Home / المدينة / «نبضٌ لا يُرى» ❤️ / : حين يقترب الخطر

Share

: حين يقترب الخطر

last update publish date: 2026-08-27 03:44:09

الفصل السادس

"لو روحت، ممكن حياتنا كلها تتغير."

ظلت جملة آدم معلقة بينهما، وكأنها خرجت منه دون أن يفكر، لكنها كانت أثقل من أن تمر كأي جملة عابرة. نظرت إليه ليان طويلًا، ثم قالت بهدوء: "ولو ما روحتش؟"

لم يجب.

"آدم، بصلي."

رفع عينيه إليها.

"لو ما روحتش، هيفضل الشخص ده يهددك؟"

"مش عارف."

"وهتفضل عايش طول الوقت وأنت مستني تعرف مين وراه؟"

سكت.

اقتربت منه خطوة وقالت: "أنا مش هقولك روح، ومش هقولك متروحش. بس لو هتروح، متروحش لوحدك."

هز رأسه بسرعة. "لا."

"ليه؟"

"لأن لو الشخص ده فعلًا عايز ينتقم، وجودك معايا هيعرضك للخطر."

"وأنا من إمتى بسمع كلامك؟"

نظر إليها باستغراب، فضحكت رغم توترها. "وبعدين أنت بنفسك قلت إننا مش غرباء."

لم يستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور على وجهه، لكنها اختفت سريعًا.

"ليان، الموضوع مش لعبة."

"عارفة."

"ممكن يكون خطر."

"عارفة."

"ممكن يحصل حاجة."

"وأنا عارفة."

ظل ينظر إليها، ثم قال: "إنتِ عنيدة بشكل مستفز."

"وأنت متعود تاخد كل حاجة لوحدك."

صمت للحظة، ثم قال: "هروح."

"وأنا هاجي معاك."

"لا."

"يبقى مش هتروح."

نظر إليها بضيق. "إنتِ بتساوميني؟"

"آه."

"ليان!"

"آدم!"

ظل الاثنان ينظران إلى بعضهما، حتى ابتسمت ليان رغما عنها. لم يكن الموقف مضحكًا، لكنهما احتاجا إلى شيء يكسر الخوف الذي سيطر عليهما.

قال آدم أخيرًا: "هقولك المكان، لكن مش هتيجي."

"نشوف."

"ليان."

"قول المكان."

أخرج هاتفه، ونظر إلى الرسالة مرة أخرى. كان الموعد في العاشرة مساءً، في مبنى قديم على أطراف المدينة، مكان مهجور كان يستخدم منذ سنوات كمخزن تابع لإحدى الشركات. لم يكن المكان قريبًا من الجامعة، ولا من سكن الطلاب.

قالت ليان: "المكان ده لوحده يخوف."

"عشان كده مش هتيجي."

"أنت اللي هتروح هناك لوحدك."

"أيوه."

"وده مش خوف؟"

لم يجد جوابًا.

في تلك الليلة، عاد كل واحد منهما إلى غرفته، لكن أيا منهما لم يستطع النوم. ليان كانت تفكر في الرسالة، وفي الماضي الذي ظهر فجأة في حياة آدم، وفي نادين وكريم والحادثة التي لم تكن تعرف عنها شيئًا حتى وقت قريب. أما آدم فكان يجلس أمام النافذة، والهاتف بجواره، يعيد قراءة الرسالة نفسها.

"لو عايز تعرف الحقيقة، تعالى لوحدك الليلة."

كان يعرف أن الذهاب قد يكون فخًا، لكنه كان يعرف أيضًا أن تجاهل الأمر لن يجعله يختفي.

عند التاسعة والنصف، ارتدى آدم سترته وخرج من غرفته بهدوء. لم يخبر يوسف، ولم يخبر أي شخص. لكنه عندما وصل إلى أسفل المبنى، وجد ليان تقف بجوار البوابة.

توقف.

"إنتِ بتعملي إيه هنا؟"

رفعت حاجبها. "مش قولتلك؟"

"ليان، ارجعي."

"لا."

"أنا هكلمك بجد."

"وأنا كمان."

اقترب منها وقال بصوت منخفض: "أنا مش عايزك تيجي."

"وأنا مش عايزة أسيبك تروح."

"إنتِ مش فاهمة."

"فاهمة أكتر مما تتخيل."

نظر إليها للحظات، ثم أخرج هاتفه واتصل بيوسف.

"ألو؟"

جاء صوت يوسف النعسان: "آدم؟ إنت عارف الساعة كام؟"

"اسمعني كويس. أنا وليان خارجين لمكان، ومحتاجك تعمل حاجة."

استيقظ يوسف تمامًا. "إنت وليان؟ خارجين فين؟"

"مش مهم دلوقتي. هبعتلك اللوكيشن. لو مفيش أي اتصال مني خلال نص ساعة، بلغ الشرطة."

سكت يوسف للحظات.

"إنت بتتكلم جد؟"

"آه."

"آدم، إيه اللي بيحصل؟"

"هفهمك بعدين."

أغلق الهاتف.

نظرت إليه ليان وقالت: "كده أحسن."

"مش عارف."

"على الأقل لو حصل حاجة حد هيعرف إحنا فين."

ركبا سيارة أجرة، وظلا طوال الطريق صامتين. كانت المدينة هادئة بشكل غريب، والطرقات شبه خالية. كلما ابتعدا عن وسط المدينة، قل عدد السيارات والمباني، حتى أصبح الطريق مظلمًا إلا من أضواء متقطعة.

قال آدم: "لو طلبت منك ترجعي، ترجعي."

"حسب."

"حسب إيه؟"

"حسب الطلب."

ضحك رغمًا عنه.

قالت: "إيه؟"

"ولا حاجة. بس لأول مرة أحس إنك ممكن تكوني أخطر من اللي هنقابله."

"شكرًا."

وصلوا إلى المكان قبل العاشرة بدقائق. نزل آدم أولًا، ثم نظر حوله. كان المبنى قديمًا، بابه الحديدي نصف مفتوح، والشارع خاليًا تمامًا.

قال: "خليكي هنا."

"آدم."

"المرة دي بجد."

أمسكت بذراعه قبل أن يدخل. "خد بالك من نفسك."

نظر إلى يدها، ثم إلى عينيها.

"هحاول."

دخل المبنى.

كانت ليان واقفة بالخارج، تحاول أن تبدو هادئة، لكنها كانت تسمع دقات قلبها بوضوح. مرت خمس دقائق. ثم عشر.

أخرجت هاتفها.

لا توجد رسالة.

اتصلت به.

لم يرد.

اتصلت مرة أخرى.

ظل الهاتف يرن.

ثم انقطع الاتصال.

شعرت بالخوف.

أرسلت ليوسف: "آدم مش بيرد."

جاء الرد فورًا: "أنا بلغت، خليكِ في مكان آمن."

رفعت عينيها إلى المبنى.

لم تستطع البقاء.

دخلت.

كان المكان مظلمًا إلا من ضوء ضعيف يأتي من آخر الممر. مشت بحذر، وهي تنادي بصوت منخفض: "آدم؟"

لا جواب.

سمعت صوتًا في غرفة قريبة.

اقتربت.

كان الباب مفتوحًا قليلًا.

دفعت الباب.

وجدت آدم واقفًا أمام رجل لم تره من قبل.

لكن الرجل كان يبتسم.

وعندما رأى ليان، قال: "كنت متأكد إنها هتيجي."

استدار آدم بسرعة.

"ليان! اطلعي بره!"

تراجعت خطوة.

قال الرجل: "لا، خليها. هي أصلًا جزء من الموضوع دلوقتي."

نظرت ليان إلى آدم.

كان وجهه شاحبًا.

قال آدم للرجل: "إنت عايز إيه؟"

ضحك الرجل بهدوء.

"لسه بتسأل؟ بعد كل السنين دي؟"

"قول."

"عايزك تعترف."

"أعترف بإيه؟"

"بالحقيقة."

"أنا قلت كل اللي أعرفه."

"لأ."

اقترب الرجل منه.

"أنت قلت إن كريم كان سايق. قلت إنك كنت مجرد واحد من الموجودين. لكنك نسيت حاجة."

تجمد آدم.

"إيه؟"

"إن العربية قبل ما تتحرك كانت معاك."

نظرت ليان إلى آدم.

قالت: "إيه؟"

لم يجب.

الرجل ابتسم.

"قولها يا آدم."

قال آدم بصوت منخفض: "مش بالشكل ده."

"أمال إزاي؟"

"أنا أخدت العربية عشان أرجع حاجة."

"وبعدين؟"

"رجعتها."

"مين كان جواها؟"

صمت آدم.

قال الرجل: "سامر."

أغمض آدم عينيه.

شعرت ليان أن كل شيء ينهار حولها.

قالت: "آدم..."

رفع يده دون أن ينظر إليها.

"متتكلميش."

قال الرجل: "كنت آخر شخص شاف سامر قبل الحادث."

"أنا كنت بحاول أساعده."

"لكن حصلت الحادثة."

"أنا عارف."

"وكنت تقدر تنقذه."

رفع آدم عينيه إليه.

"كنت عندي سبع دقايق."

"سبع دقايق؟"

"أيوه."

"وكان ممكن تنقذه."

انخفض صوت آدم.

"أنا وصلت متأخر."

لم تعد ليان قادرة على الصمت.

"إيه اللي حصل؟"

نظر إليها آدم.

كانت عيناه ممتلئتين بشيء لم تره فيهما من قبل.

قال: "بعد الحادثة، العربية وقفت بعيد عن مكان الحادث. أنا رجعت للمكان لما سمعت صوت الخبطة. لقيت سامر مصاب. حاولت أطلعه، بس..."

توقف.

"بس إيه؟"

"مات قدامي."

ساد الصمت.

حتى الرجل لم يتكلم.

بعد لحظات قال آدم: "أنا مش قتله."

"لكن سكوتك خلّى كريم يهرب."

رفع آدم رأسه.

"كريم هرب لأنه خاف."

"وأنت سكت."

"أيوه."

"ليه؟"

لم يجب.

تقدم الرجل خطوة.

"عشان كنت خايف تخسر مستقبلك."

كانت الجملة كأنها صفعة.

خفض آدم عينيه.

قال الرجل: "وده هو ذنبك الحقيقي."

فجأة سمعوا صوت سيارات في الخارج.

رفع الرجل رأسه.

قال آدم: "مين دول؟"

ابتسم الرجل.

"مش الشرطة."

ثم أطفأ النور.

صرخت ليان.

أمسك آدم بيدها فورًا.

"تعالي."

بدأوا يتحركون في الظلام.

سمعت ليان أصوات أقدام تقترب من المبنى.

قال آدم: "هنطلع من الباب الخلفي."

"والراجل؟"

"سيبيه."

"آدم!"

"دلوقتي لازم نمشي."

ركضا في ممر ضيق، ثم وصلا إلى باب خلفي. فتحه آدم، وخرجا إلى مساحة خالية خلف المبنى.

كان هناك سور منخفض.

ساعدها على عبوره، ثم قفز خلفها.

بدأا يركضان دون أن يعرفا إلى أين.

بعد عدة دقائق توقفا خلف مبنى آخر.

كانت ليان تلهث بشدة.

قالت: "إحنا... هنموت من كتر الجري."

ضحك آدم رغم كل شيء.

"معلش."

نظرت إليه.

"إنت بتضحك؟"

"عشان لو فكرت في اللي حصل هتجنن."

قالت: "أنا أصلًا اتجننت."

جلسا على الأرض للحظات.

كانت السماء فوقهما مظلمة، والمدينة من حولهما بدأت تستعيد ضوضاءها تدريجيًا.

قالت ليان: "أنا عايزة أعرف كل حاجة."

نظر إليها.

"كل حاجة؟"

"آه."

"ممكن تكرهيني."

"مش هكرهك."

"إنتِ مش عارفة."

"يمكن. بس أنا عارفة إنك كنت طفل وقتها."

"كنت في آخر المدرسة."

"بالنسبة لي ده لسه صغير."

ابتسم بحزن.

ثم قال: "أنا سكت لأن الشرطة وقتها كانت بتسأل عن اللي حصل، وأنا خفت. خفت يقولوا إني السبب. خفت أهلي يعرفوا. خفت كل حاجة تضيع. فقلت لنفسي إن كريم هو اللي كان سايق، وده صحيح، وإن أنا ماليش ذنب. لكن الحقيقة إن كان عندي فرصة أقول إن العربية كان فيها عطل قبل الحادث، وأنا ما قلتش."

"ليه؟"

"لأن العطل كان بسبب حاجة أنا عملتها."

رفعت ليان رأسها.

"إيه؟"

"كنت بحاول أصلح جزء في العربية قبل ما نخرج. عملت حاجة غلط."

سكتت.

"يعني أنت تسببت في العطل؟"

هز رأسه.

"مش متأكد. بس ممكن."

كان الصمت طويلًا.

قالت ليان: "وده سبب إنك دخلت طب؟"

"يمكن عشان أفضل طول عمري أحاول أصلح حاجة."

نظرت إليه، ثم قالت: "بس مش كل حاجة ينفع تتصلح."

"عارف."

"وفي حاجات لازم نسامح نفسنا عليها."

نظر إليها.

"إنتِ مسامحاني؟"

سكتت.

"أنا معرفش إذا كنت محتاج أسامحك."

ابتسم بخفة.

"ليه؟"

"لأنك ما أذيتنيش."

ظل ينظر إليها.

قالت: "إنت أذيت نفسك كفاية."

لم يعرف ماذا يقول.

في تلك اللحظة وصلته رسالة.

فتح الهاتف.

كانت من رقم مجهول.

"مبروك. عرفت أول جزء."

ثم رسالة أخرى.

"لكن لسه ماعرفتش مين اللي قتل سامر."

تغير وجه آدم.

أعطى الهاتف إلى ليان.

قرأت الرسالة.

"هو مات بسبب الحادث، صح؟"

قال آدم: "أيوه."

"يبقى ليه بيقول قتل؟"

لم يجب.

ثم وصلته صورة.

فتحها.

كانت صورة لمكان الحادث القديم.

وفي زاوية الصورة، ظهر شخص يقف بعيدًا عن السيارة.

قال آدم: "الصورة دي مش موجودة في التحقيق."

اقتربت ليان من الهاتف.

"مين ده؟"

كبّر الصورة.

كان الوجه غير واضح، لكن الملابس كانت واضحة.

سترة سوداء.

وحقيبة رمادية.

قالت ليان: "ممكن يكون حد من الشرطة."

هز رأسه.

"لا."

"ليه؟"

"عشان أنا شفت الشخص ده."

"إمتى؟"

رفع عينيه إليها.

"يوم الحادث."

تجمدت ليان.

قالت: "مين هو؟"

نظر آدم إلى الصورة مرة أخرى.

ثم قال بصوت منخفض:

"والد كريم."

في اللحظة نفسها، توقفت سيارة سوداء على بعد أمتار منهما.

فتح بابها.

نزل رجل في منتصف الخمسينات.

نظر إليهما مباشرة.

لم يكن يحمل سلاحًا، ولم يقترب بسرعة، لكنه كان يعرفهما.

قال آدم: "هو."

وقفت ليان.

"ده والد كريم؟"

هز رأسه.

اقترب الرجل ببطء.

قال: "آدم."

تراجع آدم خطوة.

"إنت عايز إيه؟"

نظر الرجل إلى ليان.

ثم قال: "عايز الحقيقة."

"أي حقيقة؟"

"الحقيقة اللي ابني مخبيها عنك."

"كريم هو اللي كان سايق."

ابتسم الرجل.

"أنت لسه فاكر إن ابني هو اللي كان بيسوق العربية وقت الحادث؟"

صمت آدم.

قال الرجل:

"كريم كان في المستشفى قبل الحادث بساعات."

اتسعت عينا آدم.

"إيه؟"

"واللي كان سايق العربية يومها... ماكانش كريم."

شعرت ليان أن الأرض تحركت تحت قدميها.

أما آدم، فلم يستطع الكلام.

كان كل ما يعتقد أنه يعرفه عن تلك الليلة ينهار أمامه قطعة قطعة.

ثم قال الرجل جملة واحدة جعلت آدم يشعر بأن الماضي كله عاد ليطارده:

"الشخص اللي كان سايق العربية مات في الحادث... لكن كريم نجا."

سكت.

ثم أضاف:

"وإنت كنت أول واحد شاف الحقيقة، لكنك ماكنتش فاهمها."

في تلك اللحظة، فهم آدم أن السنوات الثلاث الماضية لم تكن مبنية على الحقيقة التي عاش بسببها، بل على كذبة كبيرة.

وأن الشخص الذي مات لم يكن الشخص الذي ظنه الجميع.

وأن سر الحادث الحقيقي لم يبدأ ليلة وقوعه.

بل بدأ قبلها بساعات.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • «نبضٌ لا يُرى» ❤️   39

    والامتحان هيخلص." ثم أضاف: "لكن صحتك لو أهملتيها ممكن تدفعك تمن أكبر." خرجت ليان وهي تفكر. كان الطب أحيانًا لا يتعلق بإنقاذ شخص من الموت. أحيانًا يتعلق بمنع شخص من الوصول إلى مرحلة خطيرة. في الجامعة، كان يوسف يواجه مشكلة مختلفة. كان لديه عرض مهم، لكن أحد أعضاء الفريق لم يكن يقوم بدوره. قال يوسف: "أنا مش هعمل شغله." قالت نور: "طب هتعمل إيه؟" "هسيبه." "والعرض؟" "يتصرف." قالت: "يبقى أنت هتعاقب نفسك معاه." سكت. "طب أعمل إيه؟" "كلمه." ذهب يوسف إلى زميله. قال: "إنت مش عامل الجزء بتاعك." "عارف." "طب ليه؟" "عندي مشكلة في البيت." سكت يوسف. لم يتوقع ذلك. "كان ممكن تقول." "مش بحب أقول." "طيب خلينا نحلها." جلسا معًا، وقسما المهمة. عاد يوسف إلى المجموعة. قالت نور: "إيه اللي حصل؟" "حليناها." "من غير خناقة؟" "من غير." ابتسمت. "كبرت." "مش قوي." ضحكت. أما مريم، فكانت تدرس موضوعًا جديدًا في البحث. بدأت تهتم بالصحة النفسية لطلاب الطب. كانت ترى كيف يتحدث الجميع عن المذاكرة والدرجات، بينما نادرًا ما يتحدث أحد عن الضغط النفسي. عرضت فكرتها على الدكتور عمر. استمع إليها. ثم قال: "مهمة." "بس؟" "مهمة وصعبة." "ل

  • «نبضٌ لا يُرى» ❤️   38

    قال بهدوء: "أنا كمان خايف." كانت أول مرة يعترف فيها بذلك. لم تقل شيئًا. لكن المكالمة استمرت طويلًا. في نهاية الشهر، بدأ آدم يستعد للعودة. كان قد تعلم الكثير. وأصبح أكثر ثقة في نفسه. لكن قبل عودته بيوم، حدث شيء لم يكن في حسابه. طلب منه الطبيب المسؤول أن يحضر اجتماعًا صغيرًا. جلس أمامه. قال الطبيب: "إنت عندك قدرة كويسة." "شكرًا." "وعايز أعرض عليك فرصة." رفع آدم عينيه. "إيه؟" "ممكن تكمل معنا فترة أطول." توقف. كان العرض مغريًا. تدريب إضافي. خبرة أكبر. وعلاقات مهنية قد تفيده في المستقبل. لكن ذلك يعني تأجيل عودته. قال: "قد إيه؟" "شهرين إضافيين." سكت. ثم قال: "محتاج أفكر." "فكر." خرج آدم من المكتب. أول شخص فكر فيه كان ليان. اتصل بها. "فاضية؟" "آه." "عندي حاجة." "خير؟" حكى لها. سكتت. قال: "قولي رأيك." "إنت عايز إيه؟" "مش عارف." "لأ. إنت عارف." تنهد. "نفسي أكمل." "يبقى كمل." "بس..." "مفيش بس." "إنتِ مش هتزعلي؟" "هزعل." صمت. ثم قالت: "بس مش هطلب منك تسيب فرصة عشان أنا." أغمض عينيه. "أنا بحبك." سكتت. كانت الجملة هذه المرة مختلفة. لم تكن تلميحًا. ولا مزحة. ولا اعترافًا نصف واضح. كانت مباشرة. قالت

  • «نبضٌ لا يُرى» ❤️   37

    عندما تبدلت الأدوار لم تستطع ليان أن تمنع نفسها من الضحك وهي تنظر إلى آدم. قالت: "يعني أنا رجعت عشان ألاقيك مسافر؟" ابتسم: "تقريبًا." "طب ماشي." "زعلانة؟" "لأ." "كدابة." "أنا؟ مستحيل." ضحك يوسف من خلفهما. "إحنا ممكن نمشي ونسيبكم تتخانقوا براحتكم." التفتت ليان إليه. "محدش طلب منك تتكلم." قال يوسف: "أنا مجرد شاهد." قالت نور: "شاهد على إيه؟" "على إن الاتنين دول محتاجين يتعلموا إن التوقيت مش دايمًا بيكون في صالحهم." ضحك الجميع، بينما اكتفت ليان بالنظر إلى آدم. كانت سعيدة من أجله، لكنها لم تستطع تجاهل ذلك الشعور الغريب الذي تسلل إليها. بعد أسابيع من البعد، كانت تتمنى أن تستعيد الأيام التي كانا يلتقيان فيها كل يوم، والآن سيبدأ هو رحلة جديدة في المكان الذي عاشت فيه هي أصعب وأهم أسابيع تدريبها. قالت: "إمتى مسافر؟" "بعد ثلاثة أيام." "هتفضل هناك قد إيه؟" "شهر." تنفست ببطء. "شهر واحد." "آه." "كويس." "مش باين." ضحكت. "أنا بس لسه راجعة." في تلك الليلة، عادت ليان إلى منزلها وهي تحمل حقيبتها الصغيرة. كانت والدتها تنتظرها في غرفة المعيشة. "تعالي هنا." احتضنتها طويلًا. "وحشتيني." "وإنتِ كمان." جلست ل

  • «نبضٌ لا يُرى» ❤️   36

    كتبت له: "إنت مشغول؟" تأخر في الرد. بعد ساعتين كتب: "آسف، اليوم كان طويل." "ولا يهمك." "إنتِ كويسة؟" "آه." لم تكتب أكثر. كانت تريد أن تقول له إنها تفتقده. لكنه لم يسأل. وفي الجهة الأخرى، كان رامي يجلس وحده بعد يوم طويل. فتح محادثتها. كتب: "أنا مش عارف أتكلم زي الأول." ثم مسح الرسالة. لم يكن يعرف هل السبب المسافة أم الضغط أم خوفه من أن يبدأ علاقة لا يعرف كيف يحافظ عليها. في منتصف تدريب ليان، حدث موقف جعلها تتذكر لماذا اختارت الطب. دخلت طفلة صغيرة إلى القسم مع والدها. كانت خائفة جدًا من المستشفى. اقتربت منها ليان. "اسمك إيه؟" اختبأت خلف والدها. قال الأب: "اسمها ملك." "ملك؟ اسم جميل." نظرت إليها الطفلة. أخرجت ليان قلمًا صغيرًا من جيبها. "تحبي نرسم؟" ترددت. ثم أخذت القلم. بدأت ترسم. بعد دقائق، هدأت. قال الأب: "أنا مش عارف أشكرك إزاي." قالت ليان: "هي بس كانت محتاجة حد يطمنها." في نهاية اليوم، قال لها الطبيب: "إنتِ عندك حاجة مهمة." "إيه؟" "بتعرفي تخلي المريض يحس إنه إنسان مش رقم." ابتسمت. "دي حاجة كويسة؟" "دي من أهم الحاجات." تلك الليلة، اتصلت بوالدتها. حكت لها عن يومها. ثم اتصلت بآدم. قالت

  • «نبضٌ لا يُرى» ❤️   35

    الفصل الثلاثون: المسافة التي كشفت أشياء كثيرة لم تكن ليان تعرف أن بعض القرارات لا تخيفنا بسبب القرار نفسه، وإنما بسبب الأشياء التي قد تتغير بعده. منذ أن وافقت على التدريب خارج الجامعة، وهي تتحرك بين الحماس والقلق. كانت تتخيل المستشفى الجديد، الأطباء الذين ستتعلم منهم، الحالات المختلفة، والمهارات التي يمكن أن تكتسبها، ثم فجأة تتذكر أنها ستبتعد شهرين كاملين عن كل شيء اعتادت عليه. عن الجامعة. عن أصدقائها. وعن آدم. في صباح السفر، وقفت أمام المرآة ترتب حقيبتها للمرة الأخيرة. دخلت والدتها الغرفة وقالت: "خلصتي؟" "تقريبًا." نظرت الأم إلى الحقيبة. "إنتِ واخدة نص البيت معاكي؟" ضحكت ليان. "شهرين يا ماما." "شهرين مش سنة." "أنا بحب أكون مستعدة." ابتسمت والدتها. "أهم حاجة تكوني مستعدة نفسيًا." سكتت ليان. كانت هذه تحديدًا المشكلة. في نفس الوقت، كان آدم يجلس أمام والده. قال والده: "فكرّت في كلامي؟" "أيوه." "والنتيجة؟" "هكمل طب." تنهد والده. "إنت مصمم؟" "آه." "حتى لو الطريق طويل؟" "حتى لو." سكت والده طويلًا. ثم قال: "أنا مش ضدك." نظر آدم إليه. "أمال؟" "أنا خايف عليك." كانت الجملة أبسط مما توقع. "من إي

  • «نبضٌ لا يُرى» ❤️   34

    مع إحدى الحالات التدريبية. قال يوسف: "لازم نتحرك أسرع." ردت ليان: "بس ناقصنا معلومات." "هنضيع وقت." "ولو استعجلنا هنغلط." تدخل آدم: "خلونا نقسمها." نظر إليه يوسف. "إزاي؟" "إنت تجمع المعلومات، ليان تراجع الحالة، وأنا أرتب الخطوات." قالت نور: "وأنا هكتب." هدأ الخلاف. بعد انتهاء التدريب، قال يوسف لليان: "أنا آسف." نظرت إليه. "على إيه؟" "كنت متوتر." ابتسمت. "وأنا كمان." قال: "بس إنتِ عندك حق." "وإنت عندك حق في نقطة السرعة." ابتسم. "يبقى اتعلمنا." في تلك الليلة، وصل اتصال إلى مريم من رامي. ترددت قبل أن تجيب. "ألو؟" "إزيك؟" "كويسة." "أنا رجعت المدينة يومين." اتسعت عيناها. "رجعت؟" "أيوه." "ليه ما قلتش؟" ضحك. "كنت عايز أفاجئكم." "إنت مجنون." "عارف." "هتقابلنا؟" "أكيد." في اليوم التالي، دخل رامي الجامعة فجأة. كان يوسف أول من رآه. صرخ: "رامي!" التفت الجميع. ركض يوسف نحوه واحتضنه. "إيه يا عم؟" "وحشتوني." قالت نور: "اختفيت." "أسبوعين بس." قالت: "بالنسبة لنا كتير." أما مريم، فكانت واقفة بعيدًا. اقترب منها. "إزيك؟" "كويسة." "بس؟" "بس." ابتسم. "وحشتيني." خفضت عينيها. "إنت كمان." لم يحتج أي منهما إلى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status