضوح، بدل ما تفضلي تحاولي تحمي الناس من احتمال إنهم يفهموا غلط.»ابتسمت ليان ابتسامة صغيرة. «المشكل
لم تنتقده أمام زملائه، بل انتظرته حتى انتهى من مقابلة المريض، ثم تحدثت معه على انفراد.قالت: «أنا عارفة إن الضغط كبير، لكن محتاجين نتأكد إن المريض فهم الخطوات الأساسية، مش بس إننا شرحناها له.»أجابها الرجل بتعب: «أنا بحاول أخلص كل الحالات في الوقت المحدد، وأحيانًا بيكون فيه مرضى كتير مستنيين.»«فاهمة، وعشان كده لازم نشوف طريقة عملية تناسب وقتكم. ممكن نستخدم قائمة مختصرة بالنقاط الأساسية، ونراجعها مع المريض في نهاية المقابلة، بدل ما نعتمد على الشرح الشفهي وحده.»فكر قليلًا ثم قال: «لو النموذج واضح ومش طويل، هيساعدنا فعلًا.»«هنجربه مع الفريق، ونشوف إذا كان مناسبًا. مش هنضيف إجراء جديد قبل ما نتأكد إنه قابل للتطبيق.»عندما نقلت الفكرة إلى اجتماع الفريق، وافق الدكتور كريم على إعداد نموذج تجريبي ومراجعته مع العاملين في القسم. كانت ليان سعيدة لأن النقاش لم يعد يدور حول الأرقام وحدها، بل أصبح مرتبطًا بكيفية تحسين العمل اليومي دون تحميل العاملين أعباء غير واقعية.وفي نهاية الأسبوع، أرسل آدم إليها نسخة من عرضه التدريبي.كتب: «عايز رأيك بصراحة، مش مجاملة.»فتحت الملف وبدأت مراجعته. كان العرض م
لم تنتقده أمام زملائه، بل انتظرته حتى انتهى من مقابلة المريض، ثم تحدثت معه على انفراد.قالت: «أنا عارفة إن الضغط كبير، لكن محتاجين نتأكد إن المريض فهم الخطوات الأساسية، مش بس إننا شرحناها له.»أجابها الرجل بتعب: «أنا بحاول أخلص كل الحالات في الوقت المحدد، وأحيانًا بيكون فيه مرضى كتير مستنيين.»«فاهمة، وعشان كده لازم نشوف طريقة عملية تناسب وقتكم. ممكن نستخدم قائمة مختصرة بالنقاط الأساسية، ونراجعها مع المريض في نهاية المقابلة، بدل ما نعتمد على الشرح الشفهي وحده.»فكر قليلًا ثم قال: «لو النموذج واضح ومش طويل، هيساعدنا فعلًا.»«هنجربه مع الفريق، ونشوف إذا كان مناسبًا. مش هنضيف إجراء جديد قبل ما نتأكد إنه قابل للتطبيق.»عندما نقلت الفكرة إلى اجتماع الفريق، وافق الدكتور كريم على إعداد نموذج تجريبي ومراجعته مع العاملين في القسم. كانت ليان سعيدة لأن النقاش لم يعد يدور حول الأرقام وحدها، بل أصبح مرتبطًا بكيفية تحسين العمل اليومي دون تحميل العاملين أعباء غير واقعية.وفي نهاية الأسبوع، أرسل آدم إليها نسخة من عرضه التدريبي.كتب: «عايز رأيك بصراحة، مش مجاملة.»فتحت الملف وبدأت مراجعته. كان العرض م






